بين العبقري زفايغ والطاغية موسوليني!

«عالم الأمس» مذكرات ممتعة لكاتبٍ عبقري ممتع وهو ستيفان زفايغ (ولن نتعارك على كيفية كتابة الجزء الثاني من اسمِه؛ زفايغ أو تسفايج أو زفايج أو تسفايغ). هذا الكتاب من أجملِ الكتب وألذها عندي. زفايغ من الكُتَّاب الآسرين؛ يأسرك بأسلوبه في السرد، وتحليله للشخصيات، ووصفه للمشاهد والأحداث. كان عبقرياً بائساً، وعاشَ طريداً غريباً خائفاً يترقَّب. يقول عن نفسِه في آخر حياته: ”أنا لا أنتمي إلى أي بلاد، وحيثما حللت فأنا غريب، أو ضيف في أحسن الأحوال“. وعندما نقلَ قول جريلبارتسر: «نجد مواضع للهجرة ولا نجد وطنًا»، أضاف: ”. . مشردين في لغاتٍ مستعارة تتقاذفنا الرياح!“. وكان يطيب له الاستشهاد بقول أحد المنفيين الروس: ”كان الإنسان في الماضي له جسد وروح فقط، أما الآن فهو يحتاج إلى جواز سفر أيضًا، وإلا لن يُعامل معاملة الكائن البشري“. وما أشد هذا القول على أمثالِ زفايغ وأصدقه. لاحقه هتلر، ومنع كتبه، فبعد أن كانت كتبه في كلِّ بيتٍ -تقريباً- في ألمانيا، لم يعد لها أي وجود في وقته. وفي المكاتب العامة توضع كتبه في صندوق مُقفل يسمَّى «خزانة السموم!». بل حتى كتبه المترجمة حظرها هتلر، وكانت أكثر الكتبِ مبيعاً، وحُظرت أيضاً في فرنسا وإيطاليا. وكان يقول بعد كل هذا: ”واليوم أنا ككاتب «أسير وراء جثماني وأنا حي!» كما قال الشاعر النمساوي جريلبارتسر“.

ومع كل الشدائد التي عاشها، والخطوب التي مرَّت به، كان يؤمن إيماناً عميقاً بأن المِحن التي نجابهها ولا نسمح لها بتحطيمنا تقوِّينا. يقول: ”كان لابد أن تمرّ بضعة أعوام قبل أن أفهم أنَّ المِحن تتحدّى الإنسان، والاضطهاد يقوِّيه، والاعتزال يرفعه، شريطة ألا تُحطِّمه. وشأن جميع الأشياء المهمَّة في الحياة، فإنَّ هذه المعرفة لا يستمدها المرء من تجارب الآخرين، بل من قَدَره الخاص“.

كانت ولادته كما حدثنا بنفسِه ”عام ١٨٨١م في إمبراطورية عظيمة وقوية تحكمها سلالة هبسبورغ. ولكن لا تبحث عنها في الخارطة، فهي قد أُزيلت، وما بقي منها أثر“. وبعد حياةٍ طويلة شابها ما شابها من النجاحِ والسقوط، والأمن والخوف، والاستقرار والتشرّد؛ انتحرَ زفايج -يائساً من صلاح العالَم- وزوجته إليزابيث شارلوت في ٢٣ شباط ١٩٤٢م في مدينة بتروبوليس البرازيلية.

ترك رسالة وداعية يقول فيها: ”قبل مفارقتي الحياة بإرداتي الحرّة، وفي صحةٍ من عقلي، أنا مرغم على الوفاء بالتزامٍ أخير: أقدم شكري الصادر من القلب إلى البرازيل، هذا البلد الرائع الذي وفّر كرمه لي ولعملي كل أسباب الراحة. لقد تعاظم حبِّي للبلاد يومًا بعد يوم، ولم أكن لأوثر بناء حياة جديدة إلا فيها بعد أن توارى عالم لغتي عني، ودمّرت أوروبا، موطني الروحي، نفسها.

ولكن الذي بلغ الستين من العمر يحتاج إلى طاقات غير عادية حتى يبدأ بداية جديدة كل الجدّة، وما لدي من طاقات قد استنزفتها أعوام التشرّد المديدة. لذلك من الأفضل في اعتقادي أن أختم في الوقتِ المناسب، وأنا منتصب القامة، حياةً كان العمل الفكري فيها يعني الفرح الأصفى، والحرية الشخصية الأنقى، والخير الأسمى على الأرض.

تحياتي إلى كلِّ أصدقائي. عسى أن تتسنى لهم رؤية الفجر بعد هذا الليل الطويل! وهأنذا أتقدمهم، وقد فرغ صبري تمامًا“. [ستيفان زفايج، بتروبوليس، ١٩٤٢/٢/٢٢م]

وهنا لابد من القول: الحمد لله على نعمةِ الإسلام، الحمد لله على هذهِ النِّعمة العظيمة التي تقوِّم سلوكنا، وتضبط انفعالاتنا، وتجعلنا من الشاكرين ساعة الرخاء والفرح، والصابرين ساعة الشِّدة والشجن.

عندما شرعتُ في كتابةِ هذا المقال، كانت النية أن أورد قصة من حياةِ كاتبنا لها عظيم الأثر في نفسِه، وكانت نجاحاً باهرًا في سِجلّه الأدبي والأخلاقي. ولكني وجدتني أسترسل في الحديثِ عنه وعن حياته، وكلما أردتُ الدخول في الأمر الذي أريد، تذكرتُ قولاً له هنا، وآخر هناك، وطال المقال.. فليعذرني القارئ الكريم.

المهم، أترككم الآن مع زفايج الذي سيحدثكم عن قصته مع الطاغية موسوليني، وإنقاذه للطبيب السجين! يقول:

تلقيت ذات يوم رسالة خاصة من صديقٍ في باريس يقول فيها: ”إن سيدة إيطالية تريد أن تراني في سالزبورغ من أجل أمرٍ بالغ الأهمية، ويطلب مني أن أستقبلها بلا إبطاء“. جاءتني في اليوم التالي، وقصتها كانت مؤثرة حقّاً. كان زوجها -وهو طبيب بارز- قد انحدرَ من أسرةٍ فقيرة، وتعلَّم على حساب الزعيم الاشتراكي ماتيوني الذي لقي مصرعه على أيدي الفاشيين القساة. ثارت على إثر ذلك ثائرة أوروبا كلها، وكانت تلك آخر مرة يعبِّر فيها ضمير العالَم المُجْهَد عن جريمةٍ مفردة. كان زوجها -الصديق المخلص- أحد ستة رجال شجعان تجرؤوا على حملِ التابوت في شوارعِ روما. وبعد ذلك قوطِعَ وهُدِّد، فقصد المنفى. ولكن مصير أسرة ماتيوني بقي شغله الشاغل. وفي ذكرى الرجل الذي أحسن إليه، أرادَ أن يُهرِّب أولاده من إيطاليا. وفي أثناء القيام بهذه المحاولة، وقع في أيدي الجواسيس، أو العملاء المحرضين، وأُلقي القبض عليه. وبما أنَّ كل ما يذكِّر بالزعيم الاشتراكي كان مربكاً للإيطاليين، وكان من الممكن ألا تكون المحاكمة بالغة السوء بالنسبةِ إليه، فقد اتهمه المدّعي بالتورط في خطة مدبّرة لاغتيال موسوليني. وهكذا فإن الطبيب الشاب الذي نالَ أرفع الأوسمة في الحربِ، قد حُكِمَ عليه بالأشغال الشاقة عدة سنوات.

كانت المرأة الشابة منفعلة جدًا بالطبع. لابد من فعل شيء ردّاً على الحكم الذي يهدِّد حياة زوجها بالخطر. والمطلوب فعله هو توحيد الأسماء الأدبية الكبيرة بأوروبا في حركةِ احتجاج كبيرة، وأرادتني أن أساعدها على بلوغ هذه الغاية. وفي الحال نصحتها ألا تلجأ إلى الاحتجاجات، فقد كنتُ أعلم كم أصبحت مبتذلة مثل هذه التظاهرات منذ قيام الحرب. وذكرتها بأن الاحتجاج الأوروبي على محاكمةِ ساكو وفانزيتي لم يكن وقعهُ في أمريكا حسناً بقدر ما كان سيئاً. طلبتُ منها بكل جدية ألا تفعل شيئاً من هذا النوع، فهي سوف تزيد حالة زوجها ألماً وخطرا، لأن موسوليني لن يأمر، ولن يستطيع -ولو أراد- أن يأمر بتخفيض الحكم إذا مورس عليه ضغط من الخارج.

وبما أنني تعاطفتُ حقّاً مع المرأة، فقد وعدتها أن أبذل جهدي. واتفق أن كنتُ عازماً على الذهاب إلى إيطاليا في الأسبوع التالي، ولي هناك أصدقاء كرماء في مواضع ذات تأثير ربما يستطيعون أن يفعلوا شيئاً من أجل الطبيب.

حاولتُ في اليومِ الأول، ”ولكني اكتشفتُ كم تآكلت أرواح الناس من الخوف“. فما أن ذكرتُ الاسم أمام بعض الناس حتى ارتبكوا. ”آسف، لا أستطيع مساعدتك في هذا الأمر. هذا مستحيل تمامًا“. هذا ما قاله لي واحد بعد آخر، فعدتُ شاعرًا بالخجل. ألا يمكن أن تشك المرأة البائسة في ما بذلت من جهد؟ وبما أنني لم أبذل غاية الجهد، فكرت في أمرٍ واحدٍ ممكن، وهو السبيل المباشر الصريح، أي أن أكتب إلى الرجل الذي يملك القرار، أي موسوليني نفسه.

وفعلتها! كتبتُ رسالة بسيطة قلتُ فيها: ”إنني لا أُحب الابتداء بالعبارات المتملِّقة، وأود أن أوضِّح في الخارج أنني لم أعرف الرجل، ولا نوع الذنب الذي ارتكبه. غير أنني رأيتُ زوجته التي هي بلا شك بريئة، والتي ستتحمل هي تبعات الحُكم الكاملة إذا تعيّن على زوجها قضاء عشرة أعوام في السِّجن. لم يكن هدفي نقد الحكم بأيِّ حالٍ من الأحوال، إنما تخيّلتُ أن حياة امرأة يمكن إنقاذها إن أُرسل زوجها إلى جُزر العقاب حيث يتاح للأولاد والزوجات أن يعشن مع المنفيين بدلاً من إيداعه في السجن“.

أخذتُ الرسالة الموجهة إلى سيادة بينيتو موسوليني، وأسقطتها في صندوق بريد سالزبورغ العادي. وبعد أربعة أيام، أبلغتني المفوضية الإيطالية في فيينا أن سيادته رجاهم أن يشكروني، وأن يعلموني أنه قد وافق على طلبي، وأمر أن تُخفض مدة الحكم. وفي الوقتِ ذاته جاءت برقية من إيطاليا تؤكد الترحيل المطلوب. وفي واقع الأمر، عفي عن السجن تمامًا بعد وقتٍ قصير.

يكتب زفايغ بعد أن ساق هذه القصة:

لم أكتب رسالة في حياتي منحتني فرحاً وارتياحاً أكثر من تلك الرِّسالة، وإذا فكرت في أي نجاح أدبي، فإن هذا النجاح هو الذي أتذكره باعترافٍ خاص بالجميل“.

أضف تعليق