”يترك الإنسان ذكراه الطيبة التي تجعل من حوله يشعرون بغيابه عنهم“. (هذه من كلمات شقيقة فان جوخ).
لطالما كانت الرسائل الخاصة أصدق الوثائق لاستخراج الحقائق حول الأشخاص وحياتهم؛ إذ إنهم يكونون فيها على السَّجية، والسَّجية عنوان الوضوح.
في رسائل فنسنت فان جوخ ستتعرَّف على همومِه الحياتية، وبعض آرائه في الفنِّ، وشعوره الصادق تجاه عائلته، وموقفه من علّته التي كان يعاني منها، وغير ذلك مما تستطيع من خلاله رسم لوحة متكاملة لهذا الفنان البائس.
(ثيو) يكاد يكون له الفضل الأول فيما أصبح عليه شقيقه فنسنت، لقد أمدَّه بكل ما يستطيع من العون؛ وفَّرَ له منزل، وأدوات للرسم، ولم يتوقف يومًا عن مساعدته في دفع الإيجار وتقديم المال، بل إنه في آخر حياة أخيه وجهه إلى الدكتور غاشيه (غاشيت) الذي اهتم به إلى يوم انتحاره، ولوحة فنسنت للطبيب غاشيه مشهورة جدًا، وقد بيعت قبل ٣٥ سنة بمبلغٍ جاوز الـ٨٠ مليون دولار!
لذلك لا تعجب إذا علمت أن ٩٥٪ من الرسائل التي تركها فان كوخ كانت موجهةً لأخيه (ثيو)، الذي لم تطل حياته بعد انتحار أخيه، ومات بعده بستة أشهر ودفن بجانبه بقرية أوفير في شمال باريس. ولا تعجب أيضًا إذا قرأتَ في إحدى رسائله قوله لأخيه: ”يجب أن تعلم أنني إذا اضطررت إلى بيعِ لوحاتي لأجلك فسأبيعها دون تردد“. كان يشعر بالامتنان الدائم تجاه (ثيو) الشقيق المشفق.
من المعلومِ أن فان غوخ نال الشهرة والمجد بعد انتحاره، ولم تُعرف قيمة أعماله إلا بعد اندثار أثره المادي من الحياة، وهذا -في الغالب- أمر طبيعي في كلِّ زمانٍ ومكان؛ إذ لا تُعرف قيمة العبقري ولا يُعطى حقه إلا بعد أن يفنى. حتى نشأ الرأي القائل: شكِّك في عبقرية وقيمة أحدهم إذا وجدته قد نال من المجد القسط الوافر في حياته، فلو كان عبقريًّا حقًّا لما التفت إليه أحد! وهنا تذكرتُ المثال القائل: ”في حياتِه كان يشتهي تمرة، فلمَّا مات زرعوا نخلةً عند قبره!“.
كان فنسنت يفكِّر بالخلود، ويؤمن بأنه بما يملك من موهبة قادر على تحقيق هذا الخلود. ”لستُ أتكهن المستقبل يا ثيو لكنني أعلم أن الحياة دائمة التغيير، لذلك يجب أن نخلق ما هو خالد لا يموت بموت الماضي والحاضر“. ومن رسالةٍ أخرى: ”سأرسم لوحات مدهشة يقول عنها الناس: «يا له من فنان مبدع ذاك الذي رسمها»“. ومع إيمانه بقدراته فإنه لا يطمع بأخذ فوق ما يستحق: ”رجل بمميزاتي قادرٌ على تحقيق النجاح خالد الذكر، ولكنني لن آخذ أكبر مما هو مقدَّر لي“.
ولم تكن تكهناته حول بعض لوحاته صحيحة، مع إقراره بإبداعه فيها، فقد قال عن إحدى لوحاته الشهيرة التي حققت نجاحًا عظيمًا: ”فلتعرف أنني أملك لوحة (سماء تتناثر فيها أضواء النجوم) ولوحة (حديقة الشاعر) ولوحة (البستان)، لكنني لن أعير هذه اللوحات اهتمامًا لأنها لن تلاقي نجاحًا كبيرًا بالرغم من براعتها وجمالها“. ولكنه في رسالةٍ أخرى أقرَّ بأنها ستعجب نوع خاص من البشر: ”أومن بوجود بعضٍ من لوحاتي التي يمكن أن تعجب الحالمين من الناس“، ثم ذكر اللوحات السابقة.
لن تجد في رسائل فان جوخ شيء يستحق الذكر عن الحُب، وإنما هي إشارات بأنه غير محبَّب -من ناحية الشخصية- للنساء، وقد كتب مرَّةً في رسالةٍ لأخيه يقول: ”شخصيتي لا تجذب النساء“. ونقرأ في الرواية الرائعة التي كتبتها الروائية الأمريكية أليسون ريتشمان عن «أيام فان جوخ الأخيرة The Last Van Gogh» على لسان فنسنت قوله لمارغريت: ”ليس لدي جَلَد يتيح لي الجمع بين امرأة وفنِّي“. فهل من الممكن أن يكونا الحب والعبقرية من الأمورِ التي تحتاج إلى قوّةٍ دافعة تستنزف طاقة صاحبها فلا يستطيع الجمع بينهما دون الانخفاض الواضح في أحدهما؟! لا أدري.
وسيلة مقاومة المرض الوحيدة لدى فان جوخ كانت الرَّسم، لا شيء غيره. بل إن الرَّسم كان الشيء الأبرز لديه تحقيقًا للسعادة. ”أرجو ألا تنزعج من رسائلي المتكرِّرة والمبعوثة بأوقات متقاربة، فأنا أرسلها لأخبرك بكمية السعادة التي أشعر بها حين أرسم“. وقال مرة لأخيه ينصحه بالدواء الناجع: ”علاجي للراحةِ سيفيدك ألا وهو الخروج واستنشاق الهواء والرَّسم“. وقد قرأتُ في ليالٍ هانئة كتاب (بيكاسو – نساء وحياة ثائرة) ووجدتُ فيه كلمة معبِّرة وهي: ”لقد كان الفن بالنسبةِ لبيكاسو هو الترياق الذي يشفي غليله من المعاناة أو الآلام الموجودة في جذور الحياة ذاتها“.
مما ترسَّخ في ذهن فنسنت بعد حياةٍ قاسية مع العوز والاحتياج؛ أن الفنان أو صاحب الموهبة لن يستطيع العيش لفنِّه وموهبته دون القلق تجاه الرِّزق والكسب المادي، ومن يظن غير ذلك ما هو إلا واهم. لذلك لطالما تمنَّى لو كان بإمكانه العيش في مرسمه دون الانشغال بالكسب والرزق. يقول: ”إن الرغبة في العيش بسعادة دون القلق بشأن المال ومن ثم الهرب بعيدًا ليس سوى وهم غير قابل للتحقق، إذ إنني أدعو الله في بعض الأحيان لأن أعمل وأخرج بنفقات تكفي احتياجاتي الأساسية لأعيش بقية حياتي في مرسمي“.
الفنان والعبقري بطبيعته يفضِّل العزلة، ولعلَّه يجد فيها من الطاقة للإبداع أكثر مما يجده في الاجتماع، ولكن لهذه العزلة ضريبة سيعاني منها لاحقًا؛ إما في علاقاته مع الآخرين أو في شخصيته، ولأجل هذا وغيره كان فان جوخ يرى بأن الفنان يخسر الكثير في عزلته.
ولابد من القول على سبيلِ الفائدة أن فان جوخ لم يبدأ الرسم إلا في عمر التاسعة والعشرين، ومعلوم أنه توفي في السابعة والثلاثين، أي أنَّ هذا الإبداع الخالد كان حصيلة تسع سنوات رسم فقط! وأيضًا لابد أن يعلم القارئ أن فان جوخ لم يدرس الرسم والفن أبدًا، بل علَّم نفسه بنفسه كما قال أنتوني لودوفيسي في مقالته التعريفية عنه وعن فنِّه.
هل لاحظتَ أنني قلت مرة: فان جوخ، وأخرى كوخ، وثالثة غوخ؟! بالطبع لم تلاحظ، المهم، في رسائله وقفتُ على قوله لأخيه: ”أرجو أن تضع اسمي في المستقبل بالطريقة التي أضعه أنا على لوحاتي (فنسنت) فقط، وليس (فنسنت كوخ)، وذلك أنه لا أحد في هذه البلاد يتمكن من لفظ اسمنا الأخير“. صدقت، في باريس وغير باريس يا فنسنت، ومع ذلك اسمك أكثر أناقةً ويسرًا من الفرعون توت عنخ آمون!
والآن، ماذا عن (الرسالة الأخيرة لفان جوخ)؟! إنها رسالة مؤثرة جدًا، منها: ”إلى أين تمضى الحياة بي؟ ما الذى يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة… اليوم رسمتُ صورتي الشخصية ففي كل صباح، عندما أنظر إلى المرآة أقول لنفسي: أيها الوجه المكرر، يا وجه فنسنت القبيح، لماذا لا تتجدَّد؟ أبصق في المرآةِ وأخرج“ وفي آخرها: ”كلما تقدَّمَ العمر بنا غدونا أكثر تعلقًا بها، لأجل ذلك أغادرها فى أوج اشتعالي، ولكن لماذا؟! إنه الإخفاق مرة أخرى. لن ينتهى البؤس أبدًا! وداعًا يا ثيو سأغادر نحو الربيع“. وهي رسالة طويلة نتفت الكثير من ريشها، المهم، تناقلتْ هذه الرسالة مصادر متعددة وأثبتتها الصُّحف على أنها آخر رسالة كتبها فان جوخ قبل انتحاره، والواقع أنها لكاتبٍ سوري ومترجم اسمه نبيل صالح، كان قد نشرها في جريدةٍ سوريةٍ سنة ١٩٩٠م وهي مثبتةٌ في كتابٍ له بعنوان (شغب). وقد قال صاحب الرسالة الحقيقي قبل ما يربو على العقد من الزمان -ردًّا على كاتبٍ نشرها دون عزوٍ إليه- كلمة أعجبتني، يقول فيها: ”هذا النص لي، كتبته قبل ١٥ عاما ونشرته في كتابي (شغب) المطبوع بدمشق سنة ٢٠٠٦م. يرجى إثبات الاسم والمصدر لما يُنشر لديكم احترامًا للحقوقِ الضائعة في هذا الوطن المضيع والسلام“.
ختامًا: من أراد الاستزادة فعليه أن يراجع (شهوة الحياة، أو حياة فان جوخ) لإرفينج ستون، ويقرأ (أيام فان جوخ الأخيرة) لإليسون ريتشمان، ويطيل التأمل في (المخلص دومًا فنسنت) وهو الجواهر من رسائل فان جوخ في ١٢٣٨ صفحة دون الفهارس، ويطّلع في كتيّب لطيف جدًا يضم بعض رسائله من منشورات مقبرة الكتب المنسية.
عندما أصيبت سوزان سونتاغ (1933-2004) بالسرطان أول مرة، وخالطت الكثير من زملائها المرضى أثناء مدة علاجها في المستشفيات، لاحظت اشمئزازهم وشعورهم بالعار تجاه أنفسهم بسبب مرضهم. وذلك أنه كان هناك أوهاما متعلقة بالسرطان = يُنظر إليه ”بتقزُّزٍ لا عقلاني على أنه تصغيرٌ وتحقير للذات“، كما يُعد أيضًا بأنه المرض الذي يصيب المهزومين نفسيًا والانطوائيين والمقهورين.
كان السبب في ذلك؛ الخرافات المنتشرة حول بعض الأمراض، والذي أسهم في توسيع نطاق انتشارها هي الاستعارة، وما أدراك ما الاستعارة! لم تجد المؤلفة أبلغ من تعريف أرسطو لها في كتابه (الشعر): «تتألف الاستعارة من إعطاء الشيء اسمًا يخص شيئًا آخر». فالقول إن شيئا ما هو أو هو مثل شيء آخر -على حدِّ قول سونتاغ- يقود إلى عملية ذهنية قديمة قدم الفلسفة والشعر، وهذا الأمر هو الأرض المولّدة أو المفرخة لمعظم أشكال الفهم، بما فيها الفهم العلمي، والقدرة على التعبير.
لذلك كانت سونتاغ تقول: ”كنت مقتنعةً أن الاستعارات المجازية والخرافات تقتل!“. إنها تجعل الخوف يسيطر على المرضى إزاء بعض الإجراءات المؤثرة كالعلاج الكيميائي، وترفع مقام ومصداقية أدوية غير مجدية كالأنظمة الغذائية!
أرادت سونتاغ أن تجعل الناس لا يرون في السرطان -وغيره من الأمراض- على أنه لعنةً أو عقابًا أو علّة مربكة ومحرجة؛ أن يرونه مرضا فقط، دون أن يعطى معنًى خاص. لأنه ”لا شيء أكثر عقابًا أو قصاصًا من أن تُعطي المرض معنًى، خاصةً إذا كان معنًى أخلاقيًّا“. وفي جملةٍ مركزة تكتب: ”إن أكثر الأمراض رعبًا هي التي يُفهم أنها ليست فقط قاتلة، بل تلك التي هي سالبة لإنسانية المريض“.
أرادت أن تزيح الأوهام العقابية والعاطفية الملفقة عن المرض، وأوضحت بأن موضوعها الذي تتناوله يتلخص بقولها التالي: ”موضوعي ليس المرض نفسه، بل استعمالات المرض كاستعارة. موضوعي أن المرض ليس استعارة، وأن أصدق نظرة إلى المرض، وأكثر الطرق صحةً في نظر الشخص المريض لمرضه، هي أن يتطهَّر منه، وأن يكون أشد مقاومةً للتفكير البلاغي واستعمال الاستعارات“. حاولت في كتابها الصغير شرح بعض الاستعارات وتفنيدها، وتحرير المرض من النظرِ إليه من خلالها.
في أولِّ الكتاب توضِّح أن الحل لا يكون بإخفاء الحقيقة عن المريض، بل ”في تصحيح مفهوم المرض وفصله عن الأوهام والخرافات“.
من الأمور الخطيرة؛ تحميل المريض مسؤولية المرض، لأن في هذا إضعاف لقدرة المريض ”على فهم مدى العلاج الطبي الممكن“، بل يُنفِّره بعيدًا عن هذا العلاج. وكما هو معلوم أن ”المداواة تعتمد بشكلٍ أساسي على مقدرته وقابليته التي اختُبرت مسبقًا أو التي أُضعفت لحب الذات“. وكما كتبت في الصفحة ما قبل الأخيرة من الكتاب: ”عندما يُفهم المرض بشكلٍ أفضل، وفوق كل شيء آخر، يمكن علاجه“.
وبسبب سيطرة الاستعارات والخرافات في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين نجد كافكا يكتب في دفترِ مذكراته عندما شُخِّص بالسل ١٩١٧م، من رسالةٍ إلى صديقه العزيز ووصيه على إرثه الأدبي ماكس برود: ”لا أعتقد أن هذا المرض هو السل، وعلى الأقل، ليس سلّاً بشكلٍ أولي، بل هو إشارة لإفلاسي العام!“.
في الكتابِ أشارت سونتاغ إلى أمرٍ طريف فيما يخص العقلية الأوروبية ونظرتها تجاه الآخر. أثناء حديثها عن الأوبئة ذكرت أليكساندر كنغليك ورحلته إلى المشرق -وأظن رحلته مترجمة (للمهتم) «رحلة إلى المشرق»- وذكرت وصوله للقاهرة إبان اجتياح وباء الطاعون، تقول سونتاغ: ”يُلقي كتاب «كنغليك» المعنون بعنوانٍ ثانوي هو (آثار السفر التي جُلبت إلى الوطن من الشرق) الضوء على العديد من المزاعم الأوروبية المتمركزة حول الذات عن الآخرين، بدءاً من الوهم القائل إن الشعوب الأقل عقلاً [أو ذات العقل الصغير] تتوقع الاستثناء من سوء الحظ أو من الكوارث كالأوبئة؛ لأن لها قدرات أقل من قدرات الشعوب الأخرى على الإحساس بهذه الكوارث!“.
وتحدَّثت المؤلفة عن خطر الحكم على المجتمع من خلال الأبئة التي تصيبه، وذكرت أن هذا الأمر كان شائعًا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، حيث كانت تربط الأمراض والأوبئة بالأقليات المكروهة.
تحاول المؤلفة جاهدةً أن توقف هذه الاستعارات التي تجعل من المرضِ لعنة مُنفِّرة، وأشارات كثيرًا إلى الاستعارات السياسية التي لا تنفك تستجد قرنًا بعد آخر. وأوردت بعض هذه الاستعارات كالإشارة إلى (سرطان النازية) و (السرطان الماوي الذي يقضم وجه الصين) ونعت بعض الممارسات المضرّة بأنها (أعمق وأخطر سرطان في حضارتنا). بل إن المؤلفة نفسها لم تسلم من استخدام هذه الاستعارات، وكتبت مرة إبان الحرب على فيتنام: ”العِرق الأبيض هو سرطان التاريخ الإنساني“. ألا نستطيع الإشارة إلى الشرِّ دون استخدام هذه الاستعارات المضرّة لمن يعاني من هذا الداء الخطير؟ هذه الطريقة هي التي تضفي معنًى خاصًّا مريبًا للأمراض الطبيعية. حقًّا إن ”كل استعارات المرض المجازية الحديثة طلقات رخيصة. وإن الأشخاص الذين لديهم المرض الحقيقي قلّما يُساعَدون عن طريق سماعهم اسم مرضهم يُطلق باستمرار على أنه مثال الشر أو أنه صورة مصغّرة عنه“. هل تأملتَ عمق المسألة التي تناقشها المؤلفة؟
يجب أن ننتبه لما نقول، ونتوقف عن استعمال بعض الاستعارات المؤذية والمؤثرة في التفكير بالمرضِ والصحة، فإن أثرها كبير؛ إذ ”إنها تحرك الناس أكثر من اللازم، تصف أكثر من المعتاد، وتسهم بقوة في العزل الاجتماعي ووصم المرضى بالعار والعيب“.
(مُلَيْحظة)
– الترجمة ركيكة نوعًا ما في بعض الصفحات.
– في صفحاتٍ كثيرة كانت المؤلفة تُكرِّر الفكرة، وتعيد المعنى، حتى يصيبك الضجر منها وتقول في نفسِك: لعلَّها أرادت أن تضخِّم دراستها لا أكثر!
بداءةً أُحب أن أعترف بأنَّ ذلك الجانب الشخصي القبيح من فوكو وأصحابه يقززني وأحاول جاهدًا في كل حين أن أفصله عن فِكره وكتاباته فأنجح تارةً وأفشل أخرى.
كتاب زمبرينو أعجبني جدًّا، هذه القدرة الهائلة على السَّردِ لا يُطيقها أو يستطيعها كل أحد، قدَّمت لنا لوحة بانورامية ملوَّنةً حولَ دراستها عن غيبير، وظروفها أثناء الكتابة، والمآزق الأخلاقية التي تكتنف من يتناول حياة أو نتاج أمثال هذه الشخصيات.
عندما بدأتْ بكتابة دراستها عن هيرفي غيبير شبَّهت الكتابة بالحياكة، وأنها تتوق للمساحةِ حيث تكون الكتابة فعلًا منعزلاً.. ومن الطريفِ أن زوجها جون أشار أن تحذف جزئية الحياكة هذه؛ إذ إنها لا تعرف الحياكة أصلاً -وإن أشارت لمعرفتها لها في طفولتها- وهو من يتولى أمثال هذه الأعمال في البيت، ثم يتضح أن استخدامها لهذا التشبيه كان تأثّرًا بغيبير الذي كتبَ مرة: ”لأيام لم أخط غرزة واحدة في هذا الكتاب“، وهي لم تشر إلى تأثرها به، وإنما قالت: «غيبير أيضًا يستخدم استعارة الحياكة».
لفت نظري حديثها عن الأسماء المستعارة ورغبة الكُتَّاب أحيانًا في الاختفاء والخلاص من شَبَح الشهرة، ودافع هذا قد يكون محاولة في استكشاف هُويات مطمورة عبر الكتابة الحرَّة دون تدخلٍ لسطوة الأسماء الحقيقية وثقل حمولتها. ثم ذكرت بشيءٍ من الجزم أنَّ ”شخصياتنا المتخيّلة تعكس ذواتنا الأصلية أكثر مما تفعل شخصياتنا العامة“.
ومما يستحق التأمُّل في الجزء الأول من الكتابِ حديثها عن القراءة والكِتابة، وأن التواضع كلّه في الفِعل الأول، أما الثاني فإنه يقود إلى تضخُّمِ الأنا. ”أن تكون قارئًا يعني أن تقع في غرامِ صوتٍ آخر، على خلافِ الحيِّز المتنسِّك لدى كتابة صوتك، حيث تبلغ بك العُنجهية أن تتوقع من الآخرين قراءة صوتك“. القراءة مشروع أخلاقي!
أن تكتب دراسة عن متهتِّكٍ لا يتحاشى الاعتراف بمغامراتهِ الجنسية، ورغباتهِ البغيضة؛ يعني أن تتوغل في أرضِهِ، وهذا التوغُّل قائدك إلى محاكاتهِ لإظهار الصورة كاملة والحقيقة واضحة، وهو ما جعل زمبرينو تتمرَّد كثيرًا في كتابها وتعترف برغبتها أن تكون أشد فسوقًا في سردها.
وإذا افترضنا قدرة المرء على ذلك، فهل هو قادر على إخفاءِ امتعاضه وذعره الأخلاقي مما يقرأ ويكتشف؟ لم تستطع المؤلفة ذلك، وكتبت بعد قراءتها لحديث غيبير في مذكراتهِ عن البيدوفيليا، ومغامرات صديقه روبن في تايلاند وسياحته الجنسية هناك، أقول، كتبت أن هذا يزعجها إلى حدٍّ يمنعها عن مواصلةِ قراءة تلك المقاطع ويرغمها على تخطّيها.
ومرة أخرى عندما ذكرت شخصية (الشاعر) فنسنت في روايةٍ لغيبير، وهو شاب في الخامسة عشرة وصفه غيبير بأنه لعبة جنسية ودمية جِماع و..و..! ثم تعبيره عن حزنه إذ إن فنسنت هذا لم يصب بالإيدز! دفعها ذعرها الأخلاقي لتكتب: ”في وسعي القول أنني معجبة بحدة تعبيره عن هوسه كنصٍّ أدبي، لكني لا أجد أي شيء مثير في وصفهِ مغامرات مجده الجنسي، ولستُ واثقة إن كان يفترض بي أصلاً أن أجده مثيرًا“. ثم تشير إلى مويرا دافي وكتابها (احرق المذكرات) واشمئزازها من انتهاكاتِ كاتبها المفضل جان جينيه. (بالمناسبة أكتب وبجانبي كتابه «يوميات لص»، هذا أنا فهد لا زمبرينو!).
ثم تذكر مأزقًا أخلاقيًّا مؤرِّقًا: هل يمكننا أن نُحب قلم أو كتب مؤلِّفًا ما ونكره شخصه؟! قد يستطيع كثير من الناس الإجابة بجزمٍ: نعم، ولكن هل حقًا نحن قادرون على الكره والمحبة في آن، والفصل بين النصِّ وكاتبه؟! لا أدري.
ما ذَكرَته عن الجائحةِ ويومياتها يؤكد أن تلك الأحداث تركت نُدُوبًا في أرواحِ الملايين من الناسِ في هذا الكوكب على اختلافِ أعمارهم ومذاهبهم وبلدانهم.
ختامًا لا أستطيع إخفاء إعجابي بقدرة المؤلفة في دراستها عن شخصية هيرفي غيبير؛ هذا التتبع والانغماس في ذاتِ المكتوب عنه إلى درجةِ اكتشاف رموزه وإشاراته واستعاراته وما أخفاه في كتاباته.. مع كل ما كانت تعانيه من الأدواءِ الجسدية والأعباء العائلية.. هذه قُدرة مذهلة تستحق الإثبات. ولن أستطيع أيضًا أن أختم قبل أن أظهر سعادتي بما ذكرته عن طبيبتها المتسلِّطة التي أخبرتها بإصابتها بـ(الهربس النطاقي)، ”طبيبتي متعجرفة على النحو الذي دومًا أتوقعه من نساء في موضع سلطة!“ : )
”علَّمتني القراءة الإصغاء طويلاً لما يقوله الكِتاب“.
أبانت لنا د. ملاك الجهني بعد وقوفنا على شُرفتها دافعها للكتابة، وأوضحت أنها تكتب طلبًا للاستشفاء، ووفاءً لذكرى فقيدها، وأنها تكتب تحديًا لصمت النساء المزمن. إنها تكتب أيضًا نيابةً عن الموجوعات مثيلاتها؛ لأن في الأُنس بالشبيه لحظة الحزن عزاء.
• وقفة: في كتاب كيت زمبرينو (أن تكتب كما لو كنت ميتًا)، أشارت إلى حديثِ هيرفي غيبير في روايته، والذي كان يكتب في مذكراتهِ أشياء مروّعة لا تُطاق، ويعلِّل فعله هذا بأنه يريد أن ينساها، ”فأنا حين أكتب، فكلُّ ما أكتبه، وما إن أكتبه، أنساه“. تعلِّق زمبرينو: «أن تكتب لكي تنسى، لكي تُطهِّر نفسك، لا لكي تتذكر». يبزغ سؤال، هل الكتابة هنا نوع من الاستشفاء؟ وهل د. ملاك في كتابها هذا التي قالت في مستهلهِ أنها تريد الاستشفاء بالكتابة؛ كان دافعها النسيان أم التذكُّر؟ وأيهما أجدر بإيصال الكاتب إلى مرحلةِ التعافي التي يسعى إليها؟
بداءةً شقَّ على المؤلفة -كما تقول- مس مقاتلها، وهو تعبير لافت، لم يكن من الهيّن عليها بعث فاجعتها، ولكنها لإدراكها الوسيلة الناجعة للتشافي تحاملت على وجعِها فكتبت. نعم؛ لقد سقطت بعد كتابتها صفحاتٍ يسيرة، ولكنها بعد عامين، وبعد أن تركت ”الرياح العنيفة تمر“ -كما تقول إيزابيل الليندي- أعادت الكرة مستحضرةً تحدياتها وانكساراتها وهزائمها، وهذه هي المواد الخام لكتابتها.
قاومت قوة الرغبة بالانمحاء، وآمنت بحاجتها إلى البوح؛ فكتبت كتابها الذي نجى من فخِّ الأكاديمية والنسيج المعقد، فجاء تلقائيًا، لكنه ليس سطحيًا خاليًا من التأمُّلِ العميق والنظر الدقيق الذي ستلحظه ظاهرًا في فصوله.
قبل أن تُغلق شرفتها أكَّدت على أنها لا تكتب مذكرات عاطفية عن الفقدِ.. وإنما رصد وتحليل لتجربتها حول الفقد وما خلّفه الفقيد في قلبِها وروحها وعقلها. فالفقد لا يصح أن يُختزل في جانبٍ واحد، لأنه ”تجربة إنسانية مركبة ومتعددة الأبعاد“.
فلابد أن يُدرك قارئ صفحات كتابها على أنها ”ليست رثائيةً محضة، وليست ذاتيةً مجرّدة، وليست موضوعية خالصة، بل فيها من هذا وذاك..“.
وإذا نحَّى القارئ الكاتِبَ وانفرد بالنصِّ، -ولا أريد هنا قتل المؤلف ليُولد القارئ على حدِّ قول رولان بارت-؛ وأعملَ التأمل فيما يقرأ، تكشَّفت له اللبِنات التي صنعت ملاك الجهني، وأيضًا مفاتح شخصيتها الكبرى. تجد هذا مثلاً في ص٢٠ عندما أخبرها الدكتور البغيض بأنَّ ابنتها ”إن ولدت حيّة، فلحظات وتموت!“. وتجدها في ص٢٩ عندما أرادت الخروج من الكليةِ لتحضر موعدها المهم فنهرتها المسؤولة وسخرت من دموعها أمام الطالبات! وتجدها في ص٦٠ لمَّا شَعَرَتْ بالاستباحة، وأن حياتها أصبحت حقًّا مشاعًا للآخرين. وعند قولها في ص٧١ ”كنتُ شديدة الأنفة وأتحسس من الإثقالِ على الآخرين مهما كانوا مقربين مني“. وقولها في ص١١٥ ”أخذتُ أحيط نفسي بأسوارٍ وحصون، فلا آذن لأحد أو أمكّنه من انتهاكِ كرامتي وكرامة أولادي بشفقتهِ المُذِلّة“. وغير ذلك من الأحداثِ والأقوال الكاشفة لأُسس التكوين والدالة على ملامحِ الشخصية بعد ذلك.
في الكتاب ستقف على حقيقةِ الفقد الموقِظ من الوهم؛ فبعد أن كنت مخدوعًا بأن لك ذاتًا مستقلةً عمن تُحب وتألف، فإذا بك تشعر بعد فقده بالبترِ، وهنا تسقط كل تصوراتك السابقة عن ذاتك.
ستعي معنى صدمة الفقد المؤذنة بالانكشاف، والانكشاف يعني عدم الأمان. وستدرك أن ”للفقدِ لغة مشتركة لا يفهمها إلا من عاشها“.
ستفهم أن للفقدِ وشومه الداكنة التي قد يزول ألمها، ولكنها تبقى ثابتة مكانها ملازمة الإنسان ومذكِّرة له بأنه ”موشوم بالفقد“.
ستؤمن بأننا جميعًا “تحرِّكنا وتؤطر كل رؤانا التفصيلية رؤية كليّة تدور حول المعنى، معنى وجودنا في هذه الحياة.. ومن هذه الرؤية نُفسِّر ما نواجهه في دروب الحياة؛ فقدًا كان أم غيره“.
لن أحاول تلخيص الكتاب؛ لأنه أعمق من أن تُبسط معانيه بأسطرٍ قليلة. أردتُ فقط -فيما سبق وما سيلحق- أن أستنطقه وأجعله يقدِّم نفسه بنفسِه. وأقول: سيقف القارئ الكريم فيه على سيرةٍ ذاتية وغيرية جليلة، وتحليل عميق، وتساؤلات كاشفة، وإضاءات لابد أن تُنير لمن تأملها الطريق.
ومن أهمِّ فصول الكتاب، وكلّه مهم، تعليقات المؤلفة وتحليلاتها في (ملاذات الفقد)، والذي تناولت فيه (الوجد والفقد في كتابات الزوجات) = فإنها كانت تقرأ ما كتبنه عن أزواجهن ”قراءة تفاعلية؛ تحاور، وتستشكل، وتربط، وتقارن، وتستدرك..“. نعم؛ لقد عادتْ شخصية الباحثة الناقدة من جديد، وهي لا تنفك تظهر، بل تكاد تُطل -للمتأمِّل- في كل صفحات الكتاب.
وجَدَتْ في كتاب (عام التفكير السحري) أن جوان ديديون ”استطاعت أن تجسِّد في سرديتها الخاصة حول الفقد أبعاده الكونية المشتركة بين الفاقدين، لا تجسيد تجربتها الشخصية وحدها“.
وفي كتاب (الجنوبي) لعبلة الرويني ظهر خطر الحب وكيف أنه قادر على أن ”يصنع من المحبِّ تابعًا، يذوب في كونِ محبوبه فيتبنى ويتمثَّل ويتبع مساراته في الحياةِ دون مساءلة أو احتجاج“. ولم تجد في الكتابِ أثر لذكر الندوب التي يخلّفها الفقد.
وفي كتاب (كأنه الوداع) لغادة السمان تسيطر النبرة الرثائية بذكرِ مآثر الفقيد، لقد اختارت غادة الحديث عن الجانبِ الأضيق، ”وولّت متلفعةً بصمتها وغموضها دون أن تضيء ما كانت قادرةً على الإبحارِ فيه بقلمٍ مقتدر“.
وفي (أبكي على زمن خلا من شاعر مثل عمر) لسعاد أبو ريشة لا وجود لغير التقديس، ”لم تنتقد له رأيًا، ولا موقفًا، بل كان محقًّا على الدوامِ، ويُبصر ما لا تبصره“. وهذا ما جعل الكاتبة تقول: ”لا أرى في مذهبها هذا إلا استمراء للتسفيه، إذ الحب والاحترام قرينان لا يفترقان“. كانت سعاد من الشخصياتِ الظلال -كما تسمِّيها-، لا وجود حقيقي لها بغياب الصاحب؛ تتحرّك بتحركه وتزول بزواله.
وفي (اللحظة الآتية، أيامي مع جورج طرابيشي) مثّلت كتابة هنرييت عبودي عن جورج بالنسبة للمؤلفة ”نموذجًا متميّزًا؛ فقد استطاعت أن تنهض بالموضوع الذي لأجله كان الكتاب، وأن تلامس حياتهما المشتركة، حلوها ومرّها، دون الوقوع في سردٍ ذاتي عن سيرتها الشخصية من خلالِ زوجها“. لقد أفصحت عن الشروخِ العميقة التي يحدثها ألم العادات المشتركة بعد الفقد.
أما سوزان في كتابها (معك) فقد تمكّنت أن ”توقف القارئ على الرابطةِ الروحية الباقية بين الزوجين بعد الفقد، على الحاجةِ المستمرة للوقوف على الأطلال، والاقتيات على الذكريات، وعلى الزمنِ الذي يختفي عندما يحضر الحب“.
والخاتمة كانت مع عائشة عبدالرحمن وكتابها (على الجسر: بين الحياة والموت)، والتي صوّرت فيه باقتدار مشاعر الفقد بأفصح لغةٍ وأعذب بيان، فقد ”وُهِبت قلمًا جرَت معه كلماتها كنهرٍ تتدافع تياراته بقوة لا تدع لقارئ أن يكبح معها جماح شعوره“. ومع ذلك لم تجاوز ”أوجاع الغياب، وإكرهات البقاء، وأمنيات اللقاء. وليس هذا بمستغرب؛ فغاية الكتاب لم تكن تشريح الفقد، بل تدوين سيرة ذاتية لحياة المؤلفة التي كان الفقد أحد فصولها“.
ثم أقول: ستعجب وأنت تقرأ الكتاب للتشابه العظيم في التجاربِ الإنسانية مع حضورِ التباين لا غيابه التام. وقد يكون التشابه في الأحداثِ المجرّدة، وأحيانًا بالمعنى البعيد.
فمثلاً عندما تقرأ أن جوان ديديون ”كانت تتفادئ تناول الطعام في الغرفةِ التي سقط فيها زوجها السقطة الأخيرة“. تجد أن الكاتبة بعد ذكرها لعادة الورد القرآني مع فقيدها، أشارت إلى عجزها عن مواصلةِ هذه العادة في نفسِ الوقت الذي كانا يقرآن فيه معًا، ولذلك اضطرّت لتغيير وقت تلاوة الورد. فديديون تفادت المكان، والكاتبة تفادت الزمان.
وعندما تقرأ حديث هنرييت عبودي عن زوجها طرابيشي وكيف أنها حين احتاجت إلى تعلّم قواعد اللغة العربية، قام بتعليمها، فلما نجحت بالامتحان، كان جورج يقول متباهيًا أمام أصحابه: ”علّمتها في أربعةِ أيام، ما يُعلِّمه سواي على مدى سنة“، وكانت ترد: ”الفضل للتلميذة، لا للمعلم فحسب“. نجد الكاتبة أيضًا تذكر قصة تعليم إبراهيم -رحمه الله- لها اللغة الإنجليزية، وكان المكان المجلس الخارجي، والزمان بعد صلاة التراويح. وأنت ترى أن الفرق بين هذين الصورتين هو اللغة.
وأيضًا إذا قرأت حديث سوزان زوج طه حسين وذكرها خبر ركوب القطار بعد فقدِ زوجها العزيز، ستقف على قولها: ”للمرة الأولى منذ سنوات، ركبتُ القطار، وعندما اختفى وجه مؤنس العزيز في محطةِ مونترو شعرتُ ببعض الذعر“. تمامًا كما شعرت المؤلفة بالفزعِ -بعد الفقد- عندما تركها السائق في متجر (إكسترا) وقفل راجعًا إلى البيت..
وغير هذه من المشاهد والصور والمعاني الدالة على تقارب التجارب الإنسانية وتقاطعها، ولا تذهل عن قول د. ملاك عن الفقد، وأنه: ”ليس محض تجربة ذاتية بل تجربة كونية في الوقت ذاته“، وإن كان لكل تجربةٍ خصوصيتها المميزة لها.
بعد التجربة الطويلة مع الفقدِ وأوجاعه، تختم ملاك الجهني كتابها بقولها: ”الإيمان وحده ما يسعه الانتصار على المعاناةِ مرة بعد مرة، فلا العقل ولا الوقت يحمياننا على الدوام من هجماتِها الشرسة، لكن الإيمان حتمًا يفعل“.
وليتذكر المتألم دائمًا؛ أن العناية موجودة، وأنه رغم مرارة المعاناة؛ ثَمة عين تراقب العصفور!
[هامش]
في كتاب الناقد الأدبي الكبير عبدالقادر القط (في الأدب المصري المعاصر) وأثناء حديثه عن روايةِ (أنا الشعب) لمحمد فريد أبو حديد، وفي سياق كلامه عن سيد زهير الشخصية القارئة في الرواية، يكتب واصفًا الكتاب وأهميته في تغيير الفكر وقدرته على إزالةِ الغفلة والغشاوة: ”والكتاب الجيّد في بعض الأحيان قد يكون أقوى من الحياةِ في هذه السبيل؛ إذ هو نتاج فكر نافذ، وبصيرة صادقة، يعرض مشكلات الحياة في جرأةٍ لا تعبأ بالتقاليد، وفي صورةٍ مركزة تنفي عن المشكلاتِ ما يغشيها من الإلفِ والعادة والأحداث اليومية المتكررة“. وهذا يصدق تمامًا على كتاب (عين تراقب العصفور) وكاتبته.
منذ أن قرأتُ الكتاب أول مرة، وكنتُ قد تشرَّفتُ بقراءةِ مسوّداتهِ قبل النشر، وأنا أقول: هذا الكتاب متجاوز؛ إنه يعبرك ويعبر بك. نعم: إنه يضم تجربة خاصة، ومع ذلك، سيجد كل من يقرأه أن فيه شيء يمثّله، يشبهه، يحاكيه.
أول ما ستُقرُّ به أثناء اطِّلاعك على هذا الكتاب هو أن جو كوينن قارئ نهم، ووصف حالته القرائية بـ(الهَوَس) وصفٌ صادق لا مبالغة فيه.
ويكفيك أن تدرك هذا إذا عرفتَ أنه لم يقد السيارة إلا بعد مجاوزته الخمسين من عمره لانشغالهِ فيما سبق من حياتهِ بالقراءة! وقد مارسَ القراءة في كلِّ الأماكن = القطارات، الحافلات، الطائرات، الحدائق العمومية والخاصة، بل إنه قرأ فوق سطح أحد الفنادق، وأيضًا خلال انتظار صديقه السكير لينتهي من ساعاتِ احتجازه بمركز الشرطة! ولكنه على كثرةِ الأماكن الغريبة التي قرأ فيها لم يفعل هذا أبدًا في الحمام؛ لأن في هذا الفعل كما يقول: ”قلة أدب تجاه المؤلف“. ولعلَّ هنري ميلر الأصلع القبيح -كما وصفه كوينن- يخالفه في هذا.
الكُتب في حياةِ كوينن تُمثِّل ”صمَّام أمان“، وقد تكون بمثابة العصا السحرية التي تجعل همومه كلها بلمحةِ بصرٍ تختفي. ويعلِّل دافع القراءة لديه بقوله: ”أنا أقرأ لأنني أريد أن أكون في مكانٍ آخر. أجل، إن العالم الذي نعيش فيه كافٍ إلى حدٍّ معقول.. إلا أنَّ العالم الذي ينبثق من داخل الكتب يظل دومًا أفضل بكثير“. وهذا يأخذنا لكلمة العقاد في سيرتهِ «أنـا»: ”لستُ أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرًا في تقدير الحساب، وإنما أهوى القراءة لأنَّ عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني“.
ولأن كوينن يحب التمرُّد وإصدار الأحكام القطعية فإنه يزعم بأن: ”الفرار من الواقع هو السبب الرئيس الذي يدفع الناس لقراءة الكُتب“. ويكمل باقتناعٍ تام وثقةٍ عالية وتهكّمٍ لا يفارق قلمه عادةً: ”فبغض النظر عما يدعيه عشّاق الكتب، وبغض النظر عما يقنعون به أنفسهم؛ فإن هدفهم الأول ليس الحصول على المعلومات أو تزجية الوقت في شيءٍ مُسلٍّ أو تطوير ذواتهم. بل من أجل الفرار إلى عالمٍ أكثر إثارةً وإشباعًا، حيث لا يكرهون وظائفهم، وأزواجهم، وحكوماتهم، والحياة برمّتها“.
كوينن قارئ عتيق، من مواليد ١٩٥٠، أي إنه جاوز الـ70 سنة الآن، وهذا يعني أنه من الطرازِ القديم الذي تضجره بعض التقنيات الغريبة للقراءة، من ذلك ما يُعرف بالقراءة السريعة! يقول بأنه لا يمارسها إطلاقا، لأن ”ذلك يدمّر الهدف من نشاطِ القراءة، يجب أن تتم التجربة بأناةٍ تمنح القارئ متعةً خالصة“. ويكتب بعد أسطرٍ: ”أنا لا أضغط زر التقديم السريع خلال مشاهدة الأفلام ولا أتسرّع خلال تناول طعامي، فلماذا يجب عليّ التسرّع خلال قراءة الكتب“. ولم ينسَ بعد ستٍّ وتسعين صفحة من كلامه السابق على التأكيد بأنَّ: ”القراءة السريعة للسُّذج البُلهاء“.
أما عن رأيه في الكتب الإلكترونية فقد كان واضحًا جدًا: ”قد تكون القراءة الإلكترونية ملائمة وعملية، لكن ذلك كل ما في الأمر، لأن التكنولوجيا تظل دون روح“. إنه من ذلك النوع من القرّاء الذي يرى في الكتبِ قداسة معيّنة، ويؤمن بقدرتها على تحويل الظلام إلى نور، وعلى خلقِ عوالمَ من عدم. إنه لا يريد -كما يقول- لتجربة القراءة أن تتجرّد من هذا العنصر المتسامي، لتصبح مجرد استظهار وفعل ميكانيكي؛ لأن ذلك كفيل بإفساد كل شيء. يرى كوينن أن الكتب الإلكترونية لا قيمة لها بالنسبةِ لأولئك المنخرطين طوال حياتهم في علاقةٍ عاطفية مكثّفة مع الكتب، تلك الكتب التي يستطيعون لمسها، شمّها، كتب بإمكانهم الاعتماد عليها في الشدة. ويعود إلى ذات الموضوع بعد أكثر من ٢٦٠ صفحة ليقول: ”ما زلتُ أفضل الكتب الورقية. ففي نظري -ونظر من يشبهونني- تظل الكتب أوعية مقدَّسة.. إن كون الكتب مادية ملموسة أمر يحدد هُويتنا..“. وهذا الأمر بالطبع يبدو سخيفًا في أعين أولئك الذين يفضّلون الكتب الإلكترونية، والأمر أشبه بغرَضٍ يثير شهوة القارئ الحسية ليس إلا، كما جاء في مقالٍ علميٍّ محكّم. ولكن كوينن لا يلقي لهذا القول بالاً، ويكتب قائلا: ”إن حضور الكتب بين يدي، في بيتي، داخل جيوبي، وفي حياتي؛ سيكون أساسيًا دومًا لسعادتي. لن أملك قارئة إلكترونية أبدًا، لأنه لن يحدث مطلقًا أن أتفاجأ بوجود ملحوظةٍ مكتوبة بخط يد حبيبةٍ سابقة بالكاد أذكرها، كما لن تسقط تذكرة باهتة لجولة في برج إيفل من قارئةِ كيندل أبدًا“.
كوينن يبغض فكرة نوادي الكتب، ويرى أنها تُبنى على فكرةٍ مغلوطة وأنانية تتمثّل في أن القارئ يملك شيئًا يثري به النقاش. ويرى أن الأحاديث التي تدور فيها ليست حميمية، ”هي مجرد تجارب عامة لا شيء فيها مميز“. يقول في ختامِ رأيه حولها: ”إن الذين يحضرون نادي القراءة ممن أعرفهم هم أناسٌ أذكياء، لكنهم من النادرِ أن يكونوا من قد أصفهم بـ«المثيرين للاهتمام»؛ إنهم يسعون إلى حلبِ الكتب حلبًا، بحثًا عن شيءٍ غير موجود أساسًا“. وأنت بلا شك -أيها القارئ الكريم- ترى القصور والسُّخف في قولهِ هذا.
إنه قارئ غريب من الصعبِ التنبؤ بتصرّفاته وآرائه، انظر له مثلاً عندما يقول بأنه بدأ قراءة رواية (لورد جيمLordJim) لكونراد خلال دراسته بالثانوية، وأنهاها في سنِّ الثانية والخمسين، ويكتب بعد ذكر هذا الإنجاز بحروفٍ باسمة: ”إن الوصول متأخرًا خيرٌ من عدمِ الوصول!“. وذات مساء استعار من صاحبٍ له كتاب (رسائل من السجن) لغرامشي، وكان في نيتهِ التعرّف على هذا المناضل العتيد، ولكنك تُفاجأ بقوله: ”لم يسعني قراءته ذلك المساء، ولا المساء الذي تلاه. في الحقيقةِ، إلى زمنِ كتابة هذه الأسطر، بعد إحدى وثلاثين سنة، ما زال قابعًا بالمكان حيث وضعته ذلك المساء!“. هذا رجل بغيض، لم يقرأ الكتاب ولم يعيده لصاحبه، بل يخبرنا لاحقًا بقوله: ”كلما نظرت إلى (رسائل من السجن) المنتصب على الرفِّ كما لو كان جندي حراسة حزينٍ في حداد، ينتظر إشارة انتهاء مناوبته التي يعلم أنها لن تأتي يومًا… لن يفارقني هذا الكتاب أبدًا، رغم أنني لن أقرأه يومًا!“.
أما كتاب (أنطولوجيا شخصيّة) لبورخيس، فإنه لمدةِ خمس وثلاثين سنة ظلَّ حبيسًا في مكتبتهِ ولم يفكر في قراءته أبدًا، وذلك أن غلافه لم يكن يعجبه!
من آرائه الجريئة قوله: ”ففي مجتمع أمريكيٍّ تخلّى عن كلِّ القيمِ الثقافية الأخرى التي تستحق الإشادة، يُدهشني أن التلاميذ ما زالوا يسمحون للبالغين بإفسادِ عطلهم عبر إرغامهم على ازدرادِ الطلاقة السخيفة لرواية (الحارس في حقل الشوفان) أو الابتذال العاطفي والروحاني المخدّر للذهن من قبيل رواية باولو كويلو (الخيميائي)“.
وإليك رأيه في طلبِ الكتب أونلاين! يرى أن هذا التصرُّف من التصرفاتِ السوقية، وإنه قادر على تدميرِ كل شيء ثمين لديه، كفيل بأن يجرّد حياته من كلِّ الخصائصِ السحرية التي تضفي على عيشتهِ البساطة والتلقائية، هذا الأمر سيخرجه من مملكةِ الصدفة اللذيذة.
لم يسلم النقّاد من سوطهِ وقلمه المتهكّم، وفي نظرهِ أن معظمهم مجرد أغبياء متزلّفون، إنهم يجبنون عن مواجهةِ الكتّاب المشهورين ومصارحتهم بأن حبكاتهم سخيفة وبليدة، وأن نثرهم رثًّا باردًا؛ لأنهم يخشون -وهو يتحدث عن الأكاديميين منهم- ”كلمة غير متوقعة قد تودي بمسيرتهم بمرحلةٍ لاحقة حين يخضع أحد كتبهم السخيفة للمراجعة“. ويحذِّر القرّاء من الكلماتِ التعريفية والثناء الكاذب الذي يكون عادةً على أغلفةِ الكتب، إذا رأيت مثل هذا الأمر عليك ألا تثق بمحتواه بعد الآن!
كوينن لا يمانع حين تكون الفقرات الدعائية مضلّلة، ولكنه يمانع عندما تكون سخيفة! إنه يكره المبالغات جدًا، لذلك عندما قرأ وصفًا لأحد الكُتَّاب المعاصرين بأنه «تشيخوف هذا العصر» لم يتمالك نفسه وكتب: ”لعلَّ كُتَّاب تلك الفقرات الدعائية وصلوا إلى استنتاجٍ مفاده أن الجميع في هذا المجتمع أغبياء!“.
ثم يعرِّج على بعض الثقلاء الذين يطلبون من أصدقائهم كتابة تقريظٍ لكتبهم! ”الكتّاب يعلمون أن زملاءهم من الكتّاب يكرهون كتابة الكلمات التعريفية بالكتب؛ إنهم يكرهون فعل ذلك حين يطلبه منهم المحرّرون، كما يكرهونه حين يطلبه منهم عملاؤهم، ويكرهونه أشد الكره إذا جاء الطلب من أصدقائهم. فأن يُطلب منك كتابة كلمة تعريفية بكتاب أحد الأصدقاء هو أشبه بأن يُطلب منك أن تجد عملاً لابن صديقك الفظ الغليظ؛ ولسان الحال هنا يستنكر؛ قد تروقني بالفعل كشخص، لكن ذلك لا يعني أنه يجب علي أن أحب نسلك الخنزيري أيضًا!“.
كوينن يرى بأن القراءة فعل شخصي للغاية، لذلك لا يحبذ بل يرفض أن تُحشر الكتب بين يديه ويجبر على ابتلاعها.
القارئ لمذكرات كوينن لابد أن يداخله شعور بأن هذا الرجل لم يترك مؤلِّفًا من كلِّ القوميات والثقافات إلا وقرأ له، ولا يعزب عنك أن النوبليّون -نسبةً إلى نوبل- مقدمون دائمًا، ولذلك ستجده يشير إلى قراءةِ (أمام العرش) لنجيب محفوظ، وهو اختيار سيئ على كل حال.
من أحبِّ وأعزِّ الكتب إلى نفسهِ (جين آير) لشارلوت برونتي، و(دون كيخوتي) لثربانتس، وقد قرأهما في مرحلةٍ متأخرة من عمره، ويقول بأن هذا الفعل ”لا ينقص من متعتهما شيئا، بل على العكس قد يزيدها متعة“. دون كيخوتي قرأها عندما بلغ الحادية والخمسين، أما جين آير فبعد ذلك بسنتين. وكانت النتيجة التي خرج بها؛ أن ”الصيام عن المشهيات يزيدها لذة“. ومما ذكره وهو دال على شخصيته الغريبة وأنه حقًا مهووس بالقراءةِ = أنه عندما بدأ قراءة دون كيخوتي رفض الرد على الهاتف ستة أسابيع! وأشار أنه فعل ذلك أيضًا مع رواية جين آير. ”آه، كم أتمنّى لو أنَّ هناك كتبًا أخرى شبيهة بهذين، لأنني في هذه الحالة ما كنتُ سأرد على هاتفي أبدًا“.
الحديث حول محتوى هذا الكتاب الرائع وما تضمّنته فصوله من طرائف وأخبار ونظرات وأحاديث ماتعة؛ يطول جدا، وإنك في كل صفحةٍ من صفحاتهِ تتبدَّى لك شخصية جو كوينن المتمرِّدة والبغيضة أحيانًا.
ولعلّي أختم بحديثهِ عن جاكلين كالفيت، ووالده.
أما كالفيت فإنها كانت والدة لأعز وأقرب أصدقائه إليه، هذه المرأة قضت سنواتها الست الأخيرة مريضة واهنة، ولم يكن يثير حماستها في آخرِ أيامها سوى زيارة المكتبة العامة من حينٍ لآخر. قرأت جاكلين في هذه السنوات الست ٢٠٠٠ كتاب! نعم؛ هذه الإنسانة التي كان قلبها يتداعى تدريجيّاً، استطاعت قراءة هذا العدد الضخم من الكتب! ”لقد كانت تستعمل الكتب كواسطة إنقاذ حياة بشكلٍ حرفي، كانت تلك المرأة تقرأ لتعيش!“.
أما والده الذي عندما رحل لم يجد كوينن في شقته الكثير، ولم يلفت نظره غير الكتب المتناثرة في كلِّ مكان. إن قيمة الكتب لديه لم تتغيّر طوال حياته. ”لقد ظلت الكتب تحمل أمل السفر بعيدًا، أبعد بكثير مما ذهبَ يومًا، وأمَّل أن يذهب إلى مكانٍ أكثر راحةً مما قد بلغه يومًا. لقد مكنته كتبه من التشبّث بأحلام لن يستطيع تحقيقها يومًا؛ ومع أنها لم تجلب له النجاح، إلا أنها جعلته يجد طريق الخروج من ألم الإخفاق“.
في يومٍ من أيامِ سنة ١٨٧٢، وعلى سفينةٍ راسيةٍ على شاطئ النيل أمام بلدة «ديروط» في أعلى الصعيد، وُلِدَ لأسرة إبراهيم فهمي أفندي مولود أسموه «محمد حافظ». ”فكان ذلك إرهاصًا لطيفًا، وإيماءً طريفًا، إذ شاء القدر ألا يولد «شاعر النيل» إلا على صفحةِ النيل!“.
في هذهِ المقالة سأعرِض جانبًا ماتعًا من جوانب هذا العلَم البارز، وهو جانب الفكاهة. والذي قرأ عن حافظ إبراهيم رحمه الله سيعلَم أنَّ هذا الجانب لصيق بحياته، أصيل في شخصيته، يُعْرَفُ ويُعَرَّف به.
بعد قراءةٍ متواضعة عن شاعرِ النيل، وجدتُ أن فيه ثلاث خصالٍ -غير الشعر طبعًا- مميّزةً له وتكاد لا تجتمع في غيره، وقد شهد له بها مَن عرفه وأطال صحبته، وهي: الفكاهة، وقوة الحافظة، والكرم.
فإنه كانَ أسرع إلى «النكتة» من الباز إلى فريسته، وأحفظ للنادرة متى وقفَ عليها من آلة التصوير، وأجود إذا أثرى من الريح المرسلة على حدِّ قول البشري.
ولنَّ أثقل عليك -أيها القارئ الكريم- بإيرادِ معلوماتٍ مدرسيّةٍ عن صاحبنا يسهل الحصول عليها بضغطةِ زر، ولكني سأُتحفك بأسطُرٍ كتبها عنه كبار الكُتَّاب والأدباء لتكون مَعينًا يروي ظمأ معرفتك عن حياته، ومُعينًا يوصلك إلى الإحاطةِ بشخصيته.
ولكن قبل ذلك، أوصيك محبَّةً لك أن تقرأ الترجمة بل البحث الذي كتبهُ عنه أحمد أمين في مقدمةِ ديوانه، فإنه فريد ماتع، يقع في قرابة الأربعين صفحة. وأيضًا عليك بالاطِّلاع على دِراسة الرافعي التي كتبها عنه بعد وفاته في المقتطف، وهي في وحي القلم (المجلد الثالث)، وأضف إليها المقالة التي تليها أيضًا «كلمات عن حافظ».
ولعلّي أبدأ بصاحبهِ الأثير جاحظ العصر عبد العزيز البشري الذي كتب عنه بعد وفاته: ”حقّاً لقد جلّت مصيبة مصر في حافظ أديبًا وكاتبًا وشاعرًا، ومحاضرًا ومفاكهاً ومنادرًا.. رُزق حافظ رحمه الله، إلى طبع وإدراك الملَكة، خلالاً ثلاثاً لا تستوي لكثير: سلامة الذوق ورهافة الحس، والثانية قوّة الحافظة، والثالثة نظافة اللسان“. ويقول: ”ولقد زعمتُ لك أن حافظًا كان نطقاً ذرب اللسان، وكان إلى هذا رجل يألف ويؤلف، فكان يطلب مجلسه المتأدبون، وكان هو عظيم التفقّد لمجالس الأسمار كثير الاطلاع عليها، فلا تراه قط إلا جيّاشاً بلسانهِ في المجلس، يتنقل في خفّة وظرف، بين جد القول وهزله، وهو أثناء هذا ينبوع يفيض بالأدبِ فيضًا، ويأبى إلا أن يدفع في حديثه بأحلى ما وقع له من رائع الصيَغ“.
وقال عنه في كتابه (في المرآة): ”.. فلا والله ما النور بعد الظلام، ولا العافية بعد السقام، ولا الغنى بعد البؤس، ولا إدراك المنى بعد طول اليأس؛ بأشهى إليك، ولا أدخل للسرور عليك من هذا حافظ إبراهيم!
خفيف الظل، عَذْب الروح، حلو الحديث، حاضر البديهة، رائع النكتة، بديع المحاضرة“. وقال في ذات المقالة: ”وهو، كما حدثتك، حاضر البديهة، رائع النكتة، يتعلّق فيها بأدق المعاني في جميع فنون القول؛ فلا يحتويه مجلس إلا رأيته يتنزَّى تنزّيًا من ضحكٍ ومن طربٍ ومن إعجاب. وهو كذلك شديد الفطنة حُلو الملاحظة لا يكاد يعرِض لسمعه أو لبصره شيء إلا وجَّه عليه رأياً طريفاً يصوغه في نكتة عجيبة قد تستقرّ على سطوح الأشياء، وأحيانًا تتغلغل إلى الصميم حتى تتكشَّف الأيام منها لا عن طُرْفة متطرِّف ولكن عن رأي حكيم.. وهو أجود من الريح المرسلة، ولو أنه ادّخرَ قسطًا مما أصابت يده من الأموالِ لكان اليوم من أهل الثراء“.
وقال عنه الرافعي الذي صحبهُ قرابة ٣٠ سنة في مقالةٍ كتبها عنه بعد رحيله: ”كان يتيمًا؛ ولكنهُ دائمًا متودِّد، وكان حزينًا؛ ولكنهُ أنيس الطلعة، وكان بائسًا؛ ولكنهُ سليم الصدر، وكان في ضيق؛ ولكنهُ واسع الخُلُق، وكان طوال عمره متبسِّطًا مهتزّاً، كأنَّ له زمنًا وحده غير زمن النَّاس، فتتراكم عليه الهموم وهو مستنيمٌ إلى الراحة. وكان على وجهِ (حافظ) لونٌ من الرِّضا، لا يتغيَّر في بؤسٍ ولا نعيم، كبياضِ الأبيض وسوادِ الأسود؛ وهذا من عجائبِ الرجل الذي كان في ذاتِ نفسه فنَّاً من الفَوْضى الإنسانية، حتى لكأنهُ حُلم شعريٌّ بدأ من أبويه، ثُمَّ انقطع، وتُرِك لتُتمّه الطبيعة!“.
ويكتب الزِّرِكلي في الأعلام: ”وكان قوي الحافظة راويةً، سميرًا، مرِحًا، حاضر النكتة، جهوري الصوت، بديع الإلقاء، كريم اليد في حاليْ بؤسه ورخائه، مهذب النفس“.
وفي مقالةٍ كتبها محمد كردعلي في المجمع العلمي العربي بعد اضمحلالِ أثره المادي من الدنيا بأربعةِ أشهر تقريباً، تناول فيها سيرته وسَيره وأدبه، نأخذ منها ما يعنينا هنا، يقول: ”ولئن عَمِيَ بيان حافظ على التبريز في النثر، فقد كان مطواعاً له إذا حدَّث وحاضر، كان يسحر الطبقات المختلفة بما يورد عليهم من أحاديثه ومروياته، ويسقيهم من معين محفوظه الذي لا ينضب؛ أعذب ما ظفر به من كلام القدماء والمحدثين، وكان بحضور ذهنه، وغريب بديهته، على ما يندر في الأدباء مثله، يتنادر بكل ذلك بحسب المجالس التي يصير إليها، رصينًا في ألفاظهِ ومعانيه، بارعًا في مختاراته، يردفها أبدًا بما يوائمها من حاضر الوقت، يُطرب بها نفس الفرح والمكتئب، ويود جليسه لو طال مُكثه في حضرته يتغنّى كالبلبل الغرّيد، وقلَّ جدًا في كبار الكتاب والشعراء من حيز لهم بيان اللسان كحافظ“.
وهنا لابأس من ذكر قولة حافظ إبراهيم عندما سألَ خليل مردم عنه -أي عن محمد كردعلي-، فقال: إنه بخير، ويذكرك بالخير. فقال حافظ: ”هذا رجل عظيم“.
ورائد أدب الطفل الأديب البارع كامل كيلاني قال عنه: ”فقد كان -يرحمه الله- دولة في الظرف، وعالمًا حافلا من الأنس، وجعبة أخبار وطرف ممتازة، وديوان شعر مختار، وخزانة أدبٍ حافلة متنقلة تقرأ فيها نخبةً من أبدعِ ما خلّفه العرب. وكان رائع الإنشاد، حَسن الأداء، متخيّر اللفظ، موسيقي النظم. وكان إلى هذه المزايا نفَّاعًا لأصدقائه، كما كان ملاذًا للأدباء الناشئين ومشجِّعاً لهم على السير في طريق النهوض والنجاح“.
هلّا قرأت هذه الجملة بأناةٍ شديدة وأعدت قراءتها ثلاث مرات وأنت مغمض العينين حتى ترسخ في عقلك وتنفذ إلى وجدانك أيها الأديب الكبير المتربِّع على عرشِ دولة البيان!! ”كما كان ملاذًا للأدباء الناشئين ومشجِّعاً لهم على السير في طريق النهوض والنجاح“.
أما الدكاترة زكي مبارك فقد قال في «الأسمار والأحاديث»: ”وكلمة «مُحدِّث» قلّما نعرف مدلولها في مصر، وهي بالطبع غير كلمة «محدِّث» التي ترِد في كتب الرواية والحديث. ونحن نريد بها ما يريده الفرنسيون من كلمة causeur، فالفرنسيون من بين الأمم مشهورون بحلاوة الحديث. وقد يتحدث الرجل منهم نحو سبع ساعات تباعًا فينتقل من فنٍ إلى فن في لطفٍ ورفق، بدون أن يشعر السامرون بأدنى سآمة أو ملال، وهم يختلفون في هذا عن الإنجليز أشد الاختلاف، فإن المحدثين من الإنجليز قليل.
وإذا أراد القارئ أن يعرف شيئا عن مدلول كلمة «محدِّث» فإنا نذكر له على سبيل التمثيل الشاعر الكبير حافظ إبراهيم، فإني لم أرَ من بين المعاصرين من يشبه هذا الرجل في طِيب الحديث، وما رأيته مرةً إلا شعرت بالحسرة على أنه كسائر الناس قد ينتقل بعد عمر طويل إلى دار البقاء، وكان أهلاً لأن يُمْتِع بطيب حديثه جميع الأجيال“.
وقبل أن أنتقل معك -أيها الكريم- إلى طرائف صاحبنا وفكاهاته، أختم بما جاء في كتاب «حافظ إبراهيم شاعر النيل» للدكتور عبد الحميد الجندي (طبعة دار المعارف) ص١٧٩: ”لقد وُهِب حافظ رغم بؤسه خفة في الروح وسرعة في الخاطر وحضورًا في البديهة. وقد خلق ذلك كله منه رجلاً بارعا في الفكاهة وصوغ النادرة“.
وأنتَ ترى أن الذي أردتُ أن أوصله لك فيما نقلت هو؛ شهادة كل مَن عرف شاعر النيل بالذاكرة العجيبة، والنادرة الطريفة، والبديهة الحاضرة. وهذه الشهادة لم يكن يجهر بها الأصدقاء فقط، بل حتى شانئوه والمتحاملون عليه يشهدون له بخفّة الروح وحلاوة الحديث، فهذا المازني الذي كان عنيفًا في حقده، أعني نقده! يقول: ”وليس لنا عنده كما توهّم بعضهم ثأرٌ نجزيه به، فإن الرجل ليس بصديقٍ لنا ولا عدو، ولسنا نحتقره كما توهّم آخرون، ولكن نحتقر شعره ونزدري مظاهر نفسه، فإن الرجل ظريف المحاضرة، مليح النكتة، عذب المحادثة، ولا عيب فيه إلا أنه يحاول أن يقول شعرًا ويعالج ما ليس في طبعه!“.
وللفائدة: لقد ندمَ المازني على نقدِ شعر حافظ وتراجع واعترف بأنه ”مما أغرت به حماقة الشباب“، واعترف في موضعٍ آخر أن دافعه كان الغرور، وأن نقده كلّه تهكّمٌ وسخرية وقلّة أدبٍ وعقل. [راجع هامش ص٣٦٦ من كتاب «العمر الذاهب» للدكتور عبد الرحمن قائد].
وعلى كل حال عندما كان المَزْني (بلسان صاحبنا) متحمِّسًا في نقدهِ، لا يدّخر وسعا في تحطيم هذا الكيان الباذخ، كان حافظ إبراهيم لا يعيره ذلك الاهتمام الكبير، ويقول -كما أخبر خليل مردم في مجلسٍ خاص- بأن هذا الرجل ”سبّاب، وأنا لا آبه له في كل ما انتقدني به وأخذه علي، يُكثر من الانتقاد ويعتبر الصواب خطأ، وسبب ذلك قلّة بضاعته من المعرفة، فكل ما لم يحط به علمه يعتبره خطأ، وما أقل ما يعلمه وأكثر ما يجهله، وهكذا يكون هذا النوع من الناس، يُسرعون إلى التخطئةِ لأن معرفتهم قليلة هزيلة؛ فإذا أضيف إلى ذلك سوء النية مثّل صاحبه أقبح تمثيل. وكل نقدٍ يوجه إليَّ على تلك الطريقة أضعه تحت قدمي فأعلو به“.
قرأتَ قول البشري: ”فكان يطلب مجلسه المتأدبون“، ومحمد كردعلي: ”كان يسحر الطبقات المختلفة بما يورد عليهم من أحاديثه ومروياته، ويسقيهم من معين محفوظه الذي لا ينضب.. ويود جليسه لو طال مُكثه في حضرته يتغنّى كالبلبل الغرّيد“، لذلك أحببتُ أن أعطي مثالاً على مجلسٍ من مجالسِ حافظ إبراهيم، ولن أسهب، سأذكر فقط بعض ملامح ذلك المجلس، ثم سأدلك إلى مصدرهِ الذي يستحق لنفاسته أن آخذ عليه مقبالاً من قناطير الذهبِ والفضة : )
يقول خليل مردم: ”كنتُ ضيفاً عند صديقي حسين بك الحسيني في حلوان، (وكان ذلك يوم الخميس في الرابع من رمضان ١٣٤٤ھ/ الموافق ١٨ آذار سنة ١٩٢٦) فقال لي: يسكن بالقرب منا حافظ إبراهيم، وقد أخبرته بأنك ضيف عندنا، وسيأتي الليلة للسلام عليك. وجلسنا بعد الإفطار (والوقت رمضان) نتحدث بشعر حافظ، وكان في المجلس معنا شيخ بعمامةٍ بيضاء اسمه محمد رأفت. ولم يمضِ زمن طويل حتى سمعنا من الفسحة المؤدية إلى غرفةِ الاستقبال كلامًا بصوتٍ عال، فقال صاحب الدار: هذا حافظ بك، ولم يكد يتم كلامه حتى دخل حافظ إبراهيم وسلّم، ووقع نظره على الشيخ الذي لم يكن بعيدًا من الباب، فقال له وهو واقف: أأنت هنا يا شيخ؟ وتهذر؟ أما كلمت الشامي بالسجع والجناس وأريته براعة المصريين؟ ثم دنا مني وصافحني وجلس بجانبي“.
ثم وصفه خليل مردم وصفاً دقيقًا، وإليك ما قال: ”وهو طويل مستقيم القامة، ضخم الأعضاء، أسمر اللون، خفيف شعر الرأس والشاربين، يغلب عليه الشيب، وتبدو على وجهه ملامح الإجهاد والتعب، يضع على عينيه نظّارة منوطة بأذنيه، تبدو من خلفها عينان صغيرتان ظاهر على إنسانيهما وجفونهما أثر الكلال، ولبسه حسن من غير تنوق (تأنق)، ولا يكاد السيكار يقع من بين إصبعيه“.
في هذا المجلس عرفنا أن شاعر النيل كان يقدّس المولدين كبشار بن برد وطبقته ومن أتى بعده، وأكثر من ذكر بشار والنُّوَاسي والبحتري وحبيب ومسلم بن الوليد والمتنبي والشريف الرضي والمعري والديلمي مهيار، وكان يتكلم كثيرًا ولا سبيل لتدوين كل ما قال، ولكنه أطنب في مدحِ النُّواسي وقال: ”إنه أطبع الناس على الشعر، وهو أشعر الناس صاحياً، ولكن قلما يصحو ابن الكلب!“.
مقال خليل مردم في ثمان عشرة صفحة فيه من الدرر والفرائد ما لا يحصى، فقد تكلّم حافظ إبراهيم بأسلوبه الساحر، وفصاحته اللافتة، مستعينًا بحافظةٍ لا تجارى ولا تبارى؛ عن الشعراء المولدين وشعرهم، وعطف على الكُتَّاب وذكر الجاحظ وابن المقفع والأصفهاني والقاضي الفاضل والعماد، ثم ذكر شوقي وانتقده نقدًا لاذعاً وأشاد بشاعريّته، ومال إلى العقاد والمازني وطه حسين والرافعي.. كان حقّاً مجلسًا حافلاً بالنوادر، وأنصح بقراءة المقال بتمامه والإلمام بفوائده، وهو في [مجلة المجمع العلمي العربي، المجلد الحادي والثلاثون، الجزء الثالث، ص٣٥٣]. لا ترمقني بهذه النظرة، سأرفق لك رابطًا في آخر المقالة يوصلك لما نصحتك به بيسرٍ وسهولة.
والآن ننتقل للجزء الثاني من المقال، والدافع الأصيل لكتابته.
هذه طرائف لصاحبنا المترجم له، لممت شعثها بعد التفرّق، ورقعتها بعد التمزّق، وأظهرتها بحُلّةٍ أرجو أن تكون لائقةً بك أيها الكريم.
١- يروي الأديب عبد الرحمن صدقي أنه وصديق له قابلا حافظ إبراهيم وهو يهم بالانصراف من مقهى دار الكتب، يقول: ”حيّاه صديقي ثم قدمني، ولكن حافظ لم يمهله فقال: لقد ذكرتك البارحة، وهذا أنت، فتهلّل الصديق معقبا: خير إن شاء الله. قال حافظ: كنت أقرأ في رسالة الغفران ما جاء في صفة جهنم فذكرتك!“. ثم ذكر صدقي أنه بعد ذلك أشار إليّ وسأل صديقي: ”أترى زميلك من أصدقاء العقاد؟ وما كاد يسمع الرد بالإيجاب، حتى التفتَ إليّ قائلاً: ما أظنك إلا كنت أكثر شباباً قبل أن تعرفه، إن العقاد يعقّد على الناس الحياة، إنه لا يدع شيئا على حاله في الشعر، وفي مقاييس النقد، وفي منازع الفكر، وفي سائر الأمور. نصيحتي لك أن تنجو بحياتك منه“.
٢- عندما بدأ ينشد قصيدته في حفل تأبين إسماعيل صبري، كان بين الحضور شاعر البادية الشيخ محمد عبدالمطلب، ومن عادته أن يحضر الاحتفالات راكباً حماره، فلما وصل حافظ إلى أحد المقاطع القوية، سأله الحاضرون الإعادة، وصادف أن نهق حمار الشيخ في الخارج، فقال لهم: انتظروا حتى يفرغ حمار الزميل من إنشاده! فانقلبت حفلة التأبين إلى ضحك وضجيج.
٣- صادفه أحد السائلين في الطريق فسأله أن يعطيه قرشًا، فرد حافظ سريعاً: ”والله عمرك أطول من عمري، كنت حقولك كده!“.
٤- كان في مرة يهم بركوب الترام، فداس عفواً على قدم أحد الراكبين، فثار في وجه حافظ ثورة عنيفة، وأخذ شاعر النيل يترضاه ويعتذر إليه، ولكن على غير جدوى، فقد اندفعَ الرجل في ثورته وهو يردد: ”أنتَ تعرف أنا مين وابن مين؟“ وهنا لم يطق حافظ صبراً، فنظر إليه وقال: يا أخي، نحن في شهر يوليه، وفي وقت الظهر، والحر أشد ما يكون! وأنت تركب مع عامة الناس في الدرجة الثالثة، وبعد هذا تبقى مين وابن مين؟! فبهت الرجل وانسل من بين الحاضرين.
٥- كان أحد الليالي يستمع إلى مطربةٍ، وكان بجواره شبلي شميّل الملحد الذي لا يؤمن بغير الطبيعة. فلما أجادت المطربة في الغناء صاح حافظ: الله الله! ثم التفت إلى شميّل وقال له: وأنت كيف تصيح عند الطرب؟ الطبيعة الطبيعة؟!
٦- يذكر خليل مردم أنه اجتمع بحافظ إبراهيم في الإسكندرية صباح الثاني من شوال ١٣٤٤ھ/ الموافق للخامس عشر من نيسان ١٩٢٦م، فلما تقابلا سأله شاعر النيل: ”هل أفطرت؟ فأنا لم أفطر بعد، وسأطلب فطورًا لي ولك، قلت: شكرًا لقد أفطرت. قال: ماذا أكلت؟ قلت: الخبز والجبن. قال: هل كنت في القسم؟ فهذا أكل البوليس.
يقول:
ثم التفت يمنةً فقال: أتريد أن تعرف رجلاً لم يأكل ولم ينم منذ ثلاثين سنة؟ هذا هو إنه مقبل علينا، فلما قرب قال له: أين كنت يا أستاذ، أكنت تأكل؟ فقال: لا والله ما أكلتش، قال: إذن كنت نائما، فقال: لا والله ما نمتش. قال لي: أرأيت؟! هذا الشيخ عبد العزيز البشري، صديقي منذ ثلاثين سنة، لم أره مرةً -وما أكثر ما أراه- إلا قال لي ما أكلتش ولا نمتش. ثم التفت إليه وقال: سأطلب لك فطورًا، قال: ما تشتهي نفسي الطعام. قال: ماذا وصف لك الأطباء؟ قال: وصفوا لي من المقبلات فراخ الطير، وتأبى نفسي أن أفجع أمهات الطير بفراخها فضلاً عن إيلام الفراخ بالذبح لكي أشحذ شهوتي إلى الطعام، فما أقسى الإنسان وما أشد ظلمه. فقال حافظ: إذا عجز الأطباء عن علاجك، أما في الحي عندكم واحدة من أولئك العجائز اللواتي عندهن لكل داء دواء؟ فقال البشري: عندنا عجوز في صدرها دائرة معارف، تجيب قبل السؤال، وتعالج جميع الأمراض، وتسفّه الأطباء وتنكر عليهم علمهم ومعرفتهم، ولم يبق إلا أن أذهب إليها. وسأله حافظ عن ولديه، فقال: هما بخير والحمد لله، ويا ليتهما لم يأتيا لهذه الحياة التي كلّها آلام، وأنا الجاني عليهما. فقال حافظ: هوِّن عليك، فالحياة أهون من أن يهتم لها الإنسان.
(ولك أن تتخيّل بعد هذه المحاورة التي قرأتها بين البشري وصاحبه، إلى أي مدًى ستصل الفكاهة والإمتاع في مجلسٍ يضمهما معا؟!)
كان حافظ إبراهيم يُكثر التعليق على ملامحِ الآخرين القبيحة، ولا يبتئس أو يخجل من ذكر قبيح ملامحه أيضًا، وهو في هذا من أكبر المتنمّرين. ولكن ذلك الجيل من البشر (والأدباء خاصة)؛ كان واحدهم صلبًا لا يأبه لتنمّرٍ عابر، ولا تُظْلِم الدنيا في وجهه لكلمة ساخرة.
المهم، إن طرائفه لا تحصى في هذا الباب، وإني مورد لك بعضها، فانزع عنك رداء الحساسية كرمًا وفضلا، ولا تجتهد في التحليل والنقد وسبر الغور، واحمل الطُرْفة على المعنى الذي أوردت له.
كان له مع صديقه وصفيه شاعر القطرين خليل مطران طرائف عديدة تحوم حول هذا الجانب، ونذكر ما قاله خليل في وصفهِ من قصيدةٍ أربت على الأربعين بيتًا ختم بها الحفل الذي أقامته الجامعة الأمريكية ببيروت ١٩٢٨، قام مطران وقال ميمية رائعة ذكر فيها شاعرية حافظ وأخلاقه وفيها من الدعابةِ ما فيها، مطلعها:
نهايةُ الفخرِ لي في هذهِ الكَلِمِ
تعريفُ حافظَ إبراهيمِ من أَممِ
يقول فيها:
هذا فتى الدهرِ زان النُّبل طلعتهُ
وإن يكن بجمالٍ غير مُتَّسمِ!
إذا تجلّى لك الإلهامُ مزدهرًا
في مقلتيهِ فلا تنظر إلى الأدمِ
وإن تبيّنتَ منهُ هيكلاً تعِبًا
بوقرهِ فهو في آنٍ خفيفُ دمِ
٧- وفي أحد الأيام قدَّم حافظ إبراهيم صورته لخليل مطران طالباً منه إبداء رأيه فيها، حدَّق مطران فيها طويلاً ثم دفعها إليه قائلاً: ”لا بأس بها على العموم، ولكن الأنف ألا تراه مسن ولابد؟“. فرد عليه حافظ وهو يقهقه: ”يا شيخ احنا قلنا لك بص في الصورة والا بص في المرآية؟!“.
٨- في المجلس الذي ضمّ خليل مردم بك بشاعرنا، ذُكر اسم خليل مطران، فقال حافظ: ”وعلى ذكر خليل مطران، اختلفنا مرة في أيّنا أجمل، وبعبارة أصح؛ في أيّنا أقبح من الآخر، فكنتُ أدّعي أنني أجمل منه وهو أقبح مني، وكان يزعم عكس ذلك، وطال الخلاف بيننا حتى اتّفقنا على أن نحتكم إلى إسماعيل صبري باشا، ونقبل ما يحكم به. فذهبنا إليه وشرحنا له دعوانا، وبعد أن استقصى في سؤال كلّ منا عمّا يدعيه لنفسه وعلو خصمه، وبعد أن أطال النظر في وجه كلٍّ منا، أعلن ختام المحاكمة وأصدر حكمه بقوله: «حافظ إبراهيم أجمل قرد، وخليل مطران أقبح إنسان!». فانصرفنا وعند كل واحدٍ منا أنه حكم له على صاحبه، فأنا أقول إن الحكم لي وهو يزعم أن الحكم له، وما زلنا مختلفين في تفسير الحكم إلى الآن. فما تقول أنت، هل حكم لي أم علي؟ قلت: بل حكم لك. فقال: أصبت، لأنه لما قال: «أجمل قرد» وصفني بالجمال على كل حال، في حين وصف المطران بالقبح“.
٩- ومما اشتُهر وحفظته قديمًا من طرائفهما -وهذه الحكاية هي الوحيدة في هذا المقال التي لا أذكر لها مصدرًا يُعتد به غير عقلي!- قول خليل مطران لحافظ لما لقيه بعد طول غياب: ”أهلاً أهلاً با ابن النيل“، فما كان من حافظ إلا أن يرد سريعًا: ”أهلاً أهلاً با ابن الكلب!“. والكلب نهر معروف في لبنان.
١٠- حدَّث الأديب والناقد اللبناني عمر الفاخوري قائلا: لما زار حافظ إبراهيم بيروت ذهبتُ مع جماعة من الأدباء في ضحوة من نهارٍ للسلامِ عليه، وكان كل واحدٍ منا يذكر له اسمه حين يصافحه، ولما انقضى وقت الزيارة نهضنا للانصراف فودَّع الجميع وطلب إليَّ أن أبقى، فسررتُ لإيثاره لي على جميع من كان معي، وتلاحق المسلِّمون عليه فكان كلما انصرفَ جماعة منهم أستأذنهُ بالانصراف فيستبقيني، ثم قال لي في آخر مرة هممتُ بالانصراف: نتغدى معاً يا أستاذ؟ فازداد سروري لهذه العناية الخاصة، وبقيتُ معه وتركتُ عملي في الحكومة ذلك النهار، وتغدينا معاً وهو يرسل النكتة تلو النكتة، ثم شربنا القهوة واستأذنته بالانصراف بعد أن شكرته بأساليب متعددة، فوقف وقال لي: «شرَّفت يا أستاذ، آنست يا أستاذ، هل يمكنني أن أعرف الاسم الكريم!!» فبهتُّ وكدت أُصعق، وقلت في نفسي: يدعوني، ويعزم عليّ، ويؤثرني على جميع من زاره، ولا يعرف من أنا! وغالبتُ نفسي وقلتُ له: عمر الفاخوري. فقال: أهلاً وسهلاً يا أستاذ عمر، أنا والله سعيد بلقائك، يا ليتني عرفتُك قبل الآن، إذن لقلَّ عتبي على الزمان، أتدري لماذا احتفيتُ بك عن غيرِ معرفة؟ قلت: لا. قال: اسمع إذن، كنتُ أظن أن الله لم يخلق أقبح مني، فلما رأيتُك خابَ والحمد لله ظني، ووجدتُك مثلي إن لم تكن أشد قُبحاً، فكيف لا أكون سعيدًا بلقائك! فضحكتُ وضحك.
وقد تقول في نفسِك أيها القارئ المهذَّب أن حافظًا كان بليّةً على خلق الله، وهذا صحيح، ولم ينتصف منه حسب ما وقفت عليه غير اثنين، وهما البشري والرافعي. ولكن قبل ذكر خبرهما معه، اعلم أن صاحبنا كان كلما رأى إنسانًا دميمًا سخر منه بأن والده لم يدفع مهرًا جيّدا لأمه!
١١- وفي ندوةٍ أدبية معدومة النظير -كما يقول حسن الحطيم- في بيتِ محمد عثمان أباظة رأى شابين أحدهما وسيم الطلعة والآخر دميمها، فقال من فورِه للدميم مشيرًا لصاحبه الوسيم: ”هكذا أبناء الأمهات الذين تُدفع المهور الغالية لأمهاتهم“.
١٢- وفي يومٍ آخر قال -كعادته- لأحدهم وكان دميما: ”يظهر أبوك ما دفعش مهر كويس“. ولكنه هذه المرة قال هذا التعليق بحضور عبد العزيز البشري، فالتفتَ البشري سريعًا إلى وجه حافظ فلم يجد فيه أي مبرر للسخرية من عباد الله، فردّ عليه قائلاً: ”إنتَ بقى يا حافظ أبوك ما دفعش مهر من أصله“.
١٣- ومرة كانا -أي البشري وحافظ إبراهيم- قد دعيا إلى إحدى الرحلات، فدخل البشري على حافظ في غرفة النوم وطلب إليه أن يرتدي ملابسه، فقال حافظ: أنا لسه ما مغسلتش وشي! قال البشري: وشك مش عاوز غسيل، نفضه كفاية 🙂
١٤- والرافعي التقى به في إدارة المقتطف، فبادر حافظ إبراهيم الرافعي بقوله: ماذا ترى في هذا البيت في وصفِ الأمريكان:
وَتَخِذتُمُ موجَ الأثيرِ بَريدًا
حينَ خِلتُم أنَّ البُروقَ كُسالَى
يقول الرافعي: فنظرتُ إلى وجهه المعروق المُتغضِّن، وقلتُ له: لو كان فيك موضع قُبلةٍ لقبَّلتُك لهذا البيت! فضحِك وأدار لي خدّه؛ ولكن بقيَ خدّه بلا تقبيل..
هذا ما قُدِّر لي إيراده في هذه المقالة الطويلة عن الجانب الفكاهي من سيرة شاعر النيل حافظ إبراهيم، وما دام الختام قد اقترب، لا بأس أن أُثبت بعض اللطائف التي قادني إليها البحث، وهأنذا أقودها إليك.
مما ذكره الشاعر حسن الحطيم في آخر مقالته عن حافظ إبراهيم قوله:
”كان حافظ ينعى على أهل هذا الزمن وذا البلد بوجهٍ خاص ذلك القتال العنيف من أجل تلك الحياة القصيرة الزائلة، بل ذلك النِّضال القوي من أجل ذلك العيش التافه المحدود، وكان لا يرى المال إلا وسيلة من وسائلِ العيش لا غاية من غايات الحياة“.
”وكان يشكو من تدخّل بعض المصريين فيما لا يعنيهم، وانصرافهم عن شؤونهم للاعتكاف على شئون غيرهم. وينعى على مصر اشتغالها كلها بالسياسة سواء في ذلك صغيرها وكبيرها، عالمها وجاهلها، ذكيّها وأبلهها! وقد سمعته يقول إن إنجلترا وهي سيّدة الممالك تترك لعشرات من رجالها الاشتغال بإدارة دفّة سياستها، أما مصر فإن بها أربعة عشر مليون سياسي!“.
ذكر خليل مردم أن شاعر النيل أخبره بأنه يحفظ مائة ألف بيت من جيّد الشعر، ولكن لم يبق منها من حفظه الآن إلا نصفها.
وأعجبني قوله في معرض نقدهِ لشوقي رحمهما الله: ”ولا تسل عن عيسى، فما تكاد تخلو قصيدة في شعرِ شوقي من ذكره، نعم أنا أؤمن بنبوّة عيسى وموسى وسائر الأنبياء كما أؤمن بمحمد، ولكنني أكتفي بمحمد ﷺ وبما جاء به من الهدى“.
ومما يدل على ديانته ما ذكره خليل مردم بك أيضًا، فقد أخبر أنه بعد أن سأله عن شعراء الشام وكيف نظمهم، سأله قائلاً: والشاعر الذي كان عندنا منذ سنة؟ قلت -أي خليل مردم-: لعلّك تعني الزهاوي، قال: نعم. قلت: ذاك عراقي وليس بشامي، قال: كلّه واحد. قلت: لقد رأيتُ الزهاوي بدمشق بعد عودته من مصر واجِدًا في نفسه عاتباً عليك لأنك لم تزره. قال: نعم، الشعر الذي نشره عندنا ليس بذاك، فضلاً عما فيه من الزندقة والإلحاد، وهل في شرع الذوق والأدب أن يحيي الضيف مدينة إسلامية كالقاهرة بمحاربة الإيمان ومظاهرة الإلحاد؟“
وفي نفسي إثبات أبيات قالها عام ١٩٠٤ يعيب فيها على المصريين بعض العادات الاجتماعية [في ديوانه ص٢٥٦ – دار العودة]:
مطلعها:
حَطَمتُ اليَراعَ فلا تعجبي
وعِفتُ البيانَ فلا تعتبي
فما أنتِ يا مِصْرُ دار الأديب
ولا أنتِ بالبلدِ الطيِّبِ
إلى أن قال فيها:
وكم ذا بمصرٍ من المضحكات
كما قال فيها أبو الطيّبِ
أمورٌ تَمرُّ وعيش يُمِرّ
ونحن من اللهوِ في ملعبِ
وشعبٌ يفرُّ من الصالحات
فرار السليمِ من الأجربِ!
وصحْفٌ تطنُّ طنين الذُّباب
وأخرى تَشنُّ على الأقربِ
وهذا يلوذُ بقصرِ الأمير
ويَدعو إلى ظلِّهِ الأرْحَبِ
وهذا يلوذُ بقصرِ السفير
ويُطنبُ في وردِهِ الأعذبِ
وهذا يصيحُ مع الصائحين
على غيرِ قصدٍ ولا مأرَبِ
إلى أن ختمها بقوله:
تضيعُ الحقيقةُ ما بيننا
ويصْلى البريءُ مع المُذْنِبِ
ويُهْضَم فينا الإمام الحكيم
ويُكرَمُ فينا الجهولْ الغبي
على الشرقِ مني سلامُ الوَدود
وإن طأطأ الشَّرقُ للمغربِ
لقد كان خصْبًا بجَدْبِ الزمان
فأجدبَ في الزمنِ المُخْصِبِ
أعلمُ أن الملال والسأم قد تسلل إلى نفسك، وأدركك النعاس لطول المقال، وإني ماسحٌ على قلبك بالطمأنينة بعد قولي هذا؛ سأختم الآن.
دخل حافظ إبراهيم بيت حسين بك الحسيني في رمضان بعد الإفطار، فكان مجلسًا حافلاً بالفوائد والأُنس والفكاهة والشعر، يقول خليل مردم: ”وبعد أن طال السمر وانقضى أكثر الليل ودخل وقت السحور، نهض حافظ وقال: «لا بأس وإن طال السهر فإن تحت التراب نومًا طويلا»“.
«متوسط القامة والجسم، قمحي اللون، أسود الشعر، مستطيل الوجه، مفتوح الحاجبين، عسلي العينين سليمهما، كبير الأنف، واسع الفم، خفيف الشارب وحليق الذقن، في وجهه آثار جدري» كانت هذه بعض أوصافه التي ذكرتها وزارة الداخلية في إحدى نشراتها عنه ليساعدها الشعب بالإمساك به. وأين كان هذا المطلوب المطارد عندما كانت الشرطة جادَّة في البحث عنه والإطاحة به؟ لقد كان يعمل خادمًا باسمٍ مستعار في بيتِ أحد وكلاء النيابة!
سيكون حديثنا في هذا المقال أيها القارئ الكريم عن مسيو توندور، ومحمد صبحي، والشيخ بكر، والأمير يوسف كمال، وصالح عبد الجواد، وابن شقيق أفلاطون باشا، وغبريال إبراهيم، والمندوب السامي العثماني.. على رسلك، لا تعجل بالعجب وتحاصر نفسك بالتساؤلات والأسئلة؛ كيف يمكن أن يتحدث عن كل هؤلاء في مقالةٍ واحدة؟! إن كل هذه الأسماء يقف خلفها المغامر العجيب والمحتال الأديب حافظ نجيب (١٨٧٩-١٩٤٦م) !
وحبذا البدء بكلمةِ الطماوي التي ذكرها قبل الحديث عنه في مقالٍ له: ”والكتابة عن حافظ نجيب لا تعني تمجيد الاحتيال والمجرمين، وإنما تهدف إلى الكشفِ عن فصلٍ طريفٍ في الأدب، وعن رجلٍ مزدوج الشخصية له وجهان: وجه فيلسوف أخلاقي صاحب مؤلفات، ووجه محتالٍ أفّاق“.
أول ما وقفتُ على اسمِ هذا الرجل كان في كتاب «الأعلام» للزِّرِكلي، فأغرتني المعلومات الموجزة التي ذكرها عنه، وأخذتُ أبحثُ حتى قرأتُ اعترافاته وشيء من كتبه ومسرحياته وكل تيسَّر لي الحصول عليه مما كُتب عنه من كتبٍ ومقالات.
وأُحِب قبل تناول ملامح حياته وأخباره أن أنقل للقارئ الكريم ما قاله الزِّركلي عنه في ترجمته، يقول «الأعلام ج٢ ص١٦٠» : ”حافظ بن محمد نجيب: كاتبٌ مصري مغامِر، في سيرته أعاجيب. طارده البوليس زمنًا، فكان يفلتُ منه بأنواع الحيل. يتسمَّى بأسماء مختلفة، ويبيتُ في أعظم الفنادق باسم (الأمير يوسف كمال) أو (ابن أخي أفلاطون باشا) أو (المندوب السامي العثماني) ويَمنح الرُّتب والنياشين بالنيابةِ عن الخليفة. ويَظهر بمظهر راهب أو مدرس أو واعظ. وكان (روائيًا) واسع الخيال، اجتماعيًا، يتكلم الإنجليزية والفرنسية والتركية بطلاقةٍ حببته إلى النساء فوقعت في شباكه كثيرات كُنَّ ينثرن الذهب بين يديه. وكان شديد الخجل، تتبادر الحمرة إلى وجهه عندما يتحدث إلى سيدة أو آنسة. وقد يُنفق في اليوم مئات الجنيهات، ولا يملك في اليوم التالي قرشًا. أحدثت مغامراته ضجة في مصر، واعتُقل في 15 أبريل 1916 في بندر الجيزة. وبينما هو في السجن ترجم عن الإنكليزية (روح الاعتدال – ط) و (غاية الإنسان – ط) ونشرهما باسمِ زوجته وسيلة محمد. وبعد خروجه من السجن نشر باسمه كتاب (الناشئة – ط) و (دعائم الأخلاق – ط) و (اعترافات حافظ نجيب – ط) واشترك في تحريرِ مجلة (العلمين) ثم أصدر مجلة (الحاوي) وترجم روايات، منها (جونسون – ط) و (ملتون توب – ط) وانقطع في أواخرِ أيامه لتدوين مذكراته، فسقط القلم من يدهِ وهو يكتب السطر الأخير من الجزء الأول منها. مولده ووفاته بالقاهرة. اشتغل في صباه بالتدريس واشترك في معارك السودان. وكان أبوه من رجال الإدارة بمصر“.
هذا ما ذكرهُ الزِّركلي عنه، وأنتَ ترى كيفَ أن هذه المعلومات الموجزة دافعة للبحثِ مُحرِّضة على التنقيب عن هذه الشخصية الفريدة.
الأحداث العجيبة والغريبة بدأت منذ ولادته! يُحدثنا في أول اعترافاته بأنَّ جده لوالدهِ الحاج حسن السداوي كان تاجرًا وله دكانة في شارعِ العقّادين (بمنطقة الأزهر بالقاهرة القديمة)، وكان له ولد صغير يدلّله فيأخذه معه إلى دكانتهِ، المهم أن الولد كان يلعب ذات يوم أمام دكانة والده والشارع مزدحم فكادت تدعسه عربة وجيهٍ تركي، غضب الباشا التركي من إهمالِ هؤلاء الجهله لأولادهم، فأمر خادمه أن يُدخل الصبي العربة ومضى به!
صاح أصحاب الدكاكين ينبهون الحاج حسن إلى خطفِ التركي ابنه الصغير، فلحق بالعربة وكان يصرخ ”سيب الواد يا تركي!“. وصل الحاج إلى قصر الباشا، وحاول متوسلاً إليه أن يرد عليه ابنه، فأبى الباشا، وقرر أن يتركه عنده لتربيته ويسمح لأهله بزيارته كل جمعة! لم يعجب الحاج هذا المنطق وأرعد وأزبد وهدد وتوعَّد، فكانت النتيجة أن انهال الخدم عليه يضربونه بالجريد حتى فقد الوعي، ثم طُرد ونسي.
مرَّت الأيام، وسُمي الصبي في المدرسة «محمد نجيب» بدلاً من محمد حسن السداوي.. كبر الفتى في كنفِ الباشا، فكان ضابطًا في حرس الخديوي إسماعيل، وعقد له على ابنته الصغرى «ملك هانم» وأقام معها في جناحٍ خاص بسراي والدها. وبعد عيشةٍ رغيدة ارتكب محمد نجيب خطأ فأغضب حماته، فطردته من السراي، ثم أُبعد إلى السودان، وكانت زوجه حاملاً فقرّرت هذه الدكتاتورة (حماته) إسقاط الحمل، فكانت تضرب الزوجة المسكينة أحيانًا وتضع عليها الرحى! بكت هذه الزوجة المسكينة بحرقةٍ في خلوتها بسبب ألمين: ألم التعذيب، وألم فقد الزوج المُبْعَد. ولكن لله حكمة بالغة وأمر نافذ؛ تمَّت شهور الحمل، ثم وضعت الحامل المُعذَّبة طفلها «حافظًا» سليمًا مكتمل الصحة والعافية. قال حافظ نجيب بعد سرد هذه الحكاية: ”فصدق المثل المشهور: «عمر الشقي بقي»“.
لا تخلو اعترافات الأديب المحتال من طرافةٍ وأخبار فكاهية لا تُمل، كما أنها لا تخلو من الجرأة والفسق وذكرٍ للمجون وحبائل الحسناوات! ونحن هاهنا لن نقف إلا على شيءٍ يسير من طرائفهِ وفكاهته، أما أخباره الأخرى فموضعها معلوم.
مما ذكره من الطرائفِ في طفولتهِ أنه عندما أُلحق بالسنة الثالثة كان كثير التغيّب عن المدرسة، يودع كتبه في دكان بائع وينطلق إلى الكوبري الأعمى غرب كوبري قصر النيل، فيقضي نهاره -مع أمثاله من الهاربين أو المتغيبين من المدارس- في الاستحمام بمجرى الماء الذي يقوم عليه ذلك الجسر، فإذا قرب موعد الخروج من المدرسة يكرّ راجعًا إلى البيت.
وفي إحدى المرات رجع من فسحتهِ هذه قبل الوقت المحدد من خروج التلاميذ من المدرسة بكثير، ولم يحس إلا ويد تقبض عنقه بعنف وبصوت يقول: «جاي منين يا واد؟». لقد كان جدّه، فأخذ يضربه ويصفعه وهو ممسك به لا يُفلته، ولخبثه خطرت له فكرة، أخذ يصرخ: «مالك يا عم؟ عاوز مني إيه؟» فاستشاط الشيخ غضبا وزاد ضربا. كانت خطته أن يتهم جدّه أمام الجميع بأنه رجل غريب لا يعرفه يريد اختطافه! صدق الحاضرون، وانهالوا يقرّعون الشيخ وتقدموا لإنقاذ الولد من بين يديه، وكادت خطته أن تنجح لولا ظهور التاجر الشيخ «حسن حبيشة» وكان زوجًا لعمة حافظ، فصاح بالناس: ”الواد ده شقي وهو ابن نجيب أفندي ابن الحاج حسن ده، وأنا زوج ابنته!“. يقول أديبنا المحتال بعد ذلك: ”وجرّني جدي إلى البيت وهو في غيظ مني وغضب علي، وصاح بزوجتهِ يطلب حبلاً، فكتفاني وأنا طريح، واستحال الغضب إلى عملية ضرب، وبلغ الغيظ حد الجنون فجعل الرجل يعضّني بأسنانه، فلم يؤلمني العض وارتحت له، فجعلت أصرخ وأسترحم الثائر وقلت له: «عض ولا تضربش». فضّلت العض على الضرب جدي بدون أسنان!“.
منذ بداية حياتهِ كان طائشًا يقدِّم متعته ولذّته الآنية على كل شيء؛ فنجده لإشباع رغباته وإشباع نزواته يبيع كتبه لتاجر اسمه أمين هندية بأبخس الأثمان! لهذا لم ينجح في ذلك العام الدراسي.
كبر صاحبنا وكان له صولاتٌ وجولات في الحياة (اقرأها في اعترافاته)، ومن أخباره العجيبة ما ذكره عن علاقته بالجنرال غورو وكيف جُهِّز ليكون جاسوسًا فرنسيا لدى الألمان. عاش جاسوسًا لأشهُر بهيئةِ خادمٍ أخرسٍ أبكم، ونجح في مهمتهِ إلا قليلا. وكان من خبره أنه أراد أن يستعجل في إتمام مهمته وبينما هو في القلعة منهمك يكتب معلومات خطيرة في ورقةٍ معه وإذ بكلبِ القائد يهاجمه فيخطف الورقة منه ويهرب! وأخذ حافظ نجيب يطارده ليستخلصها منه ولكنه يُفاجأ بانفتاح الباب ليظهر الضابط ويرى الورقة! رأى الضابط الورقة في فمِ الكلب والخادم يطارده، فأخرج مسدسه بحركةٍ سريعة وصوّبه إلى رأسهِ قائلاً: ”ارفع يديك إلى رأسك“. يقول نجيب: ”فرفعتُ يدي بحركةٍ لا شعورية، فكانت الإطاعة من الأدلة على أنني أسمع، فثبت ثبوتًا قاطعاً أنني لستُ أصمّا ولا أخرسا“. أودع الجاسوس في السجن، ثم كان تهريبه بعد ذلك في قصةٍ أعجب على زورقٍ بخاري!
احترفَ الاحتيال، ولم يعد يبال بالقانون، ويسير وفق منهجه الخاص دون الاعتراف بأي سلطة. من الطرائف -وطرائفه وعجائبه لا حصر لها- أنه عندما كان مطاردًا من البوليس تنكّر في شخصيةِ عم دؤدؤ بائع الفشار والحلوى ولُعب الأطفال، فعرفه كارتييه رئيس البوليس السري عندما سقطت لحيته المستعارة وطارده في الشوارع والأزقة حتى دخل حافظ في حمام بلدي للنساء، وهرب -لأنه كان يعرف هذا الحمام جيّدًا في طفولته- من بابه الخلفي، وعندما دخل كارتييه وجنوده، علا الصياح وانهالت عليهم النساء ضربًا.
ومن طرائفهِ أيضًا أنه تنكر بشخصية مبروك الخادم، وعمل عدة أشهر لدى رئيس النيابة الذي يحقق في قضاياه! ولمّا توطّدت العلاقة وأبان عن جهدٍ وإخلاص في العملِ أخذ منه شهادة حسن سيرة وسلوك. فلمّا سلّم نفسه بعد ذلك، وأمام اتهامات رئيس النيابة بسوء سلوكه، كشف المتهم حافظ نجيب للقاضي شهادةً توضح حسن سيرته وسلوكه مكتوبة بخطِّ رئيس النيابة وموقعة باسمه! ولكنه سُجن على كل حال وهرب مرة أخرى.
ومن أخباره الغريبة التي ذكرها أنه في خضمِ حياة المطاردة التي يعيشها، قام بمساعدة صديقه خليل حدّاد بمغامرةٍ جنونية، وهي شرب دواء يظهره بمظهر الميت. وكان ذلك فعلاً، وأبلغ صديقه البوليس أن حافظ نجيب توفي، وحضروا وتأكدوا من جثته، ثم أُغلقت جميع القضايا المنسوبة إليه، ودُفن في قبره. وفي المساء زال مفعول الدواء ونهض الأديب المحتال ليعيش بين الناس باسمٍ مستعار جديد.
ولو أردتُ الإتيان على كل ما ذكره من أخبارٍ وقصص عجيبة لطال المقال -وسوف يطول أصلاً!-، ولكن لعلّي أنتقل إلى الجانب الآخر من شخصيته؛ «الكاتبُ والمترجم».
وهو في السجن قامَ بتعريب «روح الاعتدال لشارل وانير» و«غاية الإنسان لجان فينوت»، ونشرهما باسمِ زوجته وسيلة محمد.
وترجم من الروايات بعد ذلك: إصبع الشيطان، حذاء الميت، قاضي التحقيق، عفريت بيكار، قاتل الليدي بلتهام وغيرها. وجميعها من روايات جونسون وتقع في سبعة مجلدات وعددها ٢٢ جزءاً، عدا ثماني روايات ملتون.
وله روايات من تأليفه مثل: «الحب والحيلة» و«موت حافظ نجيب» و«ثورة العواطف».
وشارك في تحريرِ مجلة «العالمين» وهي مجلة أسبوعية أدبية علمية مصوّرة. وفي يوليو عام ١٩٢٥ أصدر مجلة «الحاوي»، والحاوي هو الذي يخرج من جرابه أشياء كثيرة -كما يقول الطماوي-، ففي أول غلافٍ لها نجد رسمًا لرجل، هو الحاوي، يخرج من جرابه أشياء مثل: أبحاث اجتماعية، فكاهات، فوائد منزلية، قصة الأسبوع، رواية مسلسلة.. وغير ذلك.
ويجب ألا نُهمل ذكر أن هذه الروايات المترجمة كانت الغذاء الثقافي الأول الذي تغذَّى عليه نجيب محفوظ. في كتابه «نجيب محفوظ – صداقة جيلين» يذكر محمد جبريل أن نجيب محفوظ كان يقول: ”سنكلير وميلتون توب وغيرها من الروايات التي كان يترجمها حافظ نجيب بتصرّف.. هذه الروايات هي كل قراءاتي الأولى“.
وفي مقابلةٍ صحفية مع «تشارلوت الشبراوى» نُشرت في مجلة «دي باري ريفيو» في صيف عام 1992، قال الأديب الكبير نجيب محفوظ إنه يعتبر أن حافظ نجيب هو صاحب أول تأثير أدبي عليه، وأنه حينما بدأ قراءة الروايات في العاشرةِ من عمره كانت أولى قراءاته من تأليف حافظ نجيب، فكان ذلك سببًا في تغيير مسار حياته وتشكيل شخصية الروائي المعروف نجيب محفوظ فيما بعد.
ومما يجدر ذكره أيضًا أن الأديب المحتال لم يكن أمينًا في ترجماته، وإنما كان يترجم بمزاجه؛ يحذف من هنا ما يريد، ويضيف هناك ما يشاء، وهكذا لا يردعه رادع من التصرُّف بمادة الكتاب الأصلية.
وهذا الأمر هو الذي كشفهُ عن نفسه، فإنه عندما أصدر آخر كتبه عام ١٩٢٣، وهو كتاب «الغرور» لماكس نوردو، ونشرته مطبعة المعارف. وعنوان الكتاب الأصلي: (نقد المدنية الحاضرة ونظم البيئة الاجتماعية)، المهم قال في توضيح منهجه وهدفه من ترجمةِ هذا الكتاب: ”ليس هذا الكتاب ترجمة صحيحة لما كتب ماكس نوردو؛ لأنه كاتب ملحد، وما تضمَّنهُ كتابه من النظريات والآراء بُني على الإلحاد. وفي نشرِ الكتاب بالصورة التي كُتب بها ضررٌ عظيم، يؤثِّر في عقول النشء، والذين لم يتمكنوا من التعاليمِ الدينية، تمكُّنًا يَحْفَظُهم من تأثيرِ قوة المؤلف في هدمِ المعتقدات والأديان السماوية. لم أكن أمينًا في النقلِ عن ماكس نوردو للسبب المتقدم، فاخترتُ من كتابهِ ما راقني من النظريات والانتقادات والآراء ونشرتها في هذا الكتاب، وجعلتُ الأبحاث مرتكزة على مبدأ الإيمان بالإله الخالق. قد لا يرضي هذا النهج في النشرِ بعضَ الذين يريدون الأمانة في الترجمة، ولكنني أوثر عدم الأمانة في الترجمةِ على إفساد عقائد الكثيرين بما أنشره من آراءِ الكاتب الملحد وحججه القوية في هدمِ الأديان والاستخفاف بالمعتقدات. في هذا الكتاب آراء كثيرة وأبحاث نافعة وانتقادات جمَّة لماكس نوردو، وأضفنا إليها من الآراء والنظريات التي تخالف معتقده!، ونسبنا الكتاب كله إلى المؤلف، بسبب كثرةِ ما اقتبسناه من كتابه من الأبحاثِ الكثيرة والانتقادات الوجيهة. لم أُحجم في كل حياتي عن عملٍ خوفًا من الانتقاد، أو رغبةً في إرضاء الرأي العام؛ لهذا نشرتُ هذا الكتاب متحديًا النهج الذي ذكرته، فلْيُسَمِّه من شاء ترجمةً أو اقتباسًا أو مسخًا، فهكذا فعلتُ لأنشر ما اعتقدتُ أن في نشرهِ فائدة، ولأمنع ما رأيت في انتشاره أذًى وإضرارًا، فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى“.
وأنا لن أُناقش هذا الفعل الذي أقدم عليه حافظ نجيب في العبثِ بالكتب، ولكني أقف متعجبًا أمام هذه الروح المؤمنة التي تخشى إفساد النشء وتحرِص كل الحرص على حمايةِ عقولهم من الشبهات الإلحادية! في ص٢٩٨-٢٩٧ يصرِّح بدون تلجج قائلاً: ”أنا رجل بدون عقيدة وبدون دين لم تؤثر في الوراثة لأنني لم أنشأ نشأة منظمة في حياةٍ عائلية تكون أبنائها بالتربية وتكون سلوكهم بتأثير العادات والتقاليد ولم تعلمني المدرسة تعليمًا دينيًا يثبت في عقيدة ويكون لي مبدأ“. وهذا يجعلني أقف مع سيد علي إسماعيل الذي يرى أن اعترافات حافظ نجيب عبثت بها الأيدي أو كتبت بعد وفاته.
ولنقفز إلى حافظ نجيب الشاعر لنرى ما عنده!
لنبدأ ببيتين كانا أسفل صورته الشخصية:
عجِبتُ من البولِيسِ كيف يرومني
وإنيَ كالعُنَقاء في نظرِ الرائي
جنونٌ ووهمٌ إن رأوا صورتي التي
أغيِّرها إن شئت تغيير أزيائي
ولابد أن نذكر أن الأميرة الروسية فيزنسكي عشقته وأعدته لنفسها، ولكن غيرتها دفعتها للتحريض عليه وسجنه، وذلك بعد أن رأت منادمته للراقصات حتى الفجر.
المهم قال من سجنهِ بالإسكندرية:
إلى الله أشكو أم إلى الناسِ ما جرَى
وقد بـاعني الهمُّ المبرِّح واشترى
وأصبحتُ عبدًا لا أُسام بدرهمٍ
وإن جاءني المبتاع عاب وعيَّرا
وأقضي طويلَ الليل للحظِّ ناعيًا
فيغمض عيني السوط بالرغمِ لا الكرى
إذا ما مضى جيش الظلام تراجعَتْ
لدى الصبح أحزاني وبتُّ مفكرَا
إلى أن قال:
وضاع جميلٌ في الرجال غَرَسْتُهُ
ولو كان في كلْبٍ لَبَانَ وأَثَّرَا
ولو كان في وادٍ لَأَيْنَعَ نَبْتُهُ
ولو كان في قَفْرٍ لما ظَلَّ مُقْفِرَا
ولو كان في وحْشٍ لأصبح آنسًا
وأعلن فضلي للوحوش وأَشْهَرَا
ولكنهُ الإنسان للفضل جاحِدٌ
وهيهات للمعروف أن يتَذَكَّرَا
وقد ساءهم مني اقتدار وهمة
وعزمٌ برى كيدَ الزمان وما انبرى
ولو قلت شعرًا خاله الناس مُنزَلًا
وصلى عليه البعض والبعض كبَّرَا
ولولا الهوى أصبحْتُ للناس كوكبًا
ولولا الهوى أمسيتُ في القوم عَنْتَرَا
وكم عالِمٍ قد ضاع في الحب عِلْمُهُ
وكم عاشقٍ في الرمس بات معفَّرَا
ولولا الهوى ما بتُّ في القيدِ مثقَلًا
ولا بتُّ في وادي الهموم كما ترى
ولا تعْجَبوا أن بات لي السجن مَنْزِلًا
فقد ينزل الإبريز في منجم الثَّرَى
وقد يجهل الإنسان في الرمل قَدْرَهُ
ولكنه لو بانَ للعين أَبْهَرَا
فإن جاءك الساقي بماء ولم تَذُقْ
فهل تعرفنَّ الماء إن كان كَوْثَرَا؟
كذلك أخفاني عن القوم جَهْلُهُمْ
وعاقبني القاضي جزاءً لما جرى
وقال في السجن أيضًا:
طال البعاد على السجين المُغْرَمِ
فتَنَدَّمَ الرجلُ الذي لم يَنْدَمِ
ما نام في ليلٍ على مهد الأسى
إلا وقلَّبَهُ النوى كالمجذمِ
ويعوده طيْفٌ يزور مقنّعًا
وقناعهُ ديجور ليلٍ مُظْلِمِ
في الليلِ يأتي كالطبيب لمُوجَعٍ
فإذا دنا ضمد الجراح بمرهَمِ
وإذا تَلَطَّفَ بالسلامِ أراحهُ
مثل العليل إذا أَتَوْهُ ببلسمِ
وإذا صحا عند الصباح ولم يَجِدْ
طيف الدجى ذرف المدامِعَ كالدَّمِ
كم مرةٍ هزأ الخيال بمن غدا
بعد الدلال قرين لصٍّ مجرمِ
يا صاحِ قد غَدَرَ الزمان ومن هوى
أحرى به سمٌّ بكاسٍ مُفْعَمِ
خيرٌ من السِّجْن الطويل وضِيقِهِ
فالسمُّ أطيب من شراب العَلْقَمِ
ولقد سئمتُ من الحياة وذُلِّهَا
وغدا المماتُ أحبَّ من لثمِ الفمِ
إني تعبتُ من الزمان وصرْفه
وتحكُّم الدهرِ الذي لم يحكمِ
من عاش حرًّا بين آل بلاده
صعْبٌ عليه الذل بعد تكرُّمِ
ومن أشعارهِ قوله:
تجرَّدَ رأسي يا زمانُ من الفكرِ
وأصْبَحْتُ محمومًا أبيتُ على الجمرِ
كذلك مات الحب في القلب يائسًا
وزال به ما كان يحرق في الصدرِ
وأصرف وقتي بين هندٍ وزينبٍ
أعاقرها راحًا إلى مطلعِ الفجرِ
وتسلب مالي ذاتُ خدٍّ محمّرٍ
وأُصْبِح محروقَ الفؤاد من الخمرِ
فيا ليت من يهوى يرى اليوم حالتي
لينظر ما تأتي النساء من الغدرِ
فما باعني للسجن إلا مليحة
علِقتُ بها يا قوم من أول الأمرِ
وله:
يظنونَ أن الحب لهْو ولذةٌ
وأنَّ هناءَ العيش في رفعة الجاهِ
فيا قلبُ هل هذا صحيحٌ تحسُّهُ
وإلا غرور الناس بالظاهر الواهي
علّق خليل مطران (شاعر القطرين) في المجلةِ المصرية فبراير ١٩٠٩ على قصيدةٍ من قصائد حافظ، وجاء كلامه تحت «مجرم شاعر» قال: ”تناقلتُ بعض الجرائد قصيدة لناظمها حافظ نجيب، وهو اسمٌ فني عرفه سكان القِطر بغرائب حيَله، ونوادر الوقائع التي سُجن بسببها، قالها وهو معتقل في «الحضرة» منذ سنتين وهذه مختارات منها“ ثم ذكر مطران مختارات من قصيدته التي مطلعها: «تجرَّد رأسي يا زمان من الفكرِ..» ثم قال مطران: ”ومن تصفَّح هذه الأبيات المرسلة مع السليقة، على ما فيها من ركاكةٍ وضَعف تركيب، استشفَّ خلالها فطرة لو عولجت وتُدوركت لصلحت للشعر والأدب“.
«فارس بلا جواد»
عندما عُرِض مسلسل «فارس بلا جواد» عام ٢٠٠٢ وكان ببطولة محمد صبحي؛ قامت الدنيا ولم تقعد، وأثار هذا المسلسل ضجة عالمية ومحلية. الضجة العالمية لاعتماده على «برتوكولات حكماء صهيون» وتناوله الصراع العربي الصهيوني، وذلك ما جعل السفارة الإمريكية في مصر تقدِّم احتجاجًا على عرض المسلسل؛ لأنه معادٍ للسامية! وليس يعنينا هنا هذه الضجة العالمية، بل نريد المحلية التي حرَّكت أقلام بعض المثقفين وعقولهم للبحثِ والكتابة عن حافظ نجيب. محمد صبحي بطل المسلسل ومؤلفه يرى أن ما أُشيع عن حافظ بأنه محتال ونصَّاب كلّه محض كذب وافتراء. لذلك ظهرت صورته في المسلسل كبطلٍ محاربٍ للاحتلال. والذي بين أيدينا مما نستطيع التعرُّف من خلاله على شخصية حافظ نجيب لا يدل على شيءٍ مما ذهب إليه محمد صبحي، ولعلَّهُ اجتهدَ في التنبؤ وقراءة ما خلف السطور وتحسس وقائع تلك الحِقبة بيدِ التأمل والاحتمال، فوصل إلى استنتاجه العبقري هذا. وأنا في الحقيقةِ لا أستبعدُ أن يكون رأيه صحيحًا، ولكن كيف للمرء أن يُدلّل على صحته؟! هذه فقط إشارة سريعة للمسلسل لا معنى لها لولا أنها تلامس شخصية صاحبنا المُتَرْجَم له.
هذا كل ما أمكنني ذكره عن المحتال الأديب حافظ نجيب، وللاستزادة اقرأ «اعترافات حافظ نجيب، إعداد: ممدوح الشيخ»، ودراسة سيد علي إسماعيل «حافظ نجيب.. الأديب المحتال»، وكتاب «نابغة المحتالين لجورج طنوس» و«مقالتان لأحمد حسين الطماوي في مجلة الهلال العدد ٨ أغسطس ١٩٩٤، والعدد ٧ يوليو ٢٠٠٣».
وأذكِّر بأن صاحبنا كتب في آخر اعترافاته: ”قالوا «قليل البخت يلقي العظم في الكرشة» وقد وجدت في البنسيون عظمة خشنة جدًا صوّرتها الطبيعة في صورةِ حسناء فتّانة تحوم حولها جماعة من الشباب المثقفين وبعض رجال المال وكان لها شأن خطير في حياتي لأنها خلقت لي مغامرة جديدة سأحدث الناس عنها في الكتاب الثاني من اعترافاتي بإذن الله، لأن الحوادث الخطيرة توالت علي بسرعة بعد ١٨ يناير ١٩٠٩ ودفعتني بعنف في خضم الأخطار“. وقضى نحبه قبل أن يُتم ما هو بصدده.
أختمُ بما بدأ بهِ اعترافاته وكلمته الصريحة:
”وقد خلوت إلى نفسي وذاكرتي مرَّات، وعرضتُ على العقلِ والضمير حياتي الماضية وما مرَّ بي من الأحداث، فاقتنعتُ بأنني بددتُ الحياة في سَفه، وضيّعتُ ما كان يجب أن يكون لها من الثمرات، ومكَّنتُ الناس من هدرِ كرامتي..“
”وفي ماضيّ كثير من الأخطاء وقليل لا يُشرِّف ذكره ولا يفيد الناس عرضه، وحب الذات يقتضي كتمانه ونسيانه ومحوه من ألسنةِ الناس بمرور الزمن، ولكن أولادي يُلحِّون علي لكتابةِ اعترافاتي“.
”وليس يهمني رأي الناس إذا عرفوا الحقيقة، لأنني قسوتُ على نفسي بحكمي، ولأنَّ هؤلاء الناس ضلّوا في وصفي وضلّلوا مدى نصف قرن، فلم يعطّلني ما أذاعوه عن شقِّ طريقي في الحياةِ العملية الشريفة!. ولم تمنعني الشهرة السيئة من امتصاص الرزق الحلال! من بينِ مخالب الوحوش وأسنان الأفاعي“.
“أسأل الله لأولادي التوفيق والسلامة طول شوط الحياة ليكونوا نافعين لأنفسهم والجماعة، وليتركوا وراءهم ذكرًا أفضل مما ذكرت“.
من المقالاتِ الرفيعة التي طرِبتُ لها بعد وقوفي عليها، مقال للكاتِب النابغ الذي كان قلمه آية من آيات البلاغة -كما يقول أنور الجندي-، وهو الدكاترة زكي مبارك غفر الله لنا وله وتغمّدنا جميعاً برحمته. وكان عنوانه «روحانية الحياة المدرسية»، وقد نشرتُه قبل ثلاث سنوات، وهأنذا أعيد نشره -مع تصرُّفٍ يسير- لمناسبةِ التوقيت، ولما فيه من معانٍ ساميةٍ سامقةٍ تستحق التأمُّل بين الفينة والأخرى. وقبل إتحافكم بزبدة المقال، أُحب أن أقرِّر أنه مُقدَّم للمعلمين خاصَّة قبل غيرهم، أعاننا الله وإياهم لكل خير.
وأُحب البدء بكلمةٍ للبشير الإبراهيمي رحمه الله قالها في مقالٍ له وجَّه فيه كلمات واعظة للمعلمين:، يقول ”امزجوا لهم العلم بالحياة، والحياة بالعلم، يأتِ التركيب بعجيبة، ولا تعمروا أوقاتهم كلها بالقواعد، فإن العكوف على القواعد هو الذي صيّر علماءنا مثل «القواعد!»، وإنما القواعد أساس، وإذا أُنفقت الأعمار في القواعد فمتى يتم البناء؟“.
نعود للدكاترة، يفتتح مقاله بقوله:
• مهنة التَّعليم توحي إلى النَّفسِ طُمأنينة لا توحيها أية مهنة، لأنَّ التَّعليم يَقوم على أساسٍ من شرف الغرض لا يُعادِله أساس. والإحصائيات تُثبت أنَّ المُعلِّمين أقل النَّاس تعرُّضًا للآفاتِ النَّفسية، بسببِ تلك الطُّمأنينة الرُّوحية.
• والمُتأمِّل يلاحظ أنَّ الله يُبَارك في أعمارِ المُعلِّمين وفي أرزاقهِم بقدرِ ما يُضمرون من الإخلاص، وبقدرِ ما يُقاسون مِن العناء، لأنَّها مهنة لا يَستريح فيها غير مَن يُرحِّب بالشقاء، إن جازَ أنْ يَكون مع الإخلاصِ في هذهِ المهنة شقاء.
ثُمَّ يقول:
• كنتُ أرجو أنْ تكون المَدْرسة الابتدائية هيَ المَكان المُختار لأكابرِ المُدرسين، ليَستطيعوا خلق الروحانية في الحياةِ المدرسية، وليَكون ذلكَ شاهدًا على الإيمانِ بقدسية التَّعليم. المُبتدئ هوَ الذي يَحتاج إلى المدرس الكبير العقل والرُّوح، المدرس الذي صَقلته التجَارب وراضته على فهمِ الغرائِز والنُّفوس.
• والتَّلاميذ في المدارسِ الابتدائية يَحتاجون إلى رياضةٍ روحية يَقوم بها مُدرسون روحيون، وهُم الذينَ صاروا في حكمِ الآباء، ليَكون انتقال التلميذ من البيتِ إلى المدرسةِ انتقالاً من رعايةٍ أبوية إلى رعايةٍ روحية.
• والحَق أنَّ المدارس الابتدائية هي الأساس، فإنْ استطعنا أنْ نخلِق في تلاميذها الشَّوق إلى الحياةِ العلمية، فسيقل خوفنا عليهم حين يَتحولون إلى المدارسِ الثانوية. والحق أيضًا أن العُرف الذي قضى بأن يكون المُدرس في الثانويات أعلى من المدرسِ في الابتدائيات قد زعزع قُدسية التَّدريس.
• المُدرِّس جنديٌّ أمين، والجنديُّ الأمين لا يَقف إلا في مظان الحتوف. وتعليم الأطفال مَتعبَة لا يَضطلع بها غير كِبار الرِّجال.
بعد ذلك، ينتقل للحديث عن صلةِ التلميذ بالمدرسة، فيقول:
• لا بُد من جهادٍ لجذبِ التلميذ إلى المدرسةِ، بحيث يُحبها حب العَقْل، وهوَ أصدق الحُب. يجب أنْ نعمل على إقناعِ التلميذ بأنَّ روح المدرسة هو الروح الصديق، وأنَّ أوقاته في رحابِها هيَ أوقات الصفاء.
ثم يقول عن تغيير طريقة التعليم:
• والتعليم الحق هوَ الذي يقضي بتقوية المَلَكة الإبداعية؛ هو الذي يخلق عاقلاً لا ناقلاً، وبين العقل والنقل مراحل طوال. ما السبب في أن يكون الجو المدرسي غير محبوب في بعض الأحوال؟ لو أمكن جذب التلميذ بالعقل إلى جو المدرسة لتمنى أن تكون مأواه إلى آخر الزمان.
• ولكنَّ التلميذ -دائمًا- يُسأل عن المواظبةِ الصورية، لا المواظبة الروحية. مئات الأطفال يَحضرون الدُّروس بالجسم لا بالرُّوح، فهم غائبون لأنَّهُم لا يَفهمون، وإن لَمْ تفطن المدارس إلى تقييدِ هذا الغياب!
• وخلاصة القول أنَّ الغاية من التعليمِ هي إثارة الشَّوق إلى فهمِ الوجود، وتنمية المواهب تنميةً تُغني التلميذ عن المُدرِّسِ بعد حين، وتجعل منه روحًا يتطلّع إلى السرائرِ الكونية، والحقائق الوجودية، تطلّع المتشوّف إلى إدراكِ ما غاب عن الأسلافِ، ولو كانوا فطاحل العلماء.
• وكمية المَعْلومات ليست بالغايةِ العالية، وإنما الفَهْم الصحيح هوَ الغاية، ولو تعلَّق بأقل مقدار المفهومات. وتصحيح غلطة واحدة في علمٍ من العلومِ أدل على قوة الذاتية من استيعابِ جميع العلوم.
• المُهم هوَ إيقاظ روح الفِكر عند التلميذ، بأنْ نجعل جميع الدُّروس وسيلة إلى هذهِ الغاية، ولن يَتم ذلك إلا إذا استطعنا أنْ نُشغل روحه وفِكره وعقله بتعقب ما يرى وما يَسمع تعقب الشَّغف والاشتياق.
• طريقة التَّلقين طريقة عَقيمة، وهيَ لا توقظ عقول التلاميذ وقد ترميهم بالخمود. والدَّرس هو الفرصة لتنبيه العقول الغافية، في الحدودِ التي تَسمح بها براعة المدرس، والمُدرِّس البارِع هو الذي يَسوس الدرس سياسة تقضي بأنْ يَشعر كل تلميذ بأنَّهُ قد يَتلقى سؤالاً بعد لحظات!
هل تَذكرون الواجبات المَدْرسية التي يؤديها التلاميذ في البيوت؟ إنها ثَقيلة جدًا، وبغيضة جدًا، فما السبب فيما تَتسم بهِ من الثقل والبُغض؟
• يَرجع إلى أنها لَمْ تُسبق بالتشويق إلى إيجادِ الحقائق. ويَرجع السبب إلى أننا لم نصل إلى خلقِ الجاذبية المدرسية. ويَرجع السبب إلى أننا لَم نُفكر جديّاً في إبداع شخصية التلميذ.
ويختم الدكاترة:
المدرس المُتبرِّم ليس بمدرس، لأنَّ التدريس أقوى موجبات الابتسام. ولو أردنا شكر الله على أن جعلنا مدرسين لعجزنا عما نريد من الشكران. للمدرس في كل يوم جهاد، وهذا مغنم جميل. القناعة هي التاج لمهنتنا السامية، وغنى القلوب يستر فقر الجيوب. نحن أغنياء، فلله الحمد والثناء.
«الفردوس الأمريكي» ”حقيقة صادمة لكل من توهَّم أن ثمة فردوساً وراء بحر الظلمات. كما أنه صرخة نذير للمجتمعات التي جعلت من ذلك الفردوس الموهوم مثالاً يُحتذى حتى لاحت في آفاقها بعض أدوائه“.
في المقدمة وبعد أن رحَّب جون هيور بالقارئ قائلاً: ”مرحباً بك في الفردوس الأمريكي“، أخبرنا عن فحوى كتابه الماتع باختصار: إنه ”يتحدث عن الجانب الآخر من الحياة في أمريكا، والتي هي في جوهرها فردوس حمقى“.
يُسلِّط هيور الضوء على خفايا الحياة الأمريكية، ويكشف للقارئ وجهها الحقيقي بعد إزالة المساحيق التجميلية عنه، فتتبدّى ملامحها القبيحة المؤذِنة بكل شر! في كتابهِ يعترف قائلاً: ”أمراضنا الاجتماعية ليست سوى نتاج حماقاتنا الشخصية وخياراتنا الطائشة“. وهذا مدخل جيّد لنقدِ الذات.
”المجتمع الأمريكي هو فردوسٌ زائف فعلاً“ وهذا من قبيل (وشهد شاهد من أهلها). يجب أن يعرف القارئ أن المؤلِّف هو باحث أمريكي، حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة كاليفورنيا، ويعمل حالياً أستاذاً لعلم الاجتماع بالكلية الجامعية بجامعة ميريلاند.
وقبل أن يشرع في العرضِ والنقد لفردوس الحمقى في عشرين فصلاً، قدَّم بإلماعة إلى «النقد الاجتماعي» الذي يُعتبر أهم فرع من فروع دراسة المجتمعات، ولكنه -حسب هيور- يحظى بأقلِّ اهتمام وتقدير، والسبب في ذلك هو أنه لا أحد يحب التعرّض للنقد، حتى وإن كان نقدًا لمصلحته. فالمجتمع يكره دائمًا أن يكون عرضة للانتقاد، ولكن الناقد الاجتماعي يجب أن يتعلّم «فن اللامبالاة» تجاه مشاعر المجتمع، إذا كان منطلقاً في نقدِه من أُسس صادقة وواقعية، ويحمل على عاتقهِ هم إصلاح مجتمعه.
هيور يقول عن الناقدِ الاجتماعي بأنه ”الشخص المقتنع بضرورة تحسين مجتمعه من خلال إطلاع المجتمع على أوجه القصور فيه“. ولكنه يرى وجوب أن يكون معيار تحديد القصور هو ”المُثل العليا التي كان المجتمع قد حدّدها“.
ثم ينبِّه على مسألة مهمة، وهي: هل الناقد يضمر الكراهية لمجتمعه؟ وهذه تهمة مُعلَّبة جاهزة توجه دائمًا لكل مصلح. والحقيقة أن الناقد يرى أن المهلِّلين لانحراف المجتمع عن مُثُله العليا هم أولى بهذه التهمة، لأنهم يُلحقون الضرر بمستقبلها وحظوظها. ولكن كما قال المؤلف: ”غالباً ما يغدو الناقد صوتاً صارخاً في البريةِ، يميل الجميع إلى بغضهِ أو تجاهله“. في نهاية المقدمة يخبرنا هيور أن: ”من بين جميع أُمم الأرض اليوم، تُعد الولايات المتحدة الأمة الوحيدة التي تُصُوِّر أنها كانت -وما زالت- مجتمعاً مثالياً للإنسان“. وهذا نتاج ضلالات وأوهام، وما الولايات المتحدة اليوم إلا فردوساً للحمقى، لِمَ، وكيف؟ هذا ما يتمحور عليه هذا الكتاب المدهش. يكتب هيور في الفصل الـ١٨: ”سنقوم باستجماع شجاعتنا الأخلاقية، وحكمتنا التاريخية، وبصيرتنا الاجتماعية، ونُدلي بوصيَّتنا النهائية، لأنفسنا ولأجيالنا القادمة“.
من أهمِّ فصول الكتاب -وكلّه مهم- الفصل العاشر، الذي تحدَّث فيه عن «الفردية والعدالة العليا»، ومما ذكره أن المجتمع الذي يعاني من الفردانية، وتخنقه الوحدة؛ هو أكثر مجتمع محموم في بحثهِ عن الترفيه ومطالبته باللهو في العالم اليوم.
يقول هيور: ”نحن في أمريكا أكثر الناس شعورًا بالوحدة على الصعيد العالمي، وللحصول على حلٍّ فعلينا إما أن نُصرِّح أننا مخطئون في نزعتنا الفردية، أو أن نسابق لخلق المزيد من الترفيه واللهو بُغية التغلّب على شعورنا بالوحدة“.
وعندما ذكر المجتمع عديم الفائدة، وأشار إلى قصة نجاح أمريكا، قال: ”فتفوّقها في التنمية الاقتصادية هو ما أدى إلى إنشاء طلب هائل على الترفيه. فتقليدياً كان الترفيه -الذي هو وسيلة تسلية أنفسنا- مرغوبًا عند الناس الذي يمتلكون فائضاً من الوقت الفارغ والطاقة . . باختصار، أي نشاط بشري منظَّم مرتبط بالترفيه سيمثل ذاك الجزء المهدر من حياتنا أو الذي لا حاجة ملحّة له على الأقل“. هذا ما أورده المؤلِّف كإجابة على سؤال: ما هو الترفيه؟ لكنه بعد ذلك أراد أن يوضِّح التعريف للقارئ أكثر، فقال:
”الترفيه: هو أي شيءٍ نرغب في القيام به ولا يُطورنا كبشر -ونحن نعلم أنه لن يطورنا كبشر- لكننا ما زلنا راغبين في فعلهِ لأنه يُسلِّينا“. ويرى هيور -بصفته عالم اجتماع، كما في فصل «أمة شبحية»- أنه لا يوجد آثار إيجابية لمُنتجات الترفيه على الإطلاق، سواءً لصالح الفرد أو مُجتمعه. ويضيف: ”وحتى كصناعةٍ توفِّر العمل والنفع المادي لنفسها وللقطاع الاقتصادي، فإنَّ الأذى الذي تَخلقه في حياتِنا الاجتماعية والأجيال القادمة هو أكبر بكثيرٍ من أن تُنافسه أي إحصاءاتٍ للتوظيف أو حقائب للأرباح“.
ويقرِّر المؤلف؛ أن الانكباب بلهفةٍ على النشاطات الترفيهية دليل على خواءٍ داخلي، فيقول: ”وهكذا، فإن حجم البذخ والنفقات المبذولة لأجلِ نشاطاتنا الترفيهية -علوم وفنون الترفيه العظيمة- مُساوٍ تمامًا لفراغ وتفاهة حياتنا الخاصة!“.
وفي فصل «الفردوس عن كثب» تحدَّث عن الشهوة الاستهلاكية، وذكر المحرك الرئيس لآلة الحضارة الأمريكية وهو المال. ويقول في جملةٍ فاصلة معبِّرة: ”المال هو إله أمريكا وأمُّها وكل شيء فيها“. وذكر أنه المعيار الذي يقاس عليه كل خير ونقاء في أي يوم تقليدي في أمريكا.
ثم أوضح كيف يتم إغواء المستهلك، وأن كل شيء يتم تقديمه مصحوباً بحلاوة وأمل في الاستمتاع. كاشفنا هيور بأن غالب ما يدرّس في مدارس أمريكا هو منهج التضليل الشيطاني، وتعمد إلى تدريب مبتكري الإغواء المستقبليين وصانعي الإعلانات، وتقوم بتنظير وتبرير عقيدة الحياة منعدمة الروح. نعم؛ هذا ما يتواءم مع أهداف الاستهلاك الأمريكي. وذكر «عيد الكريسمس» ”أكثر المواسم إثما وشرّا لما يسوده من سلوك سيئ واستهلاك كارثي“. يسأل هيور ويجيب: لماذا يعشق كل أمريكي هذا العيد؟ ”لأنه موسم الهدر والإلهاء البالغين، والابتعاد التام عن الواقع، وفساده لا يمت بصلة إلى الرب“.
وفي آخر فصلٍ في الكتاب «العيش والموت بالسيف» يجهر هيور بكل جرأة بالكلماتِ الآتية: باعتبار تحليلنا النهائي للمجتمع الأمريكي، دعونا نلقي نظرة أخيرة على أقوى مظاهر نبوغه وشهرته: «مجتمع السوق»، و «قوّته العسكرية» التي تمنحنا موقعنا المهيمن على أنحاءِ العالم. اليوم تُعرف أمتنا -داخليّاً وخارجيّاً- من خلال قوّتنا الاقتصادية وتفوّقنا العسكري. هذان هما حدَّا سيفنا اللذان نُخضع بهما أعداءنا وخصومنا ونوفر لأنفسنا راحة البال. لكنَّهُ أيضاً ذات السيف الذي -في أقصى مفارقة- نوشك أن نذبح به أنفسنا. فالحد الاقتصادي للسيف هو ما يقطع الحبل الذي يربط بيننا أناسًا وجيرانًا وغرباء. ويتركنا جميعاً حذرين، مُرتابين، ووحيدين في وجودنا الأمريكي المنعزل. والحد الثاني هو قوّتنا العسكرية التي أصابتنا بالغطرسة والفساد، وهي علاماتٌ طبيعية لقوّة عالمية على وشك الانهيار على محورها القائم على المصلحة الذاتية والظلم.
والآن لا بأس من إيراد آراء بعض القرّاء في كتاب «الفردوس الأمريكي»، وهؤلاء القرّاء هم طلبة المستوى الأول بالكلية الملحقة بجامعة ميريلاند، فقد طُلب منهم خلال دورة دراسية على الإنترنت اسمها «المجتمع الأمريكي» أن يقرأوا الكتاب ويقارنوه بكتاب آخر هو Habits of the Heart عادات القلب.
يقول Dewey Baugh :
”إن رافالكو -اسم مستعار لجون هيور- يعترض طريقك، ويثير غضبك. يدفعك إلى إدراك عيوبك ونقاط ضعفك، ليس لأنه يمتلك نافذة سرية يلج منها إلى روحك، إنما لأنه يوجه النقد لنفسه كعضو في المجتمع“.
ويكتب Stephanie D. Lee :
”يمسك [الكتاب] بخناق المجتمع الأمريكي وجميع الادعاءات الكاذبة السائدة فيه. [إنه] يفرض على القارئ (المنفتح لقبول النقد المعروض بين صفحاته) اختبار جميع أوجه قصوره، والحقائق الزائفة التي يتم زجّها باستمرار في عقولنا من قبل المجتمع، وأنفسنا، ووسائل الإعلام“.
أما William Holmes فيقول:
”الكاتب رافالكو صريح ومباشر. والكتاب عدواني (كحال أمريكا اليوم)، وتمت كتابته بأسلوب الصدمة والرعب. [إنه] أحد أكثر المناهج الواصفة لـ«أمريكانا» واقعيةً على الإطلاق. فإن أخذت في قراءته بذهنٍ متفتح فستعثر على الكثير من الحقيقة والفهم في كلماته“.
وكان انطباع Valerie Hughes بعد قراءته:
”.. يا للهول، لقد كنتُ أعيش في فقاعة طوال السنوات الأربع والعشرين المنصرمة من عمري! كنت أعلم أن ثقافتنا مختلفة، لكني لم أدرك مدى الفساد الأخلاقي الذي أصبحنا عليه، وكم هي عديدة التناقضات التي نشهدها يومياً لكننا لا نبصرها فعلاً“.
ونختم بـFe Soriano :
”إن الفردوس الأمريكي يستخدم أشياء مألوفة في مجتمعنا الحالي (أوبرا، الترفيه، السلطة..إلخ). فأسلوبه صريح للغاية، فلم يكن رافالكو يعبث بل يدخل صلب الموضوع مباشرة. فمن السهل جدّاً أن تتعلق به وهو ذو عونٍ كبير في التفسير الذاتي الاجتماعي“.
وهنا تنبيه: هذه الكُلَيْمات ليست تلخيصاً أو عرضاً للكتاب، فمن الصعب بسط قرابة ٥٠٠ صفحة في هذه المساحة الضيّقة، وإنما أردتُ بما كتبتُ خَلق بعض الإثارة والتشويق والدافع لقراءة كتابٍ استمتعتُ برفقته. وأريد أن أختم حديثي بالقول الذي ختمَ فيه المؤلف الفصل الثاني عشر، وأرجو أن يطيل القارئ الكريم التأمُّل فيه:
”عمومًا -والأكثر إثارةً للدهشة بالنسبةِ لنا- تبقى حقيقة أننا الأمة الوحيدة في التاريخ التي تستطيع «التحكم بواقعها» وملاءمته من خلال تعديل طريقة عرضه. وذلك عن طريق إعطاء ثقل لبعض القضايا وتهميش أخرى بحسب الحاجة. وكمُصنِّعين ومستهلكين ومستفيدين من واقعنا، فإننا كأفراد نظن أنفسنا بنائين أحرار لأوهامنا وسادةً لخداعاتنا، نلفقها وننقحها كما نشاء. هذا بالفعل تطوُّرٌ رائعٌ وغير مسبوقٍ ولم يشهد التاريخ مثيلاً له من قبل، فهو يُبقي العالَم المُشاهِد لأمريكا مشدوهاً مُعْجَبا. لم نرَ مثيلاً لهذا سوى في أنظمةٍ وهميةٍ فقط كما في رواية «أورويل» المعنونة «1984»؛ مجتمعٌ يقوم بـ«فبركة» واقعه بمحضِ إرادته“.
عندما أراد دراسة المتنبي في كتابه الرائع «الرؤوس» قدَّم بعنوان «رأسٌ ضخم»، وهُنا نُعيد تقديم هذا العنوان قبل الحديث عنه، لأنه قمينٌ به.
أبو محمد مارون عبود: أديب لبناني نصراني كبير وناقد فذٌّ بصير، أغنى المكتبة العربية بتواليفه البديعة، ودراساته الرفيعة، يقبح بالأديبِ تجاهل اسمه، ولا يحسن بالمتأدِّب مجاوزة رسمه.
أردتُ أن أبدأ بسردِ معلوماتٍ مدرسيةٍ عنه، فلم أجد أوجز وأوفى مما قاله الزِّرِكلي في المجلد الخامس من كتابهِ الأعلام: ”مارون بن عبود (١٣٠٣-١٣٨٢ = ١٨٨٦-١٩٦٢م): أديبٌ لبناني نقّادة عنيف، كثير التصانيف، من أعضاء المجمع العلمي العربيّ بدمشق. مولدهُ بقرية «عين كفاع» بلبنان. تعلَّم بها، وتخرج بمدرسة «الحكمة» في بيروت. عمل في التدريسِ والصحافة (بين سنتي 1906 و 1914)، شارك في إنشاء «جريدة الحكمة» عام (1910)، وأصدر نحو 50 كتاباً من تأليفه تُرجم بعضها إلى أكثر من لغة. وكان خالص العروبة في نزعتهِ: سمَّى ولده محمدًا، وعُرِفَ بأبي محمد، كما سمَّى ابنته فاطمة، وقال على سبيل النكتة: «سميتُ ابني محمدًا، نكاية بوالدي الّذي سماني مارون!»“.
بعد العيشِ في كنفِ مؤلفاته مدّة من الزمن، أدركت حقيقة قول عزّة بشور في مستهل مقاله الذي رثاه فيه عام ١٩٦٢ -وكانت مادة المقال الوفاء- : ”في أصيل الثالث من شهرِ حزيران المنصرم، فوجئ لبنان بوفاة شيخ أدبائه، وزعيم نقّاده، وكبير أئمة بيانه، فوجئ بوفاة مارون عبود، سيّد الحرف ونبي الكلمة في الجيل العشرين، فيا لهول الفاجعة ويا لخسارة الأدب!
لقد كنتَ عظيماً يا أبا محمد، إن اسمك كبير كبير.. ملأ دنيا العرب وشغل الناس فيها. مَن نظم شعراً ورضيت عن شعرهِ افتخر وتباهى، ومن كتبَ نثراً ولم تجرحه بنقدٍ زها وتعالى، ومَن تتلمذ عليك جرّ أذياله على السحبِ تيهاً وافتخارا“.
إي والله، إنَّ هذا القول لحق في حقِّ هذا النقّادة البصير. ثم أقول: يلج القارئ بعد القراءة لمارون عبود إلى عالمٍ من المُتعةِ يصعُب عليه تصويره ووصفه وإن مَلَك خَطابة صعصعة بن صوحان وبلاغة ابن معد سحبان. فأنت تتنقل بخُطًى هادئة بين خمائل البيان الرفيع والأسلوب البديع، والعبارة الساخرة والطرفة النادرة، والنظر العميق والنقد الدقيق. تهجر مع أبي محمد المَلل، ولا يصاولك الكَلل.
ما أدق قول الزِّركلي في ترجمته: ”وكان خالص العروبة“؛ فالعروبة عند أبي محمد لم تكن عِرقاً فقط، بل عقيدة وفكر ولغة. وما أصدق أحمد الجندي في رثائه له بمجلةِ المجمع العلمي العربي: ”كان عربياً في تفكيره، عربياً في عقيدته، تخطّى في خياله التخوم والمعالم فكانت حريّته أثمن شيء عنده، وآراؤه أغلى شيء لديه؛ ينطق بالرأي فلا تأخذه فيه لومة لائم، ويدلي بالفكرة فلا يعوقه عنها عائق“.
ألا ترى ما قاله لابنه في أبياته الشهيرة:
فإذا ما متُّ يا بْني في غدٍ
فاتّبع خطوي تفُز بالأدبِ
وعلى لحديَ لا تندب وقُل
آية تزري بأغلى الخُطَبِ
«عاشَ حرّاً عربياً صادقاً
وطواه اللحد حرّاً عربي»
ولهذا كان يغتم ويهتم لأحوال الأمة التي ينتمي إليها، ولم يقف موقف الخزي كبعض الأدباء الكبار الذين ذكرَ بعض مواقفهم المشينة محمد علي الطاهر في كتابه «ظلام السجن». وإليك شيء من قوله في قصيدته «فلسطين» التي صوّر فيها طغيان الاستعمار وعارضها كثير من الشُّعراء، أشهرهم عمر أبو ريشة:
يا فلسطينُ اصبري لا تجزعي
لكِ أجر الصابر المرتقبِ
حزتِ دون الأرض مجدًا خالدًا
وإليك الله أسرى بالنبي
إلى أن يقول:
يا صلاح الدِّين قم وانظر إلى
شعبك المُضنى طريد الكربِ
قم من القبرِ فقد عوّدتنا
يا صلاح الدِّين طرد الأجنبي
وكان متسامحاً لا يعرِف التعصُّب إلى قلبهِ سبيلا، ولم يكن تسامحه قولاً فقط بل فعلاً وعملا، والدليل الاسم الذي أطلقه على ابنه والكُنية التي يُباهي بها. يقول عزّة بشور في مقاله: ”حاربتَ التعصُّب الديني قولاً وعملا، فأسميت ابنك محمداً، فقامت قيامة الناس عليك، فريق يستهجن ويكفّر، وفريق يوالي وينتصر، وكان أول من قدّر لك هذا العمل فيلسوف الفريكة المرحوم الريحاني، فكتب إليك مستحسناً عملك: «أحسنت يا مارون أحسنت، وخير الآباء أنت»“. وله قصيدة عصماء في النبي محمد ﷺ ذكر فيها أحداث كثيرة من السيرة النبوية، وقد بلغ عدد أبياتها ١٠٩، نشرتها الصحف وتناقلتها المجلات في وقتها ١٩٣٤م.
مذهب شيخ النقّاد كان العمل الدائم، وعدم التراخي والرِّضا بالقليل، قال مرة موضِّحاً شعاره في حياته ومذهبه: ”مذهب غيري القناعة غِنى، أما أنا فشعاري الطمع في هذه الحياة، وأرى القناعة من طباع البهائم. مذهبي في هذه الحياة أن أعمل دائمًا، وهمّتي أن أسبق من قبلي، وأن أعجز من بعدي“.
ومن أقواله في آخر حياته: ”إن كان لابد من عمرٍ طويل؛ فأرضى أن أعيش ما ظللت قادرا على العمل، فالعمر الذي لا يملأه العمل هو عمر أجوف كالقصبة. ولا أشغل نفسي بإصلاح ما بعد عني إلا بعد أن أصلح ما قرُب مني، وأبدأ بنفسي..“.
أتحفَ المكتبة العربية باثنين وخمسين مؤلفًا، منها في النقدِ: على المحك، مجددون ومجترّون، جدد وقدماء. ومنها دراسات أدبية: الرؤوس، زوبعة الدهور، صقر لبنان، أمين الريحاني. ومنها في القصة: فارس آغا، العجول المسمنة، وجوه وحكايات. ومنها في النقد السياسي: كتاب الشعب، سبل ومناهج، حبر على ورق. ومنها في الشعر: زوابع.
اختصرَ مارون عبود منهجه النقدي واتجاهه الأدبي في قوله الآتي: ”إني أفرح كثيراً بما أقرأ من محاولات شبابنا في التجديد، وسأجعل همي الإخلاص لهم وللفن، فأعرض عليهم ما أفهم وأدرك، ولا غرض لي إلا تحسين نسل الأدب، وأسعد أيامي يومٌ أزيل فيه من أدمغتهم عقيدة الأسلوب والقالب لينظروا إلى التعبير ككائن حي ينفخ فيه الأديب الفنان من روحه، ففي قوالب العرب ما بطل، وفيها الصالح لهذا الزمان، فلنميز بين الاثنين، أي لا أحترم ولا أقدّس إلا الأدب الصحيح، وسيان عندي قديمه وجديده، وسواء أجاء من غلامٍ مغرور، أم صدر عن شيخٍ وقور“. هذه ملامح مسيرته ومنهجه.
في أول حياته حاول تقليد غيره فلم يُفلح مع بذله الجُهد، وقد حدَّث عن تجربتهِ هذه لينصح الناشئة بأن يكتشفوا أنفسهم وخطّهم الأدبي، ولا يُهدروا طاقتهم ويُهلكوا أنفسهم في سبيلِ تقليدِ غيرهم من الأدباء. يقول: ”حاولت أن أقلِّد أديب إسحاق ونجيب حداد، ثم جبران، فما وُفِّقت أبدا. ولا يعني هذا أني استوليت على الأمر اليوم، ولكني أعني أني وجدتُ نفسي، فإن كانت بشعة فهي لي وحدي، وإن كانت جميلة فالجمال مشاع. أنت ناشئ فاقرأ كل الكُتَّاب والشعراء، ثم انطلق على سجيتك، فإن كان لك شخصية تظهر لك، أما إذا ظللت تحاول أن تكون مثل فلان الذي قلت أنه يعجبك، فأنت لا تنجح في حياتك“.
ولم يبخل يومًا بإسداء النُّصح للمتأدِّب الناشئ، وكان يوصي دائمًا بكثرة الاطِّلاع فإنه المعين لطالبِ الأدب. لذلك لما سأله قدري قلعجي عام ١٩٥٩م عن النصيحةِ التي يقدّمها إلى أديبٍ ناشئ، قال: ”هي أن ينشأ أولاً، ويقرأ كثيراً. إن المضحك المبكي اليوم هو أنه لا يشب طالب عن الطوق، أي أن يحمل شهادة عالية -دكتوراه في الآداب مثلاً!- حتى يتطاول إلى نقدِ المتنبي والجاحظ، فيخربش ما استطاع. إنه في حاجة إلى الإنشاء الرفيع أولاً، ثم فليتوجه، بالسلامة، إلى أي إقليم شاء من أقاليم الأدب، كالقصة وغيرها. أما رأس المال ففي المطالعة“. فاحذر يا طالب الأدب من الخربشة التي لن تنفعك بل ستضر بها نفسك ومسيرتك الأدبية، وإنك نادم لا محالة في قابل أيامك على خربشةٍ كتبتها في مقتبل عمرك الأدبي.
بعد هذه الإلماعات اليسيرة عن حياة شيخ النُّقاد وفكره وشخصيته؛ أود أن آخذك معي أيها القارئ الكريم في جولةٍ سريعة -أرجو أن تكون ماتعة- في بعض كتبه لنقف فيها على بعض المُلَح والطرائف في نقدهِ لبعض أعلام عصره، وقد سوّدتُ في هذا الباب صفحات وصفحات، وسآتي لك ببعضها خشية الإملال ورغبة في دفعكِ وتشجيعك إلى جردِ مؤلفاته -وهي تستحق- للوقوفِ على أضعاف أضعافها.
وحبذا البدء بسطورٍ كتبها في مقدمةِ كتابه «على المحك» -وهي بليغة-، يقول: ”الويل للناقدِ في أمّةٍ لم يألف أدباؤها إلا قرابين المدح ونذور الثناء، يطرحها المؤمنون على أقدامِ الآلهة ثم حَسبهم الرِّضا والشفاعة!“.
وفي ذاتِ الكتاب: ”الأدب لا يصلح إلا بنقدٍ لا هوادة فيه، فعلى المريض أن يقبل العلاج المُرّ، وأن يصبر على مبضعٍ يشرط جلده ليستأصل الدملة قبل أن تستشري، وتمسي آكلة تسرح وترعى“.
وفي «الرؤوس» قال ناقدًا طه حسين بعد شرحه لبيتٍ للمتنبي (وتأمل هذه الكلمات اليسيرة الساخرة ذات الدلالة العميقة): ”يبادرنا بشرحٍ لا يغذّي ولكنه يملأ الكرش!“.
وقال زبدة رأيهِ في كتاب «مع المتنبي» لطه حسين بعد نقدٍ دقيقٍ لاذع: ”وأحق تقريظٍ لكتاب (مع المتنبي) هو ما قاله الدكتور فيه عن شعرِ المتنبي: كلام كثير لا يخلو من روعة وقوة وجمال ولكنه كلام لا أكثر ولا أقل“.
ولما سمع مرة بيت حليم دمّوس (شاعر لبناني توفي ١٩٥٧م) :
فتاةٌ على جمرِ الغضا تتقلّبُ
أليسَ لها يا قومُ أمٌّ ولا أبُ!
قال: ”أعوذ بالله من شرِّ شيطانك يا حليم، إن فتاتك هذه مثل سفّود النابغة الذي نسوه عند الشواء، قد صارت هذه الفتاة شاورمة!“.
وعن العقاد -وما أشد وأمرّ نقده للعقاد- يقول: ”حقًّا إن الشُّعراء في كل وادٍ يهيمون، ولكن العقاد يهيم وهو غير شاعر!“.
وبعد سطور قليلة: ”إنني لأرحم العقاد رحمتي لقبيحةٍ تحشر نفسها بين الحِسان وهي مؤمنة بجمالها! فما أكثر المغرورين في الدنيا، وأولهم العقاد الشاعر الذي يردد بينه وبين نفسه ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾!“.
وأمعن بصيرتك بقوله ”العقاد الشاعر“، فهو لا يسقط قدر العقاد الأديب أو المفكِّر، وإنما يؤكد -وذلك في غير موضع من كتبه- أن نقده كلّه للعقاد الشاعر، لذلك تجده يكتب منصفاً العقاد في كتابه «في المختبر»: ”وإذا كان في مِصر من هو ذو أسلوب عربي خاص بصاحبه فذاك هو العقاد في نثرهِ -دع شعره البارد- فهو عربيّ التفكير والتعبير بضد طه حسين الذي لا يستطيع التعمّق وهو معذور. تقرأ مقالاً للعقاد فتعلم أنك أمام رجل مفكِّر، وتقرأ مقالاً لطه فتعلَم أنك أمام رجل يحب الحكي“.
وفي «نقدات عابر» قال بعدما أسمعه نور الدِّين بيهم أبياتاً من نظمهِ: ”هذا ليس بشعر، هذا شوربا بشعيرية“.
ومن طريفِ ما تقرأ، جوابه على أديبٍ (في كتابه «جدد وقدماء») أرسل له كتاب يقول فيه: لماذا لا تكتب عن أديب إسحاق، عن نجيب الحداد، عن ناصيف اليازجي وابنه إبراهيم، عن بطرس البستاني وابنه سليم، عن الأحدب والأسير، عن البارودي وشوقي وصبري وحافظ وولي الدين يكن..إلخ؟
كان ردّه: ”الجواب يا سيدي: هذا لا يعنيك! وكتابك يذكرني بلوائح المطاعم، فإذا كنتَ جائعاً حتى ترى الحجارة خبزًا كما سيحدث يوم يجيء المسيح الدجال.. أتستطيع أن تزور جميع القدور المذكورة في اللائحة، أم تختار ما تشتهي نفسك أكثر، وتؤجِّل ما تُحب إلى علفة ثانية؟ فبحياتك تدعني ومعلفي، أنا أُحب الهريسة فلا تُكرهني على الملوخية. الأدب كالطعام يا سيدي، فكُل أنتَ ما تشتهي، ودعني وشأني. أما لك معدة وأضراس مثلي؟!“.
وقال في إنصافِ طه حسين ونقده «في المختبر» : ”إن لطه حسين يداً في هذا التطور الأدبي، وإن اقتبس كثيراً واحتذى أكثر، فلا ضير عليه ما دام قد أبدع شيئا مذكورا. لا يضرّه شيئا مشيه على ضوء «تين» ولا يشينه تعكّزه على «سانت بيف» ففي كل آداب الشعوب عناصر شتى تفاعلت فكوّنتها. لقد وجّه طه طريق الأدب العربي الحديث، وعلّم من لم يعلموا أدب الغرب كيف يفكرون. إلا أنَّ طه وإخوانه من أدباء الساعة في مصر أصبحوا كالدجاجة العجوز تبيض قليلاً، وتقوق كثيراً، فتشين عطاءها بالمَنِّ والسأم.. ويبرم الناس وقوقها“.
وفي كتابه «مُجدِّدون ومجترّون» رأي قاسٍ -وصائب لمن تأمل- في الكتب التي يقتبس منها الناشئة الألفاظ والتراكيب أمثال «الألفاظ الكتابية» للهمداني، و«صبح الأعشى» للقلقشندي، و«نجعة الرائد» لليازجي، و«نجدة اليراع» للشرتوني، ويرى أنها ”مراعٍ لسوائم التقليد، وزرائب لشويهات النقل، ومستودعات لغاديات اللغة، لا مثل لها إلا تلك المخازن التي تكترى منها الثياب للسهرات والطقوس المحدد لها طراز خاص من أزياءٍ تواضع عليها الناس. فما قتل أدبنا وأفقده الحس والشعور غير هذه الرواسم (الكليشيهات) التي نجترّها ونحشرها بين كلماتٍ مرصوفةٍ ونشكّها شك الخرز في فساطين النوريات، ثم نتباهى بها كالقرعاء“.
ولمّا رأى أن كثيراً من الأدباء والنُّقاد قد ضاقوا به ذرعاً، ويقولون عنه أنه لا يُعجبه شيء، ومهما قرأ من إبداعٍ لن يملأ عينه ويرضي ذائقته، قال يرد على هذه الدعوى: ”يقولون لا يعجبه العجب. يا ويلي! كيف لا يعجبني شيء وأنا أطير به فرحاً وأصفق له فرحاً متى وجدته؟! أمَّا أن أكذب على نفسي وعلى الناس، أمَّا أن أقول للخَصي ما أفحلك! وللقزمِ ما أطولك! وللمكرفح: يا غصن البان يا عمري! فلساني لا يُطاوعني، وضحى لِمّتي يضيء لي سبيل الإخلاص للذرية. أظنني في غِنى عن يمين الإخلاص، ولكني أحلفها لقليلي الإيمان: أنا مارون عبود أقسمتُ وأقسم بحياة مارون عبود أعز الناس عندي ألا أكتب في بابِ النقد إلا ما أعتقده حقّاً، وإن أخطأت فأنا غير مسؤول“.
هنا سأقف! وأرجو أن تكون هذه المادة عن هذا العَلَم الكبير؛ خير معرِّفٍ به وبشخصيته وبأسلوبه ومكانته في أدبنا العربي. بقي أن أقول ثلاثة أمور: أولها: سأموت وفي نفسي شيء مِن تفضيل وتقديم النقّادة العنيف الأخطل على جريرٍ والفرزدق! وثانيها: أوصي بقراءة مقالة طويلة جداً بقلمِ أحمد عزيز عن منهج مارون عبود النقدي، وهي منشورة في مجلة الثقافة لمدحت عكاش/ العدد ٢ / فبراير ١٩٨٢م. ومقالة أخرى طويلة أيضاً عن الثورية ومصادرها عند مارون عبود لعلي سعد، منشورة في مجلةِ الآداب / العدد ٧ / يوليو ١٩٦٢م. وثالث أمرٍ سأختم به هي كتب للمهتم: ١. الفكاهة والسخرية في أدبِ مارون عبود لسيمون بطيش، ٢. مارون عبود بأقلامِ عارفيه لناديا دياب، ٣. وجوه في أدب مارون عبود ليوسف فرج عاد، ٤. روائع مارون عبود: أقوال- أشعار- قصص- مقالات لفادي وديع عبود.