حضارة الجماجم «4»

”سيأتي زَمن على الأعـراق المُتحضّرة تُبيد فيه الأعـراقَ الهمجية، وترِث منها الأرض حتمًا“. (تشارلز داروين)

ما زِلنا نكتشف معاً ورقات مخفية مِن كِتاب الحَضَارة العظيم للرجل الأبيض، ولكن قبل أن نُكمل، قد يقول قال: وكأنك بعرِضك هذا تحاول إقناعنا بأنَّ هذه الحضارة العظيمة لَمْ تقم إلا على هرمٍ ضخم من الجماجم! نعم، هذا بالضبط ما أريد إيصاله إليك وقوله لك، بل إنني لا أحاول إلا أنْ أردد قول المؤرخ ريتشارد سلوتكين Richard Slotkin: ”إذا كانَ لابد من شعارٍ يرمز لأمريكا وتاريخها فليسَ هناك ما يعبّر عن هذه الحقيقة سوى هرم هائل من الجماجم!“.

منذ أربعة قرون وهم ينهشون في أجسادِ السكان الأصليين، التي أحل الله لشعبهِ (المختار) أن يفعل بها ما يشاء! كانوا يتفننون في نشرِ أنواعِ الأوبئة التي يقتلونهم بها. أكثر من ٩٣ حربًا جرثومية شاملة شنّوها عليهم منذ أن وطأت أقدامهم صخرة پليموث المقدسة في القرن السابع عشر حتى القرن العشرين.

يقول توماس مورتون Thomas Morton أحد المستوطين الأوائل الذين عاشوا مع السكّان الأصليين: ”كنتَ ترى أكوام الهياكل العظيمة“ في منظرٍ ألهمَ شعب الله المختار أن يسمِّي هذه البلاد بالجلجلة الجديدة، لكنها ”جلجلة بهيجة أثلجت قلوب مكتشفيها لأنها آية إلهية تدل على رِضا السماء عن موتِ الهنود –السكان الأصليون– وعن مواكبةِ العناية الإلهية لاستعمار العالم الجديد“.

وليم برادفورد William Bradford

وتأمل وصف حاكم مستعمرة پليموث وليم برادفورد William Bradford لحال السكان الأصليين في لحظاتهم الأخيرة عندما غَدَرت بهم يد الرب الإنجليزي! يقول: ”كانَ موتهم بالجُدري شنيعًا.. الجُدري يسري سريعًا بينهم من واحدٍ لآخر، وجلودهم تلتصق بالفِراش الذي يرقدون فوقه، فإذا ما قلبتهم يقشعر جلدهم كلّه ويسبحون في الدم.. ثم يموتون كالنعاج النتنة، ما أتعس أحوالهم! كانوا يتساقطون الواحد تلو الآخر غير قادرين على مُساعدة بعض..“ وتطول هذهِ الرِّسالة المُعبِّرة عن نفسيةِ غزاة العالَم الجديد وأُسس حضارتهم الإنسانية، وصدق مَن قال: ”يحفظون حقوق الإنسان بإبادتِه“.

كتبَ برتولومي دي لاسكازاس [رسول الهنود]: ”يزعمون أنَّ الله هوَ الذي أرسلهم لفتح البلاد الآمنة المُطمئنة، وأنهُ هو الذي وَهَبهم حق تدميرها ونهب خيراتها. إنهم لا يختلفون عن أولئك الذينَ يقتلون ويسرقون ثم يقولون: «مُباركٌ هو الرب، لقد صِرنا أغنياء!»“.

إلى يومِ الناس هذا لا يزال هُناك مَن يتجاهل بل لا تعنيه إبادة ١١٢ مليون إنسان! هذه الجريمة الأعظم في تاريخِ البشرية التي تُحاول يد الرب الإنجليزي سترها، هناك مَن يراها هيّنة؟ ويرى أنَّ هؤلاء الضحايا مُجرد أضرار هامشية لابد منها لولادة أعظم حضارة وأمة على وجهِ الأرض.

ثيودور روزفلت Theodore Roosevelt

وحتى نفهم أكثر نفسية أولئك الأوغاد ونعرِف طموحاتهم، ونُدرك معنى السلام الحقيقي لديهم، لنقرأ هذه المقالة التي كتبها الرئيس الـ٢٦ للولايات المتحدة وهو ثيودور روزفلت Theodore Roosevelt ، يقول، واقرأ بتمعّن:

”كُل تاريخنا الوطني كانَ تاريخاً للتوسع. ففي عهدِ واشنطن وآدمز توسعنا غرباً حتى الميسيسيپي. وفي عهدِ جفرسون توسعنا في القارة حتى ثغر كولومبيا. وفي عهدِ مونرو توسعنا في فلوريدا، ثم في تكساس وكاليفورنيا. وأخيرًا عبر سيورد Seward (يقصد وليام سيوارد تـ ١٨٧٢م) وبفضلهِ إلى آلاسكا، فيما ينشط التوسع سريعاً في ظل كل حكومة أمريكية. وما دام هناك ثغور [على بلاد الهنود] ستبقى الحرب بين المستوطنين والهِندي الأحمر أبرز ملامح الحياة في هذه الثغور. والسبب الأقوى لذلك هو أننا بكلِّ بساطة نعيش في بلدٍ يسيطر عليه المتوحشون أو أنصاف المتوحشين! وكذلك هو حالنا في الفيليبين. لهذا فإن قضية التوسع هي أساس قضية السلام. فليسَ هناك من يبسط السلام في العالمِ إلا القوة الحربية للشعوب المتحضرة. العرب مثلاً دمّروا حضارة شواطئ المتوسط! والأتراك دمّروا حضارة شمال شرق أوربا، أما النقيض الذي نفعله اليوم والذي أدّى إلى انحسار هؤلاء البرابرة بعد أن غزوناهم واجتحناهم فقد حلّ السلام حيثما تقهقر هؤلاء وانهزموا، وما كانَ ذلك ليتم لولا أننا ما زلنا نصقل موهبة القتال فينا ونتوسع شيئاً فشيئاً في المجاهيلِ التي يسكنها البرابرة“. يا سلام، هل اتضحت الصورة؟ لسنا بحاجةٍ إلى أن نُعلِّق فقد كان روزفلت الخبيث واضحًا في مقالهِ العنصري النتن.

وللحديث بقيّة!

أضف تعليق