
لخليل السكاكيني (١٨٧٨-١٩٥٣) مقال مفيد عن أنواعِ الناس، أتصرّف بنقلهِ لكم لعلَّ فيه ما ينفع، ولكن قبل المقال، من خليل السكاكيني هذا؟! هو لمن لا يعرِفه أديب فلسطيني كبير، وإنسان نبيل، ومربٍّ صرف قلمه وحياته كلها إلى معالجةِ شؤون التربية؛ لأمته في مجموعها بشكلٍ عام، ولأطفالِ أمته ويافعيها في المدارسِ بشكلٍ خاص كما كتبَ عنه صديقه عيسى الناعوري.
كان السكاكيني صلباً في مواقفه ثابتاً على مبادئه، لا ينطق إلا بما يؤمن به، ولا يهمه إن كان قوله يُغضب فلان أو يرضيه، وكان دائمًا ما يربأ بنفسه عن الدناءة وينزهها عما يشينها، كتبَ مرة في يومياتهِ معبِّرًا عن طبيعته: ”أنا لا أقول إلا ما أعتقده، ولا أعتقد شيئاً إلا بإخلاص وأمانة. أُخلص في النُّصح، وأبذل الود، وأوثر الغير على نفسي. لا أتشبّث برأيي إذا بدا لي أنِّي على خطأ. لا يستطيع أحد أن يستشف من كلامي أو تصرُّفي شيئا من الدناءة. أُنزّه نفسي عما يشينها، بل عن بعض ما لا يشينها كما قال الجرجاني. ليست معرفتي إلا نُتفاً من هنا وهناك، لا تملأ دماغ طفل فضلاً عن دماغ رجل في سنِّي؛ ولكنها ليست سطحية ولا تقليدية ولا مستعارة من أحد، وليس فيها شيء من التبلور والجمود. نعم إن جانباً كبيرًا مما أعرف استفدته من المطالعة والاحتكاك بالناس؛ ولكنه لم يلبث أن أصبح جزءاً من نفسي. ولعلّي لا أبالغ إذا قلت: أني من الأفراد القليلين الذين يفهمون ما يعرفون ويعيشون بموجب تلك المعرفة. معرفتي قليلة، ولكنها حيّة نامية، وإذا كانت المعرفة حية نامية فهي قوّة“.
من أشدِّ ما عايشه السكاكيني في حياتهِ هو فقده لزوجته الحبيبة «سلطانة» -أم سري- التي قال فيها صديقه معروف الرصافي -في ديوانه- :
أأمَّ سَريٍّ أنت سلطانة البَها
أطاعكِ منه ما عصى الناس أجمعا
ولم يرَ نقصًا في مُحيَّاك ناظري
سوى أنَّ كلَّ الحسن فيه تجمَّعا
وقد بكاها السكاكيني طويلاً، وصوّر آلامه وحزنه عليها شعرًا ونثراً، ونشره في كتابٍ أسماه «لذكراك» وزّعه مجانًا على معارفه وأصحابه. من أشهر ما كتبَ فيها قصيدته المؤلمة «قفا نبكِ»، التي منها:
قفا نبكِ من ذكرى أذابت حشاشتي
ولا تبخلا بالدمعِ، فالدمع حاجتي
قفا أسعفاني في مصابي، فإنني
أراه مصاباً قد تجاوز طـاقتي
لقد كنتُ قبل اليوم أحسبُ أنني
صبورٌ على الأرزاءِ تقرع ساحتي
وأني كبير القلب لا تستخفّهُ
حوادث هذا الدهر أمَّا توالتِ
وأني على حظٍ من العلمِ صالحٍ
على قدرِ ما قد زودتني ثقافتي
فلما دهاني ما دهاني وجدتني
ضعيفاً جزوعًا ذا شجًى وكآبةِ
إلى أن قال:
تلفّتُ علّي أن أراها فُجاءةً
وأصغيتُ علِّي أن أفوز بنامةِ
وقلتُ هنا عاشت، وهذا مكانها
وكِدت أناديها على مثلِ عادتي
فلم ألقَ إلا خُدعةً بعد خُدعةٍ
ولم ألقَ إلا ما يشق مرارتي
ويسترسل في أحزانه:
تعلّلتُ بالآمالِ أرقبُ وقتها
فلم تكُن الآمال غير عُلالةِ
وأصبح عمريِ بعد ذلك فضلةً
أروح وأغدو فيه مِن غير غايةِ
إلى آخر ما قال من رثاءٍ يستدر الدمع، وحتى تعرف حجم معاناته بعد فقدهِ لزوجته الحبيبة، اقرأ قوله هذا بعد رحيلها: ”آه يا سلطانة، إن موتك غُصّة في صدري لا تُساغ، لا يُسيغها البكاء ولا يسيغها التجلّد، ولا يسيغها أن أنهمك في العمل أو أقرأ الكتب أو اللهو بالحديث، لا يسيغها أن أنام ولا يسيغها أن أستيقظ.. ولا تسيغها الأيام فإنها تتجدد كل يوم!“.
ولم يلبث السكاكيني حتى فُجع بابنهِ الوحيد «سري» إثر سكتةٍ قلبية أصابته في ١٩٥٣/٥/١١م، ولم يستطع أن يحتمل هذه الفاجعة، فلحِق بابنه بعد ٣ شهور من وفاته. كتبَ مرة يفلسف مصائب الحياة: ”ما أجمل الحياة بدون مصيبة، ولكن إذا وقعت المصيبة فيجدر بالعاقل أن ينتزع منها حكمة، فقد قيل إن الحِكمة مخبوءة في جيوب المصائب. وما أدرانا لعلَّ هذه المصيبة نافعة لنا فلا نخلص منها إلا ونحن أوسع صدورًا وأبعد نظرًا وأرقى نفوساً وأكرم أخلاقاً وأكثر معرفة واختبارا“.
السكاكيني كان مربيّاً يهتم بكرامةِ الطلاب، ويغضبه محاولة إذلالهم، كتب في يومياته ١٩٣٢/٥/٢٤م بعد عودتهِ من تفتيش مدرسة عكا: ”مررتُ على ولد فوجدت أحد خديه أحمر، فقلتُ له: لماذا خدك أحمر؟ فتردد في أول الأمر، ولما ألححتُ عليه قال: «إن المعلم ضربني». تأثرتُ كثيرًا وكدت أطلب ذلك المعلِّم للبِراز! ولما انتهى التفتيش جمعتُ الأساتذة وألقيتُ عليهم كلمة شديدة. ليس شيء أكره إليّ من أن تُساس المدارس بالعُنف، وإني أشكر الله أني أول من نادى في هذه البلاد بتحرير التلميذ، ولم أزل منذ توليت عملي أنادي بتحرير التلميذ وبناء تربيته على إعزازه لا إذلاله!“.
لم تكن النية أن أتوسع في الحديثِ عنه، ولكن على أيةِ حال لننتقل الآن إلى مقالتهِ التي كتبها وهو في الثامنةِ والسِّتين من عمره عن أنواعِ الناس، ألفيتها ظريفة قد وُشِّحت برداءٍ نافع، فأحببتُ أن أنقلها لكم بعد ضبطِها والتصرُّف اليسير بها.
يقول السكاكيني:
الناس أنواع:
منهم نوع يقول إن الحياة لذة، وأصحاب هذا المذهب فريقان: حسيّون وعقليون. أما الحسيّون فيحسبون أن الحياة زِقّاً وقَيْنة. وإذا فتشت وجدت أن أكثر الناس حسيّون في كل زمانٍ ومكان. منهم «بهرام جور»؛ فقد أمر الناس أن يعملوا كل يوم نصفه، ثم يستريحوا، ويتوفروا الأكل والشرب واللهو، وأن يشربوا على سماعِ الأغاني.
وأما العقليون فإنَّ أعظم اللذات عندهم «المعرفة»، وخير جليس عندهم الكتاب.
فالفريقان متفقان في طلبِ اللذة، ولكنهما مختلفان في طبيعةِ هذه اللذة. ومنهم نوعٌ يقول: إنما الحياة مجد. وأصحاب هذا المذهب فريقان: فريق يعرفون الخير فيعملونه، فيمجدهم الناس لخيرهم، وفريق لم يتّفق لهم أن يعرِفوا الخير، وإذا عرفوه؛ فإنهم لم يُرزقوا القدرة على احتمالِ المؤونة فيه، إذن ليس لهم إلا الانغماس في الشرِّ، ويُطلقوا أيديهم فيه، على رأي ذلك الشاعر الذي قال: ”إذا أنتَ لم تنفع فضُر“. فيمجدهم الناس خوفًا من شرِّهم.
ولكن يظهر أن أصحاب هذا المذهب يَقلّون شيئاً فشيئاً، وإذا غاب منهم سيّد لم يقم سيّد. بل قد ينتقلون من الجانبِ الواحد إلى الآخر. فقد عرفتُ كثيرين منهم كانوا يفعلون الشر وهم يعلمون أنه شر، وكانوا مع ذلك يفتخرون بشرِّهم. فقد سمعتُ بأذني من يقول: اعتديتُ، واغتصبتُ، وفعلتُ وتركتُ، ولا يخجل. ثم ارتقوا قليلاً فجعلوا يدّعون أن الشر قوة، فإذا افتخروا فبالقوة لا بالشر. ثم رأوا الناس يتحدثون بالخير، فأمسكوا عن افتخارهم بشرِّهم حياءً –والحياء من علائم الخير-، وجعلوا يتكلفون الخير تكلفاً، ويدّعونه ادعاء؛ اختلاساً لثقة الناس بهم. ثم لم يلبثوا أن خاصت نفوسهم من الشرِّ، وأصبحوا من أهل الخير برغم أنوفهم. ”فإذا رأيتم بعد اليوم أشرارًا فلا تقنطوا من رحمةِ الله“.
ومنهم نوع يقول: إنما الحياة واجب. وأصحاب هذا المذهب يحملون الدنيا على ظهورهم؛ يمرض الناس فيعودونهم، يفرح الناس فيهنئونهم، يحزن الناس فيعزونهم، يعجز الناس فيساعدونهم، تُظلم البصائر فينورونها، تعثر الأقدام فيقيلون عثراتها. يقع خلاف بين الناس ولو في أقصى البلاد فيتطوعون لإزالته. ”إذا رأوا اعوجاجًا قوّموه، وإذا رأوا استبدادًا قاوموه“. هذا الفريق من الناس هو الذي عناه الشاعر بقوله:
بهم النجاة من الأذى، وعليهمُ
في كلِّ فادحةٍ نصيب معول
ختامًا:
قد يميل أصحاب اللذة إلى المجد والواجب، وقد يميل أصحاب المجد إلى اللذة والواجب، وقد يميل أصحاب الواجب إلى اللذة والمجد. فإذا تجاذبت الواحد منهم هذه الميول؛ فصاحب اللذة يضحي بالمجد والواجب في سبيل لذته، وصاحب المجد يضحي باللذة والواجب في سبيل مجده، ”أما صاحب الواجب فيضحي بلذته ومجده، بل هو على استعداد لأن يضحي بحياته في سبيل واجبه“.
• خليل السكاكيني – القدس ١٩٤٦م.
انتهى.
فأرجو أن تكون أيها القارئ الكريم من أهل الواجب الذين لا تعشي أبصارهم اللذة عن مكانهم اللائق بهم في الحياة، ولا يصرفهم طلب المجد عن حقيقةِ رسالتهم في الوجود.