
عندما أصيبت سوزان سونتاغ (1933-2004) بالسرطان أول مرة، وخالطت الكثير من زملائها المرضى أثناء مدة علاجها في المستشفيات، لاحظت اشمئزازهم وشعورهم بالعار تجاه أنفسهم بسبب مرضهم. وذلك أنه كان هناك أوهاما متعلقة بالسرطان = يُنظر إليه ”بتقزُّزٍ لا عقلاني على أنه تصغيرٌ وتحقير للذات“، كما يُعد أيضًا بأنه المرض الذي يصيب المهزومين نفسيًا والانطوائيين والمقهورين.
كان السبب في ذلك؛ الخرافات المنتشرة حول بعض الأمراض، والذي أسهم في توسيع نطاق انتشارها هي الاستعارة، وما أدراك ما الاستعارة! لم تجد المؤلفة أبلغ من تعريف أرسطو لها في كتابه (الشعر): «تتألف الاستعارة من إعطاء الشيء اسمًا يخص شيئًا آخر». فالقول إن شيئا ما هو أو هو مثل شيء آخر -على حدِّ قول سونتاغ- يقود إلى عملية ذهنية قديمة قدم الفلسفة والشعر، وهذا الأمر هو الأرض المولّدة أو المفرخة لمعظم أشكال الفهم، بما فيها الفهم العلمي، والقدرة على التعبير.
لذلك كانت سونتاغ تقول: ”كنت مقتنعةً أن الاستعارات المجازية والخرافات تقتل!“. إنها تجعل الخوف يسيطر على المرضى إزاء بعض الإجراءات المؤثرة كالعلاج الكيميائي، وترفع مقام ومصداقية أدوية غير مجدية كالأنظمة الغذائية!
أرادت سونتاغ أن تجعل الناس لا يرون في السرطان -وغيره من الأمراض- على أنه لعنةً أو عقابًا أو علّة مربكة ومحرجة؛ أن يرونه مرضا فقط، دون أن يعطى معنًى خاص. لأنه ”لا شيء أكثر عقابًا أو قصاصًا من أن تُعطي المرض معنًى، خاصةً إذا كان معنًى أخلاقيًّا“. وفي جملةٍ مركزة تكتب: ”إن أكثر الأمراض رعبًا هي التي يُفهم أنها ليست فقط قاتلة، بل تلك التي هي سالبة لإنسانية المريض“.
أرادت أن تزيح الأوهام العقابية والعاطفية الملفقة عن المرض، وأوضحت بأن موضوعها الذي تتناوله يتلخص بقولها التالي: ”موضوعي ليس المرض نفسه، بل استعمالات المرض كاستعارة. موضوعي أن المرض ليس استعارة، وأن أصدق نظرة إلى المرض، وأكثر الطرق صحةً في نظر الشخص المريض لمرضه، هي أن يتطهَّر منه، وأن يكون أشد مقاومةً للتفكير البلاغي واستعمال الاستعارات“. حاولت في كتابها الصغير شرح بعض الاستعارات وتفنيدها، وتحرير المرض من النظرِ إليه من خلالها.
في أولِّ الكتاب توضِّح أن الحل لا يكون بإخفاء الحقيقة عن المريض، بل ”في تصحيح مفهوم المرض وفصله عن الأوهام والخرافات“.
من الأمور الخطيرة؛ تحميل المريض مسؤولية المرض، لأن في هذا إضعاف لقدرة المريض ”على فهم مدى العلاج الطبي الممكن“، بل يُنفِّره بعيدًا عن هذا العلاج. وكما هو معلوم أن ”المداواة تعتمد بشكلٍ أساسي على مقدرته وقابليته التي اختُبرت مسبقًا أو التي أُضعفت لحب الذات“. وكما كتبت في الصفحة ما قبل الأخيرة من الكتاب: ”عندما يُفهم المرض بشكلٍ أفضل، وفوق كل شيء آخر، يمكن علاجه“.
وبسبب سيطرة الاستعارات والخرافات في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين نجد كافكا يكتب في دفترِ مذكراته عندما شُخِّص بالسل ١٩١٧م، من رسالةٍ إلى صديقه العزيز ووصيه على إرثه الأدبي ماكس برود: ”لا أعتقد أن هذا المرض هو السل، وعلى الأقل، ليس سلّاً بشكلٍ أولي، بل هو إشارة لإفلاسي العام!“.
في الكتابِ أشارت سونتاغ إلى أمرٍ طريف فيما يخص العقلية الأوروبية ونظرتها تجاه الآخر. أثناء حديثها عن الأوبئة ذكرت أليكساندر كنغليك ورحلته إلى المشرق -وأظن رحلته مترجمة (للمهتم) «رحلة إلى المشرق»- وذكرت وصوله للقاهرة إبان اجتياح وباء الطاعون، تقول سونتاغ: ”يُلقي كتاب «كنغليك» المعنون بعنوانٍ ثانوي هو (آثار السفر التي جُلبت إلى الوطن من الشرق) الضوء على العديد من المزاعم الأوروبية المتمركزة حول الذات عن الآخرين، بدءاً من الوهم القائل إن الشعوب الأقل عقلاً [أو ذات العقل الصغير] تتوقع الاستثناء من سوء الحظ أو من الكوارث كالأوبئة؛ لأن لها قدرات أقل من قدرات الشعوب الأخرى على الإحساس بهذه الكوارث!“.
وتحدَّثت المؤلفة عن خطر الحكم على المجتمع من خلال الأبئة التي تصيبه، وذكرت أن هذا الأمر كان شائعًا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، حيث كانت تربط الأمراض والأوبئة بالأقليات المكروهة.
تحاول المؤلفة جاهدةً أن توقف هذه الاستعارات التي تجعل من المرضِ لعنة مُنفِّرة، وأشارات كثيرًا إلى الاستعارات السياسية التي لا تنفك تستجد قرنًا بعد آخر. وأوردت بعض هذه الاستعارات كالإشارة إلى (سرطان النازية) و (السرطان الماوي الذي يقضم وجه الصين) ونعت بعض الممارسات المضرّة بأنها (أعمق وأخطر سرطان في حضارتنا). بل إن المؤلفة نفسها لم تسلم من استخدام هذه الاستعارات، وكتبت مرة إبان الحرب على فيتنام: ”العِرق الأبيض هو سرطان التاريخ الإنساني“. ألا نستطيع الإشارة إلى الشرِّ دون استخدام هذه الاستعارات المضرّة لمن يعاني من هذا الداء الخطير؟ هذه الطريقة هي التي تضفي معنًى خاصًّا مريبًا للأمراض الطبيعية. حقًّا إن ”كل استعارات المرض المجازية الحديثة طلقات رخيصة. وإن الأشخاص الذين لديهم المرض الحقيقي قلّما يُساعَدون عن طريق سماعهم اسم مرضهم يُطلق باستمرار على أنه مثال الشر أو أنه صورة مصغّرة عنه“. هل تأملتَ عمق المسألة التي تناقشها المؤلفة؟
يجب أن ننتبه لما نقول، ونتوقف عن استعمال بعض الاستعارات المؤذية والمؤثرة في التفكير بالمرضِ والصحة، فإن أثرها كبير؛ إذ ”إنها تحرك الناس أكثر من اللازم، تصف أكثر من المعتاد، وتسهم بقوة في العزل الاجتماعي ووصم المرضى بالعار والعيب“.
(مُلَيْحظة)
– الترجمة ركيكة نوعًا ما في بعض الصفحات.
– في صفحاتٍ كثيرة كانت المؤلفة تُكرِّر الفكرة، وتعيد المعنى، حتى يصيبك الضجر منها وتقول في نفسِك: لعلَّها أرادت أن تضخِّم دراستها لا أكثر!
الخميس ٢٩-٦-١٤٤٥
الموافق ١١-١-٢٠٢٤