الفكِه حافظ إبراهيم.

في يومٍ من أيامِ سنة ١٨٧٢، وعلى سفينةٍ راسيةٍ على شاطئ النيل أمام بلدة «ديروط» في أعلى الصعيد، وُلِدَ لأسرة إبراهيم فهمي أفندي مولود أسموه «محمد حافظ». ”فكان ذلك إرهاصًا لطيفًا، وإيماءً طريفًا، إذ شاء القدر ألا يولد «شاعر النيل» إلا على صفحةِ النيل!“.

في هذهِ المقالة سأعرِض جانبًا ماتعًا من جوانب هذا العلَم البارز، وهو جانب الفكاهة. والذي قرأ عن حافظ إبراهيم رحمه الله سيعلَم أنَّ هذا الجانب لصيق بحياته، أصيل في شخصيته، يُعْرَفُ ويُعَرَّف به.

بعد قراءةٍ متواضعة عن شاعرِ النيل، وجدتُ أن فيه ثلاث خصالٍ -غير الشعر طبعًا- مميّزةً له وتكاد لا تجتمع في غيره، وقد شهد له بها مَن عرفه وأطال صحبته، وهي: الفكاهة، وقوة الحافظة، والكرم.

فإنه كانَ أسرع إلى «النكتة» من الباز إلى فريسته، وأحفظ للنادرة متى وقفَ عليها من آلة التصوير، وأجود إذا أثرى من الريح المرسلة على حدِّ قول البشري.

ولنَّ أثقل عليك -أيها القارئ الكريم- بإيرادِ معلوماتٍ مدرسيّةٍ عن صاحبنا يسهل الحصول عليها بضغطةِ زر، ولكني سأُتحفك بأسطُرٍ كتبها عنه كبار الكُتَّاب والأدباء لتكون مَعينًا يروي ظمأ معرفتك عن حياته، ومُعينًا يوصلك إلى الإحاطةِ بشخصيته.

ولكن قبل ذلك، أوصيك محبَّةً لك أن تقرأ الترجمة بل البحث الذي كتبهُ عنه أحمد أمين في مقدمةِ ديوانه، فإنه فريد ماتع، يقع في قرابة الأربعين صفحة. وأيضًا عليك بالاطِّلاع على دِراسة الرافعي التي كتبها عنه بعد وفاته في المقتطف، وهي في وحي القلم (المجلد الثالث)، وأضف إليها المقالة التي تليها أيضًا «كلمات عن حافظ».

ولعلّي أبدأ بصاحبهِ الأثير جاحظ العصر عبد العزيز البشري الذي كتب عنه بعد وفاته: ”حقّاً لقد جلّت مصيبة مصر في حافظ أديبًا وكاتبًا وشاعرًا، ومحاضرًا ومفاكهاً ومنادرًا.. رُزق حافظ رحمه الله، إلى طبع وإدراك الملَكة، خلالاً ثلاثاً لا تستوي لكثير: سلامة الذوق ورهافة الحس، والثانية قوّة الحافظة، والثالثة نظافة اللسان“. ويقول: ”ولقد زعمتُ لك أن حافظًا كان نطقاً ذرب اللسان، وكان إلى هذا رجل يألف ويؤلف، فكان يطلب مجلسه المتأدبون، وكان هو عظيم التفقّد لمجالس الأسمار كثير الاطلاع عليها، فلا تراه قط إلا جيّاشاً بلسانهِ في المجلس، يتنقل في خفّة وظرف، بين جد القول وهزله، وهو أثناء هذا ينبوع يفيض بالأدبِ فيضًا، ويأبى إلا أن يدفع في حديثه بأحلى ما وقع له من رائع الصيَغ“.

وقال عنه في كتابه (في المرآة): ”.. فلا والله ما النور بعد الظلام، ولا العافية بعد السقام، ولا الغنى بعد البؤس، ولا إدراك المنى بعد طول اليأس؛ بأشهى إليك، ولا أدخل للسرور عليك من هذا حافظ إبراهيم!

خفيف الظل، عَذْب الروح، حلو الحديث، حاضر البديهة، رائع النكتة، بديع المحاضرة“. وقال في ذات المقالة: ”وهو، كما حدثتك، حاضر البديهة، رائع النكتة، يتعلّق فيها بأدق المعاني في جميع فنون القول؛ فلا يحتويه مجلس إلا رأيته يتنزَّى تنزّيًا من ضحكٍ ومن طربٍ ومن إعجاب. وهو كذلك شديد الفطنة حُلو الملاحظة لا يكاد يعرِض لسمعه أو لبصره شيء إلا وجَّه عليه رأياً طريفاً يصوغه في نكتة عجيبة قد تستقرّ على سطوح الأشياء، وأحيانًا تتغلغل إلى الصميم حتى تتكشَّف الأيام منها لا عن طُرْفة متطرِّف ولكن عن رأي حكيم.. وهو أجود من الريح المرسلة، ولو أنه ادّخرَ قسطًا مما أصابت يده من الأموالِ لكان اليوم من أهل الثراء“.

وقال عنه الرافعي الذي صحبهُ قرابة ٣٠ سنة في مقالةٍ كتبها عنه بعد رحيله: ”كان يتيمًا؛ ولكنهُ دائمًا متودِّد، وكان حزينًا؛ ولكنهُ أنيس الطلعة، وكان بائسًا؛ ولكنهُ سليم الصدر، وكان في ضيق؛ ولكنهُ واسع الخُلُق، وكان طوال عمره متبسِّطًا مهتزّاً، كأنَّ له زمنًا وحده غير زمن النَّاس، فتتراكم عليه الهموم وهو مستنيمٌ إلى الراحة. وكان على وجهِ (حافظ) لونٌ من الرِّضا، لا يتغيَّر في بؤسٍ ولا نعيم، كبياضِ الأبيض وسوادِ الأسود؛ وهذا من عجائبِ الرجل الذي كان في ذاتِ نفسه فنَّاً من الفَوْضى الإنسانية، حتى لكأنهُ حُلم شعريٌّ بدأ من أبويه، ثُمَّ انقطع، وتُرِك لتُتمّه الطبيعة!“.

ويكتب الزِّرِكلي في الأعلام: ”وكان قوي الحافظة راويةً، سميرًا، مرِحًا، حاضر النكتة، جهوري الصوت، بديع الإلقاء، كريم اليد في حاليْ بؤسه ورخائه، مهذب النفس“.

وفي مقالةٍ كتبها محمد كردعلي في المجمع العلمي العربي بعد اضمحلالِ أثره المادي من الدنيا بأربعةِ أشهر تقريباً، تناول فيها سيرته وسَيره وأدبه، نأخذ منها ما يعنينا هنا، يقول: ”ولئن عَمِيَ بيان حافظ على التبريز في النثر، فقد كان مطواعاً له إذا حدَّث وحاضر، كان يسحر الطبقات المختلفة بما يورد عليهم من أحاديثه ومروياته، ويسقيهم من معين محفوظه الذي لا ينضب؛ أعذب ما ظفر به من كلام القدماء والمحدثين، وكان بحضور ذهنه، وغريب بديهته، على ما يندر في الأدباء مثله، يتنادر بكل ذلك بحسب المجالس التي يصير إليها، رصينًا في ألفاظهِ ومعانيه، بارعًا في مختاراته، يردفها أبدًا بما يوائمها من حاضر الوقت، يُطرب بها نفس الفرح والمكتئب، ويود جليسه لو طال مُكثه في حضرته يتغنّى كالبلبل الغرّيد، وقلَّ جدًا في كبار الكتاب والشعراء من حيز لهم بيان اللسان كحافظ“.

وهنا لابأس من ذكر قولة حافظ إبراهيم عندما سألَ خليل مردم عنه -أي عن محمد كردعلي-، فقال: إنه بخير، ويذكرك بالخير. فقال حافظ: ”هذا رجل عظيم“.

ورائد أدب الطفل الأديب البارع كامل كيلاني قال عنه: ”فقد كان -يرحمه الله- دولة في الظرف، وعالمًا حافلا من الأنس، وجعبة أخبار وطرف ممتازة، وديوان شعر مختار، وخزانة أدبٍ حافلة متنقلة تقرأ فيها نخبةً من أبدعِ ما خلّفه العرب. وكان رائع الإنشاد، حَسن الأداء، متخيّر اللفظ، موسيقي النظم. وكان إلى هذه المزايا نفَّاعًا لأصدقائه، كما كان ملاذًا للأدباء الناشئين ومشجِّعاً لهم على السير في طريق النهوض والنجاح“.

هلّا قرأت هذه الجملة بأناةٍ شديدة وأعدت قراءتها ثلاث مرات وأنت مغمض العينين حتى ترسخ في عقلك وتنفذ إلى وجدانك أيها الأديب الكبير المتربِّع على عرشِ دولة البيان!! ”كما كان ملاذًا للأدباء الناشئين ومشجِّعاً لهم على السير في طريق النهوض والنجاح“.

أما الدكاترة زكي مبارك فقد قال في «الأسمار والأحاديث»: ”وكلمة «مُحدِّث» قلّما نعرف مدلولها في مصر، وهي بالطبع غير كلمة «محدِّث» التي ترِد في كتب الرواية والحديث. ونحن نريد بها ما يريده الفرنسيون من كلمة causeur، فالفرنسيون من بين الأمم مشهورون بحلاوة الحديث. وقد يتحدث الرجل منهم نحو سبع ساعات تباعًا فينتقل من فنٍ إلى فن في لطفٍ ورفق، بدون أن يشعر السامرون بأدنى سآمة أو ملال، وهم يختلفون في هذا عن الإنجليز أشد الاختلاف، فإن المحدثين من الإنجليز قليل.

وإذا أراد القارئ أن يعرف شيئا عن مدلول كلمة «محدِّث» فإنا نذكر له على سبيل التمثيل الشاعر الكبير حافظ إبراهيم، فإني لم أرَ من بين المعاصرين من يشبه هذا الرجل في طِيب الحديث، وما رأيته مرةً إلا شعرت بالحسرة على أنه كسائر الناس قد ينتقل بعد عمر طويل إلى دار البقاء، وكان أهلاً لأن يُمْتِع بطيب حديثه جميع الأجيال“.

وقبل أن أنتقل معك -أيها الكريم- إلى طرائف صاحبنا وفكاهاته، أختم بما جاء في كتاب «حافظ إبراهيم شاعر النيل» للدكتور عبد الحميد الجندي (طبعة دار المعارف) ص١٧٩: ”لقد وُهِب حافظ رغم بؤسه خفة في الروح وسرعة في الخاطر وحضورًا في البديهة. وقد خلق ذلك كله منه رجلاً بارعا في الفكاهة وصوغ النادرة“.

وأنتَ ترى أن الذي أردتُ أن أوصله لك فيما نقلت هو؛ شهادة كل مَن عرف شاعر النيل بالذاكرة العجيبة، والنادرة الطريفة، والبديهة الحاضرة. وهذه الشهادة لم يكن يجهر بها الأصدقاء فقط، بل حتى شانئوه والمتحاملون عليه يشهدون له بخفّة الروح وحلاوة الحديث، فهذا المازني الذي كان عنيفًا في حقده، أعني نقده! يقول: ”وليس لنا عنده كما توهّم بعضهم ثأرٌ نجزيه به، فإن الرجل ليس بصديقٍ لنا ولا عدو، ولسنا نحتقره كما توهّم آخرون، ولكن نحتقر شعره ونزدري مظاهر نفسه، فإن الرجل ظريف المحاضرة، مليح النكتة، عذب المحادثة، ولا عيب فيه إلا أنه يحاول أن يقول شعرًا ويعالج ما ليس في طبعه!“.

وللفائدة: لقد ندمَ المازني على نقدِ شعر حافظ وتراجع واعترف بأنه ”مما أغرت به حماقة الشباب“، واعترف في موضعٍ آخر أن دافعه كان الغرور، وأن نقده كلّه تهكّمٌ وسخرية وقلّة أدبٍ وعقل. [راجع هامش ص٣٦٦ من كتاب «العمر الذاهب» للدكتور عبد الرحمن قائد].

وعلى كل حال عندما كان المَزْني (بلسان صاحبنا) متحمِّسًا في نقدهِ، لا يدّخر وسعا في تحطيم هذا الكيان الباذخ، كان حافظ إبراهيم لا يعيره ذلك الاهتمام الكبير، ويقول -كما أخبر خليل مردم في مجلسٍ خاص- بأن هذا الرجل ”سبّاب، وأنا لا آبه له في كل ما انتقدني به وأخذه علي، يُكثر من الانتقاد ويعتبر الصواب خطأ، وسبب ذلك قلّة بضاعته من المعرفة، فكل ما لم يحط به علمه يعتبره خطأ، وما أقل ما يعلمه وأكثر ما يجهله، وهكذا يكون هذا النوع من الناس، يُسرعون إلى التخطئةِ لأن معرفتهم قليلة هزيلة؛ فإذا أضيف إلى ذلك سوء النية مثّل صاحبه أقبح تمثيل. وكل نقدٍ يوجه إليَّ على تلك الطريقة أضعه تحت قدمي فأعلو به“.

قرأتَ قول البشري: ”فكان يطلب مجلسه المتأدبون“، ومحمد كردعلي: ”كان يسحر الطبقات المختلفة بما يورد عليهم من أحاديثه ومروياته، ويسقيهم من معين محفوظه الذي لا ينضب.. ويود جليسه لو طال مُكثه في حضرته يتغنّى كالبلبل الغرّيد“، لذلك أحببتُ أن أعطي مثالاً على مجلسٍ من مجالسِ حافظ إبراهيم، ولن أسهب، سأذكر فقط بعض ملامح ذلك المجلس، ثم سأدلك إلى مصدرهِ الذي يستحق لنفاسته أن آخذ عليه مقبالاً من قناطير الذهبِ والفضة : )

يقول خليل مردم: ”كنتُ ضيفاً عند صديقي حسين بك الحسيني في حلوان، (وكان ذلك يوم الخميس في الرابع من رمضان ١٣٤٤ھ/ الموافق ١٨ آذار سنة ١٩٢٦) فقال لي: يسكن بالقرب منا حافظ إبراهيم، وقد أخبرته بأنك ضيف عندنا، وسيأتي الليلة للسلام عليك. وجلسنا بعد الإفطار (والوقت رمضان) نتحدث بشعر حافظ، وكان في المجلس معنا شيخ بعمامةٍ بيضاء اسمه محمد رأفت. ولم يمضِ زمن طويل حتى سمعنا من الفسحة المؤدية إلى غرفةِ الاستقبال كلامًا بصوتٍ عال، فقال صاحب الدار: هذا حافظ بك، ولم يكد يتم كلامه حتى دخل حافظ إبراهيم وسلّم، ووقع نظره على الشيخ الذي لم يكن بعيدًا من الباب، فقال له وهو واقف: أأنت هنا يا شيخ؟ وتهذر؟ أما كلمت الشامي بالسجع والجناس وأريته براعة المصريين؟ ثم دنا مني وصافحني وجلس بجانبي“.

ثم وصفه خليل مردم وصفاً دقيقًا، وإليك ما قال: ”وهو طويل مستقيم القامة، ضخم الأعضاء، أسمر اللون، خفيف شعر الرأس والشاربين، يغلب عليه الشيب، وتبدو على وجهه ملامح الإجهاد والتعب، يضع على عينيه نظّارة منوطة بأذنيه، تبدو من خلفها عينان صغيرتان ظاهر على إنسانيهما وجفونهما أثر الكلال، ولبسه حسن من غير تنوق (تأنق)، ولا يكاد السيكار يقع من بين إصبعيه“.

في هذا المجلس عرفنا أن شاعر النيل كان يقدّس المولدين كبشار بن برد وطبقته ومن أتى بعده، وأكثر من ذكر بشار والنُّوَاسي والبحتري وحبيب ومسلم بن الوليد والمتنبي والشريف الرضي والمعري والديلمي مهيار، وكان يتكلم كثيرًا ولا سبيل لتدوين كل ما قال، ولكنه أطنب في مدحِ النُّواسي وقال: ”إنه أطبع الناس على الشعر، وهو أشعر الناس صاحياً، ولكن قلما يصحو ابن الكلب!“.

مقال خليل مردم في ثمان عشرة صفحة فيه من الدرر والفرائد ما لا يحصى، فقد تكلّم حافظ إبراهيم بأسلوبه الساحر، وفصاحته اللافتة، مستعينًا بحافظةٍ لا تجارى ولا تبارى؛ عن الشعراء المولدين وشعرهم، وعطف على الكُتَّاب وذكر الجاحظ وابن المقفع والأصفهاني والقاضي الفاضل والعماد، ثم ذكر شوقي وانتقده نقدًا لاذعاً وأشاد بشاعريّته، ومال إلى العقاد والمازني وطه حسين والرافعي.. كان حقّاً مجلسًا حافلاً بالنوادر، وأنصح بقراءة المقال بتمامه والإلمام بفوائده، وهو في [مجلة المجمع العلمي العربي، المجلد الحادي والثلاثون، الجزء الثالث، ص٣٥٣]. لا ترمقني بهذه النظرة، سأرفق لك رابطًا في آخر المقالة يوصلك لما نصحتك به بيسرٍ وسهولة.

والآن ننتقل للجزء الثاني من المقال، والدافع الأصيل لكتابته.

هذه طرائف لصاحبنا المترجم له، لممت شعثها بعد التفرّق، ورقعتها بعد التمزّق، وأظهرتها بحُلّةٍ أرجو أن تكون لائقةً بك أيها الكريم.

١- يروي الأديب عبد الرحمن صدقي أنه وصديق له قابلا حافظ إبراهيم وهو يهم بالانصراف من مقهى دار الكتب، يقول: ”حيّاه صديقي ثم قدمني، ولكن حافظ لم يمهله فقال: لقد ذكرتك البارحة، وهذا أنت، فتهلّل الصديق معقبا: خير إن شاء الله. قال حافظ: كنت أقرأ في رسالة الغفران ما جاء في صفة جهنم فذكرتك!“. ثم ذكر صدقي أنه بعد ذلك أشار إليّ وسأل صديقي: ”أترى زميلك من أصدقاء العقاد؟ وما كاد يسمع الرد بالإيجاب، حتى التفتَ إليّ قائلاً: ما أظنك إلا كنت أكثر شباباً قبل أن تعرفه، إن العقاد يعقّد على الناس الحياة، إنه لا يدع شيئا على حاله في الشعر، وفي مقاييس النقد، وفي منازع الفكر، وفي سائر الأمور. نصيحتي لك أن تنجو بحياتك منه“.

٢- ‏عندما بدأ ينشد قصيدته في حفل تأبين إسماعيل صبري، كان بين الحضور شاعر البادية الشيخ محمد عبدالمطلب، ومن عادته أن يحضر الاحتفالات راكباً حماره، فلما وصل حافظ إلى أحد المقاطع القوية، سأله الحاضرون الإعادة، وصادف أن نهق حمار الشيخ في الخارج، فقال لهم: انتظروا حتى يفرغ حمار الزميل من إنشاده! فانقلبت حفلة التأبين إلى ضحك وضجيج.

٣- صادفه أحد السائلين في الطريق فسأله أن يعطيه قرشًا، فرد حافظ سريعاً: ”والله عمرك أطول من عمري، كنت حقولك كده!“.

٤- كان في مرة يهم بركوب الترام، فداس عفواً على قدم أحد الراكبين، فثار في وجه حافظ ثورة عنيفة، وأخذ شاعر النيل يترضاه ويعتذر إليه، ولكن على غير جدوى، فقد اندفعَ الرجل في ثورته وهو يردد: ”أنتَ تعرف أنا مين وابن مين؟“ وهنا لم يطق حافظ صبراً، فنظر إليه وقال: يا أخي، نحن في شهر يوليه، وفي وقت الظهر، والحر أشد ما يكون! وأنت تركب مع عامة الناس في الدرجة الثالثة، وبعد هذا تبقى مين وابن مين؟! فبهت الرجل وانسل من بين الحاضرين.

٥- كان أحد الليالي يستمع إلى مطربةٍ، وكان بجواره شبلي شميّل الملحد الذي لا يؤمن بغير الطبيعة. فلما أجادت المطربة في الغناء صاح ⁦حافظ⁩: الله الله! ثم التفت إلى شميّل وقال له: وأنت كيف تصيح عند الطرب؟ الطبيعة الطبيعة؟!

٦- يذكر خليل مردم أنه اجتمع بحافظ إبراهيم في الإسكندرية صباح الثاني من شوال ١٣٤٤ھ/ الموافق للخامس عشر من نيسان ١٩٢٦م، فلما تقابلا سأله شاعر النيل: ”هل أفطرت؟ فأنا لم أفطر بعد، وسأطلب فطورًا لي ولك، قلت: شكرًا لقد أفطرت. قال: ماذا أكلت؟ قلت: الخبز والجبن. قال: هل كنت في القسم؟ فهذا أكل البوليس.

يقول:

ثم التفت يمنةً فقال: أتريد أن تعرف رجلاً لم يأكل ولم ينم منذ ثلاثين سنة؟ هذا هو إنه مقبل علينا، فلما قرب قال له: أين كنت يا أستاذ، أكنت تأكل؟ فقال: لا والله ما أكلتش، قال: إذن كنت نائما، فقال: لا والله ما نمتش. قال لي: أرأيت؟! هذا الشيخ عبد العزيز البشري، صديقي منذ ثلاثين سنة، لم أره مرةً -وما أكثر ما أراه- إلا قال لي ما أكلتش ولا نمتش. ثم التفت إليه وقال: سأطلب لك فطورًا، قال: ما تشتهي نفسي الطعام. قال: ماذا وصف لك الأطباء؟ قال: وصفوا لي من المقبلات فراخ الطير، وتأبى نفسي أن أفجع أمهات الطير بفراخها فضلاً عن إيلام الفراخ بالذبح لكي أشحذ شهوتي إلى الطعام، فما أقسى الإنسان وما أشد ظلمه. فقال حافظ: إذا عجز الأطباء عن علاجك، أما في الحي عندكم واحدة من أولئك العجائز اللواتي عندهن لكل داء دواء؟ فقال البشري: عندنا عجوز في صدرها دائرة معارف، تجيب قبل السؤال، وتعالج جميع الأمراض، وتسفّه الأطباء وتنكر عليهم علمهم ومعرفتهم، ولم يبق إلا أن أذهب إليها. وسأله حافظ عن ولديه، فقال: هما بخير والحمد لله، ويا ليتهما لم يأتيا لهذه الحياة التي كلّها آلام، وأنا الجاني عليهما. فقال حافظ: هوِّن عليك، فالحياة أهون من أن يهتم لها الإنسان.

(ولك أن تتخيّل بعد هذه المحاورة التي قرأتها بين البشري وصاحبه، إلى أي مدًى ستصل الفكاهة والإمتاع في مجلسٍ يضمهما معا؟!)

كان حافظ إبراهيم يُكثر التعليق على ملامحِ الآخرين القبيحة، ولا يبتئس أو يخجل من ذكر قبيح ملامحه أيضًا، وهو في هذا من أكبر المتنمّرين. ولكن ذلك الجيل من البشر (والأدباء خاصة)؛ كان واحدهم صلبًا لا يأبه لتنمّرٍ عابر، ولا تُظْلِم الدنيا في وجهه لكلمة ساخرة.

المهم، إن طرائفه لا تحصى في هذا الباب، وإني مورد لك بعضها، فانزع عنك رداء الحساسية كرمًا وفضلا، ولا تجتهد في التحليل والنقد وسبر الغور، واحمل الطُرْفة على المعنى الذي أوردت له.

كان له مع صديقه وصفيه شاعر القطرين خليل مطران طرائف عديدة تحوم حول هذا الجانب، ونذكر ما قاله خليل في وصفهِ من قصيدةٍ أربت على الأربعين بيتًا ختم بها الحفل الذي أقامته الجامعة الأمريكية ببيروت ١٩٢٨، قام مطران وقال ميمية رائعة ذكر فيها شاعرية حافظ وأخلاقه وفيها من الدعابةِ ما فيها، مطلعها:

نهايةُ الفخرِ لي في هذهِ الكَلِمِ

تعريفُ حافظَ إبراهيمِ من أَممِ

يقول فيها:

هذا فتى الدهرِ زان النُّبل طلعتهُ

وإن يكن بجمالٍ غير مُتَّسمِ!

إذا تجلّى لك الإلهامُ مزدهرًا

في مقلتيهِ فلا تنظر إلى الأدمِ

وإن تبيّنتَ منهُ هيكلاً تعِبًا

بوقرهِ فهو في آنٍ خفيفُ دمِ

٧- وفي أحد الأيام قدَّم حافظ إبراهيم صورته لخليل مطران طالباً منه إبداء رأيه فيها، حدَّق مطران فيها طويلاً ثم دفعها إليه قائلاً: ”لا بأس بها على العموم، ولكن الأنف ألا تراه مسن ولابد؟“. فرد عليه حافظ وهو يقهقه: ”يا شيخ احنا قلنا لك بص في الصورة والا بص في المرآية؟!“.

٨- في المجلس الذي ضمّ خليل مردم بك بشاعرنا، ذُكر اسم خليل مطران، فقال حافظ: ”وعلى ذكر خليل مطران، اختلفنا مرة في أيّنا أجمل، وبعبارة أصح؛ في أيّنا أقبح من الآخر، فكنتُ أدّعي أنني أجمل منه وهو أقبح مني، وكان يزعم عكس ذلك، وطال الخلاف بيننا حتى اتّفقنا على أن نحتكم إلى إسماعيل صبري باشا، ونقبل ما يحكم به. فذهبنا إليه وشرحنا له دعوانا، وبعد أن استقصى في سؤال كلّ منا عمّا يدعيه لنفسه وعلو خصمه، وبعد أن أطال النظر في وجه كلٍّ منا، أعلن ختام المحاكمة وأصدر حكمه بقوله: «حافظ إبراهيم أجمل قرد، وخليل مطران أقبح إنسان!». فانصرفنا وعند كل واحدٍ منا أنه حكم له على صاحبه، فأنا أقول إن الحكم لي وهو يزعم أن الحكم له، وما زلنا مختلفين في تفسير الحكم إلى الآن. فما تقول أنت، هل حكم لي أم علي؟ قلت: بل حكم لك. فقال: أصبت، لأنه لما قال: «أجمل قرد» وصفني بالجمال على كل حال، في حين وصف المطران بالقبح“.

٩- ومما اشتُهر وحفظته قديمًا من طرائفهما -وهذه الحكاية هي الوحيدة في هذا المقال التي لا أذكر لها مصدرًا يُعتد به غير عقلي!- قول خليل مطران لحافظ لما لقيه بعد طول غياب: ”أهلاً أهلاً با ابن النيل“، فما كان من حافظ إلا أن يرد سريعًا: ”أهلاً أهلاً با ابن الكلب!“. والكلب نهر معروف في لبنان.

١٠- حدَّث الأديب والناقد اللبناني عمر الفاخوري قائلا: لما زار حافظ إبراهيم بيروت ذهبتُ مع جماعة من الأدباء في ضحوة من نهارٍ للسلامِ عليه، وكان كل واحدٍ منا يذكر له اسمه حين يصافحه، ولما انقضى وقت الزيارة نهضنا للانصراف فودَّع الجميع وطلب إليَّ أن أبقى، فسررتُ لإيثاره لي على جميع من كان معي، وتلاحق المسلِّمون عليه فكان كلما انصرفَ جماعة منهم أستأذنهُ بالانصراف فيستبقيني، ثم قال لي في آخر مرة هممتُ بالانصراف: نتغدى معاً يا أستاذ؟ فازداد سروري لهذه العناية الخاصة، وبقيتُ معه وتركتُ عملي في الحكومة ذلك النهار، وتغدينا معاً وهو يرسل النكتة تلو النكتة، ثم شربنا القهوة واستأذنته بالانصراف بعد أن شكرته بأساليب متعددة، فوقف وقال لي: «شرَّفت يا أستاذ، آنست يا أستاذ، هل يمكنني أن أعرف الاسم الكريم!!» فبهتُّ وكدت أُصعق، وقلت في نفسي: يدعوني، ويعزم عليّ، ويؤثرني على جميع من زاره، ولا يعرف من أنا! وغالبتُ نفسي وقلتُ له: عمر الفاخوري. فقال: أهلاً وسهلاً يا أستاذ عمر، أنا والله سعيد بلقائك، يا ليتني عرفتُك قبل الآن، إذن لقلَّ عتبي على الزمان، أتدري لماذا احتفيتُ بك عن غيرِ معرفة؟ قلت: لا. قال: اسمع إذن، كنتُ أظن أن الله لم يخلق أقبح مني، فلما رأيتُك خابَ والحمد لله ظني، ووجدتُك مثلي إن لم تكن أشد قُبحاً، فكيف لا أكون سعيدًا بلقائك! فضحكتُ وضحك.

وقد تقول في نفسِك أيها القارئ المهذَّب أن حافظًا كان بليّةً على خلق الله، وهذا صحيح، ولم ينتصف منه حسب ما وقفت عليه غير اثنين، وهما البشري والرافعي. ولكن قبل ذكر خبرهما معه، اعلم أن صاحبنا كان كلما رأى إنسانًا دميمًا سخر منه بأن والده لم يدفع مهرًا جيّدا لأمه!

١١- وفي ندوةٍ أدبية معدومة النظير -كما يقول حسن الحطيم- في بيتِ محمد عثمان أباظة رأى شابين أحدهما وسيم الطلعة والآخر دميمها، فقال من فورِه للدميم مشيرًا لصاحبه الوسيم: ”هكذا أبناء الأمهات الذين تُدفع المهور الغالية لأمهاتهم“.

١٢- وفي يومٍ آخر قال -كعادته- لأحدهم وكان دميما: ”يظهر أبوك ما دفعش مهر كويس“. ولكنه هذه المرة قال هذا التعليق بحضور عبد العزيز البشري، فالتفتَ البشري سريعًا إلى وجه حافظ فلم يجد فيه أي مبرر للسخرية من عباد الله، فردّ عليه قائلاً: ”إنتَ بقى يا حافظ أبوك ما دفعش مهر من أصله“.

١٣- ومرة كانا -أي البشري وحافظ إبراهيم- قد دعيا إلى إحدى الرحلات، فدخل البشري على حافظ في غرفة النوم وطلب إليه أن يرتدي ملابسه، فقال حافظ: أنا لسه ما مغسلتش وشي! قال البشري: وشك مش عاوز غسيل، نفضه كفاية 🙂

١٤- والرافعي التقى به في إدارة المقتطف، فبادر حافظ إبراهيم الرافعي بقوله: ماذا ترى في هذا البيت في وصفِ الأمريكان:

وَتَخِذتُمُ موجَ الأثيرِ بَريدًا

حينَ خِلتُم أنَّ البُروقَ كُسالَى

يقول الرافعي: فنظرتُ إلى وجهه المعروق المُتغضِّن، وقلتُ له: لو كان فيك موضع قُبلةٍ لقبَّلتُك لهذا البيت! فضحِك وأدار لي خدّه؛ ولكن بقيَ خدّه بلا تقبيل..

هذا ما قُدِّر لي إيراده في هذه المقالة الطويلة عن الجانب الفكاهي من سيرة شاعر النيل حافظ إبراهيم، وما دام الختام قد اقترب، لا بأس أن أُثبت بعض اللطائف التي قادني إليها البحث، وهأنذا أقودها إليك.

مما ذكره الشاعر حسن الحطيم في آخر مقالته عن حافظ إبراهيم قوله:

كان حافظ ينعى على أهل هذا الزمن وذا البلد بوجهٍ خاص ذلك القتال العنيف من أجل تلك الحياة القصيرة الزائلة، بل ذلك النِّضال القوي من أجل ذلك العيش التافه المحدود، وكان لا يرى المال إلا وسيلة من وسائلِ العيش لا غاية من غايات الحياة“.

وكان يشكو من تدخّل بعض المصريين فيما لا يعنيهم، وانصرافهم عن شؤونهم للاعتكاف على شئون غيرهم. وينعى على مصر اشتغالها كلها بالسياسة سواء في ذلك صغيرها وكبيرها، عالمها وجاهلها، ذكيّها وأبلهها! وقد سمعته يقول إن إنجلترا وهي سيّدة الممالك تترك لعشرات من رجالها الاشتغال بإدارة دفّة سياستها، أما مصر فإن بها أربعة عشر مليون سياسي!“.

ذكر خليل مردم أن شاعر النيل أخبره بأنه يحفظ مائة ألف بيت من جيّد الشعر، ولكن لم يبق منها من حفظه الآن إلا نصفها.

وأعجبني قوله في معرض نقدهِ لشوقي رحمهما الله: ”ولا تسل عن عيسى، فما تكاد تخلو قصيدة في شعرِ شوقي من ذكره، نعم أنا أؤمن بنبوّة عيسى وموسى وسائر الأنبياء كما أؤمن بمحمد، ولكنني أكتفي بمحمد ﷺ وبما جاء به من الهدى“.

ومما يدل على ديانته ما ذكره خليل مردم بك أيضًا، فقد أخبر أنه بعد أن سأله عن شعراء الشام وكيف نظمهم، سأله قائلاً: والشاعر الذي كان عندنا منذ سنة؟ قلت -أي خليل مردم-: لعلّك تعني الزهاوي، قال: نعم. قلت: ذاك عراقي وليس بشامي، قال: كلّه واحد. قلت: لقد رأيتُ الزهاوي بدمشق بعد عودته من مصر واجِدًا في نفسه عاتباً عليك لأنك لم تزره. قال: نعم، الشعر الذي نشره عندنا ليس بذاك، فضلاً عما فيه من الزندقة والإلحاد، وهل في شرع الذوق والأدب أن يحيي الضيف مدينة إسلامية كالقاهرة بمحاربة الإيمان ومظاهرة الإلحاد؟“

وفي نفسي إثبات أبيات قالها عام ١٩٠٤ يعيب فيها على المصريين بعض العادات الاجتماعية [في ديوانه ص٢٥٦ – دار العودة]:

مطلعها:

حَطَمتُ اليَراعَ فلا تعجبي

وعِفتُ البيانَ فلا تعتبي

فما أنتِ يا مِصْرُ دار الأديب

ولا أنتِ بالبلدِ الطيِّبِ

إلى أن قال فيها:

وكم ذا بمصرٍ من المضحكات

كما قال فيها أبو الطيّبِ

أمورٌ تَمرُّ وعيش يُمِرّ

ونحن من اللهوِ في ملعبِ

وشعبٌ يفرُّ من الصالحات

فرار السليمِ من الأجربِ!

وصحْفٌ تطنُّ طنين الذُّباب

وأخرى تَشنُّ على الأقربِ

وهذا يلوذُ بقصرِ الأمير

ويَدعو إلى ظلِّهِ الأرْحَبِ

وهذا يلوذُ بقصرِ السفير

ويُطنبُ في وردِهِ الأعذبِ

وهذا يصيحُ مع الصائحين

على غيرِ قصدٍ ولا مأرَبِ

إلى أن ختمها بقوله:

تضيعُ الحقيقةُ ما بيننا

ويصْلى البريءُ مع المُذْنِبِ

ويُهْضَم فينا الإمام الحكيم

ويُكرَمُ فينا الجهولْ الغبي

على الشرقِ مني سلامُ الوَدود

وإن طأطأ الشَّرقُ للمغربِ

لقد كان خصْبًا بجَدْبِ الزمان

فأجدبَ في الزمنِ المُخْصِبِ

أعلمُ أن الملال والسأم قد تسلل إلى نفسك، وأدركك النعاس لطول المقال، وإني ماسحٌ على قلبك بالطمأنينة بعد قولي هذا؛ سأختم الآن.

دخل حافظ إبراهيم بيت حسين بك الحسيني في رمضان بعد الإفطار، فكان مجلسًا حافلاً بالفوائد والأُنس والفكاهة والشعر، يقول خليل مردم: ”وبعد أن طال السمر وانقضى أكثر الليل ودخل وقت السحور، نهض حافظ وقال: «لا بأس وإن طال السهر فإن تحت التراب نومًا طويلا»“.

والسلام.

[مسرد لمصادر المقال]

١- ديوان حافظ إبراهيم.

٢- وحي القلم للرافعي.

٣- الأسمار والأحاديث لزكي مبارك.

٤- في المرآة للبشري.

٥- الأعلام الزركلي.

٦- شاعر النيل حافظ إبراهيم لعبد الحميد الجندي.

٧- العمر الذاهب للدكتور عبد الرحمن قائد.

٨- سجن العمر لتوفيق الحكيم.

٩- الظرفاء لمحمود السعدني.

١٠- مجلة المجمع العلمي العربي.

١١- مجلة أبولو.

١٢- مجلة الأديب.

مقالة خليل مردم الماتعة:

[http://www.arabacademy.gov.sy/uploads/magazine/mag31/mag31-3-1.pdf]

أضف تعليق