
«متوسط القامة والجسم، قمحي اللون، أسود الشعر، مستطيل الوجه، مفتوح الحاجبين، عسلي العينين سليمهما، كبير الأنف، واسع الفم، خفيف الشارب وحليق الذقن، في وجهه آثار جدري» كانت هذه بعض أوصافه التي ذكرتها وزارة الداخلية في إحدى نشراتها عنه ليساعدها الشعب بالإمساك به. وأين كان هذا المطلوب المطارد عندما كانت الشرطة جادَّة في البحث عنه والإطاحة به؟ لقد كان يعمل خادمًا باسمٍ مستعار في بيتِ أحد وكلاء النيابة!
سيكون حديثنا في هذا المقال أيها القارئ الكريم عن مسيو توندور، ومحمد صبحي، والشيخ بكر، والأمير يوسف كمال، وصالح عبد الجواد، وابن شقيق أفلاطون باشا، وغبريال إبراهيم، والمندوب السامي العثماني.. على رسلك، لا تعجل بالعجب وتحاصر نفسك بالتساؤلات والأسئلة؛ كيف يمكن أن يتحدث عن كل هؤلاء في مقالةٍ واحدة؟! إن كل هذه الأسماء يقف خلفها المغامر العجيب والمحتال الأديب حافظ نجيب (١٨٧٩-١٩٤٦م) !
وحبذا البدء بكلمةِ الطماوي التي ذكرها قبل الحديث عنه في مقالٍ له: ”والكتابة عن حافظ نجيب لا تعني تمجيد الاحتيال والمجرمين، وإنما تهدف إلى الكشفِ عن فصلٍ طريفٍ في الأدب، وعن رجلٍ مزدوج الشخصية له وجهان: وجه فيلسوف أخلاقي صاحب مؤلفات، ووجه محتالٍ أفّاق“.
أول ما وقفتُ على اسمِ هذا الرجل كان في كتاب «الأعلام» للزِّرِكلي، فأغرتني المعلومات الموجزة التي ذكرها عنه، وأخذتُ أبحثُ حتى قرأتُ اعترافاته وشيء من كتبه ومسرحياته وكل تيسَّر لي الحصول عليه مما كُتب عنه من كتبٍ ومقالات.
وأُحِب قبل تناول ملامح حياته وأخباره أن أنقل للقارئ الكريم ما قاله الزِّركلي عنه في ترجمته، يقول «الأعلام ج٢ ص١٦٠» : ”حافظ بن محمد نجيب: كاتبٌ مصري مغامِر، في سيرته أعاجيب. طارده البوليس زمنًا، فكان يفلتُ منه بأنواع الحيل. يتسمَّى بأسماء مختلفة، ويبيتُ في أعظم الفنادق باسم (الأمير يوسف كمال) أو (ابن أخي أفلاطون باشا) أو (المندوب السامي العثماني) ويَمنح الرُّتب والنياشين بالنيابةِ عن الخليفة. ويَظهر بمظهر راهب أو مدرس أو واعظ. وكان (روائيًا) واسع الخيال، اجتماعيًا، يتكلم الإنجليزية والفرنسية والتركية بطلاقةٍ حببته إلى النساء فوقعت في شباكه كثيرات كُنَّ ينثرن الذهب بين يديه. وكان شديد الخجل، تتبادر الحمرة إلى وجهه عندما يتحدث إلى سيدة أو آنسة. وقد يُنفق في اليوم مئات الجنيهات، ولا يملك في اليوم التالي قرشًا. أحدثت مغامراته ضجة في مصر، واعتُقل في 15 أبريل 1916 في بندر الجيزة. وبينما هو في السجن ترجم عن الإنكليزية (روح الاعتدال – ط) و (غاية الإنسان – ط) ونشرهما باسمِ زوجته وسيلة محمد. وبعد خروجه من السجن نشر باسمه كتاب (الناشئة – ط) و (دعائم الأخلاق – ط) و (اعترافات حافظ نجيب – ط) واشترك في تحريرِ مجلة (العلمين) ثم أصدر مجلة (الحاوي) وترجم روايات، منها (جونسون – ط) و (ملتون توب – ط) وانقطع في أواخرِ أيامه لتدوين مذكراته، فسقط القلم من يدهِ وهو يكتب السطر الأخير من الجزء الأول منها. مولده ووفاته بالقاهرة. اشتغل في صباه بالتدريس واشترك في معارك السودان. وكان أبوه من رجال الإدارة بمصر“.
هذا ما ذكرهُ الزِّركلي عنه، وأنتَ ترى كيفَ أن هذه المعلومات الموجزة دافعة للبحثِ مُحرِّضة على التنقيب عن هذه الشخصية الفريدة.
الأحداث العجيبة والغريبة بدأت منذ ولادته! يُحدثنا في أول اعترافاته بأنَّ جده لوالدهِ الحاج حسن السداوي كان تاجرًا وله دكانة في شارعِ العقّادين (بمنطقة الأزهر بالقاهرة القديمة)، وكان له ولد صغير يدلّله فيأخذه معه إلى دكانتهِ، المهم أن الولد كان يلعب ذات يوم أمام دكانة والده والشارع مزدحم فكادت تدعسه عربة وجيهٍ تركي، غضب الباشا التركي من إهمالِ هؤلاء الجهله لأولادهم، فأمر خادمه أن يُدخل الصبي العربة ومضى به!
صاح أصحاب الدكاكين ينبهون الحاج حسن إلى خطفِ التركي ابنه الصغير، فلحق بالعربة وكان يصرخ ”سيب الواد يا تركي!“. وصل الحاج إلى قصر الباشا، وحاول متوسلاً إليه أن يرد عليه ابنه، فأبى الباشا، وقرر أن يتركه عنده لتربيته ويسمح لأهله بزيارته كل جمعة! لم يعجب الحاج هذا المنطق وأرعد وأزبد وهدد وتوعَّد، فكانت النتيجة أن انهال الخدم عليه يضربونه بالجريد حتى فقد الوعي، ثم طُرد ونسي.
مرَّت الأيام، وسُمي الصبي في المدرسة «محمد نجيب» بدلاً من محمد حسن السداوي.. كبر الفتى في كنفِ الباشا، فكان ضابطًا في حرس الخديوي إسماعيل، وعقد له على ابنته الصغرى «ملك هانم» وأقام معها في جناحٍ خاص بسراي والدها. وبعد عيشةٍ رغيدة ارتكب محمد نجيب خطأ فأغضب حماته، فطردته من السراي، ثم أُبعد إلى السودان، وكانت زوجه حاملاً فقرّرت هذه الدكتاتورة (حماته) إسقاط الحمل، فكانت تضرب الزوجة المسكينة أحيانًا وتضع عليها الرحى! بكت هذه الزوجة المسكينة بحرقةٍ في خلوتها بسبب ألمين: ألم التعذيب، وألم فقد الزوج المُبْعَد. ولكن لله حكمة بالغة وأمر نافذ؛ تمَّت شهور الحمل، ثم وضعت الحامل المُعذَّبة طفلها «حافظًا» سليمًا مكتمل الصحة والعافية. قال حافظ نجيب بعد سرد هذه الحكاية: ”فصدق المثل المشهور: «عمر الشقي بقي»“.
لا تخلو اعترافات الأديب المحتال من طرافةٍ وأخبار فكاهية لا تُمل، كما أنها لا تخلو من الجرأة والفسق وذكرٍ للمجون وحبائل الحسناوات! ونحن هاهنا لن نقف إلا على شيءٍ يسير من طرائفهِ وفكاهته، أما أخباره الأخرى فموضعها معلوم.
مما ذكره من الطرائفِ في طفولتهِ أنه عندما أُلحق بالسنة الثالثة كان كثير التغيّب عن المدرسة، يودع كتبه في دكان بائع وينطلق إلى الكوبري الأعمى غرب كوبري قصر النيل، فيقضي نهاره -مع أمثاله من الهاربين أو المتغيبين من المدارس- في الاستحمام بمجرى الماء الذي يقوم عليه ذلك الجسر، فإذا قرب موعد الخروج من المدرسة يكرّ راجعًا إلى البيت.
وفي إحدى المرات رجع من فسحتهِ هذه قبل الوقت المحدد من خروج التلاميذ من المدرسة بكثير، ولم يحس إلا ويد تقبض عنقه بعنف وبصوت يقول: «جاي منين يا واد؟». لقد كان جدّه، فأخذ يضربه ويصفعه وهو ممسك به لا يُفلته، ولخبثه خطرت له فكرة، أخذ يصرخ: «مالك يا عم؟ عاوز مني إيه؟» فاستشاط الشيخ غضبا وزاد ضربا. كانت خطته أن يتهم جدّه أمام الجميع بأنه رجل غريب لا يعرفه يريد اختطافه! صدق الحاضرون، وانهالوا يقرّعون الشيخ وتقدموا لإنقاذ الولد من بين يديه، وكادت خطته أن تنجح لولا ظهور التاجر الشيخ «حسن حبيشة» وكان زوجًا لعمة حافظ، فصاح بالناس: ”الواد ده شقي وهو ابن نجيب أفندي ابن الحاج حسن ده، وأنا زوج ابنته!“. يقول أديبنا المحتال بعد ذلك: ”وجرّني جدي إلى البيت وهو في غيظ مني وغضب علي، وصاح بزوجتهِ يطلب حبلاً، فكتفاني وأنا طريح، واستحال الغضب إلى عملية ضرب، وبلغ الغيظ حد الجنون فجعل الرجل يعضّني بأسنانه، فلم يؤلمني العض وارتحت له، فجعلت أصرخ وأسترحم الثائر وقلت له: «عض ولا تضربش». فضّلت العض على الضرب جدي بدون أسنان!“.
منذ بداية حياتهِ كان طائشًا يقدِّم متعته ولذّته الآنية على كل شيء؛ فنجده لإشباع رغباته وإشباع نزواته يبيع كتبه لتاجر اسمه أمين هندية بأبخس الأثمان! لهذا لم ينجح في ذلك العام الدراسي.
كبر صاحبنا وكان له صولاتٌ وجولات في الحياة (اقرأها في اعترافاته)، ومن أخباره العجيبة ما ذكره عن علاقته بالجنرال غورو وكيف جُهِّز ليكون جاسوسًا فرنسيا لدى الألمان. عاش جاسوسًا لأشهُر بهيئةِ خادمٍ أخرسٍ أبكم، ونجح في مهمتهِ إلا قليلا. وكان من خبره أنه أراد أن يستعجل في إتمام مهمته وبينما هو في القلعة منهمك يكتب معلومات خطيرة في ورقةٍ معه وإذ بكلبِ القائد يهاجمه فيخطف الورقة منه ويهرب! وأخذ حافظ نجيب يطارده ليستخلصها منه ولكنه يُفاجأ بانفتاح الباب ليظهر الضابط ويرى الورقة! رأى الضابط الورقة في فمِ الكلب والخادم يطارده، فأخرج مسدسه بحركةٍ سريعة وصوّبه إلى رأسهِ قائلاً: ”ارفع يديك إلى رأسك“. يقول نجيب: ”فرفعتُ يدي بحركةٍ لا شعورية، فكانت الإطاعة من الأدلة على أنني أسمع، فثبت ثبوتًا قاطعاً أنني لستُ أصمّا ولا أخرسا“. أودع الجاسوس في السجن، ثم كان تهريبه بعد ذلك في قصةٍ أعجب على زورقٍ بخاري!
احترفَ الاحتيال، ولم يعد يبال بالقانون، ويسير وفق منهجه الخاص دون الاعتراف بأي سلطة. من الطرائف -وطرائفه وعجائبه لا حصر لها- أنه عندما كان مطاردًا من البوليس تنكّر في شخصيةِ عم دؤدؤ بائع الفشار والحلوى ولُعب الأطفال، فعرفه كارتييه رئيس البوليس السري عندما سقطت لحيته المستعارة وطارده في الشوارع والأزقة حتى دخل حافظ في حمام بلدي للنساء، وهرب -لأنه كان يعرف هذا الحمام جيّدًا في طفولته- من بابه الخلفي، وعندما دخل كارتييه وجنوده، علا الصياح وانهالت عليهم النساء ضربًا.
ومن طرائفهِ أيضًا أنه تنكر بشخصية مبروك الخادم، وعمل عدة أشهر لدى رئيس النيابة الذي يحقق في قضاياه! ولمّا توطّدت العلاقة وأبان عن جهدٍ وإخلاص في العملِ أخذ منه شهادة حسن سيرة وسلوك. فلمّا سلّم نفسه بعد ذلك، وأمام اتهامات رئيس النيابة بسوء سلوكه، كشف المتهم حافظ نجيب للقاضي شهادةً توضح حسن سيرته وسلوكه مكتوبة بخطِّ رئيس النيابة وموقعة باسمه! ولكنه سُجن على كل حال وهرب مرة أخرى.
ومن أخباره الغريبة التي ذكرها أنه في خضمِ حياة المطاردة التي يعيشها، قام بمساعدة صديقه خليل حدّاد بمغامرةٍ جنونية، وهي شرب دواء يظهره بمظهر الميت. وكان ذلك فعلاً، وأبلغ صديقه البوليس أن حافظ نجيب توفي، وحضروا وتأكدوا من جثته، ثم أُغلقت جميع القضايا المنسوبة إليه، ودُفن في قبره. وفي المساء زال مفعول الدواء ونهض الأديب المحتال ليعيش بين الناس باسمٍ مستعار جديد.
ولو أردتُ الإتيان على كل ما ذكره من أخبارٍ وقصص عجيبة لطال المقال -وسوف يطول أصلاً!-، ولكن لعلّي أنتقل إلى الجانب الآخر من شخصيته؛ «الكاتبُ والمترجم».
وهو في السجن قامَ بتعريب «روح الاعتدال لشارل وانير» و«غاية الإنسان لجان فينوت»، ونشرهما باسمِ زوجته وسيلة محمد.
وترجم من الروايات بعد ذلك: إصبع الشيطان، حذاء الميت، قاضي التحقيق، عفريت بيكار، قاتل الليدي بلتهام وغيرها. وجميعها من روايات جونسون وتقع في سبعة مجلدات وعددها ٢٢ جزءاً، عدا ثماني روايات ملتون.
وله روايات من تأليفه مثل: «الحب والحيلة» و«موت حافظ نجيب» و«ثورة العواطف».
وشارك في تحريرِ مجلة «العالمين» وهي مجلة أسبوعية أدبية علمية مصوّرة. وفي يوليو عام ١٩٢٥ أصدر مجلة «الحاوي»، والحاوي هو الذي يخرج من جرابه أشياء كثيرة -كما يقول الطماوي-، ففي أول غلافٍ لها نجد رسمًا لرجل، هو الحاوي، يخرج من جرابه أشياء مثل: أبحاث اجتماعية، فكاهات، فوائد منزلية، قصة الأسبوع، رواية مسلسلة.. وغير ذلك.
ويجب ألا نُهمل ذكر أن هذه الروايات المترجمة كانت الغذاء الثقافي الأول الذي تغذَّى عليه نجيب محفوظ. في كتابه «نجيب محفوظ – صداقة جيلين» يذكر محمد جبريل أن نجيب محفوظ كان يقول: ”سنكلير وميلتون توب وغيرها من الروايات التي كان يترجمها حافظ نجيب بتصرّف.. هذه الروايات هي كل قراءاتي الأولى“.
وفي مقابلةٍ صحفية مع «تشارلوت الشبراوى» نُشرت في مجلة «دي باري ريفيو» في صيف عام 1992، قال الأديب الكبير نجيب محفوظ إنه يعتبر أن حافظ نجيب هو صاحب أول تأثير أدبي عليه، وأنه حينما بدأ قراءة الروايات في العاشرةِ من عمره كانت أولى قراءاته من تأليف حافظ نجيب، فكان ذلك سببًا في تغيير مسار حياته وتشكيل شخصية الروائي المعروف نجيب محفوظ فيما بعد.
ومما يجدر ذكره أيضًا أن الأديب المحتال لم يكن أمينًا في ترجماته، وإنما كان يترجم بمزاجه؛ يحذف من هنا ما يريد، ويضيف هناك ما يشاء، وهكذا لا يردعه رادع من التصرُّف بمادة الكتاب الأصلية.
وهذا الأمر هو الذي كشفهُ عن نفسه، فإنه عندما أصدر آخر كتبه عام ١٩٢٣، وهو كتاب «الغرور» لماكس نوردو، ونشرته مطبعة المعارف. وعنوان الكتاب الأصلي: (نقد المدنية الحاضرة ونظم البيئة الاجتماعية)، المهم قال في توضيح منهجه وهدفه من ترجمةِ هذا الكتاب: ”ليس هذا الكتاب ترجمة صحيحة لما كتب ماكس نوردو؛ لأنه كاتب ملحد، وما تضمَّنهُ كتابه من النظريات والآراء بُني على الإلحاد. وفي نشرِ الكتاب بالصورة التي كُتب بها ضررٌ عظيم، يؤثِّر في عقول النشء، والذين لم يتمكنوا من التعاليمِ الدينية، تمكُّنًا يَحْفَظُهم من تأثيرِ قوة المؤلف في هدمِ المعتقدات والأديان السماوية. لم أكن أمينًا في النقلِ عن ماكس نوردو للسبب المتقدم، فاخترتُ من كتابهِ ما راقني من النظريات والانتقادات والآراء ونشرتها في هذا الكتاب، وجعلتُ الأبحاث مرتكزة على مبدأ الإيمان بالإله الخالق. قد لا يرضي هذا النهج في النشرِ بعضَ الذين يريدون الأمانة في الترجمة، ولكنني أوثر عدم الأمانة في الترجمةِ على إفساد عقائد الكثيرين بما أنشره من آراءِ الكاتب الملحد وحججه القوية في هدمِ الأديان والاستخفاف بالمعتقدات. في هذا الكتاب آراء كثيرة وأبحاث نافعة وانتقادات جمَّة لماكس نوردو، وأضفنا إليها من الآراء والنظريات التي تخالف معتقده!، ونسبنا الكتاب كله إلى المؤلف، بسبب كثرةِ ما اقتبسناه من كتابه من الأبحاثِ الكثيرة والانتقادات الوجيهة. لم أُحجم في كل حياتي عن عملٍ خوفًا من الانتقاد، أو رغبةً في إرضاء الرأي العام؛ لهذا نشرتُ هذا الكتاب متحديًا النهج الذي ذكرته، فلْيُسَمِّه من شاء ترجمةً أو اقتباسًا أو مسخًا، فهكذا فعلتُ لأنشر ما اعتقدتُ أن في نشرهِ فائدة، ولأمنع ما رأيت في انتشاره أذًى وإضرارًا، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى“.
وأنا لن أُناقش هذا الفعل الذي أقدم عليه حافظ نجيب في العبثِ بالكتب، ولكني أقف متعجبًا أمام هذه الروح المؤمنة التي تخشى إفساد النشء وتحرِص كل الحرص على حمايةِ عقولهم من الشبهات الإلحادية! في ص٢٩٨-٢٩٧ يصرِّح بدون تلجج قائلاً: ”أنا رجل بدون عقيدة وبدون دين لم تؤثر في الوراثة لأنني لم أنشأ نشأة منظمة في حياةٍ عائلية تكون أبنائها بالتربية وتكون سلوكهم بتأثير العادات والتقاليد ولم تعلمني المدرسة تعليمًا دينيًا يثبت في عقيدة ويكون لي مبدأ“. وهذا يجعلني أقف مع سيد علي إسماعيل الذي يرى أن اعترافات حافظ نجيب عبثت بها الأيدي أو كتبت بعد وفاته.
ولنقفز إلى حافظ نجيب الشاعر لنرى ما عنده!
لنبدأ ببيتين كانا أسفل صورته الشخصية:
عجِبتُ من البولِيسِ كيف يرومني
وإنيَ كالعُنَقاء في نظرِ الرائي
جنونٌ ووهمٌ إن رأوا صورتي التي
أغيِّرها إن شئت تغيير أزيائي
ولابد أن نذكر أن الأميرة الروسية فيزنسكي عشقته وأعدته لنفسها، ولكن غيرتها دفعتها للتحريض عليه وسجنه، وذلك بعد أن رأت منادمته للراقصات حتى الفجر.
المهم قال من سجنهِ بالإسكندرية:
إلى الله أشكو أم إلى الناسِ ما جرَى
وقد بـاعني الهمُّ المبرِّح واشترى
وأصبحتُ عبدًا لا أُسام بدرهمٍ
وإن جاءني المبتاع عاب وعيَّرا
وأقضي طويلَ الليل للحظِّ ناعيًا
فيغمض عيني السوط بالرغمِ لا الكرى
إذا ما مضى جيش الظلام تراجعَتْ
لدى الصبح أحزاني وبتُّ مفكرَا
إلى أن قال:
وضاع جميلٌ في الرجال غَرَسْتُهُ
ولو كان في كلْبٍ لَبَانَ وأَثَّرَا
ولو كان في وادٍ لَأَيْنَعَ نَبْتُهُ
ولو كان في قَفْرٍ لما ظَلَّ مُقْفِرَا
ولو كان في وحْشٍ لأصبح آنسًا
وأعلن فضلي للوحوش وأَشْهَرَا
ولكنهُ الإنسان للفضل جاحِدٌ
وهيهات للمعروف أن يتَذَكَّرَا
وقد ساءهم مني اقتدار وهمة
وعزمٌ برى كيدَ الزمان وما انبرى
ولو قلت شعرًا خاله الناس مُنزَلًا
وصلى عليه البعض والبعض كبَّرَا
ولولا الهوى أصبحْتُ للناس كوكبًا
ولولا الهوى أمسيتُ في القوم عَنْتَرَا
وكم عالِمٍ قد ضاع في الحب عِلْمُهُ
وكم عاشقٍ في الرمس بات معفَّرَا
ولولا الهوى ما بتُّ في القيدِ مثقَلًا
ولا بتُّ في وادي الهموم كما ترى
ولا تعْجَبوا أن بات لي السجن مَنْزِلًا
فقد ينزل الإبريز في منجم الثَّرَى
وقد يجهل الإنسان في الرمل قَدْرَهُ
ولكنه لو بانَ للعين أَبْهَرَا
فإن جاءك الساقي بماء ولم تَذُقْ
فهل تعرفنَّ الماء إن كان كَوْثَرَا؟
كذلك أخفاني عن القوم جَهْلُهُمْ
وعاقبني القاضي جزاءً لما جرى
وقال في السجن أيضًا:
طال البعاد على السجين المُغْرَمِ
فتَنَدَّمَ الرجلُ الذي لم يَنْدَمِ
ما نام في ليلٍ على مهد الأسى
إلا وقلَّبَهُ النوى كالمجذمِ
ويعوده طيْفٌ يزور مقنّعًا
وقناعهُ ديجور ليلٍ مُظْلِمِ
في الليلِ يأتي كالطبيب لمُوجَعٍ
فإذا دنا ضمد الجراح بمرهَمِ
وإذا تَلَطَّفَ بالسلامِ أراحهُ
مثل العليل إذا أَتَوْهُ ببلسمِ
وإذا صحا عند الصباح ولم يَجِدْ
طيف الدجى ذرف المدامِعَ كالدَّمِ
كم مرةٍ هزأ الخيال بمن غدا
بعد الدلال قرين لصٍّ مجرمِ
يا صاحِ قد غَدَرَ الزمان ومن هوى
أحرى به سمٌّ بكاسٍ مُفْعَمِ
خيرٌ من السِّجْن الطويل وضِيقِهِ
فالسمُّ أطيب من شراب العَلْقَمِ
ولقد سئمتُ من الحياة وذُلِّهَا
وغدا المماتُ أحبَّ من لثمِ الفمِ
إني تعبتُ من الزمان وصرْفه
وتحكُّم الدهرِ الذي لم يحكمِ
من عاش حرًّا بين آل بلاده
صعْبٌ عليه الذل بعد تكرُّمِ
ومن أشعارهِ قوله:
تجرَّدَ رأسي يا زمانُ من الفكرِ
وأصْبَحْتُ محمومًا أبيتُ على الجمرِ
كذلك مات الحب في القلب يائسًا
وزال به ما كان يحرق في الصدرِ
وأصرف وقتي بين هندٍ وزينبٍ
أعاقرها راحًا إلى مطلعِ الفجرِ
وتسلب مالي ذاتُ خدٍّ محمّرٍ
وأُصْبِح محروقَ الفؤاد من الخمرِ
فيا ليت من يهوى يرى اليوم حالتي
لينظر ما تأتي النساء من الغدرِ
فما باعني للسجن إلا مليحة
علِقتُ بها يا قوم من أول الأمرِ
وله:
يظنونَ أن الحب لهْو ولذةٌ
وأنَّ هناءَ العيش في رفعة الجاهِ
فيا قلبُ هل هذا صحيحٌ تحسُّهُ
وإلا غرور الناس بالظاهر الواهي
علّق خليل مطران (شاعر القطرين) في المجلةِ المصرية فبراير ١٩٠٩ على قصيدةٍ من قصائد حافظ، وجاء كلامه تحت «مجرم شاعر» قال: ”تناقلتُ بعض الجرائد قصيدة لناظمها حافظ نجيب، وهو اسمٌ فني عرفه سكان القِطر بغرائب حيَله، ونوادر الوقائع التي سُجن بسببها، قالها وهو معتقل في «الحضرة» منذ سنتين وهذه مختارات منها“ ثم ذكر مطران مختارات من قصيدته التي مطلعها: «تجرَّد رأسي يا زمان من الفكرِ..» ثم قال مطران: ”ومن تصفَّح هذه الأبيات المرسلة مع السليقة، على ما فيها من ركاكةٍ وضَعف تركيب، استشفَّ خلالها فطرة لو عولجت وتُدوركت لصلحت للشعر والأدب“.
«فارس بلا جواد»
عندما عُرِض مسلسل «فارس بلا جواد» عام ٢٠٠٢ وكان ببطولة محمد صبحي؛ قامت الدنيا ولم تقعد، وأثار هذا المسلسل ضجة عالمية ومحلية. الضجة العالمية لاعتماده على «برتوكولات حكماء صهيون» وتناوله الصراع العربي الصهيوني، وذلك ما جعل السفارة الإمريكية في مصر تقدِّم احتجاجًا على عرض المسلسل؛ لأنه معادٍ للسامية! وليس يعنينا هنا هذه الضجة العالمية، بل نريد المحلية التي حرَّكت أقلام بعض المثقفين وعقولهم للبحثِ والكتابة عن حافظ نجيب. محمد صبحي بطل المسلسل ومؤلفه يرى أن ما أُشيع عن حافظ بأنه محتال ونصَّاب كلّه محض كذب وافتراء. لذلك ظهرت صورته في المسلسل كبطلٍ محاربٍ للاحتلال. والذي بين أيدينا مما نستطيع التعرُّف من خلاله على شخصية حافظ نجيب لا يدل على شيءٍ مما ذهب إليه محمد صبحي، ولعلَّهُ اجتهدَ في التنبؤ وقراءة ما خلف السطور وتحسس وقائع تلك الحِقبة بيدِ التأمل والاحتمال، فوصل إلى استنتاجه العبقري هذا. وأنا في الحقيقةِ لا أستبعدُ أن يكون رأيه صحيحًا، ولكن كيف للمرء أن يُدلّل على صحته؟! هذه فقط إشارة سريعة للمسلسل لا معنى لها لولا أنها تلامس شخصية صاحبنا المُتَرْجَم له.
هذا كل ما أمكنني ذكره عن المحتال الأديب حافظ نجيب، وللاستزادة اقرأ «اعترافات حافظ نجيب، إعداد: ممدوح الشيخ»، ودراسة سيد علي إسماعيل «حافظ نجيب.. الأديب المحتال»، وكتاب «نابغة المحتالين لجورج طنوس» و«مقالتان لأحمد حسين الطماوي في مجلة الهلال العدد ٨ أغسطس ١٩٩٤، والعدد ٧ يوليو ٢٠٠٣».
وأذكِّر بأن صاحبنا كتب في آخر اعترافاته: ”قالوا «قليل البخت يلقي العظم في الكرشة» وقد وجدت في البنسيون عظمة خشنة جدًا صوّرتها الطبيعة في صورةِ حسناء فتّانة تحوم حولها جماعة من الشباب المثقفين وبعض رجال المال وكان لها شأن خطير في حياتي لأنها خلقت لي مغامرة جديدة سأحدث الناس عنها في الكتاب الثاني من اعترافاتي بإذن الله، لأن الحوادث الخطيرة توالت علي بسرعة بعد ١٨ يناير ١٩٠٩ ودفعتني بعنف في خضم الأخطار“. وقضى نحبه قبل أن يُتم ما هو بصدده.
أختمُ بما بدأ بهِ اعترافاته وكلمته الصريحة:
”وقد خلوت إلى نفسي وذاكرتي مرَّات، وعرضتُ على العقلِ والضمير حياتي الماضية وما مرَّ بي من الأحداث، فاقتنعتُ بأنني بددتُ الحياة في سَفه، وضيّعتُ ما كان يجب أن يكون لها من الثمرات، ومكَّنتُ الناس من هدرِ كرامتي..“
”وفي ماضيّ كثير من الأخطاء وقليل لا يُشرِّف ذكره ولا يفيد الناس عرضه، وحب الذات يقتضي كتمانه ونسيانه ومحوه من ألسنةِ الناس بمرور الزمن، ولكن أولادي يُلحِّون علي لكتابةِ اعترافاتي“.
”وليس يهمني رأي الناس إذا عرفوا الحقيقة، لأنني قسوتُ على نفسي بحكمي، ولأنَّ هؤلاء الناس ضلّوا في وصفي وضلّلوا مدى نصف قرن، فلم يعطّلني ما أذاعوه عن شقِّ طريقي في الحياةِ العملية الشريفة!. ولم تمنعني الشهرة السيئة من امتصاص الرزق الحلال! من بينِ مخالب الوحوش وأسنان الأفاعي“.
“أسأل الله لأولادي التوفيق والسلامة طول شوط الحياة ليكونوا نافعين لأنفسهم والجماعة، وليتركوا وراءهم ذكرًا أفضل مما ذكرت“.
والسلام.
