
”علَّمتني القراءة الإصغاء طويلاً لما يقوله الكِتاب“.
أبانت لنا د. ملاك الجهني بعد وقوفنا على شُرفتها دافعها للكتابة، وأوضحت أنها تكتب طلبًا للاستشفاء، ووفاءً لذكرى فقيدها، وأنها تكتب تحديًا لصمت النساء المزمن. إنها تكتب أيضًا نيابةً عن الموجوعات مثيلاتها؛ لأن في الأُنس بالشبيه لحظة الحزن عزاء.
• وقفة: في كتاب كيت زمبرينو (أن تكتب كما لو كنت ميتًا)، أشارت إلى حديثِ هيرفي غيبير في روايته، والذي كان يكتب في مذكراتهِ أشياء مروّعة لا تُطاق، ويعلِّل فعله هذا بأنه يريد أن ينساها، ”فأنا حين أكتب، فكلُّ ما أكتبه، وما إن أكتبه، أنساه“. تعلِّق زمبرينو: «أن تكتب لكي تنسى، لكي تُطهِّر نفسك، لا لكي تتذكر». يبزغ سؤال، هل الكتابة هنا نوع من الاستشفاء؟ وهل د. ملاك في كتابها هذا التي قالت في مستهلهِ أنها تريد الاستشفاء بالكتابة؛ كان دافعها النسيان أم التذكُّر؟ وأيهما أجدر بإيصال الكاتب إلى مرحلةِ التعافي التي يسعى إليها؟
بداءةً شقَّ على المؤلفة -كما تقول- مس مقاتلها، وهو تعبير لافت، لم يكن من الهيّن عليها بعث فاجعتها، ولكنها لإدراكها الوسيلة الناجعة للتشافي تحاملت على وجعِها فكتبت. نعم؛ لقد سقطت بعد كتابتها صفحاتٍ يسيرة، ولكنها بعد عامين، وبعد أن تركت ”الرياح العنيفة تمر“ -كما تقول إيزابيل الليندي- أعادت الكرة مستحضرةً تحدياتها وانكساراتها وهزائمها، وهذه هي المواد الخام لكتابتها.
قاومت قوة الرغبة بالانمحاء، وآمنت بحاجتها إلى البوح؛ فكتبت كتابها الذي نجى من فخِّ الأكاديمية والنسيج المعقد، فجاء تلقائيًا، لكنه ليس سطحيًا خاليًا من التأمُّلِ العميق والنظر الدقيق الذي ستلحظه ظاهرًا في فصوله.
قبل أن تُغلق شرفتها أكَّدت على أنها لا تكتب مذكرات عاطفية عن الفقدِ.. وإنما رصد وتحليل لتجربتها حول الفقد وما خلّفه الفقيد في قلبِها وروحها وعقلها. فالفقد لا يصح أن يُختزل في جانبٍ واحد، لأنه ”تجربة إنسانية مركبة ومتعددة الأبعاد“.
فلابد أن يُدرك قارئ صفحات كتابها على أنها ”ليست رثائيةً محضة، وليست ذاتيةً مجرّدة، وليست موضوعية خالصة، بل فيها من هذا وذاك..“.
وإذا نحَّى القارئ الكاتِبَ وانفرد بالنصِّ، -ولا أريد هنا قتل المؤلف ليُولد القارئ على حدِّ قول رولان بارت-؛ وأعملَ التأمل فيما يقرأ، تكشَّفت له اللبِنات التي صنعت ملاك الجهني، وأيضًا مفاتح شخصيتها الكبرى. تجد هذا مثلاً في ص٢٠ عندما أخبرها الدكتور البغيض بأنَّ ابنتها ”إن ولدت حيّة، فلحظات وتموت!“. وتجدها في ص٢٩ عندما أرادت الخروج من الكليةِ لتحضر موعدها المهم فنهرتها المسؤولة وسخرت من دموعها أمام الطالبات! وتجدها في ص٦٠ لمَّا شَعَرَتْ بالاستباحة، وأن حياتها أصبحت حقًّا مشاعًا للآخرين. وعند قولها في ص٧١ ”كنتُ شديدة الأنفة وأتحسس من الإثقالِ على الآخرين مهما كانوا مقربين مني“. وقولها في ص١١٥ ”أخذتُ أحيط نفسي بأسوارٍ وحصون، فلا آذن لأحد أو أمكّنه من انتهاكِ كرامتي وكرامة أولادي بشفقتهِ المُذِلّة“. وغير ذلك من الأحداثِ والأقوال الكاشفة لأُسس التكوين والدالة على ملامحِ الشخصية بعد ذلك.
في الكتاب ستقف على حقيقةِ الفقد الموقِظ من الوهم؛ فبعد أن كنت مخدوعًا بأن لك ذاتًا مستقلةً عمن تُحب وتألف، فإذا بك تشعر بعد فقده بالبترِ، وهنا تسقط كل تصوراتك السابقة عن ذاتك.
ستعي معنى صدمة الفقد المؤذنة بالانكشاف، والانكشاف يعني عدم الأمان. وستدرك أن ”للفقدِ لغة مشتركة لا يفهمها إلا من عاشها“.
ستفهم أن للفقدِ وشومه الداكنة التي قد يزول ألمها، ولكنها تبقى ثابتة مكانها ملازمة الإنسان ومذكِّرة له بأنه ”موشوم بالفقد“.
ستؤمن بأننا جميعًا “تحرِّكنا وتؤطر كل رؤانا التفصيلية رؤية كليّة تدور حول المعنى، معنى وجودنا في هذه الحياة.. ومن هذه الرؤية نُفسِّر ما نواجهه في دروب الحياة؛ فقدًا كان أم غيره“.
لن أحاول تلخيص الكتاب؛ لأنه أعمق من أن تُبسط معانيه بأسطرٍ قليلة. أردتُ فقط -فيما سبق وما سيلحق- أن أستنطقه وأجعله يقدِّم نفسه بنفسِه. وأقول: سيقف القارئ الكريم فيه على سيرةٍ ذاتية وغيرية جليلة، وتحليل عميق، وتساؤلات كاشفة، وإضاءات لابد أن تُنير لمن تأملها الطريق.
ومن أهمِّ فصول الكتاب، وكلّه مهم، تعليقات المؤلفة وتحليلاتها في (ملاذات الفقد)، والذي تناولت فيه (الوجد والفقد في كتابات الزوجات) = فإنها كانت تقرأ ما كتبنه عن أزواجهن ”قراءة تفاعلية؛ تحاور، وتستشكل، وتربط، وتقارن، وتستدرك..“. نعم؛ لقد عادتْ شخصية الباحثة الناقدة من جديد، وهي لا تنفك تظهر، بل تكاد تُطل -للمتأمِّل- في كل صفحات الكتاب.
وجَدَتْ في كتاب (عام التفكير السحري) أن جوان ديديون ”استطاعت أن تجسِّد في سرديتها الخاصة حول الفقد أبعاده الكونية المشتركة بين الفاقدين، لا تجسيد تجربتها الشخصية وحدها“.
وفي كتاب (الجنوبي) لعبلة الرويني ظهر خطر الحب وكيف أنه قادر على أن ”يصنع من المحبِّ تابعًا، يذوب في كونِ محبوبه فيتبنى ويتمثَّل ويتبع مساراته في الحياةِ دون مساءلة أو احتجاج“. ولم تجد في الكتابِ أثر لذكر الندوب التي يخلّفها الفقد.
وفي كتاب (كأنه الوداع) لغادة السمان تسيطر النبرة الرثائية بذكرِ مآثر الفقيد، لقد اختارت غادة الحديث عن الجانبِ الأضيق، ”وولّت متلفعةً بصمتها وغموضها دون أن تضيء ما كانت قادرةً على الإبحارِ فيه بقلمٍ مقتدر“.
وفي (أبكي على زمن خلا من شاعر مثل عمر) لسعاد أبو ريشة لا وجود لغير التقديس، ”لم تنتقد له رأيًا، ولا موقفًا، بل كان محقًّا على الدوامِ، ويُبصر ما لا تبصره“. وهذا ما جعل الكاتبة تقول: ”لا أرى في مذهبها هذا إلا استمراء للتسفيه، إذ الحب والاحترام قرينان لا يفترقان“. كانت سعاد من الشخصياتِ الظلال -كما تسمِّيها-، لا وجود حقيقي لها بغياب الصاحب؛ تتحرّك بتحركه وتزول بزواله.
وفي (اللحظة الآتية، أيامي مع جورج طرابيشي) مثّلت كتابة هنرييت عبودي عن جورج بالنسبة للمؤلفة ”نموذجًا متميّزًا؛ فقد استطاعت أن تنهض بالموضوع الذي لأجله كان الكتاب، وأن تلامس حياتهما المشتركة، حلوها ومرّها، دون الوقوع في سردٍ ذاتي عن سيرتها الشخصية من خلالِ زوجها“. لقد أفصحت عن الشروخِ العميقة التي يحدثها ألم العادات المشتركة بعد الفقد.
أما سوزان في كتابها (معك) فقد تمكّنت أن ”توقف القارئ على الرابطةِ الروحية الباقية بين الزوجين بعد الفقد، على الحاجةِ المستمرة للوقوف على الأطلال، والاقتيات على الذكريات، وعلى الزمنِ الذي يختفي عندما يحضر الحب“.
والخاتمة كانت مع عائشة عبدالرحمن وكتابها (على الجسر: بين الحياة والموت)، والتي صوّرت فيه باقتدار مشاعر الفقد بأفصح لغةٍ وأعذب بيان، فقد ”وُهِبت قلمًا جرَت معه كلماتها كنهرٍ تتدافع تياراته بقوة لا تدع لقارئ أن يكبح معها جماح شعوره“. ومع ذلك لم تجاوز ”أوجاع الغياب، وإكرهات البقاء، وأمنيات اللقاء. وليس هذا بمستغرب؛ فغاية الكتاب لم تكن تشريح الفقد، بل تدوين سيرة ذاتية لحياة المؤلفة التي كان الفقد أحد فصولها“.
ثم أقول: ستعجب وأنت تقرأ الكتاب للتشابه العظيم في التجاربِ الإنسانية مع حضورِ التباين لا غيابه التام. وقد يكون التشابه في الأحداثِ المجرّدة، وأحيانًا بالمعنى البعيد.
فمثلاً عندما تقرأ أن جوان ديديون ”كانت تتفادئ تناول الطعام في الغرفةِ التي سقط فيها زوجها السقطة الأخيرة“. تجد أن الكاتبة بعد ذكرها لعادة الورد القرآني مع فقيدها، أشارت إلى عجزها عن مواصلةِ هذه العادة في نفسِ الوقت الذي كانا يقرآن فيه معًا، ولذلك اضطرّت لتغيير وقت تلاوة الورد. فديديون تفادت المكان، والكاتبة تفادت الزمان.
وعندما تقرأ حديث هنرييت عبودي عن زوجها طرابيشي وكيف أنها حين احتاجت إلى تعلّم قواعد اللغة العربية، قام بتعليمها، فلما نجحت بالامتحان، كان جورج يقول متباهيًا أمام أصحابه: ”علّمتها في أربعةِ أيام، ما يُعلِّمه سواي على مدى سنة“، وكانت ترد: ”الفضل للتلميذة، لا للمعلم فحسب“. نجد الكاتبة أيضًا تذكر قصة تعليم إبراهيم -رحمه الله- لها اللغة الإنجليزية، وكان المكان المجلس الخارجي، والزمان بعد صلاة التراويح. وأنت ترى أن الفرق بين هذين الصورتين هو اللغة.
وأيضًا إذا قرأت حديث سوزان زوج طه حسين وذكرها خبر ركوب القطار بعد فقدِ زوجها العزيز، ستقف على قولها: ”للمرة الأولى منذ سنوات، ركبتُ القطار، وعندما اختفى وجه مؤنس العزيز في محطةِ مونترو شعرتُ ببعض الذعر“. تمامًا كما شعرت المؤلفة بالفزعِ -بعد الفقد- عندما تركها السائق في متجر (إكسترا) وقفل راجعًا إلى البيت..
وغير هذه من المشاهد والصور والمعاني الدالة على تقارب التجارب الإنسانية وتقاطعها، ولا تذهل عن قول د. ملاك عن الفقد، وأنه: ”ليس محض تجربة ذاتية بل تجربة كونية في الوقت ذاته“، وإن كان لكل تجربةٍ خصوصيتها المميزة لها.
بعد التجربة الطويلة مع الفقدِ وأوجاعه، تختم ملاك الجهني كتابها بقولها: ”الإيمان وحده ما يسعه الانتصار على المعاناةِ مرة بعد مرة، فلا العقل ولا الوقت يحمياننا على الدوام من هجماتِها الشرسة، لكن الإيمان حتمًا يفعل“.
وليتذكر المتألم دائمًا؛ أن العناية موجودة، وأنه رغم مرارة المعاناة؛ ثَمة عين تراقب العصفور!
[هامش]
في كتاب الناقد الأدبي الكبير عبدالقادر القط (في الأدب المصري المعاصر) وأثناء حديثه عن روايةِ (أنا الشعب) لمحمد فريد أبو حديد، وفي سياق كلامه عن سيد زهير الشخصية القارئة في الرواية، يكتب واصفًا الكتاب وأهميته في تغيير الفكر وقدرته على إزالةِ الغفلة والغشاوة: ”والكتاب الجيّد في بعض الأحيان قد يكون أقوى من الحياةِ في هذه السبيل؛ إذ هو نتاج فكر نافذ، وبصيرة صادقة، يعرض مشكلات الحياة في جرأةٍ لا تعبأ بالتقاليد، وفي صورةٍ مركزة تنفي عن المشكلاتِ ما يغشيها من الإلفِ والعادة والأحداث اليومية المتكررة“. وهذا يصدق تمامًا على كتاب (عين تراقب العصفور) وكاتبته.
منذ أن قرأتُ الكتاب أول مرة، وكنتُ قد تشرَّفتُ بقراءةِ مسوّداتهِ قبل النشر، وأنا أقول: هذا الكتاب متجاوز؛ إنه يعبرك ويعبر بك. نعم: إنه يضم تجربة خاصة، ومع ذلك، سيجد كل من يقرأه أن فيه شيء يمثّله، يشبهه، يحاكيه.
والسلام.