حضارة الجماجم «3»

”لم أرَ في حياتي هنديّاً طيّباً، الهندي الطيّب هو الهندي الميّت“.

عِندما اغتصبَ الرجل الأبيض أرض الشعوب المُسالِمة، انتقل إلى المرحلةِ الثانية وهي تشويه تاريخهم وطمس مَعالِم وجودهم، حتى إذا قرأتَ بعد ذلك ما كَتبه عنهم من تخلّفٍ وهمجيّة تقول في نفسك: «لعلّه أمر جيّد، كانت هذه الإبادة في سبيل قيام حضارة راقية!». ويا لها من حضارةٍ راقية فعلاً.

خلال مناقشة في الكونغرس وقفَ جيمس ميكائيل كافانو James Cavanaugh ليعلن أمام زملائه أعضاء المجلس الموقر بلسان المستوطنين في ولايةِ مينيسوتا المنظمّة حديثًا إلى الاتحاد، وبألفاظٍ حضارية، أعلن قائلاً: ”نعم، إنني أفضل موت الهندي على حياته. لقد التقيت بالآلاف من الهنود، لكني لم أرَ في حياتي هندياً طيباً، الهندي الطيّب هو الهندي الميّت. إنني أؤمن بالسياسة التي أرساها مايلس ستانديش Miles Standish (قائد عسكري كان يشبّه حرق الهنود أحياء بحفلات الباربكيو!)، إنني أؤمن بالسياسة التي تُبيد الهنود“.

ولابأس من العودةِ إلى الروايات التي كُتبت بقلمِ الربّ الإنجليزي عن بدايةِ تأسيس الحضارة الإنسانية الراقية! لنقرأ معًا هذه القصة:

”بعد أن قتلنا كل مَن في المدينة رأيتُ بعض المحاربين الهنود يهرولون إلى بيت، وقد استطعت أن أعد منهم ٤٦ واحدًا، لهذا تبعناهم إلى أن اقتربنا من البيت. وهناك رأينا امرأة منهم جالسة عند الباب، كانت تضع قدمها في القوسِ التي في يديها وتشدّها بكُلِّ قوتها ثم تتركها تُفلت باتجاهنا، فقتلت منا رجلاً، أظن أن اسمه مور. أغضبنا موته فأمطرناها بما لا يقل عن عشرين طلقة مزّقتها تمزيقا.. ثم أطلقنا النار عليهم جميعًا فقتلناهم كالكلاب. ثم أشعلنا النار وأحرقناهم بها. أتذكر أنني رأيتُ طفلاً قُرب البيت أُصيب بعيارات نارية، كانت يده وفخذه مكسورتين، وكان قريبًا من البيتِ المحترق. كان يحاول الزحف دون أن ينبس ببنت شفة إن الهنود قوم عنيدون يُفضِّلون الموت على الذُّل. لم تكن لدينا مؤونة كافية، لذا عدنا في اليومِ التالي إلى المدينةِ حيث ما زالت جثث كثير من الهنود تصدم العين. كانت أشكالهم فظيعة جدًا، لأنَّ النار لم تلتهمهم تمامًا بل جعلت مناظرهم كريهة، أو -على الأقل- مناظر ما تبقى منهم!“. نعم؛ إنها صفحة من التاريخ المجيد لغُزاة العالم الجديد!

ومشهد آخر سريع: ”يوم الأحد قَتَل المستوطن فريدريك ستمب Fredrick Stump أسرة مؤلفة من عشرةِ أفراد، وسلخ رؤوسهم، ثم جرّهم إلى الغديرِ المتجمِّد القريب من البيت، وهناك حفر حفرة في الجليد ورماهم فيها. ثم إنه خاف من وصول خبر الجريمة إلى الهنود فهرب إلى ميدل كريك Middle Creek على بعد ١٤ ميلاً، حيث وجد كوخين منعزلين، وفيهما امرأة هندية وبنتان صغيرتان، فقتلهن جميعاً خوفاً من أن يبلّغن عما جرى، ثم سلخ رؤوسهن ووضعهن في أحدِ الأكواخ، وأشعلَ النار التي أتت على الكوخ وعليهن“. لا تضجر أيها القارئ المُحترم، فنحن لا نزال نصعد سُلّم الحضارة العظيمة درجة درجة.

صرخَ الزعيم الهندي پوهاتن (١٦٠٩م) في وجه الرجل الأبيض متعجباً: ”نَحن نُطعمك، وأنتَ تقتلنا؟!“.

وقال الزعيم رِد جاكيت (١٨١١م) أيضًا للرجل الأبيض الهمجي: ”سَلبتنا بلادنا ولَمْ تَكتف، أطعمناك اللحم والذرة فجرَّعتنا السم“.

والآن قبل أن نختم المقال لنقرأ بأناةٍ شديدة الخطبة المؤثرة والمُعبِّرة للزعيم تيكومسيه Tecumseh :

٢٠ آب/ أغسطس ١٨١٠م.

”يا أخي، أتمنى أن تسمعني جيّدًا..

عِندما جاء الإنكليز قالوا بأنهم سيكونون آباءً لنا، وأنهم سيُعاملوننا كما كان آباؤنا يُعاملوننا، وأنهم سيحتلون جزءًا ضئيلاً من أرضنا، ولن يعتدوا على أراضينا بل سينظرون إلينا وكأننا أبناؤهم. ولقد كُنا يا أخي سُعداء بسماعِ وعود الإنكليز، لكنهم سرعان ما انقلبوا على وعودهم وأشهروا السِّلاح.. لقد بدأنا نكتشف خِداع الإنكليز، يوعدوننا.. ولكنها دائمًا وعود الإنسان الأبيض!“.

[وهُنا يقول مُخاطبًا الإنكليز] :

”يا أخي، منذ أن عقدنا السلام معكم قتلتم الكثير من هنود الشاوني والوينباغو Winbagoes والدولاير والميامي Miamies واغتصبتم الكثير من أرضنا. ولا أدري كيفَ نبقى في سلامٍ معكم وأنتم لا تتوقفون عن قتلنا واغتصاب أرضنا. إنكم أعطيتم هنود كيكابوس kickpoos بضائع لقاء الأراضي التي أخذتموها منهم، وقد تسببت هذهِ البضائع في موت الكثير منهم. ثم إنكم وعدتمونا بالمُساعدة، ولكنني لا أرى أنكم ساعدتم بشيء.

يا أخي، أنتم تفرضون الأذى على الإنسان الأحمر، وأنتم الذينَ تضطرونه اضطرارًا لفعل الأذى، أنتم لا تتوقفون لحظة عن التدمير!

تستمرّون بطردِ الإنسان الأحمر من أرضه، وقد طرتموهم أخيرًا إلى البُحيرات الكبرى حيث لا يستطيعون العيش ولا العمل.

يا أخي، يجب أن تُفكِّروا بعواقب ما تفعلونه للهنود. قد تكون هذه الأفعال بتعليمات من الرئيس، وهذا عمل خبيث لا نرضاه. إن هذه الأرض التي بيعت [لكم] والبضائع التي أُعطيت لقاءها، عمل لا نوافق عليه، فقد تم البيع مع ثلة قليلة ممن يخدمونكم.

يا أخي، كيفَ تريدون منا أن نثق بالإنسان المسيحي الأبيض، وأنتم الذينَ قتلتم المسيح وسمرتموه على الصليب عندما جاءَ إلى الأرض. لقد ظننتم أنه مات، لكنكم مُخطئون“. هذه لا أقول كلمات بل زفرات زعيم مُحترق، سلبه الرجل الأبيض كل ما يملك؛ روحه، أرضه، تاريخه.

بعد هذهِ الخطبة المؤثرة هل تَعلم أيها القارئ الكريم أنَّ أمريكا وقعت ٣٧١ معاهدة مع الهنود الحمر ولم تحترم معاهدة واحدة منها! لقد نقضتها كلها. وهذا ما عبّر عنه الزعيم الهندي رِد كلاود بقوله:

”لقد عاهدونا ووعدونا بالكثير مما لم أعد أحصيه ولا أتذكره، لكنهُم لم يَحترموا من كلِّ عهودهم ووعودهم إلا أنهم قالوا؛ سيأخذون بلادنا منا وقد نفذوا ذلك فعلاً“.

وللحديثِ بقية.

رأيان حول “حضارة الجماجم «3»

  1. اكتتتب اكثر عن تاريخ السكان الاصليين لأمريكا ( الهنود الحمر) شدني سردك جداً جداً و زاد حماسي لمعرفة الكثير عنهم.

    إعجاب

أضف تعليق