
هُنا بعض المشاهد والمواقف والحقائق -التي تذكرتها في لحظةٍ ما- من تاريخِ إبادة «الهنود الحُمر» على يدِ الرب الإنجليزي، رأيتُ أن أنقلها هنا -بتصرُّفٍ كامل- لعلَّ فيها ما يكشف المخفي، ويثري الحافظة المعلوماتية، ويساعد على التصوُّر الصحيح لأحداثِ الواقع.
بينما أنا غارِق في لحظةِ تأمُّلٍ مشوبة بحُزنٍ عميق تذكرتُ كل ما قرأتهُ عن معاناةِ السكان الأصليين للولايات المتحدة. أخذتُ أتذكر كل ما مرُّوا بهِ من فظائع وما تعرَّضوا له من ظُلم. رجعت إلى جرائمِ ويليام برادفورد تـ١٦٥٧م حاكم مستعمرة پليموث، الذي كان يرى أن ”نشر الأوبئة بين الهنود عمل يُدخل البهجة والسرور على الرب“ (الرب الإنجليزي طبعًا)، حتى وقفتُ عند دموع تلك الهندية الحمراء في مؤتمر جنيف بعد الحديث عن جريمة التعقير التي وقعت لفتيات قبيلتها دون علمهن للحد من نسلهن! وكما قالت هيلين غرين في (المجلة الأمريكية للصحة العامة) أن التحقيق الذي أجرته بين شعب «نافاهو» أكّد أن %30,7 من نسائهم (وكلهن دون الثلاثين) أُخضعن لعمليات تعقير!

أخذت أتذكر فتبدّى لي تمثال «جونيبرو سرا» مدير معسكرات الموت في شمال كاليفورنيا، والذي أراد إبادة كل العِرق الهندي. ثم ذهبتُ بعيدًا لأرى الزعيم الهندي تشيسكياك وهو يتولى المفاوضات الغادِرة عام ١٦٢٣م مع السفَّاحين الخونة، وبعد شُرب الأنخاب لتأكيد «الصداقة الخالِدة» خرَّ تشيسكياك صريعًا تحت أقدام مفاوضيه! لقد كانت أنخاباً مسمومة كأرواح أهلها.
نبشتُ في تاريخ الولايات المتحدة فظهر لي أول رئيس لها؛ جورج واشنطن. قرأتُ كيف كان هنود السينيكا يُطلقون عليه «هدّام المُدن» لأنه دمَّر ٢٨ مدينة من مدنهم! وتأملتُ وصف أحد زعماء الأروكو الذي قال في لقاءٍ له مع واشنطن عام ١٧٩٢م: ”عندما يُذكر اسمك تلتفت نساؤنا مذعورات، وتشحب وجوههن. أما أطفالنا فإنهم يتلببون بأعناق أمهاتهم من الخوف“. هنا أدركتُ ماهية الحضارة التي ستقوم. ثم تملّكني العجب من قول جورج واشنطن عندما أعلن أن الأرض التي اختارها لبناء عاصمته لم تكن سوى مستنقعات خاوية؟! ألم يأتهِ نبأ شعب كونوي ومدينته التجارية «نكن شتنِكه» المدفونة أسفل هذه المستنقعات -على حدِّ قوله- ؟ يتساءل منير العَكش:
”ألم يلحظ تُخمة الغِربان وامتلاء التماسيح؟“.
وأنا أتجوَّل بين أروقة التاريخ الحقيقي والمؤلم للهنود الحمر لقيتُ الزعيم الشجاع تاوياتدوتا المعروف بـ«الغراب الصغير»، وأخبرني عن انتفاضة شعب السو الشهيرة عام ١٨٦٢م، وكيف أن «أندرو ميريك» مفوّض الدولة الاتحادية قال له بعد احتجاجه هو وشعبه على التجويع القاتل: ”اذهب أنت وشعبك فكلوا من حشيش الأرض، وإذا شئتم فكلوا خراءكم“. أخبرني كيف أنه لم يحتمل وقاحة هذا المفوّض اللعين فهجمَ عليه وقتله ثم حشى فمه -وكان مهذبًا- بالحشيش فقط!

ثم سقطتُ على رِسالة اللود إمهرست للكابتن بوكيه عندما طلبَ منه نشر الوباء بين الشعوب الهندية، وإصراره على إبادة هذا الجنس اللعين. عرفتُ حينها كيف انتشر الوباء –الذي قضى على مئة ألف إنسان منهم الرضيع والشاب والشيخ– بين أربعةِ شعوب هندية وهي «الأوتاوا» و«المينغو» و«المايامي» و«الليني لونابيه».
أكملت مسيري بين إرشيفاتهم وإذ بكلماتِ «پاشغنتاكيلياس» زعيم هنود دولاوير ١٧٨٧م وتحذيراته تصدح من بين تلك الأوراق العتيقة والمؤلمة: ”إنهم يفعلون ما يحلو لهم، يستعبدون كل مَن ليس من لونهم، يريدون أن يجعلوا منا عبيدًا، وحين لا يتحقق لهم ذلك يقتلوننا. إياك أن تثق بكلماتهم أو وعودهم، إنهم أحابيل، صدقني، فأنا أعرِف سكاكينهم الطويلة“.
وأنا غارِق في البحثِ فاجأني «فرانك بوم» وقد رفّ شارِبه فوق أوراق التاريخ الدموي، هذا الرجل الخبيث الذي كتبَ بعد مذبحة وندِد ني Wounded Knee التي وقعت في التاسع والعشرين من ديسمبر ١٨٩٠م وراح ضحيتها المئات من الأطفال الرضّع والنِّساء الحوامل من شعب «لاكوتا» وتُركوا صرعى في الصقيع! أقول كتبَ بعد هذه المذبحة: ”لقد فعلنا حَسَنًا، ويجب علينا أن نُتابع المسيرة لحماية حضارتنا ! إن علينا أن نقطع دابر هذه المخلوقات الوحشية ونمحو ذكرهم من على وجه الأرض!“. من مشاهدِ هذه المجزرة ما ذكره عالِم الإنسانيات جيمس موني، يقول: ”كانت جثث النساء متناثرة فوق محيط القرية، وتحت عَلَم الهُدنة كانت هناك امرأة صريعة ومعها طفلها، لم يكن الطفل يعرِف أن أمّه ميّتة، ولهذا فقد كانَ يرضع من ثدييها!“. إنها صناعة الحضارة.

هذه الشعوب النقية يشرح صفاء نواياها تلك الكلمة البريئة التي ألقاها أحد هنود لينابي Lenape أمام أحد المستعمرين الإنكليز، يقول -وتأمل قوله جيّدًا- : ”إننا نريد أن نعيش معكم بسلام كما عشنا مع غيركم من الشعوب. ولو أننا فكرنا في أن نُحاربكم يومًا فإننا سنُعلمكم بذلك سلفًا، وسنُبيّن لكم الأسباب التي سنُحاربكم من أجلها، فإذا أبديتم ما يقنعنا، أو يعوضنا عن الأضرار التي سنُحاربكم من أجلها فإننا لن نُحاربكم. وإذا أردتم أن تُحاربونا يومًا فنرجو أن تعلمونا بذلك وتُبيّنوا لنا الأسباب، فإذا لم نقنعكم ونعوضكم عن الأضرار التي ستُحاربوننا من أجلها، فلكم الحق في محاربتنا.. وإلا فليس لكم أن تُحاربونا!“. هذهِ براءة ابتلعتها حضارة الجَماجم.
”كانَ الرب يضحك من أعدائه وأعداء شعبه المختار!“
هذا قول جون مايسون واصفاً هجومهم على هنود الپيكو وهم آمنون غارِقون في نومهم! كان الجنود يحرقون الهنود في أكواخهم، ويقتلون الجرحى من النِّساء والأطفال والرِّجال، كان اللهب يأكل كل شيء. يقول مايسون: ”كان الرب يضحك من أعدائه وأعداء شعبه المختار، يضحك حد الاستهزاء والاحتقار، ويجعل منهم وقودًا لهذا الفرن الذي تحوّلت إليه قريتهم. هكذا ينتقم الرب منهم، ويملأ الأرض بجثثهم، ليُعطينا أرضهم“. قبل أيام من هذا الهجوم كان هنود الپيكو يسألون ببراءة قائد الحِصن ليون غادينر: إذا حاربوهم ”هل سيقتلون النِّساء والأطفال؟“ لأن في عاداتهم؛ الاعتداء على الطفل والمرأة وصمة عار في جبين المُحارب.
يروي أكستل في بحثهِ عن «السلخ» لنا هذا المشهد، يقول: ”في مُنتصف ليلة ١٢ نيسان/ أبريل ١٧٥٦م اقتحمَ المستوطنون بيت عائلة قد نامت قريرة العين، أما الرجل جورج فقد تمكّن من الهرب، لكن الزوجة كاثرين تلقّت بضع طلقات في صدرِها ثم قُطع رأسها بالفأس، والطفلة ذات الأحد عشر ربيعاً تهشّم رأسها بالبلطة وتلقّت عِدة طعنات في كتفها“. أهلاً بكم في مسيرة الحضارة!
”حَسَنًا، إنني متشوّق للخوض في الدم!“
كان هذا رد القائد جون شِفنغتون John Chivington عِندما أُخبر عن قريةٍ للهنود مُسالمة! هل مرّت بك مذبحة «ساند كريك Sand Creek Massacre» التي وقعت في فجر التاسع والعشرين من نوفمبر ١٨٦٤م؟ لن أروي لك الكثير، ولكني سأستعرض معك أيها القارئ الكريم بعض الشهادات التي قيلت أمام الكونغرس بعد المذبحة، حتى تُدرك ما الذي حَدث فجر ذلك اليوم!
يقول روبرت بنت Robert Bent أحد مساعدي شِفنغتون في شهادته أمام الكونغرس: ”لقد شاهدتُ خمس نساء مختبئات تحت مقعد طويل، وعندما وصل الجنود إليهن بدأن يتوسلن ويطلبن الرحمة، لكنّ الجنود قتلوهن جميعاً. كان هناك أيضًا ثلاثون أو أربعون امرأة متكوّمات فوق بعضهن في حفرة، وقد أرسلن إلينا طفلة تحمل راية بيضاء مربوطة على عصا، لكنها لم تتقدم بضع خطوات حتى أطلقنا عليها النار وقتلناها، كما قتلنا النِّساء اللواتي لم يبدين أية مقاومة. ثم إنني رأيتهن بعد ذلك مسلوخات الرأس، بينما إحداهن مبقورة البطن وجنينها في بطنها واضح للعين! وأخبرني الكابتن شاول أنه رأى ما رأيت، ورأى مثلي عـددًا كبيرًا من الأطفال بين أيدي أمهاتهم المذبوحات“. يا لها من شهادة!
ويقول الجندي آشبري بيرد Ashbury Bird في شهادته: ”لقد رأيتُ امرأة تعرّض فرجها للتمثيل، كما شاهدتُ جثثاً مقطعة تقطيعاً فظيعًا وعددًا من الجماجم المحطمة“.
أما عاموس ميلكش Amos C. Milksch فقد قال في شهادته: ”رأيتُ طفلاً حيّاً بين الجثث المرمية في الخندق، ورأيتُ جندياً من الفرقة الثالثة يُخرج مسدسه ويُطلق النار على رأسه!“.
سأتجاوز شهادة دافيد لودرباك وذكره لقطع الأعضاء التناسلية، وشهادة المُترجم جون سميث وحديثه عن اقتلاع الأدمغة، وغيرهما، وأقفُ عند قولٍ للرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة وهو ثيودور روزفلت، هل تعلم ماذا قال عن هذه المذابح؟ تأمل قوله لتعرف أُسّ هذه الحضارة، يقول: ”إن مذبحة ساند كريك كانت عملاً أخلاقياً ومفيدًا، ذلك أن إبادة الأعراق المنحطة حتمية ضرورية لا مفر منها“.
بالمناسبة جون شِفنغتون John Chivington قائد هذه المذبحة يُعتبر من أبطال التاريخ الأمريكي، وأُذكر بشعاره المشهور: ”اقتلوا الهنود واسلخوا جلودهم، لا تتركوا صغيرًا ولا كبيرًا، فالقمل لا يفقس إلا من بيوض القمل“.

نكتفي بهذا، وللحديثِ بقيّة!
زادكَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وعِلْمِهِ ..أخي الكريم أردتُّ أكثر مَرَّة أن أشكُرَك على طرحِك وكتابتك ومنقولاتِك ،ولأني ليس حساب في تويتر ، فقط في الفيس ، وحينما أنقلك لك أضع اسمك واسم المعرف الذي يخصُّك في تويتر ، تمنَّيت لو عرفت بقية اسمك .
إعجابإعجاب
شكرًا لك أخي عبدالكريم على كرمِ لفظك. لا بأس بالاكتفاء بالمعرَّف، ولا بأس أيضًا بنقلِ ما تُحب من صفحتي بدون عزوٍ لي أو إشارة إلى معرَّفي، فهذا أمرٌ قرَّرته قديمًا وأرجو من الله الإخلاص.🌷
إعجابإعجاب
شكرا أخي، زبارك الله فيك
إعجابإعجاب