
إذا أردتَ أن تتأمَّل في الصورةِ المزروعة في ذهنك عن السكانِ الأصليين للعالم الجديد، لن تجد سوى أنهم مجموعة من المتوحشين القذرين الهَمج يصيحون في العراء ويرقصون حول النار بأجسادٍ عارية! نعم؛ هذا ما أنتجته هوليوود عن تلكم الشعوب البريئة.
وإني مُحدثك -أيها القارئ المُحترم- عن شيءٍ من أخلاقِ السكان الأصليين السامِقة. هل تعلم أنهم في الحروبِ يستحيل أن يعتدون على امرأةٍ أسيرة لديهم؟ وإليك ما قاله الجنرال جيمس كلينتون لجنودهِ قبل إرسالهم لإبادة شعب الإروكوا Iroquis عام ١٧٧٩م، قال: ”برغم بشاعة هؤلاء المتوحشين فإنهم لا يعتدون على عفافِ امرأة أسيرة لديهم“. فهل تعلَّم غُزاة العالم الجديد منهم هذا الخُلق النبيل؟ اقرأ عن حادثة عبير الجنابي بعد قرنين من هذا التاريخ لتعرف الإجابة!
ماذا عن أخلاقياتِ الرجل الأبيض العظيم الذي يطيب له دائمًا أن يصِف الهنود الحمر بالمُتخلِّفين والمتوحشين؟ لنقرأ سويّاً هذه الحادثة المُعبِّرة: ”في عام ١٨٦٢م تسلّت مجموعة من المستوطنين بامرأة هندية عجوز، فلما تعِبوا قتلوها وسلخوا فروة رأسها وشقّوا حلقها ومثّلوا بجثتها بصورة (يقول المؤرخ جيمس راولس James Rawls) لا أستطيع الكتابة عنها، ثم قالوا لها: الآن تحررت روحك!“. من المتوحش والمتخلّف؟
ولنستطرد قليلاً حتى تتضح لنا فلسفة هؤلاء الذي يرعون حقوق الإنسان! في ١٨ فبراير ١٩٧١م نشرت النيويورك تايمز رسالة كتبها المستشار القانوني للضابط وليم كاللي William Calley بطل مذبحة «ماي لاي ١٩٦٨م» في فيتنام، يعترِف فيها بأن موكّله ”لم يشعر أبدًا بأنه كانَ يقتل بشرًا !“. وفي العِراق لا يُخفي الضابط جوش ميدلتون Josh Middleton أن ”كثيرًا من زملائه الجنود يرون أن هؤلاء [العراقيين] ليسوا بشرًا مثلنا، ولهذا نستطيع أن نفعل بهم ما يحلوا لنا !!“.
حاول غُزاة العالم الجديد أن يُلصقوا بالسكان الأصليين صفة القذارة، وأنهم لا يعرِفون في حياتهم الاغتسال والنظافة، ولكن ماذا قالت الباحثة الأكاديمية باولا غن آلن Paula Gunn Allen ؟ لقد أثبتت أن الهنود ”يغتسلون أكثر من الأوربيين“. بل وزيادة على ذلك كان ”الأوروبيون يسخرون من عادةِ الاغتسال اليومي، صباحًا لدى الهنود!“ أُضيف: كان سكان شمال أوربا وبريطانيا بشكلٍ خاص نادرًا ما يغتسلون، بل كانوا يعتبرون الاغتسال عادة غير صحية! يقول المؤرخ لويب مفسرًا هذا: ”ليس بسبب الكسل –أي عدم اغتسالهم– بل لأنهم يعتقدون أن تنظيف الجسم بالماء والصابون مُضر بالصحة!“.
وماذا قال جننغز وهو أحد أبرز مؤرخي أمريكا عن السكان الأصليين (الهنود الحمر)، يقول: ”إن هؤلاء الهنود [الهمج!] كانوا يعتبرون النظافة من الإيمان والاغتسال اليومي طقساً مقدسًا“ وبعد هذا لك أن ترسم ما تشاء من الصور عن تلكم الشعوب البريئة المسالِمة.
وللحديث بقيّة.