
جان جاك روسو ابن مدينة جنيف السويسرية، الفيلسوف الذي تركَ تأثيرًا عظيماً في تصورات الكثيرين عن التربية؛ أراد أن يُربِّي الإنسان ليصير إنساناً على ما يؤكد كرامته ويتسق مع قدراته. من أهمِّ أعماله كتابه الذي يحمل عنوان «إميل»؛ الشخصية الرئيسة. إميل القاصر هوَ موضوع التجربة التربوية.

يقدّم «إميل» ما يُمكن أن يصير إليه الإنسان؛ عندما يتم إبعاده عن التأثيرات الضَّارة في المجتمع. يُعايش القارئ الإنسان الفطري الطبيعي في التجربةِ المعملية مِن الميلاد إلى الزواج. كتاب إميل خلّف تأثيرا عظيماً في تاريخ الفلسفة.
أصبحَ «روسو» وهو خاوي الوفاض من الثروةِ والأصل العائلي العريق، والذي عاشَ حياة التشرّد، ولم يتخصص في أي مجال، أقول: أصبحَ بين فلاسفةِ باريس الكِبار حدَثًا طبيعيا متفجرًا، وظاهرة غير عادية إلى أقصى حد ممكن.
كانت قصة حياته مثيرة جدا، والتي تناولها أدبياً فيما بعد في كتابهِ «اعترافات». نشأ ابن لساعاتي، شجَّعه والده على القراءةِ ولكن ما لبث أنْ تمزّقت الأسرة بسرعة. ماتت الأم مبكرا، وترك الأب الأسرة، وتم الزج بأخيه في مؤسسةٍ تربوية، ثم وضعه هو تحت رعاية أحد القساوسة.

كانَ «روسُّو» إنسانًا حساساً وغير متزن شعوريا. قال عن نفسِه في كتابه «هواجس المتنزّه المنفرد بنفسه» صـ١٠٩: ”لقد ولدتُ مرهف الإحساس ذا طيبة، أحمل بين جنبيّ رأفة تبلغ حد الضعف“. كانت خلافاته مع الناسِ تؤدي عنده بسهولة إلى القطيعةِ النهائية. وكانَ أيضًا من الصعبِ عليه إنشاء علاقة متكافئة ناضجة بامرأة. ولم يَستطع التوافق مع الأعرافِ الاجتماعية للمُجتمع الراقي مطلقا. لقد ظل إنسانًا غريب الأطوار.
لم يكن يتغنَّى بالتقدّم العلمي والفني؛ بل كان يؤكد أنَّ العلم والفنون، الدعامات المدّعاة للحضارةِ المدنية، لَم يجلبا للإنسان إلا الشقاء والفساد. يكتب روسو ما يلي: ”يا الله القادر خلصنا من العلومِ والفنون الشريرة لآبائنا، وأعد لنا الجهل (والبراءة) والفقر“. لقد رأى مِن يومها أنَّ مهمته الفلسفية الخاصة هيَ التشهير بالإنجازاتِ المزعومة للحضارة، وأنْ يدعو إلى الفضيلةِ على أنها «العِلم السامي للنفوس البسيطة». إنها فضيلة البساطة ضد التصنّع والبذخ.
يرى «روسو» أنَّ عدم المساواة بينَ البشر نتيجة تاريخ إنساني يعتبره تاريخ انحطاط. ففي البحث المنشور عام ١٧٥٥م بعنوان (بحث في معالجة أصل وأسس عدم المساواة بين البشر) يحمِّل إدخال الملكية الخاصة مسؤولية نشأة تناقضات الفئات والطبقات الاجتماعية بينَ الناس.
كان يشكو دائمًا من سوءِ صحته؛ لكنهُ مع سوء حالته الصحية كان يواصل العمل بلا انقطاع. أنجبَ أطفالاً من شريكته تيريز لوفاسور ولكنهُ وضعهم في ملجأ أيتام!
صحيح أنَّ روسو يعتبر في تمرّده على الأحكامِ المسبقة رجل تنوير؛ لكنهُ تنويري من نوعٍ خاص. فليسَ العقل؛ وإنما الحقيقة الخالصة للإحساس صَارت بوصلة نقده الاجتماعي. عام ١٧٦١م كان مخطوط «إميل» قد اكتمل مع ثاني أهم أعماله الكبيرة «العقد الاجتماعي».

طبقًا لقوله يقدِّم الكِتابان معًا صورة متكاملة. فكِتاب «العقد الاجتماعي» يتناول إنشاء مؤسسات اجتماعية وسياسية، و«إميل» يقدّم تشكيل الإنسان الفرد. يبدأ في الكتابيْن بدقةِ ناقوس، يَتم فيها رثاء ضياع العصر الذهبي للبدائية والبساطة. ففي بدايةِ الفصل الأول مِن «العقد الاجتماعي» يقول راثيا حال الإنسان: ”يولد الإنسان حرّاً؛ لكنهُ تكبّلهُ القيود في كُلِّ مكان“. أما الجملة الأولى من «إميل» فتقول: ”كُل شيء طيِّب كمَا يجيء مِن بين يدي الخالِق، وكُل شيء يَفسد بيديْ الإنسان!“.
في «إميل» لايوجِّه الإنسان تربية الطفل، وإنما الطبيعة بنفسها. يُقارن روسو الإنسان بغرسٍ نباتي يُهدده خطر الجَفاف والتيبّس، والذي في ظلِ أوضاع مُناسبة فقط وبرعايةٍ سليمة يُمكن إعادة تحسينه. يربِّي روسو قاصرهُ المُتخيّل إميل في غرفةٍ زجاجية، حيث يَستطيع الطفل أنْ ينمو دون معوقات.

إنَّ «إميل» ابن طبقة نبيلة، ومن ثَمَّ فهوَ طفل يَستطيع أنْ ينمو حرّاً من القهرِ الاجتماعي والبؤس المادي. ليسَ لإميل إخوة أو أخوات. كما تم إبعاده عَن قرناء الصبا وعن انحطاطِ المدينة؛ لأنهُ يعيش في الريف. لن تتم متابعة نموّه من والديه؛ وإنما من أحدِ المربين، وهذا المربي صغير في السن. فكرة روسو؛ أن يُصبح المربي بعدَ فترة صاحبًا لإميل، ولقُرب السِّن بينهما لا تتكون سلطة ورتبة بينهما. يُعتبر مشروع روسو التربوي في عصرهِ ثوريا؛ إذْ إنَّ المربي لا يُعتبر سلطة مرجعية؛ وإنما هوَ مولدةٌ للطبيعة!
فكرة روسو التربوية هيَ فكرة «تربية سلبية»؛ أي تربية بدون تعليمات وقواعد مُحددة. إنها تنطلق مِن القاعدة التي يُمكن أن نسميها «التعليم بواسطة التصرفات». إنها تربية وجهتها الخبرة. فعلى الطفل أنْ يَحصل على ما يَعلم مِن خلال الاكتشاف الذاتي.
أيضًا يريد تربية طبقًا لمقاييس العقل؛ لكن العقل عنده عقلٌ مشدود إلى الطبيعة بشكلٍ وثيق؛ فهو عقل يُتيح للإنسان تعلّم ما يحتاج إليه، وليسَ ما تأمره به التقاليد.
باقتناعٍ تام يرى روسُّو أنَّ الطبيعة الإنسانية في الأصل خيّرة، ولا يَعتقد مثل كثير من مُعاصريه أنهُ يكمن في الأطفالِ شيءٌ من الشر. فالشرّ عندهُ يَرِدْ فقط من خِلال تأثير النَّاس والمجتمع.
ويرى بأنَّ: ”كل الشرور تنبثق من الضعف. فالطفل لا يكون شريرًا إلا عندما يكون ضعيفًا. اجعلوه قويا وسيُصبح خيّرا“. يُعتَبر روسو من أوائلِ الفلاسفة الذين أعطوا لدور اللعب أهمية تربوية مركزية. فهوَ يعتقد أنَّ اللعب أحد أهم أدوات المعرفة الحسية المُبكرة بالعالم.
عارضَ في كتاباته المبكرة حياة الرفاهية لعصره. لقد نادى بالخشونة البدنية واضعًا نصب عينيه الشاب المنشأ على الطريقة الإسبرطية. فعلى «إميل» أن يتعرض للطبيعة؛ بأنْ يمشي حافيا وينام في فراشٍ خشن وقاس. كما يجب أن يتواءم ملبسه ومأكله مع هذهِ التربية (الطبيعية) الجديدة. فَعلى النقيض من النبلاءِ الصغار في عصره، الذينَ كانت تسري عليهم تعليمات زِيّ محددة، كانَ «إميل» يرتدي ملابس متواضعة، يستطيع أن يتحرك فيها بحرية. أما طعام إميل فكانَ طعاما اقتصادياً صديقاً للبيئة في بساطةِ الوجبات واعتدال الكميات، كما أنهُ طعام نباتي خال مِن اللحوم.
يَجب على التربية العقلية -في رأي روسو- أن تُبنى على التربية الحسية، وأن تتم مِن خلالها. وعلى ذلكَ يتعلّم «إميل» المصطلحات والشروح النظرية دائمًا في ارتباطٍ وثيقٍ بالخبرات الحسيّة التي يَقوم بها. فهوَ يتحصّل على أُسس الهندسة من خلالِ إعادة رسم الأشكال الهندسية.
أما تعلّمه الجغرافيا وعِلم الفلك فيتم عن طريقِ المُلاحظة المباشرة للطبيعة. إنَّ لدى روسو سوء ظن تجاه الخيال والخبرات الجمالية الحرة. فهوَ ينظر إلى مُطالعة الكتب على أنها «سوط الطفولة» قبل كل شيء. لم يقع كتاب في يد إميل حتى بلوغه سن الخامسة عشر باستثناء وحيد ذي طبيعة خَاصة؛ وهو قصة روبنسون كروزو لدانييل ديفو، التي تُعتبر إنجيل رجل الطبقة المتوسطة العصامي؛ وهيَ حكاية رجل يَنزل بعد تحطّم سفينة إلى جزيرةٍ معزولة، ويُثبت وجوده بنفسهِ ويبني حياته بيديه بعيدًا عن المجتمع. قصة كروزوي قَدْ حققت ما يَنتظره روسو مِن الأدب: ”يجب أن يكون مُفيدًا ونافعًا“.

ليسَ مسموحًا «لإميل» أنْ يكون مثقفا. ويجب عليه أن يعمل بيديهِ وأنْ يُدبّر أمور معيشته بنفسه. كانَ روسو يركّز على الحياة الأخلاقية الخيّرة، فيقول: ”أهم شيء على هذهِِ الأرض أنْ يؤدي الإنسان واجبه“.
على القاصر إميل أيضًا أنْ يتعلّم ويهيئ نفسه للتعامل مع البشرِ الآخرين وبذلكَ مع المجتمع. فهوَ إلى الآن خامة ريفيّة معزولة عَن المجتمع. فعليه أن يُلم بصور التواصل وأشكال العلاقات. وعلى إميل أنْ لا يَنزلق وعيه الذاتي إلى الغرور وحب الذات. يقول روسو: ”إنهُ واثق من نفسهِ؛ لكنهُ ليسَ معجبًا بها. كما أنَّ سلوكه حُر؛ لكنهُ ليسَ مُتعجرفًا أو مُسْتخفًا“. فلا يَجوز أنْ يصير الأدب الحق عملاً روتينياً؛ وإنما يَجب أنْ يكون دماثة خُلق وطيبة طبيعية.
مِن المُهم جدًا لإميل أنْ يَتعرّف على الجنس الآخر. يُطالب روسو بما هوَ غير معتاد مطلقًا في عصره؛ يُطالب بالاستنارة والإطلاع الجنسي المُنفتح! ومع هذا لا يَنبغي عليه القيام بأي تجارب جنسية حتى يبلغ العشرين. وحتى حينئذ لا يَختار هو بنفسهِ أول شريكة، بل سوف يمدهُ بها مُربيه. فقضية الشريك المُناسب عند روسو أكثر أهمية من أن يَتركها للصدفة. مثلما قدّم الرب الإنجيلي للإنسان الأول شريكة، يُقدّم هوَ أيضًا في الفصل الخامس من رواية «إميل» زوجة المُسْتَقبل لفتاه. إنها تُسمى صوفي. كانت تربيتها عكس تربية إميل. والمرأة في رأي روسو: ”خُلِقت للإعجاب بها والخضوع“.
خَتم روسو كتابه بنهايةٍ سعيدة ممثلة بالزواج. هذا الكِتاب هو محاولة تجريب نموذج تم إلباسه شكل الرواية، والذي يَجب على كُل إنسان أن يَنقل نتائجه إلى واقعه الذاتي. أثارَ نَشر «إميل» عام ١٧٦٢م الرقابة فورًا، وتسبب في اضطرابات وصخب هائل لحياة روسو. اضطر إلى مُغادرة باريس هاربًا من ردود الأفعال التي أثارها كتابه، وظل سنوات عديدة فارّاً من قبضةِ السُّلطات. ولأنَّ الكِتاب كانَ مخالفا تماما لمناهج التربية في عصره، وفيه آراء غير تقليدية في الدِّين؛ تمّت مصادرته فورا وحرقه.
لَم يَسلم روسو من نقدِ مُعاصريه أيضًا. فقد كانَ «فولتير» أول من سخر منه؛ فكيفَ لرجلٍ قد دفع بأطفالهِ الخمسة إلى ملجأ للأطفال اللُّقطاء، يدّعي أنهُ سيعلّم القارئ التربية! أما «روسو» نفسه فقد كانَ مقتنعا بأنَّ «إميل» من بين كل كتبِه سيكون لهُ التأثير الأعظم.
قد بدأت مكانة «روسو» كمُفكر عصر، عندما نقل اليعقوبيون رفاته إلى مقبرةِ العُظماء الباريسية بانتيون (Pantheon) على أكثر تقدير. لقد استندَ التنويريون على نقده الاجتماعي، وعلى دفاعه عن الفضائلِ الاجتماعية العامة، وعلى مطالبتِه بالاعتراف برُشد وأهلية الإنسان الفرد. وعلى ذلكَ يُعتبر المطلب التنويري الكلاسيكي «لإمانويل كانْت» (أقْدم على استخدام عقلك الذاتي) مأخوذا بصورةٍ مُباشرة من المبادئ التربوية في رواية «إميل». أما ما بدأه روسو من ثقافة احترام رهافة الحس والبساطة، فقد وصلت إلى قيمتها في رواية «آلام فرتر» لجوته. أما مبادئ التربية المتعلقة بالتفتح الذاتي لقوى الإنسان الطبيعية والتجربة الكلية فقد أثرت أيضا في مختلف المفكرين؛ من أمثال رودولف شتاينر، مؤسس مذهب معرفة الإنسان. ختاما فهذه رواية «إميل» التي تعتبر عمل مصلح فلسفي، كشف عن صورة الإنسان الطبيعي خلف صياغات الثقافة والحواجز المجتمعية.
وهُنا أرى أنه من المُناسِب إيراد حجة روسُّو التي يرد بها على بعضِ معاصريه عندما سخِروا منه؛ بأنه يريد أن يعلِّمنا التربية وهو الذي دفعَ بأطفالهِ الخمسة إلى ملجأ للأطفال اللُّقطاء! في كتابه «هواجس المتنزِّه المنفرد بنفسِه» صـ١٦٠ كتب يرد على مَن اتهمه بكره الأولاد ومن جرَّده من العواطف الإنسانية:
”أنا أفهم أنَّ الملامة التي وُجهت إلي بأني وضعتُ صغاري في ملجأ اللقطاء قد تحوَّلت بطريقة من طُرق التعبير بأني أب مجرَّد عن العواطف الإنسانية، وبأني أكره الأولاد، على أنه مما لا شكَّ فيه أنَّ خوفي عليهم من مصيرٍ أسوأ ألف مرَّة ولا مهرب منه، هو الذي حداني على اتخاذِ هذا القرار. ولقد كنتُ أكثر مبالاة بما سيصير إليه أمرهم كما كنتُ عاجزًا عن أن أقوم بتربيتهم بنفسي، لذلك كان عليَّ، في هذه الحال، ألا أكِل أمر تربيتهم إلى والدتهم التي أفسدتهم، ولا إلى أسرتها التي كانت جعلت منهم مسوخًا. إنني أرتجف كلما فكرت في هذا الأمر، فإنَّه ما لقيه فلان لدى فلان من إفسادٍ وسوء معاملة، ليسَ شيئاً يُذكر، إذا قيس عندي، بمعاملة الأم وأسرتها، والفخاخ التي نصبوها لي فيما بعد تُثبت لي أنهم كانوا قد عزموا الأمر على ذلك. وحقيقة الأمر أني كنتُ أبعد من أن أتوقع عندئذٍ هذه الدسائس المريعة؛ ولكني كنتُ أعلم أن أقل التربيات ضررًا بهم وأقل خطرًا كانت تربيتهم عند اللقطاء فوضعتهم في ذلك الملجأ“.
كانَ هذا العرض اختصارًا لما كتبه روبرت تسيمر في الجزء الثاني من كتابه الشهير «في صحبة الفلاسفة» عن جان جاك روسُّو وكتابه «إميل»، وقد تحدَّث عنه في خمس عشرة صفحة تقريبًا، زبدتها ما نقلته لك هنا بتصرُّف يسير وإضافات من كتاب الهواجس.
والسلام.
مقالة غنية وماتعة 👏🏼👏🏼 بوركت جُهودك !
إعجابإعجاب