نورٌ من سوادِ الحَلَك!

‏قرأتُ مقالة بديعة لصاحبِ الحِس المُرهف، والذوق الرفيع، والمَلَكة الفريدة المُعبِّرة عن المعنى الإنسانيِّ السامي؛ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله تعالى، فلَمْ أُرد أن أستأثر بها دونكم، وأحببتُ أن تشاركني أرواحكم قراءتها. وإنِّي أرجو أن تُحرِّك في نفوسكم ما حرَّكته في نفسي. «تنبيه: لقد تصرَّفتُ بها واختصرتها».

«الرحمة».

يَسْتَهِلُّ المنفلوطي مقالته السامِقة، بقوله:

سأكونُ في هذهِ المرة شاعرًا بلا قافية ولا بحر، لأني أريدُ أنْ أخاطِب القلب وجهًا لوجه، ولا سبيل إلى ذلك إلا الشِّعر.

إن البُذور تُلقى في الأرضِ فلا تنبت إلا إذا حرثَ الحارِث تُربتها، وجعلَ عاليها سافلها؛ كذلكَ القلب لا تبلغ منه العِظة إلا إذا داخلته، وتخللت أجزاءه، وبلغت سويداءه، ولا محراث للقلبِ غير الشِّعر. أيها الرجل السعيد: كُن رحيمًا، أشعِر قلبكَ الرحمة، ليكُن قلبكَ الرحمة بعينها.

ستَقول: إنِّي غير سعيد، لأنَّ بين جنبي قلبًا يُلمُّ بهِ مِن الهمِّ ما يُلم بغيرهِ من القلوب، أجل. فليكُن ذلك كذلك، ولكن أطعِم الجائع، واكس العاري، وعَزِّ المَحزون، وفرِّج كربة المكروب، يكُن لكَ من هذا المَجموعِ البائسِ خير عزاءٍ يعزِّيك عن همومِك وأحزانك.

«ولا تَعجب أنْ يأتيك النُّور من سوادِ الحَلَك، فالبدر لا يطلع إلا إذا شق رِداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من مهدِ الظلام». لقد بَلِيَت اللذات كُلها، ورثَّت حبالها، وأصبحت أثقل على النفسِ من الحديثِ المُعاد، ولم يبقَ ما يعزِّي الإنسان عنها إلا لذة واحدة: هيَ «لذة الإحسان».

إنّ مَنظر الشاكِر منظرٌ جميلٌ جذاب. أحسِن إلى الفُقراء والبائسين، وأعدكَ وعدًا صادقًا أنكَ ستمر في بعضِ لياليكَ على بعضِ الأحياء الخامِلة فتسمع مَن يحدِّث جاره عنك، وأنكَ أكرم مخلوق، وأشرف إنسان، ثم يعقب الثناء عليكَ بالدُّعاءِ لك أن يجزيك الله خيرًا بما فعلت.

تأمل هذهِ الحروف!

ليتكَ تَبكي كُلما وقعَ نظركَ على محزونٍ فتَبتسم سرورًا ببكائك! واغتباطًا بدموعِك، «لأنّ الدُّموع التي تَنحدِر على خديك في مثلِ هذا الموقف إنما هيَ سطورٌ من نور! تُسجل لكَ في تلكَ الصحيفة البيضاء: أنكَ إنسان».

إنّ الرحمة كلِمة صغيرة، ولكن بينَ لفظها ومعنَاها من الفرقِ مثل ما بين الشمس في مَنظرِها، والشمس في حقيقتِها. وإذا وجدَ الحَكيم بين جوانحِ الإنسان ضالته مِن القلبِ الرحيم، وجدَ المُجتمع ضالته من السعادةِ والهناءة.

لو تراحمَ الناس؛ لما كانَ بينهم جائع ولا مَغبون ولا مهضوم. ولأقفرت الجُفون مِن المَدامع، ولا طمأنت الجُنوب في المضاجِع، «ولَمَحت الرحمة الشقاء مِن المُجتمعِ كما يمحو لِسان الصُّبح مداد الظلام».

الفَرد هو المُجتمع، وإنما يَتعدد بتعدد الصُّوَر. أتدري متى يكون الإنسان إنسانًا؟ متى عَرَفَ هذهِ الحقيقة حق المَعرفة وأشعرها نفسه. إن مِن الناسِ من تكون عنده المعونة الصالِحة للبرِّ والإحسان فلا يفعل. فإذا مشى مشى مندفعاً مندلثاً لا يلوي على شيء مما حوله من المناظرِ المؤثرة المحزنة. وإذا وقعَ نظره على بائسٍ لا يكون نصيبه منه إلا الإغراق في الضحك سخريةً به وببذاءةِ ثوبه. وإن من الناسِ من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيفَ يحتلب درتهم ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته، لا يطعمها ولا يسقيها إلا لما يترقب من الربحِ في الاتجار بألبانها وأصوافها. (وهذا النوع) لو استطاعَ أن يهدم بيتًا ليربح حجرًا لفعل!

وإن من الناسِ لا حديث له إلا الدينار وأينَ مستقره وكيف الطريق إليه وما السبيل إلى حبسهِ والوقوف في وجههِ والحيطة لفراره. يبيتُ ليله حزيناً كئيباً لأنَّ خزانته ينقصها درهم كانَ يتخيَّل في يقظتهِ أو يحلم في منامهِ أنه سيأتيه فلم يقيض له.

وإنّ من الناسِ من يؤذي الناس لا يَجلب لنفسه بذلكَ مَنفعةً أو يدفع عنها مضرة، بل لأنهُ شرير يدفعهُ طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو ليضرِّي نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة إليه. حتى لو لَمْ يبقَ في العالمِ شخص غيره لكانت نفسه مدب عقاربه وغرض سهامه.

وإنّ مِن الناسِ مَن إذا كشفَ لكَ أنيابه رأيتَ الدم الأحمر يَترقرق فيها، أو عن أظافرهِ رأيتَ تحتها مَخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية، أو عن قلبِهِ رأيتَ حجرًا صلدًا من أحجارِ الغرانيت لا يبضّ بقطرةٍ من الرحمة، ولا تخلص إليه نسمة مِن العظة.

فيا أيها الإنسان؛ احْذر الحذر كله أن تكونَ واحدًا مِن هؤلاءِ فإنهم سباع مُفترسة وذئاب ضارية. بل أعظك ألا تدنو من واحدٍ منهم أو تَعترض طريقه، فرُبما بدا له أن يأكلكَ غير حافل بك، ولا آسف عليك!

أيها الإنسان؛ ارحَم الأرملة التي ماتَ عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبيةٍ صغار، ودموع غزار، ارحمها قبلَ أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبِها فتؤثر الموتَ على الحياة. ارحم ولدكَ وأحسِن القيام على جسمِهِ ونفسه؛ فإنكَ إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنتَ أظلم الظالمين.

ارحَم المرأة الساقِطة لا تُزيِّن لها خلالها، ولا تشتر منها عِرضها؛ علَّها تعجز عن أن تجد مساومًا يُساومها فيهِ فتعود بهِ سالمًا إلى كسرِ بيتها. ارحم الزوجة أم ولدكَ وقعيدة بيتكَ ومرآة نفسك لأنها ضعيفة، ولأنَّ الله قد وكل أمرها إليك، وما كانَ لكَ أن تكذب ثقته بك.

ارحم الحيوان لأنهُ يُحِس كما تُحس، ويَتألم كما تتألم، ويَبكي بغيرِ دموع، ويتوجع ولا يكاد يبين. ارحمهُ وكذِّب من يقول أن الإنسان طُبع على ضرائبِ لؤم، أقلها أنهُ يُقبِّل يد ضاربه، ويضرب من لا يمد إليه يدا. ارحم الطير لا تحبسها؛ دعها تهيم في فضائها، إنَّ الله وهبها فضاء لا نهاية له، فلا تغصبها حقها فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها؛ أطلق سبيلها وأطلع سمعك وبصرك وراءها لتسمع تغريدها فوق الأشجار، وترى منظرها وهي طائرة في جوِّ السماء، فيخيل إليك أنها أجمل من منظرِ الفلك الدائر والكوكب السيار.

وأخيرًا يختم المنفلوطي مقالته:

«أيها السُّعداء. أحْسِنوا إلى البائسين والفُقراء، وامسحوا دموعَ الأشقياء، وارحموا من في الأرضِ يرحمكم من في السماء»(١).

وهُنا أُحبُّ أن أذكر ما قاله الأديب المفكر عبَّاس العقاد عن المنفلوطي رحمهما الله، يكتب نقلاً عن مجلة الثقافة: ”. . فلا يُعرف له نظير بين أعلامِ الأدباء الناثرين من مطلعِ النهضةِ الكتابية قبل مولده إلى ما بعد وفاته، فليسَ بين أدبائنا الناثرين من استطاعَ أن يقرِّب بين أسلوبِ الإنشاء وأسلوب الكتابة كما استطاع صاحب «النظرات» و «العبرات»،

فربما ذهب القصد في الكتابةِ بجمال الإنشاء في أساليبِ الناثرين المجيدين، وربما ذهبَ الأسلوب الإنشائي الجميل بالمعنى المقصود في كتابةِ أدباء الفِكر والتعبير، ولكن المنفلوطي -قبل غيره- هو الذي قارب بين الجمال والصحة على نسقهِ الفصيح في سهولةِ لفظ ووضوح معنى وسلاسة نغم . . ”(٢)

ويطيب لي أيضًا أن أسوق لكم كُليماتٍ ختمَ بها الزيات رحمه الله مقالة كتبها عن المنفلوطي في ذكراه الثالثة عشرة، يقول:

كان المنفلوطي قطعة موسيقية في ظاهره وباطنه؛ فهو مؤتلف الخلق، متلائم الذوق، متناسق الفِكر، متسق الأسلوب، منسجم الزِي، لا تلمح في قوله ولا في فعلهِ شذوذ العبقرية ولا نشوز الفدامة. كان صحيح الفهم في بطء، سليم الفكر في جهد، دقيق الحِس في سكون، هيوب اللسان في تحفّظ. وهذه الخلال تُظهر صاحبها للناس في مظهرِ العيي الجاهل، فهو لذلك كان يتقي المجالس ويتجنب الجدل ويكره الخطابة؛ ومرجع ذلك فيه إلى احتشامِ التربية التقليدية في الأسرة، ونظام التعليم الصامت في الأزهر، وفرط الشعور المرهف بكرامةِ النفس. ولكنك إذا جلستَ إليه رأساً إلى رأس، تسرَّح في كلامه، وتبارى لسانه وخاطره في النقدِ الصريح والرأي الناضج والحكم الموفَّق والتهكم البارع، فلا تشك في أن هذا الذي تحدثه هو المنفلوطي الذي تقرأه. ثم هو إلى ذلك رقيق القلب، عف الضمير، سليم الصدر، صحيح العقيدة، نفاح اليد، موزع العقل والفضل والهوى بين أسرته ووطنيته وإنسانيته . . ”(٣)

(١) الأعمال الكاملة جـ١ صـ٨٨ النظرات جـ١ صـ١٢٤ (٢) مجلة الثقافة لمحمد فريد. [العدد ٩/ ١٧ سبتمبر ١٩٦٣م] (٣) الرِّسالة / العدد ٢١٠ / ١٢ يوليو ١٩٣٧م.

والسلام.

أضف تعليق