كيت زمبرينو والكتابة بالجسد!

بداءةً أُحب أن أعترف بأنَّ ذلك الجانب الشخصي القبيح من فوكو وأصحابه يقززني وأحاول جاهدًا في كل حين أن أفصله عن فِكره وكتاباته فأنجح تارةً وأفشل أخرى.

كتاب زمبرينو أعجبني جدًّا، هذه القدرة الهائلة على السَّردِ لا يُطيقها أو يستطيعها كل أحد، قدَّمت لنا لوحة بانورامية ملوَّنةً حولَ دراستها عن غيبير، وظروفها أثناء الكتابة، والمآزق الأخلاقية التي تكتنف من يتناول حياة أو نتاج أمثال هذه الشخصيات.

عندما بدأتْ بكتابة دراستها عن هيرفي غيبير شبَّهت الكتابة بالحياكة، وأنها تتوق للمساحةِ حيث تكون الكتابة فعلًا منعزلاً.. ومن الطريفِ أن زوجها جون أشار أن تحذف جزئية الحياكة هذه؛ إذ إنها لا تعرف الحياكة أصلاً -وإن أشارت لمعرفتها لها في طفولتها- وهو من يتولى أمثال هذه الأعمال في البيت، ثم يتضح أن استخدامها لهذا التشبيه كان تأثّرًا بغيبير الذي كتبَ مرة: ”لأيام لم أخط غرزة واحدة في هذا الكتاب“، وهي لم تشر إلى تأثرها به، وإنما قالت: «غيبير أيضًا يستخدم استعارة الحياكة».

لفت نظري حديثها عن الأسماء المستعارة ورغبة الكُتَّاب أحيانًا في الاختفاء والخلاص من شَبَح الشهرة، ودافع هذا قد يكون محاولة في استكشاف هُويات مطمورة عبر الكتابة الحرَّة دون تدخلٍ لسطوة الأسماء الحقيقية وثقل حمولتها. ثم ذكرت بشيءٍ من الجزم أنَّ ”شخصياتنا المتخيّلة تعكس ذواتنا الأصلية أكثر مما تفعل شخصياتنا العامة“.

ومما يستحق التأمُّل في الجزء الأول من الكتابِ حديثها عن القراءة والكِتابة، وأن التواضع كلّه في الفِعل الأول، أما الثاني فإنه يقود إلى تضخُّمِ الأنا. ”أن تكون قارئًا يعني أن تقع في غرامِ صوتٍ آخر، على خلافِ الحيِّز المتنسِّك لدى كتابة صوتك، حيث تبلغ بك العُنجهية أن تتوقع من الآخرين قراءة صوتك“. القراءة مشروع أخلاقي!

أن تكتب دراسة عن متهتِّكٍ لا يتحاشى الاعتراف بمغامراتهِ الجنسية، ورغباتهِ البغيضة؛ يعني أن تتوغل في أرضِهِ، وهذا التوغُّل قائدك إلى محاكاتهِ لإظهار الصورة كاملة والحقيقة واضحة، وهو ما جعل زمبرينو تتمرَّد كثيرًا في كتابها وتعترف برغبتها أن تكون أشد فسوقًا في سردها.

وإذا افترضنا قدرة المرء على ذلك، فهل هو قادر على إخفاءِ امتعاضه وذعره الأخلاقي مما يقرأ ويكتشف؟ لم تستطع المؤلفة ذلك، وكتبت بعد قراءتها لحديث غيبير في مذكراتهِ عن البيدوفيليا، ومغامرات صديقه روبن في تايلاند وسياحته الجنسية هناك، أقول، كتبت أن هذا يزعجها إلى حدٍّ يمنعها عن مواصلةِ قراءة تلك المقاطع ويرغمها على تخطّيها.

ومرة أخرى عندما ذكرت شخصية (الشاعر) فنسنت في روايةٍ لغيبير، وهو شاب في الخامسة عشرة وصفه غيبير بأنه لعبة جنسية ودمية جِماع و..و..! ثم تعبيره عن حزنه إذ إن فنسنت هذا لم يصب بالإيدز! دفعها ذعرها الأخلاقي لتكتب: ”في وسعي القول أنني معجبة بحدة تعبيره عن هوسه كنصٍّ أدبي، لكني لا أجد أي شيء مثير في وصفهِ مغامرات مجده الجنسي، ولستُ واثقة إن كان يفترض بي أصلاً أن أجده مثيرًا“. ثم تشير إلى مويرا دافي وكتابها (احرق المذكرات) واشمئزازها من انتهاكاتِ كاتبها المفضل جان جينيه. (بالمناسبة أكتب وبجانبي كتابه «يوميات لص»، هذا أنا فهد لا زمبرينو!).

ثم تذكر مأزقًا أخلاقيًّا مؤرِّقًا: هل يمكننا أن نُحب قلم أو كتب مؤلِّفًا ما ونكره شخصه؟! قد يستطيع كثير من الناس الإجابة بجزمٍ: نعم، ولكن هل حقًا نحن قادرون على الكره والمحبة في آن، والفصل بين النصِّ وكاتبه؟! لا أدري.

ما ذَكرَته عن الجائحةِ ويومياتها يؤكد أن تلك الأحداث تركت نُدُوبًا في أرواحِ الملايين من الناسِ في هذا الكوكب على اختلافِ أعمارهم ومذاهبهم وبلدانهم.

ختامًا لا أستطيع إخفاء إعجابي بقدرة المؤلفة في دراستها عن شخصية هيرفي غيبير؛ هذا التتبع والانغماس في ذاتِ المكتوب عنه إلى درجةِ اكتشاف رموزه وإشاراته واستعاراته وما أخفاه في كتاباته.. مع كل ما كانت تعانيه من الأدواءِ الجسدية والأعباء العائلية.. هذه قُدرة مذهلة تستحق الإثبات. ولن أستطيع أيضًا أن أختم قبل أن أظهر سعادتي بما ذكرته عن طبيبتها المتسلِّطة التي أخبرتها بإصابتها بـ(الهربس النطاقي)، ”طبيبتي متعجرفة على النحو الذي دومًا أتوقعه من نساء في موضع سلطة!“ : )

الاثنين ٥/ جمادى الآخرة/١٤٤٥

الموافق ١٨/ ديسمبر/ ٢٠٢٣

أضف تعليق