
مع دوستويفسكي يدخل المرء أرضًا تنتمي إلى العالمِ الأصيل، إنه يدخل عالمًا صوفياً، بالغ القِدم ومتسمٌ بالعذرية في الوقتِ نفسه، وتتملّك المرء رِعدة حلوة من الخوف، كما يحدث له عند كُل اقتراب من العناصِر الخالِدة!
كيف يبدو محيّاه؟
يبدو محيّاه في البداءةِ كفلّاح. فثمة ألوان طينية، وتنبسط الوجنتان الغائرتان فيما يُشبه القذارة وقد خددتهما آلام كثيرة من السنين، وتتوتر البشرة المتخدِّدة مظلمة محروقة بكثير من الاندفاعات وقد امتصَّ منها الدم واللون شبحُ العِلّة المزمنة التي لبثت عشرين حولا. وعن اليمينِ والشمال تبرز لبنتان قويتان، هما عظما الوجنتين السلافيتان، وعلى الوجه المتسم بالمرارة والذقن المحنيّ تترعرع لحيّة مشعّة كالدغل؛تُربة وصخر وغابة، أرضٌ تتألف على نحوٍ مأساوي من العناصِر الأولى، تلكَ هي أعماق وجه دوستويفسكي!
كل شيءٍ مُظلم وترابي ولا جمال في هذا المحيا الفلاحي الذي يكاد يكون محيّا متسوّل، قطعة مِن العتبات الروسية منثورة على الحجر. تقرأ في ملامحِ هذا الوجه الرخية حالة من الخدر أو التبلد الحسي الخالي من الحياة! وقطعًا قراءتك هذه خاطئة.. وإذا تأمل المرء صورته فإنه لا يشعر إلا بذلك الجبين دائمًا! الجبين العريض، القوي، المَلَكي، ذلك الجبين الذي يزداد إشراقه على نحوٍ مطّرد، ويبدو أنه يتسع كلما ذابَ المحيا الذي بدت عليه الشيخوخة في المرضِ وأضناه الأسى، وينتصب عالياً كسماء، لا يتزعزع فوق خور الجسد المتداعي، إنه مجد الفِكر فوق الحزن الأرضي.
الخوف هو الانطباع الأول الذي يتولى المرء دائمًا تجاه دوستويفسكي، والانطباع الثاني هو «العَظَمة».
إن بداية حياته لهي رمز؛ ففي ملجأ للفقراء يولد فيدور ميخائيليوفيتش دوستويفسكي. وفي الساعةِ الأولى حُدِّد له موضع وجوده في مكانٍ من الجانبِ الآخر للحياة. نعم؛ في الجانبِ المحتَقر منها والقريب من حضيضها، ولكن هذا المكان يقع وسط المصير البشري مجاورًا للآلام والأتراح والموت! لم يُفلت قط من هذا النطاق حتى آخر أيام حياته (إذ مات في حي من أحياء العمال)، وظل طوال سنيّ حياته الـ٥٦ الثقيلة ببؤسهِ وفقره وحرمانه في ملجأ من ملاجئ الحياة.
ينحدر والده وهو الطبيب العسكري من أصلٍ نبيل، وتنحدر أمه من دم فلاحيّ. وهناك في ملجأ الفقراء بموسكو، وفي كوخٍ ضيق كان يتقاسمه مع أخيه، أنفق دوستويفسكي السنين الأولى من حياته، السنين الأولى؛ فلا يجرؤ المرء على أن يقول طفولته، ذلك أن هذا المفهوم مات وتلاشى من حياته في مكانٍ ما.
وفي هذا العالَم الحالك الذي يعيش فيه أخذَ يبحث عن شعلةٍ من نور؛ «لقد هربَ إلى الملاذ الأبدي لكل الناقمين، إلى ملجأ المُهْمَلين، إلى عالم الكُتب الحافل بالألوان والخطر!». قرأ في تلك الأيام مع أخيه كتبا كثيرة لا تُحصى، مما جعله يغوص بعمق في بحرِ الخيال الذي أبعده عن الواقع. كان دوستويفسكي على ما فيه من امتلاء بالحماسةِ المتناهية في القوةِ البشرية؛ يهاب الناس وينطوي على نفسهِ إلى درَجةٍ مرَضية، كان لهيبًا وجليدًا في الوقتِ نفسه، متعصباً لأخطر ألوان الوحدة. تعتريه حالة غريبة تجعله يشعر بالاشمئزاز في كل متعة، ويتولاه شعور بالذنب في كل سعادة!
يلتحق بالجيشِ بسببِ ضائقة مالية، ومن أجلِ بضعة روبلات. تقبّل سنوات ثقيلة من سنوات الشباب بلا صديق. يعيش في حالةٍ سوداء أشبه بحالة الدمى، حالة الوحدة والصمت، وينتابه وسواس المرض، وخوف صوفي من الموت.
ترجمَ خلال ليال رواية بلزاك «أوجيني جراندي» ورواية «دون كارلوس» لشيللر، ليتدارك أحواله المالية المضطربة (وكان ماله يتبدّد في اتجاهين متناقضين؛ في الصدَقات وفي ضروب التهتك!). وأخيرًا وبعد أيامٍ عكرة وحالة ضبابية ينضج مؤلفه الأدبي الأول الرواية الصغيرة «المساكين». كتب هذه الدراسة الإنسانية البارعة عام ١٨٤٤م وهو في الرابعة والعشرين من عمره، كتبها بلهيبِ عاطفةٍ جامحة، بل بدموعه تقريبا. كان الفقر هو أعمق ما يُذله، وهو الذي أنتجها، كما باركتها قوة غريبة عنده وهي: حُب الألم والمشاركة اللانهائية في المأساة!
كان مسيئاً للظن بالأوراق التي كتبها فأعطاها إلى الأديب نيكراسوف لاختباره. ويمضي يومان دون جواب، بعدها إذ بحبل الجرس يشد بقوة في السـاعة الرابعة صباحًا؛ إنه نيكراسوف الذي عانقه بشدة ودوستويفسكي مدهوشا. نعم؛ إنها اللحظة الأولى في حياته المتمثلة في هذا الجرس من الليل الذي يناديه إلى المجد!
وصلت مخطوطة دوستويفسكي إلى يدِ نقّادة روسيا الجبار «بييلنسكي»، وعندما زاره دوستويفسكي -وكان خائفًا- في اليوم التالي، صاح بهِ قائلاً: ”هل تدرك أنتَ نفسك ما أبدعت هنا؟”. بعد هذا القول أخذته رِعدة، ونزل يترنح في الشارع وقد امتزجت دموعه بالسعادةِ والألم.
ومرة أخرى كما حدث بالأمس القريب، يدوّي صوت الجرس في الليل، ويفتح دوستويفسكي متعجبًا، لم يكن هذه المرة صديق يهتف له استحسـاناً، وليست رسالة من رسالات المجد، بل هو نداء الموت! هؤلاء ضباط يقتحمون حجرته ويعتقلونه، ويظل أربعة شهور يعاني من ألوان الحرمان في زنزانة بحصن القديس باول.
لم يكن يُدرك طيلة هذه المدة ما هو ذنبه، ثم عرف بعد ذلك أن ذنبه هو الاشتراك في مناقشات مع بعض الأصدقاء الغاضبين التي سميت على سبيلِ المبالغة باسم مؤامرة «بيتراشيفسكي» ولا ريب في أن اعتقاله كان سوء فهم. ومع ذلك نزل العقاب كالبرقِ فجأة: ”الموت بالبارود والرصاص!“.

«ولكن يتدخل قدَره في ثانيةٍ جديدة، هي أضيق ثواني وجوده وأغناها، ثانية لا تنتهي تلتقي فيها شفاه الموت والحياة في قُبلةٍ لاهبة! ففي غسق الصبح يخرجونه من السِّجن مع تسعةٍ من رفاقه ويسدل عليه كفن وتشد أوصاله بالحبال إلى الوتد وتعصب عيناه، ويسمع قراءة الحكم بالإعدام مع قرع الطبول. لقد ضُغط مصيره في حفنـة من الانتظـار والتربص، ضغط يـأس لا نهـاية له ورغبة في الحياة لا نهاية لها في جُزيءٍ واحد من الزمن. هنالك يرفع الضابط يده ويلوّح بالمنديل الأبيض ويقرأ حُكم العفو محوّلاً الحُكم بالإعدام إلى سجن في سيبيريا».
والآن يهوي من مجدِهِ الأول الفتيّ إلى هاويةٍ رهيبة، وطوال أربعة أعوام يُحيط ألف وخمسمائة وتد من البلوط بكل أُفقه، وعلى هذه الأوتاد يعد بجروحه ودموعه يومًا بعد يوم، يعد أيامه البالغ عددها ثلاثمائة وخمسة وستين مضروبة في أربعة! أما رِفاقه في السِّجن فمجرمرن ولصوص وقَتَلة، وأما عمله فصقل الرخام وحمل القرميد وجرف الثلج. وكان الإنجيل هو الكتاب الوحيد المسموح به، وكان صديقاه الوحيدان هما كلبٌ أجرب ونسرٌ مشلول الجناحين! ويمكث أربعة أعوام في «بيت الموتى» في العالم السفلي، ظلاً بين الظلال، منسيا لا اسم له.
وعندما يفكون الأغلال بعدئذ عن قدميه الجريحتين ويخلّف الأوتاد وراءه، يكون رجلاً آخر؛ فصحته متداعية، ومجده يعلوه الغبار، وحياته محطمة. حبّه للحياة فقط هو الذي يبقى وحده سليما لا يتطرق إليه الفساد. وبعد كل هذا يضطر إلى البقاء في سيبيريا بضعة أعوام أخرى، بين الحُر والأسير، محروماً من السماح له بنشرِ سطرٍ واحد.
وهناكَ في المنفى، في أشدِّ ألوان اليأس والوحدة مرارة، يعقد ذلك الزواج الغريب من زوجته الأولى، وهي امرأة مريضة ذات ملامح متميّزة تبادله الحب القائم على الرثاء على غيرِ رغبتها ! وهنا مأساة غامضة من مآسي التضحية ستبقى خفية إلى الأبد، تُتلمس بعض الآثار البطولية الصامتة لهذه التضحية من خلال بعض التلميحات والإشارات في رواية «مذلون مهانون».
ويعود إلى بطرسبرج رجلاً منسيا؛ فقد تركه مشجعوه من الأدباء يسقط، وضاع أصدقاؤه، ولكنه بقي يصارع الموجة التي طرحته بشجاعة وقوة حتى يخلُص بنفسهِ منها إلى النورِ الجديد. كتبَ روايته «ذكريات من بيت الموتى»، فاكتشفت الأمة الروسية بأسرها مذعورة أن عالمًا آخر يسود تحت الطبقة السطحية المستوية لعالمها الهادئ. ارتفع لهيب الشكوى حتى بلغ الكرملين، وأخذ القيصر ينشج باكيا فوق الكتاب، وتردد اسم دوستويفسكي بين آلاف الشفاه. وهكذا أُعيد بناء مجده في سنةٍ واحدة بناءً أعلى. ثم أسس بالاشتراك مع أخيه مجلة يكاد يحررها كلها وحده، ويدوي صداها كالعاصِفة، وتنتشر أوسع انتشار. وهكذا ينهض دوستويفسكي المبعوث من جديد.
ولكن هيهات هيهات، عادت تلك الإرداة الغامضة المسيطرة على حياته قائلة له: إن الوقت ما زال مبكرًا. ومرة أخرى ينقض عليه برق خاطف، وتُحظر المجلة. والآن يهوي الفزع، ضربة عاصفة إثر ضربة عاصفة في قلبِ حياته. تموت زوجته، ويموت بعدها الأخ الذي كان في الوقتِ نفسه أفضل صديق له ومعين. وتتعلّق بظهره ديون عائلتين ثقيلة كالرصاص وتحني كاهله تحت عبء لا يُحتمل.
حاول الثبات، وصار يكدّ في الليل والنهار كالمحموم، ويكتب ويحرر ويطبع بنفسه، ليوفر المال وينقذ شرفه ووجوده، ولكن القدر أقوى منه. فيخرج ذات ليلة هارباً كالمجرم من دائنيه ليضرب في الأرض. والآن يبدأ ذلك التجوال الذي استغرق سنين طوالا بلا هدف في المنفى الأوروبي، ذلك الانقطاع الرهيب في الأواصر التي تصله بروسيا، لقد كان ذلك الانقطاع يضيّق الخناق على روحه أكثر مما كانت تفعله تلك الأوتاد في السجن والأعمال الشاقة. وإنه لمن الأمور الرهيبة أن يتصور المرء بفكره كيفَ كان أكبر أديب روسي، وعبقري جيله، يهيم على وجهه، لا يملك شروى نقير، مشرّدًا لا وجهة له.
وبعد جهدٍ كبير يجد مكاناً يقطن فيه؛ حُجرات منخفضة يملؤها دخان الفقر، وتطارده الديون والسندات والالتزامات بسوطها من عملٍ إلى آخر، ويلاحقه الخجل والحرج من مدينةٍ إلى أخرى. لاح له شيء من شعاع السعادة، والتقى بشابة، هي كاتبة الاختزال عنده، وأصبحت زوجته الثانية. ولكن الطفل الأول الذي تمنحه إياه يذهب به الوهن ومحنة المنفى بعد أيام قلائل. ولئن كانت سيبيريا المطهِّر أو المدخل إلى معاناته للألم، فقد كانت فرنسا وألمانيا وإيطاليا بلا ريب جحيمه!
كان يخرج متسللاً من كهفِ عمله إلى الشارع كحيوان خطير، جلْفاً في ثيابٍ بالية، وعلى الطريق نفسه دائمًا، في درسن، وجنيف، وفي باريس؛ ويدخل مقهى أو نادياً لا لشيء إلا ليقرأ صحفاً روسية. ”إنه يريد أن يتلمس أثر روسيا، الوطن“. كان قلبه صافياً لروسيا وحدها، بينما جسده يعيش في غيرِ مبالاة حياة البؤس في هذا العالم الغريب. كان ضيفاً دائمًا في مكتبِ الرهون: فقد رهن كل شيء هناك، بل رهن ذات مرة سرواله الأخير لا لشيء إلا ليتمكن من إرسال برقية إلى بطرسبرج!
في ظل هذه الظروف البائسة يعمل طوال الليالي ويكتب، بينما تتنهد زوجته إلى جانبه في آلامها، وبينما تهدده سيدة البيت بالشرطة من أجلِ الإيجار، والقابلة تصرخ طلباً لمالها، وفي خضم كل هذه الأهوال يكتب «الجريمة والعقاب» و «الأبله» و «الشياطين» و «المقامر»، تلك الآثار التي خلّفها القرن التاسع عشر، هذه الصياغات الكونية الشاملة لعالمنا الروحي بأسره. كان العمل ”ملاذه وعذابه!“. ففيه يعيش في روسيا، الوطن. كان هذا العملاق البائس يعد الأيام التي يستطيع بعدها أن يعود إلى الوطن متسوّلاً، فجُلّ غايته أن يعود إلى الوطن فحسب! روسيا، وروسيا، وروسيا هي الصرخة الأبدية في محنته. ولكن العودة لم تُتح له، هكذا قدره؛ أن يعيش نكرةً لا مجد له، وأن يبقى الصابر الوحيد من دون صراخ أو شكوى. ما زال عليه أن يسكن مع ديدان الحياة قبل أن يرقى إلى المجد الخالد العظيم.
غدا جسده خاوياً بفعلِ ألوان الحرمان، وجعلت مقارع المرض تنقضّ على دماغهِ في ضربات تزداد توترًا على نحوٍ مطّرد حتى كان يبقى أياما بأسرها مخدّرًا مصعوقاً مستغلق الحواس؛ ليجرّ نفسه من جديد مترنحًا إلى طاولة الكتابة حين تعود إليه أولى بوادر القوة. لقد بلغ دوستويفسكي الخمسين من العمر، ولكنه عانى عذاب الآلاف من السنين.
وهنا، وفي أشدِّ اللحظات قسوة وألما، يقول له القدر: حسبك هذا. ومن جديد يعود إلى قلبِ حياته النبض. ففي الثانية والخمسين يُتاح لدوستويفسكي العودة إلى روسيا. وذلك بعد أن أكسبته كتبه شهرة، وأصبح تولستوي وتورجينيف مغمورين في الظلال، فما عادت روسيا تنظر إلا إليه. ويجعله كتاب «يوميات كاتب» رائدًا لشعبه. وبآخر ما يملك من طاقة، وبأعلى درجات الفن يُتم وصيته إلى مستقبل الأمة «الإخوة كارامازوف».
وأخيرًا يتركز انتصار دوستويفسكي ويتكاثف في لحظةٍ واحدة كما كان عذابه من قبل. لقد أرسل الله إليه برقاً، ولكنه لم يكن هذه المرة برقاً يصعقه، بل كان يحمله إلى عالم الخلود في عربةٍ نارية! لقد دُعي إلى العيد الثمانين لميلاد بوشكين أحد أدباء روسيا الكِبار لإلقاء كلمات الاحتفال. لقد صاغ كلمته في سكرٍ شيطاني كبلطةٍ يهوي بها الرعد، وبنيران الوجد التي تنبثق فجأة كعاصفةٍ من صوته الخافت الأجش، يبشر بالرِّسالة المقدسة رسالة التآخي الروسي الشامل، ويخر المستمعون على الرُّكب كأنما حُصِدوا حصدا. وتهتز القاعة من انفجار هتاف الاستحسان، وتُقبِّل الجماهير يديه، وينهار طالب أمامه مغشياً عليه، ويتنازل كل الخطباء الآخرين عن كلماتهم، وتتعاظم الحماسة إلى حدودِ اللانهاية، ويتقد المجد نارياً على هامته التي يعلوها التاج ذو الأشواك.
وفي العاشر من شباط عام ١٨٨١م يموت دوستويفسكي.. وتسري رِعدةٌ في أرجاء روسيا. لحظة من الحزن الصامت. ولكن السيل العارم يفيض بعد ذلك؛ فمِن أقصى المدن ترحل في وقتٍ واحد (وبدون اتفاق) وفود توليه الشرف الأخير. الناس جميعاً يريدون أن يروا الميت الذي نسوه طوال حياة بأسرها. ويغلي شارع الحِداد الذي وُضِع فيه دوستويفسكي على النعش، أسود من الزحام. وتصعد جماهير بملابس سود سلالم بيت العمال سابحة في صمتٍ مرتعد وتكتظ الحجرات الضيقة حتى تزحم التابوت بشدة. وبعد بضع ساعات تختفي زينة الأزهار التي أرقدوه تحتها، لأن مئات الأيدي تأخذ الزهور المختلفة على أنها من آثار الميِّت الثمينة. ويصبح هواء الحجرة الضيقة خانقاً حتى ما عادت الشموع تجد غذاءً لها فخمدت. وتفيض الجماهير متقدمة في ازدحامٍ يزداد على نحوٍ مطرد، موجةً إثر موجة، نحو الميت. ويترنح التابوت من شدّةِ تدفقهم ويوشك أن ينهار. وتضطر الأرملة ويضطر الأولاد المروّعون إلى أن يقيموه بأيديهم. ويهم رئيس الشرطة بمنع التشييع العام للجثمان، ولكنه لا يجرؤ على ذلك آخر الأمر في وجه حماسة كان في وسعها أن تفرض مشاركتها في هذا التشييع بالسِّلاح.
وفي الجنازةِ يتحوّل حلم دوستويفسكي المقدَّس فجأة إلى واقع؛ ذلك حلم روسيا الواحدة. وكما تصبح كل طبقات روسيا وفئاتها في عمله الفني كتلة واحدة بشعور الأخوة، تتحوّل مئات الألوف وراء التابوت بفعل ألمها إلى كتلةٍ واحدة؛ فالأمراء الشباب، ورجال الدين المهيبون، والطلاب، والعمال، والضباط، والخدم بالملابس الرسمية، والمتسولون؛ هؤلاء جميعا يندبون الفقيد الغالي بصوتٍ واحد تحت غابة خافقة من الرايات والشعارات. وأمام قبره المفتوح تتحد كل الأحزاب في قسم الحب والإعجاب. هكذا يَهِبُ دوستويفسكي لأمته في ساعته الأخيرة لحظة من التآخي، ويجمع بقوةٍ خارقة مرة أخرى تناقضات عصره المتوترة إلى حدِّ الجنون. ووراء طريقه الأخير تنفتح الهوة الرهيبة؛ تحية رائعة للميت: «الثورة». وبعد ذلك يُقتل القيصر، وتجلجل رِعدة الثورة، وتسري في أرجاء البلاد بروق العقاب؛ ومثل بيتهوفن يموت دوستويفسكي في ثورة العناصر المقدسة، في العاصفة!

وللحديثِ بقية..
