
قال دون كيخوتي لسانشو بانثا:
”ما أسعد مَن منحتهُ السَّماء كسرة من الخُبز، دون أن يضطر إلى الاعتراف لأحدٍ بجميل غير الله تعالى“. [الفصل ٥٨ صـ٩٣٧].
قبل الشروع بما أريد، تعالوا لنتفق على رسمِ الأسماء حسب النطق الإسباني لا الفرنسي الشائع، فنكتب ثرڤانتس بدلاً من سرفانتس، ودون كيخوتي بدلاً من دون كيشوت. [العهدة على كيليطو في كتابه: لسان آدم صـ٩١].
دون كيخوتي عمل خالِد للأديب الإسباني ثرڤانتس، وكم يطيب لبعض المثقفين الاستشهاد بها والإشارة إليها، لأنه من القبيح أن يكون المثقف جاهلاً بعملٍ كهذا! ولكن للأسف لا تكاد -أقول لا تكاد!- تجد متحدثًا عنها إلا واختزلها بسطحية باردة في مهاجمةِ الفارس الواهم لطواحين الهواء، دون النفاذ إلى عمقِ الرواية وسبر أغوارها وإظهار الدافع الأصيل إلى تحقيقِ العدالة ورفع الظلم.
أعتذر، لعلّي غفلت عن إمكانية وجود من لم يقرأ الرواية! حسنًا، دونكم تلخيصٍ سريع وتوضيح لإطارها العام:

هذا فارسٌ إسباني نحيل في الخمسين من عمره، يعيش في قرية من قُرى إقليم لامانشا، أكبّ على كتب الفروسية حتى تمكّنت منه وألهته حتى عن الزواج، فقرّر فُجاءةً أن يكرّس نفسه لإحلال العدالة في الأرض ونصر المظلومين. ركب حصانه الأعجف العجوز، ولبس خوذته، وحمل درقته، وأخذ رمحه القديم، وأقنع جاره البائس سانشو بانثا بمرافقته، فركب حماره، وانطلقَ مع الفارس المقدام لركوب الأهوال وتحدي الصِّعاب. ولأن قصص الفروسية سيطرت على خياله حتى حجبت المنطق السليم في عقله؛ نجده يعامل النِّساء غير المحتشمات كسيدات نبيلات، وصاحب النُزل الحقير كقائد عظيم، ويرى طواحين الهواء عمالقة فيدخل معها في معركةٍ حامية الوطيس، ويُلقي خطبة عن السلام على رعاة بسطاء صادفهم في طريقه!! وهذا ما أوقعه هو وخادمه أثناء الرِّحلة في مواقف صعبة، وجعلهما عرضة للإهانة والإذلال والخداع، حتى أنقذه في آخر المطاف بعض الأصدقاء القدامى، فأُعيد إلى بيته ليموت يائسًا من صلاح العالم.
هذا تلخيص مُخل (متعمد) لإحدى روائع الأدب العالمي تقع في أكثر من ١٠٠٠ صفحة!
نعود.. للأسف، كثير ممن قرأ الرواية ركّز على جانبها الهزلي، وهذا ملموس مشاهد باستشهاداتهم بها، أو إسقاط بعض أحداثها على الواقع المعاصر. الرواية متكاملة؛ فيها الجِد والهزل، الخيال والواقع، الجنون والعقلانية.. وهذا المزيج العجيب في الرواية سبب تكاملها، وهو الذي جعل الجميع يتلذذون على حدٍّ سواء أثناء قراءتها. ولهذا قالت عنها دائرة المعارف البريطانية إن ”الأطفال يقلّبون صفحاتها، وصغار السِّن يقرؤونها، والكِبار يفهمونها، والشيوخ يمتدحونها“.
لذلك أقول: إن هذه الرواية الخالِدة تفقد عَظَمتها عندما تُختزل في جانبٍ معيّن. وهذا هو الذي دفع عالِم الأدب البارز ليستر كروكر تـ٢٠٠٢م إلى القول من ضمن مقالٍ له عن الرواية ومؤلفها: ”ومن مهازل السخرية أن تُعد «دون كيخوتي» مجرد مغامرة هزلية بل حتى قصة للأطفال. في حين أنها أعظم قصة فلسفية في الأدب الغربي إلى القرن العشرين على الأقل. إنها عمل فني تتجمع فيها المعاني كلها تتمثلها حقيقة واقعية تسري في مجرى الحوادث والشخوص. ولذا نحن أحرار أن نقرأها كقصة جيّدة وكوميديا تتناول حكايات الفروسية. ولكن ثرڤانتس نفسه قبل وفاته بقليل رفض غلط العديد من جهال الناس الذين عدوه كاتبًا مبهجًا“.
يكتب المفكر المِصْري والاقتصادي الكبير جلال أمين ملخصًا شخصية بطل الرواية: ”لقد اتُخذَ دون كيخوتي، على مرِّ العصور، رمزًا لما يفعله شخص يرفض أن يرى الواقع كما هو في الحقيقة، بل يراه كما يصوّره له خياله. قد يكون رجلاً نبيلاً وصاحب مبادئ سامية، ولكنه يتعامل مع الواقع على نحوٍ غير ملائم بالمرة، فينتهي الأمر بمأساة. والرواية تنتهي فعلاً نهاية مأساوية، إذ يعود دون كيخوتي حزيناً إلى منزله، مرهقًا ومحبطًا ويائسًا تمامًا من إصلاح العالم، ومعترفًا بهزيمته أمام عالم مادي مجنون“. [في كتابه: تجديد جورج أورويل].
وهذه قراءة متزنة وعادلة نوعًا ما لشخصية البطل، لكن ماذا لو أضفنا إليها قراءة الكاتب والروائي الكبير الروسي إيڤان تورغينيف لتكتمل صورة «دون كيخوتي».
تورغينيف قال هذا التحليل الذي سأنقله لكم في جمعية مساعدة العلماء والأدباء المحتاجين بتاريخ ١٠ كانون الثاني ١٨٦٠م، وقوله من كلمة طويلة أظهر فيها تحليلاً فريدًا لشخصيتين متناقضتين هما «دون كيخوتي» لثرڤانتس، و«هاملت» لشكسبير.
من هو دون كيخوتي؟ عن أي شيء يُعبِّر؟ يسأل تورغينيف ثم يُجيب -بتصرُّف- : ”يُعبِّر عن الإيمان، الإيمان الراسخ والثابت والمستقر والوطيد بأمرٍ خالد وأبدي وسرمدي، الإيمان بالحقيقة الموجودة خارج إنسان معيّن، والتي تتطلّب التضحيات والعطاء الدائم. يُخلص دون كيخوتي للمُثل العليا والمبادئ السامية، ومن أجلها يحرم نفسه من الكثير من طيبات الحياة، ولديه استعداد للتضحية بالحياة نفسها من أجل المُثل العليا. والحياة بالنسبة له وسيلة لخدمة هذه المُثل وإقامة الحق وإعادة نظام العدالة إلى نصابه. وقد يقول لنا البعض: إن هذه المُثل العليا تنبع من خياله المضطرب ومن عالم روايات الفروسية الوهمي. نتفق مع هذا الرأي، وهذا هو الجانب الكوميدي في شخصية دون كيخوتي، ولكن المُثل العليا تبقى نظيفة. اعتبر دون كيخوتي أن الحياة فقط من أجل الذات معيبة، والاهتمام بالنفسِ دون الآخرين عار. إنه يعيش بكل قواه (إذا كان يجوز التعبير) خارج نفسه ومن أجل الآخرين، ولصالح إخوته، وفي سبيل القضاء على الشر، وصد القوى المعادية للبشرية، قوى السحرة والعمالقة، أي ضد الذين يضايقون الآخرين. لا يوجد فيه أثر للأنانية.. إلخ“ [مجلة الآداب الأجنبية/ العدد ٧١/ ١٩٩٢م]

نعم؛ الآن انتصب بطل الرواية قائمًا أمام الجميع، وبدت ملامحه واضحة لكلِّ قارئ، هكذا يجب أن يُقرأ دون كيخوتي. ولهذا لا زلت محتفيًا بقولٍ وقفتُ عليه وطربت له في كتاب «فن القراءة» لمانغويل، يقول: ”يُحكم على دون كيخوتي بالجُنون. ولكن ما هو جنونه بالضبط؟ يرى دون كيخوتي طواحين الهواء عمالقة، والنعاج مُحاربين، ويؤمن بالمُشعوذين والجياد الطائرة، لكنَّهُ في خضمِّ كُل هذا الوهم يؤمن بشيءٍ صلب صلابة الأرض التي يَطؤها -وهو-: «الحاجة الإجبارية إلى العدالة»“.
ولأنَّ الرواية أعمق بكثير من المعنى الهزلي والصورة الساخرة، أمرت الطغمة العسكرية بقيادة الجنرال بينوشيه في شيلي بمنعها، ذلك أنَّ الجنرال -وما أصدقه في هذا- كان يؤمن بأنَّ الرواية ”تؤيد حرية الأفراد وترفض تسلّط الطبقة الحاكمة“.
هلّا قرأت قول دون كيخوتي في الفصل ٥٨ صـ٩٣٧: ”يا صاحبي، إنَّ أثمن ما منحتهُ السماء للإنسان من نِعَم هو «الحريّة» لا ريبَ في ذلك؛ وكُل الكنوز التي تنطوي عليها الأرض أو التي دُفنت في البحارِ لا يُمكن أن تُساويها“.
ومن وحي الرواية: في الغالب أن من يقرِّر إصلاح العالم، ويحمل على عاتقه هم تحقيق العدالة في الأرض، لن يجد سوى المعاملة القاسية بسببِ جرأة محاولته على التغيير.
وبعد هذا، ما رأيكم أن ننتفع بشيءٍ من حكمةِ بطلنا، وحِكمته تستحق الوقوف والتأمل، وهي نواة هذا المقال. في الفصلِ ٤٢/ صـ٨٢٩/ وبعد أن أخذَ دون كيخوتي سانشو، واقتاده إلى غرفته ليسديه بعض النصائح قبل أن يحكم جزيرته، وبعد أن أخبره بكل تأكيد أن ”المناصب العليا ليست غير هاوية عميقة سحيقة، مغطاة بالظلام وحافلة بالعقبات“. قال له -بتصرُّف- :
• أولاً، اتقِ الله، لأنَّ في تقواه حِكمة، وإذا صرتَ حكيمًا لم تضل أبدا.
• ثانيًا، ابذل كُل الجهود المُمكنة لتعرف نفسك وتلكَ أشق مَعرفة يُمكن تَحصيلها. فإنْ عرفتها فإنكَ لن تَنتفخ مثل الضفدعة التي أرادت أنْ تسوي نفسها بالثور. وفي هذهِ الحالة إذا جعلكَ الغرور تنفش زمكاك كالطاووس، فتذكر أنكَ كُنتَ ترعى الخنازير في قريتك.
• افتخر يا سانشو بوضاعةِ أصلك، ولا تخجل من القول بأنك تنحدر من أسرةِ حرّاث. فإذا رأوك لا تخجل من ذلك فلن يتخذ منها أحد ذريعة لتعييرك، وتفاخر بأنك فاضل متواضع بدلاً من أنك خاطئ متكبر.
• ولا تحكِّم الهوى في نفسك: فهذا من شأن الجَهلة، الذينَ يتصورون أنفسهم أذكياء دون سائر الناس.
• وليكُن لدموع الفقير تأثير في نفسك أكثر، لا عدالة أكبر، من شكاوى الغنى. واعمل على كشفِ الحقيقة، من خلالِ وعود الغني وهداياه، وزفرات الفقير ومضايقته. وإذا تركت أحيانًا درة العدالة تلين، فلا يَكُن هذا تحت تأثير الهدايا، بل تأثير الرحمة.
• وإذا قُدِّر لك أن تحكم في قضيةِ أحد أعدائك، فانسَ إهانته، ولا تعتبر إلا حقيقة الوقائع.
• وإذا طلَبتْ منك الإنصاف امرأة جميلة، فاغمض عينيكَ عن دموعها، وأذنكَ عن نواحها؛ وافحص طلبها بنزاهةٍ ودقة، حتى لا يَغرق عقلكَ في دموعها، وتَخْنق زفراتها فضيلتك.
• ومَن تُرِد عقابه لا تُرهقة بالشتائم؛ فيكفي عذابه دون أنْ تضيف إليه كلمات السِّباب.
• وفي الذنبِ الذي يقع تحتَ طائلة حكمك، انظر دائمًا بؤس الإنسان، وأنهُ معرَّض لانحرافات الطبيعة الفَاسدة، وفي كُلِّ ما تَستطيع، كُن رحيمًا وارحَمن، دون أن تجرح العدالة، لأنهُ على الرغم من أن صفات الله كلها متساوية، فإنَّ رحمته تلمع بسطوع أعذب من عدالته.
فإنْ اتبعتَ يا سانشو هذهِ النَّصائح، طالت أيامك، وقُرِنَ بالخلد مجدك، وحظيت بسعادةٍ لا توصف، وعشت في سلامة؛ محبوبًا، مُبجلاً من كُلِّ الناس، وشيخوختك تكون هادئة عذبة. والنَّصائح التي ذكرتها تتعلق بكمال النفس، فاسمع الآن نصائح تتعلق بتزيين البدن.
فيما يتصل بحكم شخصك وبيتك فإن أول ما أوصيك به يا سانشو:
• أن تكونَ نظيفًا وتقص أظافرك، ولا تدعها تنمو مثل بعض الجهلة الذين يعتقدون أنَّ طول الأظافر يزيد في جمالِ الكف.
• لا تظهر أمام النَّاس بثوبٍ مهلهل، فإنَّ هذا الإهمال يكشف عن جُبن صاحبه وضعفه، إلا إذا كان يستر مكيدة كبيرة، كما ظُن بيوليوس قيصر.
• ولا تأكل ثومًا ولا بصلاً، فإنَّ رائحتهما الكريهة تدل على وضاعةِ أصلك. امشِ بوقار، وتكلم باتزان، لكن بحيث لا يظهر عليك أنك تصغي إلى نفسك، «لأنَّ كل تَصنّع فاسد».
• كُل قليلاً، وتَعَشَّ أقل؛ فصحة كل الجسم تتوقف على المعدة وحدها. ولا تَمضغ بشدقيك معًا، وحذار أن تتجشأ أمام النَّاس.
• اعتدل في نومك؛ فإنَّ مَن لا يستيقظ مع الشمس لا يستمتع بجمال النهار، وتذكر يا سانشو أن الاجتهاد أبو الحظ السعيد، وأن الكسل عدوّه.
وأنقل لكم أيضًا بعض ما أورده دون كيخوتي من نصائحٍ ثمينة لخادمه سانشو في رسالةٍ أرسلها له، وهي في الفصلِ ٥١ / صـ٨٩٥ / -بتصرُّف- :
• لقد قيل لي -يا سانشو- إنك تَحكم بجلال الإنسان، ولكنك تنزل إلى مرتبةِ الحيوان بتواضعك الشديد. على أولئك المُكلفين بوظائف مُهمة أنْ يمتثلوا لمَهابة وظائفهم.
• كن دائمًا حَسن المَلبس؛ ولستُ أعني أنْ تُغطي نفسك بالجواهرِ والحلي والثياب الفاخرة، ولكني أريد منك أن تلبس الثياب التي تتناسب مع مكانتك، وأن تكون دائمًا نظيفًا مُعتنيًا بنفسك.
• ولكي تنال محبة الشعوب التي تحكمها، عليك بأمرينِ رئيسيين، الأول: أنْ تكون لطيفًا مع كُل النَّاس، كما قلت لك من قبل. والثاني: أنْ تعمل على أن تكون مواد التموين دائمًا موفورة؛ لأنهُ لا شيء يُضايق الشعوب أكثر من المجاعةِ والجوعِ والنقص.
• ولا تُصدر قرارات كثيرة، أو على الأقل راع أنْ تكون جَيّدة. واعلم أنَّ القوانين التي توضع ولا تُطبّق، هيَ مثل الجذع الذي جُعِلَ ملِكًا على الضفادع، فقد أخافها أولاً، ومع مرورِ الزمن احتقروه وقفزوا عليه.
• كن حاميًا للفضائل، وبلاء على الرذائل، ولا تَكُن قاسيًا دائمًا، ولا مُتساهلاً دائمًا، لكن اتخذ بين ذلك سبيلا، فالحِكمة في هذا.
• فتِّش السجون، والمجازر والأسواق العامة؛ فوجود الحاكم في هذه الأماكن أمرٌ في غايةِ الأهمية. وواس المسجونين الذين ينتظرون الحُكم السريع، وكُن رهبة للجزارين وكُل تجار السوق الذين يبيعون بموازين زائفة.
• لا تظهر بمظهرِ الجشع، ولا الشَّره، ولا المُتهالك على النِّساء، لأنهُ لو عرفت رعيتك هذا الضعف فيك، لنَصبوا لك الحبائل في هذه الناحية وتسببوا في ضياعك.
• اكتب إلى رؤسائك مرتين أنك تعترف بالجميل، إنَّ الجحود ابن الكبرياء، ومن أفظع الخطايا التي يمكن ارتكابها، ومن يقدر النعمة حق قدرها، يدل على أنهُ سيشكر نعمة الله الذي يسبغ كل يوم عليه آلاف النِّعم.
زِن وأعد النَّصائح التي كَتبتها لكَ قبل أن ترحل لتولي الحكم؛ فإنْ اتبعتها ساعدتك وخففت عنك المشقات والصعوبات التي تعترض الحُكَّام في كُلِّ خطوة.
انتهى.
قبل الختام أقول: في كتاب «لسان آدم» لعبد الفتاح كيليطو (ترجمة الشرقاوي) ص٩١-٩٧ رأي حول الرواية وأصلها لمن أراد الاستزادة، وإن كنتُ لا أحتفي ولا أحفل كثيرًا بهذا النوع من الآراء؛ هل دانتي سرق من أبي العلاء المعرّي، وهل روبنسون كروز لدانييل ديفو ما هي إلا سطو غير مسلح على حيِّ بن يقظان وابن الطفيل! ولكن على أية حال لا أقلل من شأن البحوث في هذا الباب، وهي إفادة لعلَّ هناك من يهتم بها.

وأختم هذا المقال الطويل الذي أرجو أن يكون مفيدًا بقول دون كيخوتي لصاحبه وبتهكّمه المعتاد بعدما تأمل قبح مظهره: ”اصغ يا سانشو، هناك ضربان من الجمال، أحدهما يخص الروح والآخر الجسد. أما جمال الروح فيفوق الجسد في معرفةِ الحشمة، والسلوك المؤدب، والتربية الصالحة، وسماحة العقل، وكل هذه الفضائل يمكن أن تجتمع في إنسان قبيح..“.
__________________________
هذهِ إلماعة عن ترجمات الرواية كتبتها في صفحتي بتويتر بعد نشرِ المقال، فرأيتُ إثباتها هنا في آخره؛ لعلَّ فيها شيء من الفائدة والإثراء للقارئ الكريم.
أول ترجمة عربية للرواية كانت على يدِ الأديب والسياسي المغربي التهامي الوزاني تـ١٩٧٢م، ترجم منها ٤٩ فصلاً نشرها بصحيفة الريف، وكان ذلك بعد ١٩٤٦. ثم عن مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٥٧م خرجت ترجمة الأهواني. والدكتور عبدالعزيز الأهواني ترجم الجزء الأول ٣٥٢ صفحة، وقدَّم لترجمته وراجعها صديقه د. حسين مؤنس، ولكنه لم يستطع ترجمة الجزء الثاني بسبب الاعتراضات الدينية. وترجمته للجزء الأول رفيعة حسب ما قرأنا عنها، ولكنها نادرة. وله تعريف بالرواية وكاتبها في تراثِ الإنسانية ١٩٦٥م.
أما أول ترجمة كاملة للرواية فهي ترجمة د. عبدالرحمن بدوي التي نشرت عام ١٩٦٥م عن مكتبةِ النهضة المصرية ثم أعيد نشرها عن دار المدى ١٩٩٨. بعد ذلك جاءت ترجمة العطار ٢٠٠٢ في القاهرة، ود. رفعت عطفة سنة ٢٠٠٤م في دمشق.
ولا يفوتني أن أذكِّر بترجمة صياح الجهيّم ١٩٩٩م عن دار الفكر اللبناني، وهي ترجمة ناقصة عن الفرنسية في ٢٥٠ صفحة، جاء في المقدمة الفرنسية أن الكتاب ليس تلخيصًا أو نصوصًا مختارة وإنما ”أثبتنا فيه ما بدا لنا أنه أقدر على إثارة اهتمام قرائنا الشباب“. وقد قرأتها وهي جيّدة، ولكن الرواية فيها خرجت مقطعة الأوصال!
نعود لسليمان العطار الذي قال في مقدمة ترجمته للرواية عن ترجمة بدوي بأنها ”تمثل الترجمة المدرسية.. فافتقدت النفس الأدبي، وأصبح العمل جسمًا لغويًا بلا روح“ ثم يقول: ”المترجم قدم عملاً، لكن غير قابل للقراءة الأدبية!“. وهذا حكم قاسٍ وفيه تحامل واضح. أنا لم أقرأ الرواية بترجمةِ العطار لأحكم، ولكني قرأت ترجمة بدوي وأراها جيّدة جدًا. وفي كتاب «الترجمة وجماليات التلقي» صـ٩٦ يقول الكاتب عن ترجمةِ العطار للرواية: ”المتمعن في ترجمة العطار يجد لغتها عاجزة عن التبليغ والتوصيل في كثير من الحالات في نقلِ فصوص النصوص، فتخل بالمعنى وبالمقصد وتهدر الكثير من جماليات ولذة النص“.
أما ترجمة رفعت عطفة، فلعلَّها الأقرب إلى روح الرواية، كما ذكر غير واحدٍ من النُّقاد، والله أعلم.
وأخيرًا، للمهتم راجع مقال الأهواني في تراث الإنسانية العدد ٢ / فبراير ١٩٦٥ عن الرواية وكاتبها في ١٧ صفحة تقريبًا، ومقال الرملي في مجلة آفاق العدد ٧٣ / مارس ٢٠٠٧ في ١٤ صفحة، وكتاب «الترجمة وجماليات التلقي» صـ٨٨ وما بعدها للدكتور حفناوي.
والسلام.
بهذه الروعة يكتب المقال …
إعجابإعجاب
سعيد باطِّلاعك عليه يا كريم.💐
إعجابإعجاب
مقال ثري جداً جداً جداً 💕
إعجابإعجاب
يعطيك العافية
إعجابإعجاب
اردتُ الاستزادة حول رواية دون كيخوتي و وجدت ضالتي في هذا المقال , مقال غنيَّ و سهل وممتع
جذبني لفهم شخصية الفارس صاحب الخمسين عاماً المتعطش للعدالة المنفصل عن الوقع
استوقفتني النصائح البطل و بلاغتها و عمقها النفسي والاجتماعي .
وفقك الله على الدوام
إعجابإعجاب