جو كوينن ومُذكراته القرائية!

أول ما ستُقرُّ به أثناء اطِّلاعك على هذا الكتاب هو أن جو كوينن قارئ نهم، ووصف حالته القرائية بـ(الهَوَس) وصفٌ صادق لا مبالغة فيه.

ويكفيك أن تدرك هذا إذا عرفتَ أنه لم يقد السيارة إلا بعد مجاوزته الخمسين من عمره لانشغالهِ فيما سبق من حياتهِ بالقراءة! وقد مارسَ القراءة في كلِّ الأماكن = القطارات، الحافلات، الطائرات، الحدائق العمومية والخاصة، بل إنه قرأ فوق سطح أحد الفنادق، وأيضًا خلال انتظار صديقه السكير لينتهي من ساعاتِ احتجازه بمركز الشرطة! ولكنه على كثرةِ الأماكن الغريبة التي قرأ فيها لم يفعل هذا أبدًا في الحمام؛ لأن في هذا الفعل كما يقول: ”قلة أدب تجاه المؤلف“. ولعلَّ هنري ميلر الأصلع القبيح -كما وصفه كوينن- يخالفه في هذا.

الكُتب في حياةِ كوينن تُمثِّل ”صمَّام أمان“، وقد تكون بمثابة العصا السحرية التي تجعل همومه كلها بلمحةِ بصرٍ تختفي. ويعلِّل دافع القراءة لديه بقوله: ”أنا أقرأ لأنني أريد أن أكون في مكانٍ آخر. أجل، إن العالم الذي نعيش فيه كافٍ إلى حدٍّ معقول.. إلا أنَّ العالم الذي ينبثق من داخل الكتب يظل دومًا أفضل بكثير“. وهذا يأخذنا لكلمة العقاد في سيرتهِ «أنـا»: ”لستُ أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرًا في تقدير الحساب، وإنما أهوى القراءة لأنَّ عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني“.

ولأن كوينن يحب التمرُّد وإصدار الأحكام القطعية فإنه يزعم بأن: ”الفرار من الواقع هو السبب الرئيس الذي يدفع الناس لقراءة الكُتب“. ويكمل باقتناعٍ تام وثقةٍ عالية وتهكّمٍ لا يفارق قلمه عادةً: ”فبغض النظر عما يدعيه عشّاق الكتب، وبغض النظر عما يقنعون به أنفسهم؛ فإن هدفهم الأول ليس الحصول على المعلومات أو تزجية الوقت في شيءٍ مُسلٍّ أو تطوير ذواتهم. بل من أجل الفرار إلى عالمٍ أكثر إثارةً وإشباعًا، حيث لا يكرهون وظائفهم، وأزواجهم، وحكوماتهم، والحياة برمّتها“.

كوينن قارئ عتيق، من مواليد ١٩٥٠، أي إنه جاوز الـ70 سنة الآن، وهذا يعني أنه من الطرازِ القديم الذي تضجره بعض التقنيات الغريبة للقراءة، من ذلك ما يُعرف بالقراءة السريعة! يقول بأنه لا يمارسها إطلاقا، لأن ”ذلك يدمّر الهدف من نشاطِ القراءة، يجب أن تتم التجربة بأناةٍ تمنح القارئ متعةً خالصة“. ويكتب بعد أسطرٍ: ”أنا لا أضغط زر التقديم السريع خلال مشاهدة الأفلام ولا أتسرّع خلال تناول طعامي، فلماذا يجب عليّ التسرّع خلال قراءة الكتب“. ولم ينسَ بعد ستٍّ وتسعين صفحة من كلامه السابق على التأكيد بأنَّ: ”القراءة السريعة للسُّذج البُلهاء“.

أما عن رأيه في الكتب الإلكترونية فقد كان واضحًا جدًا: ”قد تكون القراءة الإلكترونية ملائمة وعملية، لكن ذلك كل ما في الأمر، لأن التكنولوجيا تظل دون روح“. إنه من ذلك النوع من القرّاء الذي يرى في الكتبِ قداسة معيّنة، ويؤمن بقدرتها على تحويل الظلام إلى نور، وعلى خلقِ عوالمَ من عدم. إنه لا يريد -كما يقول- لتجربة القراءة أن تتجرّد من هذا العنصر المتسامي، لتصبح مجرد استظهار وفعل ميكانيكي؛ لأن ذلك كفيل بإفساد كل شيء. يرى كوينن أن الكتب الإلكترونية لا قيمة لها بالنسبةِ لأولئك المنخرطين طوال حياتهم في علاقةٍ عاطفية مكثّفة مع الكتب، تلك الكتب التي يستطيعون لمسها، شمّها، كتب بإمكانهم الاعتماد عليها في الشدة. ويعود إلى ذات الموضوع بعد أكثر من ٢٦٠ صفحة ليقول: ”ما زلتُ أفضل الكتب الورقية. ففي نظري -ونظر من يشبهونني- تظل الكتب أوعية مقدَّسة.. إن كون الكتب مادية ملموسة أمر يحدد هُويتنا..“. وهذا الأمر بالطبع يبدو سخيفًا في أعين أولئك الذين يفضّلون الكتب الإلكترونية، والأمر أشبه بغرَضٍ يثير شهوة القارئ الحسية ليس إلا، كما جاء في مقالٍ علميٍّ محكّم. ولكن كوينن لا يلقي لهذا القول بالاً، ويكتب قائلا: ”إن حضور الكتب بين يدي، في بيتي، داخل جيوبي، وفي حياتي؛ سيكون أساسيًا دومًا لسعادتي. لن أملك قارئة إلكترونية أبدًا، لأنه لن يحدث مطلقًا أن أتفاجأ بوجود ملحوظةٍ مكتوبة بخط يد حبيبةٍ سابقة بالكاد أذكرها، كما لن تسقط تذكرة باهتة لجولة في برج إيفل من قارئةِ كيندل أبدًا“.

كوينن يبغض فكرة نوادي الكتب، ويرى أنها تُبنى على فكرةٍ مغلوطة وأنانية تتمثّل في أن القارئ يملك شيئًا يثري به النقاش. ويرى أن الأحاديث التي تدور فيها ليست حميمية، ”هي مجرد تجارب عامة لا شيء فيها مميز“. يقول في ختامِ رأيه حولها: ”إن الذين يحضرون نادي القراءة ممن أعرفهم هم أناسٌ أذكياء، لكنهم من النادرِ أن يكونوا من قد أصفهم بـ«المثيرين للاهتمام»؛ إنهم يسعون إلى حلبِ الكتب حلبًا، بحثًا عن شيءٍ غير موجود أساسًا“. وأنت بلا شك -أيها القارئ الكريم- ترى القصور والسُّخف في قولهِ هذا.

إنه قارئ غريب من الصعبِ التنبؤ بتصرّفاته وآرائه، انظر له مثلاً عندما يقول بأنه بدأ قراءة رواية (لورد جيم Lord Jim) لكونراد خلال دراسته بالثانوية، وأنهاها في سنِّ الثانية والخمسين، ويكتب بعد ذكر هذا الإنجاز بحروفٍ باسمة: ”إن الوصول متأخرًا خيرٌ من عدمِ الوصول!“. وذات مساء استعار من صاحبٍ له كتاب (رسائل من السجن) لغرامشي، وكان في نيتهِ التعرّف على هذا المناضل العتيد، ولكنك تُفاجأ بقوله: ”لم يسعني قراءته ذلك المساء، ولا المساء الذي تلاه. في الحقيقةِ، إلى زمنِ كتابة هذه الأسطر، بعد إحدى وثلاثين سنة، ما زال قابعًا بالمكان حيث وضعته ذلك المساء!“. هذا رجل بغيض، لم يقرأ الكتاب ولم يعيده لصاحبه، بل يخبرنا لاحقًا بقوله: ”كلما نظرت إلى (رسائل من السجن) المنتصب على الرفِّ كما لو كان جندي حراسة حزينٍ في حداد، ينتظر إشارة انتهاء مناوبته التي يعلم أنها لن تأتي يومًا… لن يفارقني هذا الكتاب أبدًا، رغم أنني لن أقرأه يومًا!“.

أما كتاب (أنطولوجيا شخصيّة) لبورخيس، فإنه لمدةِ خمس وثلاثين سنة ظلَّ حبيسًا في مكتبتهِ ولم يفكر في قراءته أبدًا، وذلك أن غلافه لم يكن يعجبه!

من آرائه الجريئة قوله: ”ففي مجتمع أمريكيٍّ تخلّى عن كلِّ القيمِ الثقافية الأخرى التي تستحق الإشادة، يُدهشني أن التلاميذ ما زالوا يسمحون للبالغين بإفسادِ عطلهم عبر إرغامهم على ازدرادِ الطلاقة السخيفة لرواية (الحارس في حقل الشوفان) أو الابتذال العاطفي والروحاني المخدّر للذهن من قبيل رواية باولو كويلو (الخيميائي)“.

وإليك رأيه في طلبِ الكتب أونلاين! يرى أن هذا التصرُّف من التصرفاتِ السوقية، وإنه قادر على تدميرِ كل شيء ثمين لديه، كفيل بأن يجرّد حياته من كلِّ الخصائصِ السحرية التي تضفي على عيشتهِ البساطة والتلقائية، هذا الأمر سيخرجه من مملكةِ الصدفة اللذيذة.

لم يسلم النقّاد من سوطهِ وقلمه المتهكّم، وفي نظرهِ أن معظمهم مجرد أغبياء متزلّفون، إنهم يجبنون عن مواجهةِ الكتّاب المشهورين ومصارحتهم بأن حبكاتهم سخيفة وبليدة، وأن نثرهم رثًّا باردًا؛ لأنهم يخشون -وهو يتحدث عن الأكاديميين منهم- ”كلمة غير متوقعة قد تودي بمسيرتهم بمرحلةٍ لاحقة حين يخضع أحد كتبهم السخيفة للمراجعة“. ويحذِّر القرّاء من الكلماتِ التعريفية والثناء الكاذب الذي يكون عادةً على أغلفةِ الكتب، إذا رأيت مثل هذا الأمر عليك ألا تثق بمحتواه بعد الآن!

كوينن لا يمانع حين تكون الفقرات الدعائية مضلّلة، ولكنه يمانع عندما تكون سخيفة! إنه يكره المبالغات جدًا، لذلك عندما قرأ وصفًا لأحد الكُتَّاب المعاصرين بأنه «تشيخوف هذا العصر» لم يتمالك نفسه وكتب: ”لعلَّ كُتَّاب تلك الفقرات الدعائية وصلوا إلى استنتاجٍ مفاده أن الجميع في هذا المجتمع أغبياء!“.

ثم يعرِّج على بعض الثقلاء الذين يطلبون من أصدقائهم كتابة تقريظٍ لكتبهم! ”الكتّاب يعلمون أن زملاءهم من الكتّاب يكرهون كتابة الكلمات التعريفية بالكتب؛ إنهم يكرهون فعل ذلك حين يطلبه منهم المحرّرون، كما يكرهونه حين يطلبه منهم عملاؤهم، ويكرهونه أشد الكره إذا جاء الطلب من أصدقائهم. فأن يُطلب منك كتابة كلمة تعريفية بكتاب أحد الأصدقاء هو أشبه بأن يُطلب منك أن تجد عملاً لابن صديقك الفظ الغليظ؛ ولسان الحال هنا يستنكر؛ قد تروقني بالفعل كشخص، لكن ذلك لا يعني أنه يجب علي أن أحب نسلك الخنزيري أيضًا!“.

كوينن يرى بأن القراءة فعل شخصي للغاية، لذلك لا يحبذ بل يرفض أن تُحشر الكتب بين يديه ويجبر على ابتلاعها.

القارئ لمذكرات كوينن لابد أن يداخله شعور بأن هذا الرجل لم يترك مؤلِّفًا من كلِّ القوميات والثقافات إلا وقرأ له، ولا يعزب عنك أن النوبليّون -نسبةً إلى نوبل- مقدمون دائمًا، ولذلك ستجده يشير إلى قراءةِ (أمام العرش) لنجيب محفوظ، وهو اختيار سيئ على كل حال.

من أحبِّ وأعزِّ الكتب إلى نفسهِ (جين آير) لشارلوت برونتي، و(دون كيخوتي) لثربانتس، وقد قرأهما في مرحلةٍ متأخرة من عمره، ويقول بأن هذا الفعل ”لا ينقص من متعتهما شيئا، بل على العكس قد يزيدها متعة“. دون كيخوتي قرأها عندما بلغ الحادية والخمسين، أما جين آير فبعد ذلك بسنتين. وكانت النتيجة التي خرج بها؛ أن ”الصيام عن المشهيات يزيدها لذة“. ومما ذكره وهو دال على شخصيته الغريبة وأنه حقًا مهووس بالقراءةِ = أنه عندما بدأ قراءة دون كيخوتي رفض الرد على الهاتف ستة أسابيع! وأشار أنه فعل ذلك أيضًا مع رواية جين آير. ”آه، كم أتمنّى لو أنَّ هناك كتبًا أخرى شبيهة بهذين، لأنني في هذه الحالة ما كنتُ سأرد على هاتفي أبدًا“.

الحديث حول محتوى هذا الكتاب الرائع وما تضمّنته فصوله من طرائف وأخبار ونظرات وأحاديث ماتعة؛ يطول جدا، وإنك في كل صفحةٍ من صفحاتهِ تتبدَّى لك شخصية جو كوينن المتمرِّدة والبغيضة أحيانًا.

ولعلّي أختم بحديثهِ عن جاكلين كالفيت، ووالده.

أما كالفيت فإنها كانت والدة لأعز وأقرب أصدقائه إليه، هذه المرأة قضت سنواتها الست الأخيرة مريضة واهنة، ولم يكن يثير حماستها في آخرِ أيامها سوى زيارة المكتبة العامة من حينٍ لآخر. قرأت جاكلين في هذه السنوات الست ٢٠٠٠ كتاب! نعم؛ هذه الإنسانة التي كان قلبها يتداعى تدريجيّاً، استطاعت قراءة هذا العدد الضخم من الكتب! ”لقد كانت تستعمل الكتب كواسطة إنقاذ حياة بشكلٍ حرفي، كانت تلك المرأة تقرأ لتعيش!“.

أما والده الذي عندما رحل لم يجد كوينن في شقته الكثير، ولم يلفت نظره غير الكتب المتناثرة في كلِّ مكان. إن قيمة الكتب لديه لم تتغيّر طوال حياته. ”لقد ظلت الكتب تحمل أمل السفر بعيدًا، أبعد بكثير مما ذهبَ يومًا، وأمَّل أن يذهب إلى مكانٍ أكثر راحةً مما قد بلغه يومًا. لقد مكنته كتبه من التشبّث بأحلام لن يستطيع تحقيقها يومًا؛ ومع أنها لم تجلب له النجاح، إلا أنها جعلته يجد طريق الخروج من ألم الإخفاق“.

والسلام.

أضف تعليق