حضارة الجماجم «5»

”حطِّم قلب بلادهم، امحُ كل مدنهم وقراهم عن بكرةِ أبيها، احرق حقولهم ومزارعهم، أتلِف محاصيلهم وكل ما لديهم من مونةٍ للسنةِ القادمة، أنزِل بهم أقسى العذاب وأفظع الأذى“. من رِسالة جورج واشنطن إلى الجنرال هوراشيو غيتس.

ذكرنا في المقالِ الأول شيء عن جورج واشنطن «هدَّام المُدن» كما كان يصِفه هنود السينيكا الذين هدمَ من مُدنهم ٢٨ مدينة! والآن سنذكر بعض الحقائق التي قد تكون غائبة عن الكثيرين تخص أحد أبطال هذا الهولوكست المسكوت عنه، أعني إبادة ٥٠٠ أمة وشعب كانوا يعيشون في سلامٍ ودَعة في المنطقة التي تُسمى اليوم الولايات المتحدة، وهو توماس جفرسون Thomas Jefferson وتعلمون أنه الرئيس الثالث للولايات المتحدة ومن الآباء المؤسسين لها. كان هذا القديس يأمر وزير حربه بأن يسحق كُل هندي يرفض التوسع الحضاري للعِرق الأسمى ويستخدم البلطة في ذلك! لنقرأ قوله معا: ”لن نرفع هذهِ البلطة عن رؤوسهم حتى يُبادوا عن بكرة أبيهم أو يرحلوا إلى ما وراء نهر الميسيسيپي (حيث كان يُعتقد يومها أن هذا النهر سيكون الحد الفاصل بين الولايات المتحدة وبين الهنود والإسبان والإنكليز الذين يحتلون أجزاء من الأراضي الهندية وراء الميسيسيپي). نعم، قد يقتلون بعضًا منا لكننا في النهاية سندمرهم جميعًا، إذ ليس لدى الحكومة الأمريكية من خيار سوى مطاردة الهنود واستئصالهم من الأرض“. وبالمناسبة هذا القدّيس هو كاتب إعلان الاستقلال المشهور ٤ يوليو ١٧٧٦م والذي وصفَ فيه الهنود الحمر بأنهم ”متوحشون لا رحمة عندهم، والمعروف عنهم أن قاعدتهم في الحربِ هي الدمار دون تمييز للناس من كل عمر وجنس ومنزلة!“. والله إن هذا الوصف لائق بغُزاة العالم الجديد، ولكنكم تعرفون -في الغالب- مَن الذي يكتب التاريخ.

وما دامَ الحديث اليوم عن أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، لنستطرد ونتحدث عن أحد آباء الحرية والتحرير لنُوضح بعض الحقائق، نعم؛ أعني المُحرِّر الكبير إبراهام لينكون Abraham Lincoln والذي يُعد رمزًا من رموز الحرية والتحرير ليسَ في الولايات المتحدة فقط بل في العالم أجمع، بل إن بعضهم جعله -جرأة وجهلا- من المسلمين! المهم، هل تعلم -أيها القارئ المُحترم- أن أَكبر إعدام جَماعي في تاريخِ الولايات المتحدة كانَ بأمرِ هذا الرئيس؟ وكان ذلك في ولاية مينيسوتا. بعد اعتقال حوالي ٣٠٠ مُنتفض هندي طالبت الولاية بإِعدامهم جميعًا، وبعد التسوية أُعدم منهم ٩٣ تم اختيارهم عشوائيا !

لم يكن هذا الرجل يومًا من الأيام من أنصارِ تحرير العبيد بل كان متقلباً حسب ما تهب رياح السياسة، قال في خطبة له -واقرأ جيّدًا- : ”لستُ الآن ولن أكون يوما، لصالح أن يصبح السود ناخبين أو مؤهلين للوظيفة الحكومية أو أن يتزوجوا من البيض“ ثم أردف: ”يجب أن يكون هناك أعلى وأدنى مرتبة، والأعلى هو العرق الأبيض!“.

في كتاب «أميركا والحريات ص٤٦» : ”وكانَ لينكولن يَستعمل مُرادفات لوصفِ السود يشمئز لها النَّاشطون في مجالِ إلغاء العبودية وحقوق الإنسان“. بل وفي خطابهِ الرئاسي سنة ١٨٦١م قالَ (المُحرر الكبير): ”ليسَ لدي نية، مُباشرة أو غير مُباشِرة، لأتدخل في مؤسسةِ العبودية في الولاياتِ التي تَسمح بها. إنني أعتقدُ أنهُ ليسَ لدي الحق بأنْ أفعل ذلك وليسَ لدي الميل لأفعل ذلك!“. يجب أن نحدّ النظر دائمًا فيما نقرأ، حتى لا نبني تصورات خاطئة توقعنا في الوهم الدائم.

وللحديثِ بقية.

أضف تعليق