أشهر كاتبٍ في القرن السالِف!

حديثنا اليوم -في هذه المقالة الطويلة- سيكون بإذن الله عن رجلٍ طبعت مؤلفاته عام ١٩٣١م في ستة وثلاثين مجلدًا ضخما، وتُرجم أدبه إلى كل لغةٍ حيّة. عاشَ قرنًا من الزمانِ إلا قليلا. هو أشهر كاتِب في القرن العشرين بلا منازع؛ إنه الإيرلندي الساخر جورج برنارد شو George Bernard Shaw تـ١٩٥٠م.

«المولد والنشأة»

وُلِد جورج برنارد شو في دبلن ٢٦ يوليو ١٨٥٦م لعائلةٍ فقيرة، وهو الطفل الثالث لتاجر قمح بالجملة يدعى: جورج كار شو، كان سكيرًا يحب الخمر، وكانت زوجته إلزابيث معتدلة تحب الموسيقى. عندما أُرسل شو إلى مدرسةِ ويسلن أبدى كرها شديدًا للرياضيات واللاتينية. لم يظهر أي نبوغ ولا تفوق، بل كان -كما قال أرشيبلد هندرسون- مصدرًا للقلق والمتاعب عند المدرسين وشغلاً لزملائه عن الدرس، إذ كانوا يفضِّلون الاستماع إلى ما يرويه لهم من القصص.

عاشَ شو متأثرًا بأمه كثيرًا، فهي التي اهتمّت به -كعادة كُل أم عظيمة- وكانت تعوله وتنفق عليه حتى وهو في سِن كبيرة. في السادسة عشرة من عمره عمل في مكتبِ وكيل للعقارات براتب ثمانية عشر شلناً في الشهر، ثم لحق بأمه إلى لندن عام ١٨٧٦م وهو في العشرين. قضى السنوات التسع الأولى في لندن يكتب مقالات في الصحف لكن دون أن يُكتب له النجاح أو المال، لم يكسب من كل ما كتبه سوى ستة جنيهات! كان يعتمد في معيشته كل هذه المدة على جنيه واحد يتلقاه من والده كل أسبوع، وعلى ما تكسبه أمه التي كانت تُعطـي دروساً في الموسيقى.

في هذه السنوات التسع كتب خمس روايات منها: (مهنة كاشل بايرون Cashel Byron’s Profession ) و (اشتراكي شرود An Unsocial Socialist). عرض رواياته على كثير من دور النشر فلم يقبل أحد منهم، حتى أنه عرض أول كتاب له على ستين ناشرًا فرفضوه جميعًا ! ثم تهافتوا بعد ذلك على النشرِ له، فتأمل!

في عام ١٨٨١م أُصيب بالجدري وتشوهت ملامح وجهه نتيجة لتلك الإصابة، فأطلق لحيته منذ ذلك الوقت، وصارت -أي اللحية- جزءاً لا يتجزأ من معالم حياته ومصدرًا غزيرًا للتعليقات اللاذعة منه ومن معاصريه. ثم أصيب بالصلع، وقد سألته يومًا صحافية حسناء: كيف ترى العالم يا مستر شو؟ فأجاب وهو يشير إلى رأسه ولحيته: ”العالم بين رأسي ولحيتي، غزارة في الإنتاج وحماقة في التوزيع!“.

وفي عام ١٨٨٤ انضم إلى جمعية الفابيين، التي كانت غايتها تقريب معنى الاشتراكية للجمهور، فأضحى أبرز أعلامها، وانغمس في المشاكل السياسية والاجتماعية منذ ذلك الوقت. وبسبب انضمامه إلى هذه الجمعية أصبح خطيباً مفوّها لا يعرف التردد أو الارتباك. في هذه المدة صار نباتياً لا يأكل اللحوم، وقد قال على طريقته الساخرة يومًا ما: ”إن امتناعي عن أكل اللحوم يجعلني أتوقع أن يمشي في جنازتي قطعان من الثيران والخراف والخنازير، وأسراب من الطيور الداجنة والسمك وغيرها“.

وفي عام ١٨٨٥م اشتغلَ في إحدى صحف لندن ناقدًا للكتب الجديدة، وفي العام التالي اشتغل ناقدًا فنياً في صحيفة أخرى، وعمل بعد ذلك ناقدًا موسيقياً في صحيفة ثالثة.. وفي تلك الفترة اطّلع على مؤلفات الكاتب المسرحي هنريك إبسن، وأعجب به أيما إعجاب، حتى أنه ألّف عنه عام ١٨٩١م كتاباً بعنوان «روح الإبسينية».

عام ١٨٨٥م حاول أن يكتب مسرحية، وفعلاً كتب الفصل الأول منها وعرضه على صديقه وليم آرثر الذي أخبره بأنه لا يصلح أن يكون مؤلفاً مسرحياً، فأخذ الفصل وعرضه أيضًا على المؤلف هنري جونز الذي أخبره أنه لا يصلح لهذا الفن، فرمى بالمسودة. ولكنه لم ييأس فعادَ إليها عام ١٨٩٢م. مُثّلت مسرحيته ولم تلق نجاحا كبيرًا، وفي العام التالي ١٨٩٣م ألّف مسرحيته الثانية «المغازل The Philanderer» التي وصفها الناقد آرثر بأنها ”إهانة للفن والأخلاق!“. ثم ألّف «مهنة السيّدة وارن» وفيها ما فيها مما دعا بعضهم لوصفه بأنه ”مؤلف لا يتورع عن إتيان المثالب“. لم يتوقف شو عن شغفهِ في التأليفِ المسرحي مع ما واجهه من صعوبات وحِدة في النقد، فألّف «السلاح والإنسان»، و«كانديدا»، و«رجل الأقدار»، و«لن تعرف أبدًا»، و«تابع الشيطان» التي لاقت نجاحا كبيرًا في نيويورك عام ١٨٩٧م، وحقق من ورائها أموالاً طائلة. وبعد كل هذا وفي عام ١٨٩٩م ألّف مسرحيته الخالدة «قيصر وكليوباترا»، وقد ظهرت أولاً على المسارح الأمريكية في شيكاغو عام ١٩٠٢م ثم في عام ١٩٠٧ بلندن. وهذه المسرحية تُعد أعظم أو من أعظمِ ما كتب.

بعد ذلك وفي عام ١٩٠٤م كتبَ «جزيرة جون بول الأخرى»، وقد ذهب رئيس الوزراء (الخبيث) آرثر بلفور أربع مرات لمشاهدتها. ومُثّلت هذه المسرحية خصّيصًا أمام الملك إدوارد السابع، وقيل أن الملك ضحك أثناء مشاهدتها حتى تحطّم الكرسي الذي كان يجلس عليه! (وأنا لا أدري، هل تحطّم الكرسي بسببِ فرط الضحك أم فرط السمنة). المهم، في عام ١٩١٤م كتبَ «البيت الكسير القلب» وهي مسرحية فريدة، وكان شو يعتز بها جدًا. وعام ١٩٢٣م كتب رائعته التي حققت أعظم نجاح له وهي «چان دارك».

وبعدَ هذه المسيرة منح جائزة نوبل وكان ذلك عام ١٩٢٥م، ولكنه رفض الجائزة المالية، وكتبَ لأمين سر المؤسسة في السويد يقول: ”إن منحي قيمة الجائزة المالية يعني بالنسبة لي ما يعنيه إعطاء طوق نجاة من الغرق لرجل بلغ الشاطئ في أمان!“. وهو يريد أنه في غِنًى عن المال بعد كل هذه الأرباح التي حققها. وقد تبرع بالجائزة لفقراء روسيا.

«برناردشو وشكسبير»

كان شو -كما هو معلوم عند الجميع تقريباً- يبغض شكسبير بغضاً كبيرًا -لعلّ مصدره الحسد-، حتى أنه كتبَ في إحدى المناسبات: ”ليسَ بين الكتاب البارزين مَن أحتقره الاحتقار الذي أكنّه لشكسبير حين أقيس عقلي بعقله، ولو قيّض لي أن أستخرجه من قبره لرجمته بالحجارة!“.

لم يكن شو يرى في شكسبير إلا ”التشاؤم الداعر، والشهوة العارمة“. واستمرّ في مهاجمته في كل مناسبة، لأنه يرى أنه صنم يجب تحطيمه، ويقول بأن ”أدبه سوداوي متشائم، يرى الحياة باطلاً من الأباطيل“. ويقول أيضًا إن ”مسرحياته كانت مكروهة وقاتلة ومشوهة، حتى بعث فيها هارلي جرانفيل باركر الحياة وأخرجها إلى الدنيا على المسرح“. ويمضي في هجومه قائلاً: ”شكسبير هو المسؤول الوحيد عن انهيار الدراما ثلاثمائة سنة بعد موته حتى جاء وقتي!“. ثم بعد نقدهِ اللاذع يقول: ”إن يكن شكسبير أطول مني، فإني أقف على كتفه!“.

وعندما سألته إحدى المدارس ذات مرة أن يأذن لها في اختيار بعض مناظر من مسرحيته «چان دارك» لإدماجها في كتابٍ مدرسي، رد بغضب شديد قائلاً: ”كلا، لن أقبل، وأنا أصب لعنتي الأبدية على كل من يجعل من أعمالي كتباً مدرسية سواء في الحاضر أو في المستقبل، فيجعل التلاميذ يكرهونني كما يكرهون شكسبير. إن مسرحياتي لم يقصد بها أن تكون أدوات للتعذيب، وكل مدرسة تسعى في طلبها ستظفر بهذا الجواب، ولن تظفر بغيره من برناردشو“.

«ونستون تشرشل وبرناردشو»

قرأتُ في مجلةِ الهلال مقالة قديمة مترجمة بقلمِ ونستون تشرشل، وهي مأخوذة من كتاب تشرشل المشهور «العظماء المعاصرون»؛ وجدت فيها ما يستحق العرَض هنا، وهأنذا مطلعك على بعضِ أخبارها.

من الواضح أن تشرشل يحمل كرها شديدًا لشو، فهو يفتتح المقالة بقولة: ”كان برناردشو موضع كراهيتي في شبابي“ ولكنك ما إن تستمر في قراءة المقال حتى تقول لو حذفَ تشرشل لفظة ”كان“ وزاد ”في شبابي ومشيبي“ لكان أليق!

كان أول لقاء بينهما عام ١٩٠٢م تقريبًا عندما هيأت والدة تشرشل له اللقاء بشو، يقول: ”وعرفت برنارد شو بعد ذلك بأربعةِ أعوام أو خمسة. فإن والدتي التي كانت تميل للأوساط الأدبية، هيأت لي الفرصة لتناول الغداء معه. وحقّاً إنه سحرني في الحال بحديثه المرح البراق. وكان مما أثر في نفسي أنه لا يأكل غير الخضار والفاكهة، ولا يشرب غير الماء، ولما سألته مازحاً: ولماذا لا تشرب الخمر؟ أجابني قائلاً: يكفي ما أُلاقيه من عناءٍ للسيطرة على نفسي!“.

يرى تشرشل أن همّ شو الوحيد هو أن يلفت الأنظار إليه ولو عن طريقِ إثارة الفضائح! ثم يقول عنه: ”قليلون هم الذين يطبقون المبادئ التي ينادون بها في حياتهم الخاصة، وبرناردشو أقل من غيره تطبيقاً لمبادئه!“.

ويسمّيه تشرشل في مقالهِ بـ”المهرج“ و ”البهلوان“ و”ذي الوجهين“ المتقلب كالحرباء. فيقول: ”وهو يشبه أولئك المهرجين الذي كان يُضحكون الملوك في القرون الوسطى، فلا ينقذون أنفسهم من نقمةِ الأشراف في القصر، إلا لأنهم يسخرون من الجميع في آنٍ واحد. فبرناردشو كالبقرة التي تدرّ كمية كبيرة من اللبن، ثم تضرب بقوائمها الوعاء الذي درّت اللبن فيه، فتقذفه في وجه صاحبها، فتجعل من غبطته أسًى وأسفا“.

ويختم مقاله بقوله: ”وإذا كان لا يستحق الاحترام، فإنه على كل حال قد استحقَّ الإعجاب الذي لم يبخل به عليه الجيل، الذي يعده في سلسلة الشخصيات العالمية، وأكبر كاتب باللغة الإنجليزية بين أحياء العالم“.

وهذا الذي قرأته من حدةٍ ظاهرة في اللفظ، وحَنَق مهيمن على المعنى؛ سببه أن تشرشل لا يُحب أن تُنتقد الإمبراطورية ذات الأطماع الاستعمارية، وهذا الذي كان يفعله شو بين الفينةِ والأخرى، كيف لا، وهي الإمبراطورية التي نشأ وتغذّى عقله العبقري (والخبيث) في كنفِها.

«برنارد شو والإسلام»

كان شو معجباً بشخصية النبي محمد ﷺ وبتعاليمِ الإسلام، وقد قال في بعضِ كتاباته: ”أما أنا فأرى واجباً أن يُدعى محمد منقذ الإنسـانية، وأعتقد أن رجلاً مثله لو تولى زعامة العالم الحديث لنجح في حلِّ مشكلاته وأحل فيه السلام والسعادة، وما أشد حاجة العالم إليهما“.

ذكر شو الرسول ﷺ في ثلاث مسرحيات له وهي: «عودة إلى متوشالح» و « چان دارك » و «الزنجية تبحث عن الله». وفي مقدمته لمسرحية «معضلة الطبيب» امتدح الإسلام في معرض حديثه عن النظافة فقال: ”ويمكن القول أن النبي محمدًا كان من سعةِ الأُفق وإشراق النظرة بحيث جعل ضرورة النظافة –الوضوء، وكان وحياً من الخالق سبحانه– ركنًا من أركان الدين الإسلامي“.

ونجده يقول في مقدمة مسرحية «أندرو كلس والأسد» : ”إن الصليبيين دُهشوا عندما وجدوا أن حضارة المسلمين أرقى من حضارة الأوربيين، عند ذاك“. وفي مسرحيته «الاستعداد للزواج» نقرأ الفقرة التالية: ” هوتشكس (مخاطبًا الراهب سومس) : أنا لا أومن إلا بإرادتي وكبريائي وشرفي. إن تعاليمك الدينية توافقك كل الموافقة ولكنها لا تلائمني. أنا كنابليون أُفضِّل الإسلام، وأعتقد أن الإمبراطورية البريطانية كلها ستعتنق الإسلام قبل نهاية القرن. أنا مُعجب بمحمد [ﷺ]، وأوافق على آرائه في الحياة إلى حدٍّ بعيد“.

وفي «الزنجية تبحث عن الله» انتقد شو ما أُدخل في بعض الديانات من تقاليدِ وأوهام لا علاقة لها بالدِّين وتناقض ما جاء به الرُّسل، ثم قال: “إن النبي محمدًا [ﷺ] خطا خطوة كبيرة إلى الأمام عندما أحل ديانة التوحيد محل عبادة الأصنام، ودعا إلى إعادةِ النظر فيما أحاط بتعاليم الأديان السابقة من شوائب وإلى التعرف على الجوهر الحقيقي لكل منها“.

«عن الاستعمار»

في عام ١٩٤٨م كتب شو مجموعة من الفصولِ الحوارية أسماها «تلفيقات من بعيد»، وتعرض في الفصل الأول لقضية فلسطين، موضحًا بعبارةٍ موجزة أنه كان على معرفةٍ تامة بحقيقة مأساة العرب، كتب: الفتاة: ”سترى أن الحكومات تدفع الملايين ثمناً لأية أداة جديدة من أدواتِ الشر والتدمير، ولا تدفع بنسين اثنين لآلة غسيل! وعندما توصل الكيميائي اليهودي حاييم وايزمن لمعرفة طريقة رخيصة التكاليف لصنع المتفجرات، قدمنا له فلسطين هدية منا بالرغم من أننا لم نكن أصحابها!“.

ومن أمثلةِ دفاع شو عن الشعوبِ المغلوبة، ما جاء في مسرحية «الإنسان والسوبرمان»، وإليك ما كتبه: ”ها هي الأُمم التي تدّعي زورًا أنها تدين بالمسيحية، أتراها آمنت يومًا بتعاليم المسيح الداعية إلى نبذ العقاب وعدم الأخذ بالثأر؟ وها هي حوادث الغزو الأبيض لأفريقيا تبرهن بجلاء أن الأوروبي المعاصر ما يزال ذلك الحيوان المفترس، الذي زحف في القرون السالفة تحت قيادة الإسكندر وبيزارو. أما فظائع الأمريكي الديمقراطي في الفلبين، فليست إلا صورة طبق الأصل لفظائع الإنجليزي الأرستقراطي في جنوبِ أفريقيا“.

ومن المواقف التي لن ينساها له الشرق، موقفه من حادثة «دنشواي» الشهيرة التي نصب فيها الإنجليز المشانق وقتلوا الأبرياء. ندّد شو بحادثة دنشواي وبأسلوبه التهكمي المعروف في مسرحية «جزيرة چون بول»، جاء فيها: ”لو حدث ما فعله الإنجليز بدنشواي في قرية إنجليزية على أيدي رجال آخرين، لفعل الفلاحون الإنجليز تمامًا كما فعل المصريون، إن لم يكن أكثر. مع مراعاة البرودة التي يتصف بها الإنجليز“. وكان لدفاعه هذا صدًى كبير، فقد أيقظ ونبّه الرأي العام الإنجليزي إلى مساوئ الاستعمار البريطاني.

كان برنارد شو حاضر البديهة، لاذعًا في نقده، وله طرائف عديدة نورد هنا بعضها. من أشهرها أن تشرشل (وكان بدينًا كما هو معلوم) الوزير المشهور قال له يومًا (وكان شو نحيلاً) : من يراك يا شو يظن بأن بلادنا تعاني من أزمةٍ اقتصادية، فرد على الفور: ”ومن يراك أنت يا صاحبي يعرف سبب الأزمة!“.

«طرائفه ونوادره»

قدّمته سيّدة قبل محاضرته في تشرين الثاني عام ١٩٢٨م وبالغت في مدحهِ، فقام على الأثر وقال: ”شكرًا للسيدة الفاضلة التي لم تكن مخطئة في إشادتها بفضائلي“.. وأخذ يثني على نفسه ورواياته، فهتف له الناس طويلاً، فقال: ”إن من يهتف لنفسه غني عمن يهتف له، أنا لا أعرف التواضع!“.

زار في أحد الأيام مقبرة من المقابر فوجدَ على أحد الأضرحة هذه العبارة: ”هنا يرقد السياسي الشريف فلان“ فقال: ”هل توجد أزمة قبور حتى يدفنوا السياسي والشريف في قبرٍ واحد؟!“. وهذه نادِرة لها أبعادها : )

ومرة كان يُقلّب بعض المجلدات في مكتبة عامة، فعثر على كتاب من تأليفه، فلما فتحه قرأ الإهداء بخط يده لصديق له، فعرف أن صديقه باع الكتاب، فما كان منه إلا أن اشترى الكتاب ثم أرسله مرة أخرى إلى صديقه، بعد أن كتب عليه إهداءً جديدًا قال فيه: ”مع تحيات مجددة من «جورج برنارد شو!»“.

قابلته يومًا ما سيدة جميلة فاقترحت عليه أن يتزوجها، لعلّهما أن ينجبا طفلاً يرِثُ جمالها وعقل شو، فقال لها: ”وماذا نصنع إذا ورث جمالي ورجاحة عقلك؟! هنا تكون المصيبة الكبرى“.

وعندما كتبَ يجاهر بسخطهِ على الإنجليز، سأله صديق له أمريكي: لماذا تقيم في إنجلترا وأنت تكره الإنجليز؟ فأجاب: ”لأتسلّى بصفعهم في عقر دارهم“.

عندما أرادوا تكريمه بأن يُنعموا عليه بلقب «سير»، رفض رفضًا قاطعًا، واعتذر عن قبول وسام الاستحقاق، وهو أرفع وسام بريطاني، وقال معلِّقًا على ذلك: ”إنني أعتقد أن اسم برنارد شو ليس في حاجةٍ إلى لقب أو وسام“.

كانَ سعيدًا بأنه لم يتعلم في المدرسة، ومما قاله في ذلك: ”إنني لم أتعلم شيئاً في المدرسة! وبذلك استطعت الاحتفاظ بدماغي، فلم يؤثر على مخي درس ولا حفظ. ولولا ذلك لأصبحتُ أبله كالناس المتعلمين!“.

وفي «ميراث الصمت والملكوت» للهدلق ص١٧٩: قالَ برناردشو في خاتمةِ كتابه دليل المرأة الذكية عن الاقتصادـي اليهودي ريكاردو: ”كان يتميّز بسمةٍ عجيبة: أن يقول عكس ما يقصده، في الوقتِ الذي يحاول فيه على نحوٍ ما؛ أن يَجعل قصده واضحًا“.

«الختام»

عندما زلّت به قدمه في آخر حياته وكُسرت ساقه، نُقل إلى المستشفى، فكان أول شيء يطلبه بعد أن أفاق من إغمائه: ”أريد كتبي ومكتبتي“. وفعلاً كان له ما أراد، فقد نُقلت كتبه إلى المستشفى ليواصل القراءة والكتابة وهو تحت العلاج.

كانَ برنارد شو يقول قبل وفاته: ”لا أريد أن أموت إلا إذا استنفذتُ قوتي جميعا. فبقدر ما أبذل من جهد بقدر ما أنال من حياة“.

سبقته زوجته شارلوت فتوفيت عام ١٩٤٤م، وكانت خير معين له في حياته، وخاصة في هذه السن المتأخرة، ويقول الذين زاروه في آخر أيامه أنه كان يهذي باسمها، وقبل موته قال لصديقته « الكونتس آستور»: ”أريد أن تعملي لي مراسيم الجنازة كما عملتِ لزوجتي تماما، أريد أن يمزج رمادي برماد جثتها، أما بعد ذلك فافعلي ما تشائين..“.

وبعد أن عاش ٩٤ سنة من عمره، حانت اللحظة الأخيرة، وتوفي في الثاني من نوفمبر عام ١٩٥٠م.

نختم الحديث عنه بإحدى مقولاته الشهيرة: ”المجرمون لا يموتون بيد القانون، إنهم يموتون بأيدي أُناس آخرين“.

وفي النهاية أرجو أن تليق هذه المادة بكم، وأن تكون ساهَمَتْ ولو بشيءٍ يسير في زيادة معرفتكم عن هذه الشخصية. جمعتُ هذه الترجمة من مقالاتٍ متفرقة قرأتها في مجلات قديمة، جمعتُ متفرِّقها، وضبطت ما اختلّ منها، ويشهد الله بأنني اجتهدتُ أن أجعلها مرتبة تُقرأ بتسلسلٍ واضح، فأرجو أن أكون قد وُفقت لهذا. أعتذر على الإطالة، والسلام.

«مصادر الترجمة»

لم أستطع بكل تأكيد التطرق لكل جوانب حياة برنارد شو وأفكاره، لأنَّ المقام مقام إلماع لا إلمام تام، ومن أرادَ الاستزادة فليرجع للمصادر التي سأذكرها، فإن فيها الكفاية بإذن الله، والمادة التي قرأتَها مأخوذة منها، ولكن بتصرّف كامل.

• كتاب: برناردشو لعباس العقاد

• كتاب: برناردشو لسلامة موسى

[مجلة الآداب / العدد ٢ / فبراير ١٩٥٥م]

[مجلة البعثة / العدد ٩_١٠ / نوفمبر ١٩٥٠م]

[الهلال/ العدد٢/ فبراير ١٩٤٩].

[مجلة الرِّسالة/ العدد ٥٢٦/ أغسطس ١٩٤٣م].

[مجلة الكاتب المصري، العدد ٨، مايو ١٩٤٦م]

[مجلة العربي / العدد ٢٧ / فبراير ١٩٦١م]

[مجلة الهلال / العدد ٩ / سبتمبر ١٩٤٧]

[مجلة الرِّسالة الجديدة/ العدد ٨ / ديسمبر ١٩٥٤م].

لا يوجد أديب يستحق الذِّكر!

في عامِ ١٩٥٤م صرَّح سلامة موسى قائلاً: ”إنه لا يوجد بين أدباء مصر، أديب واحد يستحق أن يحمل التاريخ آثاره إلى الأجيال القادمة، ولم أجد من أدبائنا من يستحق أن يقرأ له أولادنا وأحفادنا بعد عشرة أعوام!“ فماذا كان رد العقاد على هذا الحديث الذي أثار ضجة كبيرة في الأوساطِ الأدبية في تلك الفترة؟

سُئل الأديب الكبير عباس العقاد عن رأيهِ فيما ذهب إليه سلامة موسى، فقال: ”إني لا أستطيع أن أُبدي رأيي في غير رأي! وما قاله سلامة موسى ليس تعبيرًا عن رأي، ولكنهُ تعبير عن حقدٍ وضغينةٍ وشعور بالفشلِ والتقهقر. وكل ما يهدف إليه سلامة موسى من حملاتهِ على الأديبِ العربي، هو تشويه الأدب العربي عامة، ورميه بالقصورِ والجهل وانحلال مُجتمعه. والذَّنْب الأكبر للأدب العربي عند سلامة موسى، هو أنَّ هذا الأدب عربي، وسلامة موسى ليس بعربي!“.

وقيل للعقاد: أين مكان سلامة موسى بين أدباء العصر الحديث وعلمائه؟ فضحك وقال: ”إنَّ الأدباء يحسبون سلامة موسى على العلماء، والعلماء يحسبونه على الأدباء، والواقع أنه ليس أديباً، ولا عالمًا. ولكنه (قارئ) لبعض العلم، وبعض الأدب، في بعض الأوقات، وما يفهمه أتفه مما لا يفهمه!“.

من الطريف أن سلامة موسى لم يترك أحدًا في تصريحه، فالمنفلوطي والرافعي ”لا نرى فيما كانا يكتبان شيئا يدل على نبوغ“، والشرقاوي ونجيب محفوظ ويوسف السباعي أخرجهم من الأدباء المعاصرين وقال عنهم ”صبيان صغار“، ولهذا غضب يوسف السباعي كما سيأتي.

وغباء هذا الرجل فريد، يسأله عبدالعزيز صادق: ما هي الشخصية العربية الأدبية التي نالت تقديرك أكثر من غيرها؟ يُجيب: ”ليس «أكبر خان» عربيا، ولكنه يعد من أعظم المسلمين في التفكير والإنسانية والتبصر!“. وهو يريد السلطان الهندي الضال جلال الدين أكبر الذي أراد خلط الأديان وتأسيس دين جديد.

رد عليه كثير من الأدباء، منهم كامل الشناوي وتوفيق الحكيم والسباعي، ولكن السباعي كان غاضباً جداً، لأن سلامة موسى قال: ”أما من ناحية السباعي بالذات فإني أوثر أباه عليه، أولا لأنه صديقي، وثانيا لأنه يقرأ بيرون وشيللي وجيبون وكارليل“ ثم وضَّح أنه يرفض أن يكتب مثل قصص هؤلاء الصبيان.

قال السباعي في ردِّه الساخِر المُلجِم:

أيسمح لي «عمي سلامة» بأن أعلّق تعليقا قصيرا على ما خصني من عدمِ التفضيل أو عدم التقدير. لقد عايرتني أولاً بصغر السِّن، ورمیتني بأني کنت في الرابعةِ أو الخامسة وأنت في الأربعين أو الخمسين. ولستُ أرى في ذلك عيباً أُرمى به، ولا يضيرني أن تكون خُلقت قبلي بأربعين عاما. اللهم إلا إذا كنتَ تعتبر السبق إلى الوجود مدعاة للتفاخر، وهو شيء لا فضل لك فيه ولا حيلة لي في رده. ولا أظن فارق العمر يمكن أن يكون أبدًا سبباً للمُفاضلة، فهناك حمير كثيرون أكبر منك، وهناك حمير أكثر أكبر مني : )

والوصول إلى الأربعين أو الخمسين لا يحتاج من المرءِ إلى نبوغٍ أو عبقرية. لا شيء أبدًا أكثر من أن يأكل ويشرب وينام ويتوكل على الله على أن يوصله إلى أرذل العمر. وأنت قد أخرجتني أنا و «العیال» من أمثالي من عداد الأدباء المعاصرين لأننا صغار وأنت كبير، كأنما الأدباء لا يهبطون في هذه الدنيا إلا وهم يتعثرون في لحاهم.

ثم ادّعيت بعد ذلك أنك قرأت لي ولم تجد فيما كتبت شيئاً يستحق القراءة، لأنه لا يتجاوب مع مجتمعنا. وأنا أكذّبك في كل ما قلت، وأتحداك إذا كنتَ قد قرأت لي «وراء الستار، أو البحث عن جسد، أو أرض النفاق»، قبل أن تصدر حكمك السطحي الجائر.

أما إنك تفضِّل أبي علي فهذا خير ما قلت، وإن كانت أسبابك إلى التفضيل مضحكة، لأنك بنيتَ تفضيلك أولاً على صداقتك له، كأن صداقتك لإنسان قد أضحت من أولى مزايا الأدباء، وأن يتحتم على الإنسان لكي يكتسب فضل الأدب أن يكون صديقك!

أما أنك ترفض الكتابة، فمِن عجزٍ لا عن ترفّع، تشهد بذلك محاولاتك البدائية التي نشرتها في جريدة الأخبار. وأخيرًا أرجو أن أكون قد أثبت لك أن «العيال» يستطيعون مجاراة «العواجيز» حتى في الغرور وسلاطة اللسان!

والسلام.

إضافة.

كتبَ السباعي بعد ذلك مقالة بعنوان: «ضيعة النقد»، ذكر فيها مَن هو الناقد الحقيقي، وما هي الخصائص التي يجب أن تتوفر فيه، وذكر من فئةِ النقاد الأصيلين الدكتورة الأديبة عائشة بنت الشاطئ، ثم قال: ”أما البقية فيمكن وضعها تحت فئات أربع لا خامس لها: الخطّافون، والمدّاحون، والهدّامون، وطلّاب الشهرة من «هلافيت» الأدب“.

وذكر السباعي في فئةِ «الهدَّامون» سلامة موسى، وهذه الفئة كما يقول هي أشد الفئات خطرًا، ولا سيما إذا تمتع أصحابها ببعض الشهرة، مما يجعل لكلامهم قبولاً ف بعضِ الآذان.

يكتب السباعي: ”وضرر هؤلاء في أنهم يهدمون المُثل، ويحطِّمون القيَم، ويتركون القارئ حائرًا ضالاً، بعد أن بدّدوا ثقته في كلِّ ما اعتقد فيه، وأضاعوا إيمانه في كل ما آمن فيه. وهم يُطلقون ألسنتهم بكلِّ تبجّح وإصرار، حتى يكاد القارئ يقتنع بها من طول إلحاحهم. ومن أمثلةِ هؤلاء «سلامة موسى» الذي لا يفتأ ينهال بمعاولهِ الهدَّامة على الأدبِ بلا مبرِّر ولا سبب، اللهم إلا الجهل الناتج عما يعترف به من عجزهِ عن الاستمرار في القراءة، بدعوى تفاهة ما يقرأ. وهو في هدمهِ يُصر إصرارًا عجيباً، لا يُمكن أن يستند إلى دليلٍ ولا منطق..إلخ“.

انتهى.

شرطُ السعادة الزوجية.

نشرت سلمى الكزبري أكثر من 200 رسالة مخطوطة لمي زيادة وأعلام عصرها، من 1912 إلى 1940م؛ فيها ما فيها من الإعجاب والتودد، والعتاب والتمرُّد! المهم، في رسالةٍ لها بتاريخ 1918/7/9م للدكتور يعقوب صرُّوف قالت رأيها في الزواج والشرط الأساسي للسعادة الزوجية، أنقله هنا لعلَّ فيه شيء من الإثراء المعرفي.

بعد المُقدمة وقليل من الحَلْطَمة، قالت:

يزعجني الكلام في مسألةِ الزواج إذا كنتُ أنا السبب والموضوع. ولكنِّي على رغمِ ذلك أقول لك إني أرى الأمر على عكسِ ما تراه والدتي، فلا نتفق في ذلك أبدًا. شروطها أن يكون غنياً صحيحاً ذا مركز حَسن (الرجل الذي ترضاه لي)، وأنا لم أفكر بعد في الأمرِ جليّا. لكن لا يهمني الغِنى ولا المركز الاجتماعي حتى ولا العائلة، لأني أعلم أنَّ من كان «رجُلاً» جاءَ بكل ذلك، وكانت جميع المراتب وصنوف الثروة طوع إرادته. وإذا ورثَ كل ما يعتبره الناس شرطًا للسعادة ولم يكن «رجُلاً» فقدَ كُل ماعنده عاجلاً أو آجلا، أو أساء أسلوب التمتع به والاستفادة منه.

«وأنا أُقدِّس الحياة العائلية وأحترم الزواج»، وأود إيجاد السعادة في بيتٍ أدخله، وزيادة أسباب رغده وعظمته، وإيقاد شعلة الفِكر فيه، لأنَّ في ذلك حياتي وسعادتي، وإلا أشقيتُ نفسي والغير معاً، وهذا ما لا أريده مطلقًا. فالشرط الأولي عندي هوَ «التفاهم» لأنَّ به السعادة، وبدونه الشقاء. لكن والدتي تظن أني مع الزَّمن أُغير أفكاري، وهذا ما نراه في المُستقبل، ولكني أعتقد عكس ما تظن.

ثم قالت: إني أخرجُ سريعاً من هذا الموضوع الشائك، ويصعبُ عليَّ أن أقول كل ما قلته حتى إليك أنت (وكانت تُجِلّه جدًا). «لن أتزوج قط على غير رضى والديَّ، ولكني أحفظ لنفسي حق الرفض». فقد ترى والدتي رجُلاً جامعاً في نظرها لجميع الصفات من جمالٍ وغِنى وصحة ومركز اجتماعي، وأنا لا أشعر نحوه إلا بقليلٍ من الإشفاقِ الباسم. وكُل ما أطلبه ساعة لا يرضيني من يُعجبها؛ هو أن أُترك وشأني سعيدة في وسطِ كُتبي وأوراقي.

ثم بعد أن ودَّعت الدكتور صرُّوف قالت: ”أرجو أن لا تُلقي عليَّ هذه الأسئلة مرةً أخرى، بل حدثني بأحاديثك الفلسفية الطيبة التي لا أسمعها من غيرك. حدثني بلسانك وقلمك فقد جمعت فيهما بلاغة المُفكر، وتدقيق العالِم، وأنت تخجل مما عندك كطفلٍ اقترف إثما. وهذا أجمل شيء“.

صديقتك الصغيرة: مي.

وهُنا خطها وجزء من رِسالتها.

اللحظة الفارِقة.

في هذا المقال أعرِض -بإذن الله- حديث المسيري عن علي عزت بيجوڤيتش -رحمهما الله- وكتابه «الإسلام بين الشرق والغرب». وقد جمعتُ هذه المادة من كتبِ المسيري واختصرتها وتصرَّفتُ بها حتى ينتظم الخرز، فأرجو أن يكون فيها ما يُثري وينفع.

نبدأ بما ذكره في «رحلته الفكرية»، يقول: ”وكانت تربطني بالرئيس علي عزت بيجوڤيتش، رئيس البوسنة، رابطة فكرية عميقة. فقد قرأتُ كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» وأدركتُ أنني أمام عمل فكري متكامل من الطرازِ الأول، فهو يقدِّم تحليلاً عميقاً للحضارة الغربية. وحين حضر إلى القاهرةِ عام ١٩٩٥م عقدتُ على شرفهِ حفلاً حضره بعض المثقفين المصريين وأجاب عن أسئلتهم بطريقة تبين مدى اتساع ثقافته. ولكنه قال إنه ترك الثقافة منذ مدة طويلة، لأنه أصبح مشغولاً بأمور أخرى سياسية مباشرة، مثل توفير السلاح للمجاهدين البوسنيين الذين يحاولون إثبات أن التهام أهل البوسنة ليس بالأمر السهل ولا يمكن أن يتم في عدةِ أيام (كما كان يتصور الصرب وأوربا من خلفهم، التي كانت على أتم استعداد لأن تقيم مأتماً لإحياء ذكرى البوسنيين بعد إبادتهم!). وعند هذه اللحظة بكى بيجوڤيتش، ومسح الدموع من عينيه واستمر في الحديث مبتسما“.

وقال عنه في تقديمهِ لكتابه: [هو] ”صاحب اجتهادات مهمة في تفسيرِ ظاهرة الإنسان في كلِّ تركيبيتها. وهذه التركيبية، المرتبطة تمام الارتباط بثنائيةِ الإنسان والطبيعة، هي نقطة انطلاقه والركيزة الأساسية لنظامه الفلسفي“. ثم يشير المسيري إلى أنه ليس مجتهدًا فقط، بل مجتهد ومجاهِد. لأنه يحلل الحضارة الغربية ويبيّن النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومِها ونموذجها المهيمن، ثم يتصدّى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه. ولعلَّ إيمانه بالإنسان (النابع من إيمانه بالله) هو الذي مكنه من أن يلعب هذا الدور المزدوج .. دور المجاهِد والمُجتهد، ودور الفارس والراهب.

وفي «الثقافة والمنهج» يقول: ”ومِن أهمِّ الكُتب التي أثرت فيّ بعد أن تبلورت فكرياً كتاب علي عزت بيجوڤيتش الذي يحمل عنوان «الإسلام بين الشرقِ والغرب»، الذي ترجمه الأستاذ محمد عدس ترجمة ممتازة، بل إن ترجمته العربية أفضل من النصِّ الإنجليزي بمراحل. لو كنتُ قرأت هذا الكِتاب في مقتبلِ حياتي الفِكرية لوفر عليّ وقتاً كبيرًا، لأنه قدَّم رؤية إنسانية إسلامية للكون، رائعة وعظيمة. فبيجوڤيتش ينطلق من الإنسانِ إلى الماوراء ومنه إلى الله، وليس من الله إلى الإنسان كما يفعل كثير من المُفكرين والدعاة. فعلى سبيل المثال فهو يذهب إلى أن الإنسان كائن ميتافيزيقي، دائم البحث عن المعنى، وأنه لا يمكنه أن يدور في إطار النموذج المادي وحسب، ولذا لابد أن يؤمن بشيءٍ ما متجاوز للسطح المادي، فإن لم يؤمن بالإله، فإنه قد يؤمن بالعِرق أو بالجنس أو بالآيسكريم! فهي ميتافيزيقا بلا أعباء أخلاقية. وقد حاول بيجوڤيتش تقويض النظرية الداروينية المادية ليس عن طريقِ الإتيان بأدلة علمية وإنما عن طريقِ توضيح عجزها عن تفسير كثير من جوانبِ الظاهرة الإنسانية. فيُشير إلى مقدرةِ الإنسان على أن يضحي بنفسه من أجلِ الآخرين، وكيف أن هذا يتنافى مع القوانين الطبيعية“.

وفي موضعٍ آخر يقول:

لقد وجدتُ أنَّ المنظومة الإسلامية كرؤية للكون تفسر لي الواقع تفسيرًا مركباً، والأهم من هذا أنها تفسِّر الظاهرة الإنسانية. فلا يمكن للمنظومة العلمانية أن تُفسِّر ظاهرة الإنسان. ومن هنا أرى أهمية كتاب علي عزت بيجوڤيتش «الإسلام بين الشرق والغرب». فهو لا يذكر الله أو الإسلام إلا في الجزءِ الأخير. في بدايةِ الكتاب يأخذ ظاهرة الإنسان ويقول: فلننظر في هذا الإنسان؛ يقول الماديون إنه مادة، حسناً! هذه المادة الإنسانية عاشت جنباً إلى جنب مع الحيوانات: اصطادت مثل الحيوانات، جرت مثل الحيوانات. لكن في يومٍ من الأيام توقف الإنسان وبدأ يقدِّم القرابين، فماذا حدث لهذا الحيوان؟ لقد أُصيب بشيء ما! يسميه علي عزت بيجوڤيتش «الدوار الميتافيزيقي»، أُصيب بدوار فتوقف، وبدل أن يجري مثل بقية الحيوانات متبعاً برنامجاً طبيعياً وقف وبدأ يقدِّم قرابين ويرسم وشمًا أو يعبد صنما. وهذه كلها أفعال تدل على أنه ليس حيواناً، وأنه في حالةِ قلق، أُصيب بدوار. ومنذ تلك اللحظة التي يسميها بيجوڤيتش «اللحظة الفارقة» أصبح الإنسان إنسانا“.

وقال في «الهوية والحركة الإسلامية»، وبعد أن تحدث عن عمليته العقلية في مراقبةِ الطبيعة البشرية، وكيف أنَّ الإنسان لا يمكن أن يُستوعَب في النظامِ الطبيعي، وأنه يشير إلى شيءٍ وراء الطبيعة، قال: ”وفي كتابه «الإسلام بين الشرق والغرب» يلجأ بيجوڤيتش إلى الأسلوب نفسه. فهو لا يقتبس من القرآن والسنة، وحين يفعل ذلك فإنه يضع النصوص التي اقتبسها -غالباً- في الهامِش، أي إنه يبين أنها «مرجعيته النهائية»، وهو في الوقتِ نفسه يقدِّم تحليلات وتفسيرات في العمقِ والجدة، فهو يطرح قضية الإيمان في مقابلِ الرؤية المادية الإلحادية بطريقة عقلانية. عقلانية بمعنى أنها تنطلق من حقائقِ النفس البشرية. فبيّن حاجة الإنسان إلى الميتافيزيقا، ويبيّن أن الإسلام يقف في الوسط؛ بين الماركسيةِ التي تؤكد الجانب المادي في الوجود الإنساني، والمسيحية التي تؤكد الجانب الروحي في هذا الوجود. فكلاهما يهمل ثنائية الجسد والروح التي تسم الوجود الإنساني، وقد قال نيتشه: «إن آخر مسيحي مات على الصليب»، أي إن المسيح كان أول المسيحيين وآخرهم، وهي عبارة متطرفة (مثل معظم أقواله) ولكنها دالة. ويرى بيجوڤيتش أنه إذا كانت الماركسية تطرح رؤية مادية مستحيلة، فالمسيحية تطرح رؤية روحانية لا تقل عنها استحالة. على عكسِ الإسلام الذي يرى بيجوڤيتش أن بنيته هي ذاتها بنية النفس البشرية في ثنائيتها المادية والروحية. ثم يضيف أن هذا هو سبب مشكلة الغرب مع الإسلام، فهو لا يعرف إلا المادية المتطرفة والروحانية المتطرفة. ولذا فهو تارة يتهم الإسلام بالغيبية والروحانية، وتارة أخرى يتهمه بأنه مادي ويتسم بغياب الروحانية“. ثم يقول المسيري: ”فأنا لا أرفض المادية بوصفها نموذجا تفسيرياً لبعض جوانب الوجود الإنساني، وإنما أرفضها نموذجاً لتفسير مجمل الوجود الإنساني. إذ يوجد في الإنسان ما يستعصي على التفسيرات المادية، فالإنسان ليس محصورًا بالسقفِ المادي، ولذا أحتضنُ الرحابة الإنسانية غير المادية وأدافع عنها، باعتبارها دفاعا عن الإنسان وشاهدًا على وجود الله تعالى“.

وفي كتاب «رحابة الإنسانية والإيمان» والحديث عن كتاب بيجوڤيتش، يقول: ”فالإسلام -كما يقول علي عزت- «ليس مجرد أمة بالمعنى البيولوجي أو الإثني أو العرقي، وليس حتى جماعة دينية بالمعنى الروحي الخالص للكلمة، وإنما هو دعوة لأمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أي تؤدي رسالة أخلاقية». وانطلاقاً من ذلك يؤكد بيجوڤيتش أنه لا يمكن إغفال المكوِّن السياسي للإسلام وقصره على النزعة التصوفية الدينية؛ لأن في هذا «تكريساً صامتاً للتبعية والعبودية»، ولا يمكن كذلك إغفال المكوِّن الديني (الروحي) في الإسلام؛ لأن في هذا كذلك رفضاً صامتاً للقيام بالأعباء الأخلاقية. إن الإسلام الحقيقي ليس مجرد دين روحي أو طريقة حياة فقط، بل هو منهج ومبدأ لتنظيم الكون أكثر منه حلّاً جاهزاً، إنه المركب الذي يؤلف بين المبادئ المتعارضة. إن الإسلام ليس ديناً ودولة كما يقول البعض (الذين وقعوا صرعى التعريفات العلمانية الغربية، والتي تعطي مركزية هائلة للدولة)، بل هو دين ودنيا يتوجه للجانبين الروحي والمادي في الإنسان“.

ختاما:

يرى بيجوڤيتش أن هناك ظروفاً أساسية في حياةِ الإنسان يُطلق عليها «الأوضاع الحدية» [وهي الأوضاع التي يوجد فيها الإنسان اضطرارًا]. من المؤكد أن واجب الإنسان هو أن يبذل جهده لتحسين كل شيء في هذا العالم بما في مقدوره. ومع ذلك فسيظل هناك مشاهد مأساوية حتى في أكثر المجتمعات كمالا. والإنسان على أحسنِ الفروض قد يستطيع أن يقلل من كم المعاناة في هذا العالم، ومع ذلك سيبقى الظلم والألم مستمرين. العالم ليس يوتوبيا تكنولوجية، يمكن فهم كل شيء فيها، والتحكم في كل المخلوقات التي تسير فيها، إذ سيظل هناك المجهول وغير المتوقع.. سيظل هناك الخير والشر. ماذا يفعل الإنسان في مواجهةِ ذلك؟ هناك إجابتان مختلفتان عن السؤال نفسه، الأولى التمرّد والانحراف والعدمية. ولكن هناك أيضًا التسليم لله، والاعتراف بالقدر، أي الاعتراف بالحياة على ما هي عليه، وقرار واعٍ بالتحمل والصمود والتجمّل بالصبر.

والتسليم لله هو ضوء يانع يخترق التشاؤم ويتجاوزه. فأن ندرك حقيقة وضعنا في هذا العالم يعني أن نستسلم لله، وأن نتنفس السلام، وألا يحملنا الوهم على أن نبدِّد جهودنا في الإحاطة بكل شيء والتغلب عليه. علينا أن نتقبل المكان والزمان اللذين أحاطا بميلادنا، فالزمان والمكان قدر الله وإرادته.

إن التسليم لله هو الطريقة الإنسانية الوحيدة للخروج من ظروفِ الحياة المأساوية. إنه طريق للخروج بدون تمرّد ولا قنوط ولا عدمية ولا انتحار. هذا هو الموقف الإنساني الوحيد الممكن الذي لا يقذف بالإنسان في هوّة الظلمات والتشاؤم والعدمية.

وفي نهاية المطاف يخلص بيجوڤيتش إلى أن الإسلام «لم يأخذ اسمه من قوانينه ولا نظامه ولا محرماته، ولا من جهودِ النفس والبدن التي يطالب الإنسان بها، وإنما من شيء يشمل كل هذا ويسمو عليه؛ من لحظةٍ فارقة تنقدح فيها شرارة وعي باطني، من قوةِ النفس في مواجهة مِحن الزمان . . من التهيؤ لاحتمال كل ما يأتي به الوجود من أحداث، من حقيقةِ التسليم لله. إنه استسلام لله.. والاسم: إسلام!».

حضارة الجماجم «7»

قال فليكس كوهن:

أوربا التي ترَكها كولومبس وراءه عِندما أبحر إلى العالم الجَديد كانت أقل تحضرًا من الأرضِ التي يُبحر إليها“.

وقال المؤرخ بيدرو سيمون ١٦٢٣:

لم أرَ هنديا أو هندية دونَ جواهر، وأقراط، وعقود، وخواتم من ذهب. كُل البنات كُنَّ يتحلينَ بالجواهرِ المذهبة حول أعناقهن“.

وبعدَ أن ذكرنا طرفاً من أخبارِ الإبادة التي وقعت لتلك الشعوب البريئة المُسالِمة على يدِ الرب الإنجليزي، نختم هذه المقالات بذكرِ بعض الأدلة المشيرة إلى حضارتهم، ولماذا سيبقى اسم الهنود الحمر خالدًا لن يُمحى بكرِّ الدهور؟!

هل تَعلم أيها القارئ الكريم المُحترَم أن القسم الأعظم من المحاصيل الزراعية في الولاياتِ المتحدة هي مزروعات هندية؛ كالبطاطا، والمطاط، والذرة، والقطن، والطماطم.. وغيرها. وكان الأوربيون يرفضون منتجات الهنود عقودا طويلة، بل كانوا يعتبرون البندورة -لجهلهم- فاكهة سحرية! نعم؛ هؤلاء هم من جعلتهم هوليوود رمزًا للتخلُّف والبدائية!

بل هل تعلم -ولعلّ هذه المعلومة لطيفة بعض الشيء- بأنَّ رقائق الذرة المحمصة الـ (كورن فليكس Corn Flakes)؛ الوجبة التي غيّرت عادة الإفطار في الولايات المتحدة وفي أنحاء العالَم، هيَ في الإساس وَجبة هندية عريقة!

المرجع: دولة فلسطينية للهنود الحمر صـ٣٥٢
المصدر: Felix S. Cohen, The Legal Conscience: op. cit.,, P.319

وهل تعلم أن اسم «البرازيل» الذي أطلقهُ الغُزاة على ما يُعرف اليوم بدولة البرازيل مُشتق مِن اسمِ صبغة أرجوانية كان الهنود يُطلقون عليها اسم برازيلين Brazilin ويَستحضرونها من شجرةٍ تُسمى «برازيل».

وهل تعلم أن أوهايو تَعني «النهر العظيم» بلغةِ الإركوا، وأن منهاتن Manhattan تَعني «جزيرة التلال» بلغة هنود لوناپه Lenape.

بل هل تعلم بأن في اللغةِ الإنجليزية اليوم أكثر من مئتي مُفردة مأخوذة من لغة ألغونكين Algonquin منها: tamarack , caucus , racoon , moose , totem hickory .. ومئة أخرى من هنودِ شمال مكسيكو بعضها تحدر مِن الفرنسيةِ أو الاسبانية مثل mackinaw , toboggan , caribou إضافة إلى أكثر مِن مئتي مفردة من هنودِ مكسيكو، منها: maize tobacco , hammock , .. وكلمات عَديدة من هنود الجنوب مثل: coyote , pecan , barbecue , chili , potato.

أما الكثرة الكاثرة من المفرداتِ الهندية فنجدها في أسماءِ الأماكن كالولايات والمُدن والأنهار. فما زالت ٢٦ ولاية أمريكية تحمل اسما هنديا مثل: آلاباما، آلاسكا، أريزونا، كونتكت، إلينويز، كنساس، كنتكي، مساتشوستس، ميشيغن، مينيسوتا، ميزوري، نبراسكا، نيومكسيكو، أوهايو، أوكلاهما، تكساس..وغيرها.

وهناكَ مُدن أمريكية كثيرة ما زالت تَحتفظ بأسمائها الهندية مثل: شيكاغو، ميامي، ميلواكي، أوماها، سياتل.. وكذلك الحال بالنسبةِ إلى الأنهار والبُحيرات والجبال. راجع كتاب Indian Legacy للاستزادة.

نعم؛ كُل هذهِ المحاصيل والكلمات والولايات والمُدن ستبقى لعنات تُطارِد الرجل الأبيض طوال حياته، وستبقى هي أفضل شاهدٍ على التاريخ، وأصدق مَن يروي تلك الإبادة التي جرَت لـ٥٠٠ أمةٍ وشعب كانوا يعيشون في سلامٍ وسكون.

وبعد هذه المقالات التي أرجو أن يجد المُطالِع فيها نفعًا وفائدة، أقول: هذا الذي قرأتهُ إنما هو أقل من القليل مما وقع لتلك الشعوب التي أُبيدت لأنها مُسالِمة؛ ١١٢ مليون إنسان -تقريبًا- عرَجت أرواحهم إلى السماء لأن الرب الإنجليزي أراد التوسع! ولَمْ يكتف الرجل الأبيض بإبادتهم جسديا بل أبادهم تاريخيا؛ فشوّه تراثهم، ومسخ عاداتهم، وأنكر حضارتهم، وألصقَ كل نقيصةٍ فيه فيهم! .. لا أريد أن أسترسل في الحديث، لذلك أختم قائلاً: كل ما وردَ في هذه التغريدات كانَ مأخوذًا -بتصرفٍ كامل- من خُماسية العكش التي أنصح بقراءتها -دائمًا- وهي: أمريكا والإبادات الجماعية، والجنسية، والثقافية، وتلمود العم سام، ودولة فلسطينية للهنود الحمر. كانت هذه مراجع التغريدات ولم أخرج عنها، وفي الكُتبِ مصدر كل معلومة وردت هنا.

أختم بكلمات الزعيم لام دير من هنود لاكوتا:

قبلَ أن يأتي إخواننا البيض ليمدنونا لم يكن عندنا سجون، لأنهُ لَمْ يكن عندنا مُجرمون. لَمْ يكن لبيوتنا أقفال لأنهُ لم يكن عندنا لصوص. وعِندما يكون بيننا فقير دونَ حصان أو مَسكن أو غطاء نَتَسَارع لنُهديه كل ما يَحتاج. نعم كنا «غير متمدنين»“.

والسلام.

حضارة الجماجم «6»

Russell Means

أفضل مَن عبّر عن الأكاذيب والأساطير التي تروّجها أمريكا عن نفسِها هو الإعلامي الهندي روسل مينس Russell Means (توفي في أكتوبر من عام ٢٠١٢م) ولنقرأ معاً ما قاله عن أم الحريات:

”منذُ أن خُلِقت وأنا أسمع هذا الهُراء والدجل؛ أنَّ الولايات المتحدة مثال للحُرية ونبراس للديمُقراطية، وأن هذا البلد فريد جدًا في التنوير والإنسانية، وأن التاريخ البشري لَمْ يعرِف بلدًا آخر يُحاكيه أو يُضاهيه في ذلك، وأن هذه [أمة القوانين] لا تعتدي ولا تغزو كما تفعل بُلدان أُخرى. إنني على يقين مِن أنكم سمعتم هذا أيضًا، فهذه هي الحقيقة الرسمية في الولايات المتحدة، وهذا ما يَتعلمه الأطفال في المدارس، وما تُحشى بهِ أدمغة العامة. حسنًا، إن لدي خبرًا أزفّه لكم: هذا كذب محض، كُل ذلك كذب وهُراء ودجل، هكذا كانَ دائمًا وأبدا. لننسَ الحُجج الدامغة التي تُفنِّد هذا الدجل من قبلِ السود والمتحدرين من أصلِ مكسيكي والمُهاجرين الآسيويين هُنا في شمالِ أمريكا (دون أن نذكر شعوب المكسيك، ونيكارغوا، وغواتيمالا، وبورتو ريكو، وهاواي، والفيلبين، وساموا، وتامور، وغويان، وجزائر المارشال، وكوريا، وفيتنام، وكوبا، والدومينيكان، والعِراق… وعشرات الشعوب الأخرى التي ذاقت ويلات الغزو والاحتلال الأمريكي) فهُناك حرب إبادة دارت رحاها هُنا في هذا البلد [الولايات المتحدة] أيضًا. إنني أتحدث عن الإبادة التي تعرّض لها هنود أمريكا، إبادة بدأت منذ اللحظة الأولى التي رست فيها أول سفينة أوروبية على شاطئ جزيرة تيرتل [السلحفاة] Turtle Island (أمريكا الشمالية كما يسميها الهنود) ولا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة. ليسَ هُناك من قانون لم تنتهكه الولايات المتحدة، ولا جريمة ضد الإنسانية لم ترتكبها..“

وللحديثِ بقيّة.

حضارة الجماجم «5»

”حطِّم قلب بلادهم، امحُ كل مدنهم وقراهم عن بكرةِ أبيها، احرق حقولهم ومزارعهم، أتلِف محاصيلهم وكل ما لديهم من مونةٍ للسنةِ القادمة، أنزِل بهم أقسى العذاب وأفظع الأذى“. من رِسالة جورج واشنطن إلى الجنرال هوراشيو غيتس.

ذكرنا في المقالِ الأول شيء عن جورج واشنطن «هدَّام المُدن» كما كان يصِفه هنود السينيكا الذين هدمَ من مُدنهم ٢٨ مدينة! والآن سنذكر بعض الحقائق التي قد تكون غائبة عن الكثيرين تخص أحد أبطال هذا الهولوكست المسكوت عنه، أعني إبادة ٥٠٠ أمة وشعب كانوا يعيشون في سلامٍ ودَعة في المنطقة التي تُسمى اليوم الولايات المتحدة، وهو توماس جفرسون Thomas Jefferson وتعلمون أنه الرئيس الثالث للولايات المتحدة ومن الآباء المؤسسين لها. كان هذا القديس يأمر وزير حربه بأن يسحق كُل هندي يرفض التوسع الحضاري للعِرق الأسمى ويستخدم البلطة في ذلك! لنقرأ قوله معا: ”لن نرفع هذهِ البلطة عن رؤوسهم حتى يُبادوا عن بكرة أبيهم أو يرحلوا إلى ما وراء نهر الميسيسيپي (حيث كان يُعتقد يومها أن هذا النهر سيكون الحد الفاصل بين الولايات المتحدة وبين الهنود والإسبان والإنكليز الذين يحتلون أجزاء من الأراضي الهندية وراء الميسيسيپي). نعم، قد يقتلون بعضًا منا لكننا في النهاية سندمرهم جميعًا، إذ ليس لدى الحكومة الأمريكية من خيار سوى مطاردة الهنود واستئصالهم من الأرض“. وبالمناسبة هذا القدّيس هو كاتب إعلان الاستقلال المشهور ٤ يوليو ١٧٧٦م والذي وصفَ فيه الهنود الحمر بأنهم ”متوحشون لا رحمة عندهم، والمعروف عنهم أن قاعدتهم في الحربِ هي الدمار دون تمييز للناس من كل عمر وجنس ومنزلة!“. والله إن هذا الوصف لائق بغُزاة العالم الجديد، ولكنكم تعرفون -في الغالب- مَن الذي يكتب التاريخ.

وما دامَ الحديث اليوم عن أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، لنستطرد ونتحدث عن أحد آباء الحرية والتحرير لنُوضح بعض الحقائق، نعم؛ أعني المُحرِّر الكبير إبراهام لينكون Abraham Lincoln والذي يُعد رمزًا من رموز الحرية والتحرير ليسَ في الولايات المتحدة فقط بل في العالم أجمع، بل إن بعضهم جعله -جرأة وجهلا- من المسلمين! المهم، هل تعلم -أيها القارئ المُحترم- أن أَكبر إعدام جَماعي في تاريخِ الولايات المتحدة كانَ بأمرِ هذا الرئيس؟ وكان ذلك في ولاية مينيسوتا. بعد اعتقال حوالي ٣٠٠ مُنتفض هندي طالبت الولاية بإِعدامهم جميعًا، وبعد التسوية أُعدم منهم ٩٣ تم اختيارهم عشوائيا !

لم يكن هذا الرجل يومًا من الأيام من أنصارِ تحرير العبيد بل كان متقلباً حسب ما تهب رياح السياسة، قال في خطبة له -واقرأ جيّدًا- : ”لستُ الآن ولن أكون يوما، لصالح أن يصبح السود ناخبين أو مؤهلين للوظيفة الحكومية أو أن يتزوجوا من البيض“ ثم أردف: ”يجب أن يكون هناك أعلى وأدنى مرتبة، والأعلى هو العرق الأبيض!“.

في كتاب «أميركا والحريات ص٤٦» : ”وكانَ لينكولن يَستعمل مُرادفات لوصفِ السود يشمئز لها النَّاشطون في مجالِ إلغاء العبودية وحقوق الإنسان“. بل وفي خطابهِ الرئاسي سنة ١٨٦١م قالَ (المُحرر الكبير): ”ليسَ لدي نية، مُباشرة أو غير مُباشِرة، لأتدخل في مؤسسةِ العبودية في الولاياتِ التي تَسمح بها. إنني أعتقدُ أنهُ ليسَ لدي الحق بأنْ أفعل ذلك وليسَ لدي الميل لأفعل ذلك!“. يجب أن نحدّ النظر دائمًا فيما نقرأ، حتى لا نبني تصورات خاطئة توقعنا في الوهم الدائم.

وللحديثِ بقية.

حضارة الجماجم «4»

”سيأتي زَمن على الأعـراق المُتحضّرة تُبيد فيه الأعـراقَ الهمجية، وترِث منها الأرض حتمًا“. (تشارلز داروين)

ما زِلنا نكتشف معاً ورقات مخفية مِن كِتاب الحَضَارة العظيم للرجل الأبيض، ولكن قبل أن نُكمل، قد يقول قال: وكأنك بعرِضك هذا تحاول إقناعنا بأنَّ هذه الحضارة العظيمة لَمْ تقم إلا على هرمٍ ضخم من الجماجم! نعم، هذا بالضبط ما أريد إيصاله إليك وقوله لك، بل إنني لا أحاول إلا أنْ أردد قول المؤرخ ريتشارد سلوتكين Richard Slotkin: ”إذا كانَ لابد من شعارٍ يرمز لأمريكا وتاريخها فليسَ هناك ما يعبّر عن هذه الحقيقة سوى هرم هائل من الجماجم!“.

منذ أربعة قرون وهم ينهشون في أجسادِ السكان الأصليين، التي أحل الله لشعبهِ (المختار) أن يفعل بها ما يشاء! كانوا يتفننون في نشرِ أنواعِ الأوبئة التي يقتلونهم بها. أكثر من ٩٣ حربًا جرثومية شاملة شنّوها عليهم منذ أن وطأت أقدامهم صخرة پليموث المقدسة في القرن السابع عشر حتى القرن العشرين.

يقول توماس مورتون Thomas Morton أحد المستوطين الأوائل الذين عاشوا مع السكّان الأصليين: ”كنتَ ترى أكوام الهياكل العظيمة“ في منظرٍ ألهمَ شعب الله المختار أن يسمِّي هذه البلاد بالجلجلة الجديدة، لكنها ”جلجلة بهيجة أثلجت قلوب مكتشفيها لأنها آية إلهية تدل على رِضا السماء عن موتِ الهنود –السكان الأصليون– وعن مواكبةِ العناية الإلهية لاستعمار العالم الجديد“.

وليم برادفورد William Bradford

وتأمل وصف حاكم مستعمرة پليموث وليم برادفورد William Bradford لحال السكان الأصليين في لحظاتهم الأخيرة عندما غَدَرت بهم يد الرب الإنجليزي! يقول: ”كانَ موتهم بالجُدري شنيعًا.. الجُدري يسري سريعًا بينهم من واحدٍ لآخر، وجلودهم تلتصق بالفِراش الذي يرقدون فوقه، فإذا ما قلبتهم يقشعر جلدهم كلّه ويسبحون في الدم.. ثم يموتون كالنعاج النتنة، ما أتعس أحوالهم! كانوا يتساقطون الواحد تلو الآخر غير قادرين على مُساعدة بعض..“ وتطول هذهِ الرِّسالة المُعبِّرة عن نفسيةِ غزاة العالَم الجديد وأُسس حضارتهم الإنسانية، وصدق مَن قال: ”يحفظون حقوق الإنسان بإبادتِه“.

كتبَ برتولومي دي لاسكازاس [رسول الهنود]: ”يزعمون أنَّ الله هوَ الذي أرسلهم لفتح البلاد الآمنة المُطمئنة، وأنهُ هو الذي وَهَبهم حق تدميرها ونهب خيراتها. إنهم لا يختلفون عن أولئك الذينَ يقتلون ويسرقون ثم يقولون: «مُباركٌ هو الرب، لقد صِرنا أغنياء!»“.

إلى يومِ الناس هذا لا يزال هُناك مَن يتجاهل بل لا تعنيه إبادة ١١٢ مليون إنسان! هذه الجريمة الأعظم في تاريخِ البشرية التي تُحاول يد الرب الإنجليزي سترها، هناك مَن يراها هيّنة؟ ويرى أنَّ هؤلاء الضحايا مُجرد أضرار هامشية لابد منها لولادة أعظم حضارة وأمة على وجهِ الأرض.

ثيودور روزفلت Theodore Roosevelt

وحتى نفهم أكثر نفسية أولئك الأوغاد ونعرِف طموحاتهم، ونُدرك معنى السلام الحقيقي لديهم، لنقرأ هذه المقالة التي كتبها الرئيس الـ٢٦ للولايات المتحدة وهو ثيودور روزفلت Theodore Roosevelt ، يقول، واقرأ بتمعّن:

”كُل تاريخنا الوطني كانَ تاريخاً للتوسع. ففي عهدِ واشنطن وآدمز توسعنا غرباً حتى الميسيسيپي. وفي عهدِ جفرسون توسعنا في القارة حتى ثغر كولومبيا. وفي عهدِ مونرو توسعنا في فلوريدا، ثم في تكساس وكاليفورنيا. وأخيرًا عبر سيورد Seward (يقصد وليام سيوارد تـ ١٨٧٢م) وبفضلهِ إلى آلاسكا، فيما ينشط التوسع سريعاً في ظل كل حكومة أمريكية. وما دام هناك ثغور [على بلاد الهنود] ستبقى الحرب بين المستوطنين والهِندي الأحمر أبرز ملامح الحياة في هذه الثغور. والسبب الأقوى لذلك هو أننا بكلِّ بساطة نعيش في بلدٍ يسيطر عليه المتوحشون أو أنصاف المتوحشين! وكذلك هو حالنا في الفيليبين. لهذا فإن قضية التوسع هي أساس قضية السلام. فليسَ هناك من يبسط السلام في العالمِ إلا القوة الحربية للشعوب المتحضرة. العرب مثلاً دمّروا حضارة شواطئ المتوسط! والأتراك دمّروا حضارة شمال شرق أوربا، أما النقيض الذي نفعله اليوم والذي أدّى إلى انحسار هؤلاء البرابرة بعد أن غزوناهم واجتحناهم فقد حلّ السلام حيثما تقهقر هؤلاء وانهزموا، وما كانَ ذلك ليتم لولا أننا ما زلنا نصقل موهبة القتال فينا ونتوسع شيئاً فشيئاً في المجاهيلِ التي يسكنها البرابرة“. يا سلام، هل اتضحت الصورة؟ لسنا بحاجةٍ إلى أن نُعلِّق فقد كان روزفلت الخبيث واضحًا في مقالهِ العنصري النتن.

وللحديث بقيّة!

حضارة الجماجم «2»

إذا أردتَ أن تتأمَّل في الصورةِ المزروعة في ذهنك عن السكانِ الأصليين للعالم الجديد، لن تجد سوى أنهم مجموعة من المتوحشين القذرين الهَمج يصيحون في العراء ويرقصون حول النار بأجسادٍ عارية! نعم؛ هذا ما أنتجته هوليوود عن تلكم الشعوب البريئة.

وإني مُحدثك -أيها القارئ المُحترم- عن شيءٍ من أخلاقِ السكان الأصليين السامِقة. هل تعلم أنهم في الحروبِ يستحيل أن يعتدون على امرأةٍ أسيرة لديهم؟ وإليك ما قاله الجنرال جيمس كلينتون لجنودهِ قبل إرسالهم لإبادة شعب الإروكوا Iroquis عام ١٧٧٩م، قال: ”برغم بشاعة هؤلاء المتوحشين فإنهم لا يعتدون على عفافِ امرأة أسيرة لديهم“. فهل تعلَّم غُزاة العالم الجديد منهم هذا الخُلق النبيل؟ اقرأ عن حادثة عبير الجنابي بعد قرنين من هذا التاريخ لتعرف الإجابة!

ماذا عن أخلاقياتِ الرجل الأبيض العظيم الذي يطيب له دائمًا أن يصِف الهنود الحمر بالمُتخلِّفين والمتوحشين؟ لنقرأ سويّاً هذه الحادثة المُعبِّرة: ”في عام ١٨٦٢م تسلّت مجموعة من المستوطنين بامرأة هندية عجوز، فلما تعِبوا قتلوها وسلخوا فروة رأسها وشقّوا حلقها ومثّلوا بجثتها بصورة (يقول المؤرخ جيمس راولس James Rawls) لا أستطيع الكتابة عنها، ثم قالوا لها: الآن تحررت روحك!“. من المتوحش والمتخلّف؟

ولنستطرد قليلاً حتى تتضح لنا فلسفة هؤلاء الذي يرعون حقوق الإنسان! في ١٨ فبراير ١٩٧١م نشرت النيويورك تايمز رسالة كتبها المستشار القانوني للضابط وليم كاللي William Calley بطل مذبحة «ماي لاي ١٩٦٨م» في فيتنام، يعترِف فيها بأن موكّله ”لم يشعر أبدًا بأنه كانَ يقتل بشرًا !“. وفي العِراق لا يُخفي الضابط جوش ميدلتون Josh Middleton أن ”كثيرًا من زملائه الجنود يرون أن هؤلاء [العراقيين] ليسوا بشرًا مثلنا، ولهذا نستطيع أن نفعل بهم ما يحلوا لنا !!“.

حاول غُزاة العالم الجديد أن يُلصقوا بالسكان الأصليين صفة القذارة، وأنهم لا يعرِفون في حياتهم الاغتسال والنظافة، ولكن ماذا قالت الباحثة الأكاديمية باولا غن آلن Paula Gunn Allen ؟ لقد أثبتت أن الهنود ”يغتسلون أكثر من الأوربيين“. بل وزيادة على ذلك كان ”الأوروبيون يسخرون من عادةِ الاغتسال اليومي، صباحًا لدى الهنود!“ أُضيف: كان سكان شمال أوربا وبريطانيا بشكلٍ خاص نادرًا ما يغتسلون، بل كانوا يعتبرون الاغتسال عادة غير صحية! يقول المؤرخ لويب مفسرًا هذا: ”ليس بسبب الكسل –أي عدم اغتسالهم– بل لأنهم يعتقدون أن تنظيف الجسم بالماء والصابون مُضر بالصحة!“.

وماذا قال جننغز وهو أحد أبرز مؤرخي أمريكا عن السكان الأصليين (الهنود الحمر)، يقول: ”إن هؤلاء الهنود [الهمج!] كانوا يعتبرون النظافة من الإيمان والاغتسال اليومي طقساً مقدسًا“ وبعد هذا لك أن ترسم ما تشاء من الصور عن تلكم الشعوب البريئة المسالِمة.

وللحديث بقيّة.

حضارة الجماجم «3»

”لم أرَ في حياتي هنديّاً طيّباً، الهندي الطيّب هو الهندي الميّت“.

عِندما اغتصبَ الرجل الأبيض أرض الشعوب المُسالِمة، انتقل إلى المرحلةِ الثانية وهي تشويه تاريخهم وطمس مَعالِم وجودهم، حتى إذا قرأتَ بعد ذلك ما كَتبه عنهم من تخلّفٍ وهمجيّة تقول في نفسك: «لعلّه أمر جيّد، كانت هذه الإبادة في سبيل قيام حضارة راقية!». ويا لها من حضارةٍ راقية فعلاً.

خلال مناقشة في الكونغرس وقفَ جيمس ميكائيل كافانو James Cavanaugh ليعلن أمام زملائه أعضاء المجلس الموقر بلسان المستوطنين في ولايةِ مينيسوتا المنظمّة حديثًا إلى الاتحاد، وبألفاظٍ حضارية، أعلن قائلاً: ”نعم، إنني أفضل موت الهندي على حياته. لقد التقيت بالآلاف من الهنود، لكني لم أرَ في حياتي هندياً طيباً، الهندي الطيّب هو الهندي الميّت. إنني أؤمن بالسياسة التي أرساها مايلس ستانديش Miles Standish (قائد عسكري كان يشبّه حرق الهنود أحياء بحفلات الباربكيو!)، إنني أؤمن بالسياسة التي تُبيد الهنود“.

ولابأس من العودةِ إلى الروايات التي كُتبت بقلمِ الربّ الإنجليزي عن بدايةِ تأسيس الحضارة الإنسانية الراقية! لنقرأ معًا هذه القصة:

”بعد أن قتلنا كل مَن في المدينة رأيتُ بعض المحاربين الهنود يهرولون إلى بيت، وقد استطعت أن أعد منهم ٤٦ واحدًا، لهذا تبعناهم إلى أن اقتربنا من البيت. وهناك رأينا امرأة منهم جالسة عند الباب، كانت تضع قدمها في القوسِ التي في يديها وتشدّها بكُلِّ قوتها ثم تتركها تُفلت باتجاهنا، فقتلت منا رجلاً، أظن أن اسمه مور. أغضبنا موته فأمطرناها بما لا يقل عن عشرين طلقة مزّقتها تمزيقا.. ثم أطلقنا النار عليهم جميعًا فقتلناهم كالكلاب. ثم أشعلنا النار وأحرقناهم بها. أتذكر أنني رأيتُ طفلاً قُرب البيت أُصيب بعيارات نارية، كانت يده وفخذه مكسورتين، وكان قريبًا من البيتِ المحترق. كان يحاول الزحف دون أن ينبس ببنت شفة إن الهنود قوم عنيدون يُفضِّلون الموت على الذُّل. لم تكن لدينا مؤونة كافية، لذا عدنا في اليومِ التالي إلى المدينةِ حيث ما زالت جثث كثير من الهنود تصدم العين. كانت أشكالهم فظيعة جدًا، لأنَّ النار لم تلتهمهم تمامًا بل جعلت مناظرهم كريهة، أو -على الأقل- مناظر ما تبقى منهم!“. نعم؛ إنها صفحة من التاريخ المجيد لغُزاة العالم الجديد!

ومشهد آخر سريع: ”يوم الأحد قَتَل المستوطن فريدريك ستمب Fredrick Stump أسرة مؤلفة من عشرةِ أفراد، وسلخ رؤوسهم، ثم جرّهم إلى الغديرِ المتجمِّد القريب من البيت، وهناك حفر حفرة في الجليد ورماهم فيها. ثم إنه خاف من وصول خبر الجريمة إلى الهنود فهرب إلى ميدل كريك Middle Creek على بعد ١٤ ميلاً، حيث وجد كوخين منعزلين، وفيهما امرأة هندية وبنتان صغيرتان، فقتلهن جميعاً خوفاً من أن يبلّغن عما جرى، ثم سلخ رؤوسهن ووضعهن في أحدِ الأكواخ، وأشعلَ النار التي أتت على الكوخ وعليهن“. لا تضجر أيها القارئ المُحترم، فنحن لا نزال نصعد سُلّم الحضارة العظيمة درجة درجة.

صرخَ الزعيم الهندي پوهاتن (١٦٠٩م) في وجه الرجل الأبيض متعجباً: ”نَحن نُطعمك، وأنتَ تقتلنا؟!“.

وقال الزعيم رِد جاكيت (١٨١١م) أيضًا للرجل الأبيض الهمجي: ”سَلبتنا بلادنا ولَمْ تَكتف، أطعمناك اللحم والذرة فجرَّعتنا السم“.

والآن قبل أن نختم المقال لنقرأ بأناةٍ شديدة الخطبة المؤثرة والمُعبِّرة للزعيم تيكومسيه Tecumseh :

٢٠ آب/ أغسطس ١٨١٠م.

”يا أخي، أتمنى أن تسمعني جيّدًا..

عِندما جاء الإنكليز قالوا بأنهم سيكونون آباءً لنا، وأنهم سيُعاملوننا كما كان آباؤنا يُعاملوننا، وأنهم سيحتلون جزءًا ضئيلاً من أرضنا، ولن يعتدوا على أراضينا بل سينظرون إلينا وكأننا أبناؤهم. ولقد كُنا يا أخي سُعداء بسماعِ وعود الإنكليز، لكنهم سرعان ما انقلبوا على وعودهم وأشهروا السِّلاح.. لقد بدأنا نكتشف خِداع الإنكليز، يوعدوننا.. ولكنها دائمًا وعود الإنسان الأبيض!“.

[وهُنا يقول مُخاطبًا الإنكليز] :

”يا أخي، منذ أن عقدنا السلام معكم قتلتم الكثير من هنود الشاوني والوينباغو Winbagoes والدولاير والميامي Miamies واغتصبتم الكثير من أرضنا. ولا أدري كيفَ نبقى في سلامٍ معكم وأنتم لا تتوقفون عن قتلنا واغتصاب أرضنا. إنكم أعطيتم هنود كيكابوس kickpoos بضائع لقاء الأراضي التي أخذتموها منهم، وقد تسببت هذهِ البضائع في موت الكثير منهم. ثم إنكم وعدتمونا بالمُساعدة، ولكنني لا أرى أنكم ساعدتم بشيء.

يا أخي، أنتم تفرضون الأذى على الإنسان الأحمر، وأنتم الذينَ تضطرونه اضطرارًا لفعل الأذى، أنتم لا تتوقفون لحظة عن التدمير!

تستمرّون بطردِ الإنسان الأحمر من أرضه، وقد طرتموهم أخيرًا إلى البُحيرات الكبرى حيث لا يستطيعون العيش ولا العمل.

يا أخي، يجب أن تُفكِّروا بعواقب ما تفعلونه للهنود. قد تكون هذه الأفعال بتعليمات من الرئيس، وهذا عمل خبيث لا نرضاه. إن هذه الأرض التي بيعت [لكم] والبضائع التي أُعطيت لقاءها، عمل لا نوافق عليه، فقد تم البيع مع ثلة قليلة ممن يخدمونكم.

يا أخي، كيفَ تريدون منا أن نثق بالإنسان المسيحي الأبيض، وأنتم الذينَ قتلتم المسيح وسمرتموه على الصليب عندما جاءَ إلى الأرض. لقد ظننتم أنه مات، لكنكم مُخطئون“. هذه لا أقول كلمات بل زفرات زعيم مُحترق، سلبه الرجل الأبيض كل ما يملك؛ روحه، أرضه، تاريخه.

بعد هذهِ الخطبة المؤثرة هل تَعلم أيها القارئ الكريم أنَّ أمريكا وقعت ٣٧١ معاهدة مع الهنود الحمر ولم تحترم معاهدة واحدة منها! لقد نقضتها كلها. وهذا ما عبّر عنه الزعيم الهندي رِد كلاود بقوله:

”لقد عاهدونا ووعدونا بالكثير مما لم أعد أحصيه ولا أتذكره، لكنهُم لم يَحترموا من كلِّ عهودهم ووعودهم إلا أنهم قالوا؛ سيأخذون بلادنا منا وقد نفذوا ذلك فعلاً“.

وللحديثِ بقية.