حضارة الجماجم «1»

هُنا بعض المشاهد والمواقف والحقائق -التي تذكرتها في لحظةٍ ما- من تاريخِ إبادة «الهنود الحُمر» على يدِ الرب الإنجليزي، رأيتُ أن أنقلها هنا -بتصرُّفٍ كامل- لعلَّ فيها ما يكشف المخفي، ويثري الحافظة المعلوماتية، ويساعد على التصوُّر الصحيح لأحداثِ الواقع.

بينما أنا غارِق في لحظةِ تأمُّلٍ مشوبة بحُزنٍ عميق تذكرتُ كل ما قرأتهُ عن معاناةِ السكان الأصليين للولايات المتحدة. أخذتُ أتذكر كل ما مرُّوا بهِ من فظائع وما تعرَّضوا له من ظُلم. رجعت إلى جرائمِ ويليام برادفورد تـ١٦٥٧م حاكم مستعمرة پليموث، الذي كان يرى أن ”نشر الأوبئة بين الهنود عمل يُدخل البهجة والسرور على الرب“ (الرب الإنجليزي طبعًا)، حتى وقفتُ عند دموع تلك الهندية الحمراء في مؤتمر جنيف بعد الحديث عن جريمة التعقير التي وقعت لفتيات قبيلتها دون علمهن للحد من نسلهن! وكما قالت هيلين غرين في (المجلة الأمريكية للصحة العامة) أن التحقيق الذي أجرته بين شعب «نافاهو» أكّد أن %30,7 من نسائهم (وكلهن دون الثلاثين) أُخضعن لعمليات تعقير!

أخذت أتذكر فتبدّى لي تمثال «جونيبرو سرا» مدير معسكرات الموت في شمال كاليفورنيا، والذي أراد إبادة كل العِرق الهندي. ثم ذهبتُ بعيدًا لأرى الزعيم الهندي تشيسكياك وهو يتولى المفاوضات الغادِرة عام ١٦٢٣م مع السفَّاحين الخونة، وبعد شُرب الأنخاب لتأكيد «الصداقة الخالِدة» خرَّ تشيسكياك صريعًا تحت أقدام مفاوضيه! لقد كانت أنخاباً مسمومة كأرواح أهلها.

نبشتُ في تاريخ الولايات المتحدة فظهر لي أول رئيس لها؛ جورج واشنطن. قرأتُ كيف كان هنود السينيكا يُطلقون عليه «هدّام المُدن» لأنه دمَّر ٢٨ مدينة من مدنهم! وتأملتُ وصف أحد زعماء الأروكو الذي قال في لقاءٍ له مع واشنطن عام ١٧٩٢م: ”عندما يُذكر اسمك تلتفت نساؤنا مذعورات، وتشحب وجوههن. أما أطفالنا فإنهم يتلببون بأعناق أمهاتهم من الخوف“. هنا أدركتُ ماهية الحضارة التي ستقوم. ثم تملّكني العجب من قول جورج واشنطن عندما أعلن أن الأرض التي اختارها لبناء عاصمته لم تكن سوى مستنقعات خاوية؟! ألم يأتهِ نبأ شعب كونوي ومدينته التجارية «نكن شتنِكه» المدفونة أسفل هذه المستنقعات -على حدِّ قوله- ؟ يتساءل منير العَكش:

ألم يلحظ تُخمة الغِربان وامتلاء التماسيح؟“.

وأنا أتجوَّل بين أروقة التاريخ الحقيقي والمؤلم للهنود الحمر لقيتُ الزعيم الشجاع تاوياتدوتا المعروف بـ«الغراب الصغير»، وأخبرني عن انتفاضة شعب السو الشهيرة عام ١٨٦٢م، وكيف أن «أندرو ميريك» مفوّض الدولة الاتحادية قال له بعد احتجاجه هو وشعبه على التجويع القاتل: ”اذهب أنت وشعبك فكلوا من حشيش الأرض، وإذا شئتم فكلوا خراءكم“. أخبرني كيف أنه لم يحتمل وقاحة هذا المفوّض اللعين فهجمَ عليه وقتله ثم حشى فمه -وكان مهذبًا- بالحشيش فقط!

ثم سقطتُ على رِسالة اللود إمهرست للكابتن بوكيه عندما طلبَ منه نشر الوباء بين الشعوب الهندية، وإصراره على إبادة هذا الجنس اللعين. عرفتُ حينها كيف انتشر الوباء –الذي قضى على مئة ألف إنسان منهم الرضيع والشاب والشيخ– بين أربعةِ شعوب هندية وهي «الأوتاوا» و«المينغو» و«المايامي» و«الليني لونابيه».

أكملت مسيري بين إرشيفاتهم وإذ بكلماتِ «پاشغنتاكيلياس» زعيم هنود دولاوير ١٧٨٧م وتحذيراته تصدح من بين تلك الأوراق العتيقة والمؤلمة: ”إنهم يفعلون ما يحلو لهم، يستعبدون كل مَن ليس من لونهم، يريدون أن يجعلوا منا عبيدًا، وحين لا يتحقق لهم ذلك يقتلوننا. إياك أن تثق بكلماتهم أو وعودهم، إنهم أحابيل، صدقني، فأنا أعرِف سكاكينهم الطويلة“.

وأنا غارِق في البحثِ فاجأني «فرانك بوم» وقد رفّ شارِبه فوق أوراق التاريخ الدموي، هذا الرجل الخبيث الذي كتبَ بعد مذبحة وندِد ني Wounded Knee التي وقعت في التاسع والعشرين من ديسمبر ١٨٩٠م وراح ضحيتها المئات من الأطفال الرضّع والنِّساء الحوامل من شعب «لاكوتا» وتُركوا صرعى في الصقيع! أقول كتبَ بعد هذه المذبحة: ”لقد فعلنا حَسَنًا، ويجب علينا أن نُتابع المسيرة لحماية حضارتنا ! إن علينا أن نقطع دابر هذه المخلوقات الوحشية ونمحو ذكرهم من على وجه الأرض!“. من مشاهدِ هذه المجزرة ما ذكره عالِم الإنسانيات جيمس موني، يقول: ”كانت جثث النساء متناثرة فوق محيط القرية، وتحت عَلَم الهُدنة كانت هناك امرأة صريعة ومعها طفلها، لم يكن الطفل يعرِف أن أمّه ميّتة، ولهذا فقد كانَ يرضع من ثدييها!“. إنها صناعة الحضارة.

هذه الشعوب النقية يشرح صفاء نواياها تلك الكلمة البريئة التي ألقاها أحد هنود لينابي Lenape أمام أحد المستعمرين الإنكليز، يقول -وتأمل قوله جيّدًا- : ”إننا نريد أن نعيش معكم بسلام كما عشنا مع غيركم من الشعوب. ولو أننا فكرنا في أن نُحاربكم يومًا فإننا سنُعلمكم بذلك سلفًا، وسنُبيّن لكم الأسباب التي سنُحاربكم من أجلها، فإذا أبديتم ما يقنعنا، أو يعوضنا عن الأضرار التي سنُحاربكم من أجلها فإننا لن نُحاربكم. وإذا أردتم أن تُحاربونا يومًا فنرجو أن تعلمونا بذلك وتُبيّنوا لنا الأسباب، فإذا لم نقنعكم ونعوضكم عن الأضرار التي ستُحاربوننا من أجلها، فلكم الحق في محاربتنا.. وإلا فليس لكم أن تُحاربونا!“. هذهِ براءة ابتلعتها حضارة الجَماجم.

كانَ الرب يضحك من أعدائه وأعداء شعبه المختار!“

هذا قول جون مايسون واصفاً هجومهم على هنود الپيكو وهم آمنون غارِقون في نومهم! كان الجنود يحرقون الهنود في أكواخهم، ويقتلون الجرحى من النِّساء والأطفال والرِّجال، كان اللهب يأكل كل شيء. يقول مايسون: ”كان الرب يضحك من أعدائه وأعداء شعبه المختار، يضحك حد الاستهزاء والاحتقار، ويجعل منهم وقودًا لهذا الفرن الذي تحوّلت إليه قريتهم. هكذا ينتقم الرب منهم، ويملأ الأرض بجثثهم، ليُعطينا أرضهم“. قبل أيام من هذا الهجوم كان هنود الپيكو يسألون ببراءة قائد الحِصن ليون غادينر: إذا حاربوهم ”هل سيقتلون النِّساء والأطفال؟“ لأن في عاداتهم؛ الاعتداء على الطفل والمرأة وصمة عار في جبين المُحارب.

يروي أكستل في بحثهِ عن «السلخ» لنا هذا المشهد، يقول: ”في مُنتصف ليلة ١٢ نيسان/ أبريل ١٧٥٦م اقتحمَ المستوطنون بيت عائلة قد نامت قريرة العين، أما الرجل جورج فقد تمكّن من الهرب، لكن الزوجة كاثرين تلقّت بضع طلقات في صدرِها ثم قُطع رأسها بالفأس، والطفلة ذات الأحد عشر ربيعاً تهشّم رأسها بالبلطة وتلقّت عِدة طعنات في كتفها“. أهلاً بكم في مسيرة الحضارة!

حَسَنًا، إنني متشوّق للخوض في الدم!“

كان هذا رد القائد جون شِفنغتون John Chivington عِندما أُخبر عن قريةٍ للهنود مُسالمة! هل مرّت بك مذبحة «ساند كريك Sand Creek Massacre» التي وقعت في فجر التاسع والعشرين من نوفمبر ١٨٦٤م؟ لن أروي لك الكثير، ولكني سأستعرض معك أيها القارئ الكريم بعض الشهادات التي قيلت أمام الكونغرس بعد المذبحة، حتى تُدرك ما الذي حَدث فجر ذلك اليوم!

يقول روبرت بنت Robert Bent أحد مساعدي شِفنغتون في شهادته أمام الكونغرس: ”لقد شاهدتُ خمس نساء مختبئات تحت مقعد طويل، وعندما وصل الجنود إليهن بدأن يتوسلن ويطلبن الرحمة، لكنّ الجنود قتلوهن جميعاً. كان هناك أيضًا ثلاثون أو أربعون امرأة متكوّمات فوق بعضهن في حفرة، وقد أرسلن إلينا طفلة تحمل راية بيضاء مربوطة على عصا، لكنها لم تتقدم بضع خطوات حتى أطلقنا عليها النار وقتلناها، كما قتلنا النِّساء اللواتي لم يبدين أية مقاومة. ثم إنني رأيتهن بعد ذلك مسلوخات الرأس، بينما إحداهن مبقورة البطن وجنينها في بطنها واضح للعين! وأخبرني الكابتن شاول أنه رأى ما رأيت، ورأى مثلي عـددًا كبيرًا من الأطفال بين أيدي أمهاتهم المذبوحات“. يا لها من شهادة!

ويقول الجندي آشبري بيرد Ashbury Bird في شهادته: ”لقد رأيتُ امرأة تعرّض فرجها للتمثيل، كما شاهدتُ جثثاً مقطعة تقطيعاً فظيعًا وعددًا من الجماجم المحطمة“.

أما عاموس ميلكش Amos C. Milksch فقد قال في شهادته: ”رأيتُ طفلاً حيّاً بين الجثث المرمية في الخندق، ورأيتُ جندياً من الفرقة الثالثة يُخرج مسدسه ويُطلق النار على رأسه!“.

سأتجاوز شهادة دافيد لودرباك وذكره لقطع الأعضاء التناسلية، وشهادة المُترجم جون سميث وحديثه عن اقتلاع الأدمغة، وغيرهما، وأقفُ عند قولٍ للرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة وهو ثيودور روزفلت، هل تعلم ماذا قال عن هذه المذابح؟ تأمل قوله لتعرف أُسّ هذه الحضارة، يقول: ”إن مذبحة ساند كريك كانت عملاً أخلاقياً ومفيدًا، ذلك أن إبادة الأعراق المنحطة حتمية ضرورية لا مفر منها“.

بالمناسبة جون شِفنغتون John Chivington قائد هذه المذبحة يُعتبر من أبطال التاريخ الأمريكي، وأُذكر بشعاره المشهور: ”اقتلوا الهنود واسلخوا جلودهم، لا تتركوا صغيرًا ولا كبيرًا، فالقمل لا يفقس إلا من بيوض القمل“.

نكتفي بهذا، وللحديثِ بقيّة!

الصادِق الرافعي والعيد.

‏قبل عيد الفطر بأيام، جلسَ محمد سعيد العريان إلى إمام الأُدباء الصادِق الرافعي -رحمهما الله- في القهوة، وساقهما الحديث إلى بعض شؤون العيد، فقال الرافعي (وكان أصمّاً بسببِ داء أصابه وهو صغير، ونذكر وصف العقاد له إبّان معركتهما بـ”المهذار الأصم!“)، قال: ”لو ارتدَّ إليَّ السمع لن يطربني شيء من النشيدِ ما كانَ يطربني في صدرِ أيامي نشيد الناس في المساجدِ صبيحة يوم العيد: الله أكبر، الله أكبر، يعج بها المسجد ويضج الناس. ليت شعري هل يسمع الناس هذا التكبير إلا كما يسمعون الكلام؟ الله أكبر! أما إنه لو عقل معناها كل من قالها أو سمع بها لاستقامت الحياة على وجهها ولم يضل أحد“.

وفي صبيحةِ يوم العيد ذهبَ على عادتهِ -كما يروي العريان- إلى المقبرةِ لزيارة أبويه، وقد كان في الرافعي حِرص شديد على ذكرى أبويه؛ فهما معه في كل حديث يتحدث به عن نفسه، وزيارة قبريهما فرض عليه كلما تهيأت له الفرصة؛ وما إيثاره الإقامة في طنطا على ضيقها به وجهلها مقداره إلا ليكون قريباً من قبرِ أبيه وأمه.

وقد نقلته الوزارة مرة نقلة قريبة، فتمرّد على أمرها وأبى الانتقال وانقطع عن العمل في وظيفته قرابة شهرين حتى ألغت الوزارة هذا النقل، وكانت كل حجته عند الوزارة في إيثار طنطا: أن فيها قبر أبيه وأمه! وقد ماتَ ودفن إلى جانب أبيه وأمه، فلعلّه الآن سعيد بقربهما في جوار الله ولعلّهما به.

كتبَ -رحمه الله- عن العيدِ مقالة بعنوان «اجتلاء العيد» [الرِّسالة – العدد ١٣١ – ٦ يناير ١٩٣٦]، فمما قاله فيها عن يوم العيد: ”[هو] يوم السلام والبِّشْر، والوفاء، والإخاء، وقول الإنسان للإنسان: وأنتم بخير. يوم الثياب الجديدة على الكل إشعارًا لهم بأن الوجه الإنساني جديد في هذا اليوم. يوم الزينة التي لا يُراد منها إلا إظهار أثرها على النفسِ ليكون الناس جميعاً في يومِ حُب. يوم العيد؛ يوم تقديم الحلوى إلى كُلِّ فم لتحلو الكلمات فيه. يوم تعمُّ فيه الناسَ ألفاظُ الدعاء والتهنئة مرتفعةً بقوةٍ إلهية فوق منازعات الحياة. ذلك اليوم الذي ينظر فيه الإنسان إلى نفسهِ نظرةً تلمح السعادة، وإلى أهله نظرةً تبصر الاعتزاز، وإلى داره نظرةً تدرك الجمال، وإلى الناسِ نظرة ترى الصداقة. ومن كلِّ هذه النظرات تستوي له النظرة الجميلة إلى الحياةِ والعالم؛ فتبتهج نفسه بالعالم والحياة. وما أسماها نظرة تكشف للإنسان أن الكلّ جماله في الكل!“. الله أكبر.

وفي مقالٍ له آخر بعنوان «المعنى السياسي في العيد» [الرِّسالة – العدد ١٤٠ – ٩ مارس ١٩٣٦] يقول: ”ما أشد حاجتنا نحن المسلمين إلى أن نفهم أعيادنا فهما جديدًا نتلقاها به ونأخذها من ناحيته فتجيء أياماً سعيدة عاملة، تنبّه فينا أوصافها القوية وتجدد نفوسنا بمعانيها، لا كما تجيء الآن كالحةً عاطلةً ممسوحةً من المعنى!“.

ليس العيد إلا إشعار الأمة بأن فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها بأنَّ الأيام تتغيّر؛ وليس العيد للأمة إلا يومًا تعرض فيه جمال نظامها الاجتماعي، فيكون يوم الشعور الواحد في نفوس الجميع، والكلمة الواحدة في ألسنةِ الجميع؛ يوم الشعور بالقدرة على تغيير الأيام، لا القدرة على تغيير الثياب. كأنما العيد هو استراحة الأسلحة يوماً في شعبها الحربي! .. وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف تتسع روحُ الجوار وتمتدّ حتى يرجع البلد العظيم وكأنه لأهله دار واحدة يتحقق فيها الإخاء بمعناه العملي، وتظهر فضيلة الإخلاص مستعلنةً للجميع، ويهدي الناس بعضهم إلى بعض هدايا القلوب المخلِصة المحبة. وكأنما العيدُ هو إطلاق روح الأسرة الواحدة في الأمة كلها. وليس العيد إلا إظهار الذاتية الجميلة للشعب مهزوزةً من نشاط الحياة؛ ولا ذاتية للأمم الضعيفة؛ ولا نشاط للأمم المستعبدة. فالعيدُ صوت القوة يهتف بالأمة: أخرجي يومَ أفراحك، أخرجي يومًا كأيام النصر!“.

وكل عام وأنتم بخير.❤️

الأدب والأحذية!

مِن أظرف المقالات؛ مقالٌ كتبه وديع فلسطين في مجلة الأديب [العدد 9, 1 سبتمبر 1969] وهو في ليبيا بعنوان «الأدب والأحذية»، نقل فيه بعض الطرائف المتعلقة في هذا الشأن، وقال في آخره؛ أنَّ الذي أغراه بالاهتمام في الحذاء، المقابلة التي أجراها نزار قباني بين الفكر والحذاء في بيته المشهور:

وإذا أصْبَــحَ المُفَكِّــرُ بُـوقًـا

يَسْتوي الفِكرُ عِندهَا والحِذاءُ

قال وديع فلسطين في أول المقال:

مادة المقال مستمدة من معين الذاكرة، وبعضها منقول من مراجع، والبعض الآخر تبرَّع به الأصدقاء جورج صيدح، وروكس بن زائد العزيزي، والبدوي الملثم يعقوب العودات عندما علموا أنني منشغل بالأحذية القديمة والجديدة على حدٍّ سواء!

والآن أنقل لكم بعض الأخبار والطرائف التي وردت في المقالِ مع اختصارٍ لابد منه وتصرّف يسير.

مما يروى عن الأديب الفكه الراحل كامل الشناوي أن أديبًا مرموقاً جاءه ذات يوم يشكو له ضيق الحال، وكيفَ أنه لم يعد أمامه إلا العمل بمؤسسة للأحذية! فقال الشناوي: وما الذي أحنقك، أفلا تعلم أن أستاذك «مكسيم غوركي» الذي تهيم به قد بدأ إسكافياً وانتهى أديباً؟ وها أنتَ قد عكست الآية، فبدأت أديباً وانتهيت في حانوت الإسكاف.😊

وأرادَ الشَّاعر إلياس فرحات أن يهجو لئيمًا من سُفهاءِ القوم فقالَ في وصفهِ:

مَاشَيْتهُ يومًا فدستُ خَياله

عرَضًا، فأثَّر لؤمـه بِحذائي!

‏وأهدى الشَّاعر نعمة قازان المُقيم في ريو دي جانيرو زوج أحذية من إنتاجِ مصنعه الخاص إلى صديقهِ الأديب توفيق ضعون، وقالَ في تسجيل هذهِ المُناسبة:

‏لَقد أهديتُ توفيقًا حِذاءً

فقالَ الحاسُدونا: وما عليهِ

‏أما قالَ الفتى العربيّ يومًا

شَبيه الشيء مُنجذبٌ إليهِ!

‏فما كانَ مِن ضعون إلا أن يَرد التحية ‏بأحسنَ منها وخاطبَ قازان قائلاً:

لو كانَ يُهدى إلى الإنسانِ قِيمتهُ

لَكُنتُ أستَـاهِل الدُّنيـا ومَا فيـها

‏لكِن تَقبَّلتُ هَذا النَّعـل مُعتقـدًا

‏أنَّ الهَـدايا على مـقدارِ مُهْدِيِهـا

‏وعندما أصدرَ الشَّاعر كامل أمين ديوانه الأول، قدَّمه بعبارةٍ شعريةٍ غريبة فيها منتهى الاعتداد بالنَّفسِ فقال: ”إلى الذينَ حِذائي فوقَ أرؤسهم!“. ثم ثنَّى بقولهِ أنَّ قدمه تعلو على كثيرٍ من الرؤوس!

‏ولحافظ جميل قصيدة كانَ الحذاء وحياً ‏لها ومادة لمعانيها، يقول:

تعلّم كيفَ تنحدِرُ النفوسُ

‏وتلثم مَوطيء القدم الرؤوسُ

‏وصانع لا يفتكَ رخيص قدرٍ

‏تُجامِله ولا رذل خسيسُ

‏وحاول أن تساير كل عهدٍ

‏فلا يَندى محياكَ اليبيسُ

‏جلال القَدر أنكَ حين تَمشي

‏يلوذُ بنعلِك الشَّرف المدوسُ!

وكانت في الشامِ أسرة معروفة هي أسرة «القباقيبي»، عَنَّ لهذه الأسرة أن تدعو الشيخ البيروتي محمد الكستي للنزول في ضيافتها في دمشق، وفي صباح اليوم التالي أراد أحد شبان الأسرة ممازحته فسرق بابوجه (أي خُفه). ولما رح يبحث يفتش عنه لم يعثر عليه، فضرب كفاً بكف، وهنا دخل عليهِ الشاب سارق البابوج، فأنشده تواً:

‏لا غرو أن ضاعَ بابوجي بداركم

‏إن البوابيج إخوان القباقيبِ!

انتهى.

فاتِك النظرات والحُب!

استمتعتُ بقراءةِ مقالٍ خفيفٍ ظريفٍ لا يخلو من بيانٍ لذيذ وأسلوب عذب أخَّاذ للملاكِم الأدبي الدكاترة زكي مبارك تـ١٩٥٢م عن «الحُب» في مجلَّةِ الهلال فأحببتُ أن أُشرككم معي بالقراءة. وهأنذا ناقله لكم بعدَ ضبطِه والتصرُّف اليسير بألفاظه.

«تجاربي في الحُب»

وهل عرفتُ الحب، حتى أتحدث عمَّا لقيتُ فيه من مفاتنٍ وطيبات، وما عانيتُ من مكارهٍ وأهوال؟ إنها إشاعة لفَّقها المُرجفون الآثمون الذينَ زوَّروا باسمي كتابًا اسمه «حب ابن أبي ربيعة» وكتابًا اسمه «مدامع العشَّاق».

أنا أُحِب؟ ومَن الذي يحقد ويُبغض ويؤذي خلق الله في الصباحِ والمساء؟ .. أنا أُحب؟ وكيفَ وكبدي أقسى من الصخرِ، وقلبي أصلب من الحديد؟ قولوا غير هذا واطلبوا تجارب الحُب من رجلٍ سواي. فإنْ كنتم في ريبٍ من جهلي بالحُب، فانظروا كيف أصفه، لتعلموا أني ما ذقتُ الهوى ولا الجوى.

(وأنا هُنا أدعوكم لتأمل وصفه)

الحُب عاطفة نبيلة لا تعرِف غير كرائم النفوس. الحُب لغة روحية يفهمها القلب عن القلبِ، وتنقلها الرُّوح إلى الروح، وتسري نشوتها في الأفئدةِ سريان الصبا في الغِصن. الحُب معنًى نبيل في لفظٍ نبيل. الحُب قبس من الصهباءِ في كأسٍ من ألماس.

الحُب لمحة من لمحاتِ السِّحر الذي يفيض بهِ الوجود في ليلةٍ قمراء. الحُب أرق وأنظر وأطيب من مطلولِ الأزهار ومنظور الرياحين. الحُب نغمة حلوة عذبة تناغي السرائر وتناجي القلوب. الحُب هو الكأس التي عناها سلطان العاشقين إذ يقول:

يقولونَ لي صفها فأنتَ بوصفِها

خَبيرٌ، أجَلْ! عِندي بأوصافِها عِلْمُ

صفاءٌ ولا ماءٌ، ولُطْفٌ ولاهَواً

ونـورٌ ولا نـارٌ وروحٌ ولا جِسمُ

على عُمرهِ فليبكِ منْ ضاعَ عمرهُ

وليسَ لهُ فيها نصيبٌ ولا سهمُ!

الحُب نعيمٌ يلبس ثوب البؤس، أو بؤسٌ يلبس ثوب النعيم. الحُب عاطِفة عاصِفة ماحِقة ما يدري [الإنسان] أهي نِعمة أم نِقمة، ولا يَعلم أهي هُدًى أم ضلال، وإنما يعرِف أنها كلمة سحرية تزلزل العزائم وتدكّ الجبال. الحُب هو ائتلاف روحين، وامتزاج قلبين، وانسجام نفسين. الحُب هو أن تذوب القسوة في كوثرِ الحنان، وأن تأنس الأسود إلى فتكِ الظباء! الحُب هو أن تصير قلباً شفّافًا تجرحه النظرة، وتفتنه الخطرة، ويأسره الدلال. الحُب هو أن تكون دُنياك كلها ملكًا لِمن تُحب. الحُب هو أن تُخاطِر بالمُلك في سبيلِ من تُحب.

أترونني وصفتُ الحُب؟ لا أظن ذلك، وكيفَ يصِف الحُب من لا يُحب. أشهدُ صادقًا أنني لم أعرِف الحُب، ولكني مع ذلك أعترِفُ بأنَّ لي شمائل تُشبه شمائل المُحبين. فأنا رجل يُفضِّل الحُسن على القُبح، وهل في هذا بأس؟ وأومن بأنَّ الوجه الأصبح أجمل من الوجه الوقاح، وهل يلام من يقول بذلك؟

وأعتقدُ أنّ العيون النواعِس أَحب إلى القلوب من عيونِ الحلاليف، وهل في هذا خلاف؟ وأرى أن القد الرشيق أملح في العينِ من الجسمِ المغلوط، وهل في هذا الرأي غلط؟ وأجزم بأنَّ المَبسم العذب أحلى وأعذب من الأفواه السود، فهل أنا في هذا مخطئ يا أرباب العقول؟

أنا لا أُحب، لا أُحب، ولكنني رجل فاتِك النظرات، وما كانَ ذلك عن فجورٍ أو فسوق، وإنما هيَ فلسفة لم يعرِف مثلها الناس في شرقٍ ولا غرب. أنا لا أُحب، لا أُحب أحدًا، وإنما أُحب نفسي. ومن حُب النفس أن لا تقع العين على ما يسوء، وإنما تقع على ما يفتن ويشوق.

وهل يكون الطائر أعقل مني؟ إنَّ الطائر لا يقع إلا على الغِصن الرطيب! وهل يكون النحل أعقل مني؟ إن النحل لا يمتص من الأزهارِ غير الرحيق!

مَن أنا في دُنياكم، يا بني آدم، يا أكلة اللحم والبقل، ويا خُلفاء بني إسرائيل زهدوا في المنِّ والسلوى، وسال لعابهم شوقًا إلى العدسِ والبصل والفول!

مَن أنا في دُنياكم يا بني آدم؟ أنا في دنياكم غريب لأني أعيش على الحبِّ والنسيم. أعيش على الحب؟ لا، أنا لا أُحب أحدًا، وإنما أُحب نفسي، وقديما قلتُ:

ولما صارَ ودّ الناس ختلاً

وأوحشَ ربعهم من بعدِ أُنسِ

ولم أظفر على جهدي بحُرٍّ

تركتُ هواهمُ وصحِبتُ نفسي

أنا لم أُحب، ولم أعرِف الحُب، لأني قلبي أعظم من أن يُحب، ولم يُخلق إلى اليوم وجه يكافئ ما في قلبي من صراحةِ الصدق، ونمير الحنان. وأين يقع قلبي إذا شاءَ أن يُحب؟ أين يقع ولم يبقَ في هذه الأرض حُسن مهذَّب ولا جمال مصون؟

أنا أُحب؟ قولوا غير ذلك، واطلبوا تجارب الحب من رجلٍ سواي. ألستُ أنا الذي رفع الحجاب عن أصولِ الحقائق حين قال: ”إن الدمع في عينِ العاشق كالسم في نابِ الثُّعبان“. فإنْ رأيتموني أبكي من الحبِّ فاعلموا أنِّي أفعل ذلك لأخدِّر الفريسة كما يفعل الأفعوان حين يلدغ الفريسة ليخدرها بالسم فيبتلعها بلا عناء.

ماذا لقيتُ من الحُبِّ؟ لا تسألوا ماذا لقيت، فذلك حساب تثقل فيه الموازين، ولكن اسألوا ماذا عانيت في الحُبِّ من سفَه الطيش وعنف الفتون. ”ولو أنني أنفقتُ في سبيلِ المجد بعض ما أنفقت في سبيل الحُب لكنتُ اليوم رئيس الوزراء!“.

وداعًا أيها الجمال، وداعًا أيها الحب. وفي ذمةِ الله عمر ذَهب، وشباب ضاع. وفي سبيلِ مَن؟ في سبيل الغادرين الخاتلين من أهلِ الصباحة وأرباب الجمال.

تسألون عن تجاربي في الحبِّ؟ إنها تجارة خاسرة، وأرض موات.

فإن كانَ في القرَّاء من يعقل فليسمع الموعظة من رجلٍ دفع ثمن التجربة من دمِ الصِّبا وعافية الشباب. لقد جرَّبتُ الحب، وهأنذا أخرج من دنياه صفر اليدين. فمن اغترَّ بالحبِّ بعد ما حذَّرته وأنذرته فهو مضيع مغبون.

وكنت أحب أن أطيل في شرحِ هذه الموعظة، ولكني مع الأسف مشغول القلب بغرامٍ جديد، ولعلي أحدثكم عن أهوالهِ بعد حين.

أتحسبونني تُبت؟ هيهات هيهات!

[زكي مبارك]

• من أراد قراءة المقال بتمامه، فإنَّه في مجلةِ الهلال العدد ٣ / ١ يناير / ١٩٣٧، وإن كنتُ قد مَخضتُ لكم زُبْدَه، وتَركتُ زَبَدَه.

قبل الختام أُحب أن أثبت هنا ما كتبه زكي مبارك متحدثاً عن نفسه، يقول: ”لقد ابتدأت حياتي الأدبية بأناشيد الحُب والجمال، ولو تركني الناس وشأني، لعشتُ بلبلاً وديعاً، لا تسمعون منه غير أنغامِ الحنين، ولكن لؤم اللئام حولّني إلى إعصارٍ عاصِف يمحق ما يُصادف من اليابسِ والأخضر والطير والحيوان، ولا أذكر الإنسان فما سمعتُ بأخباره في هذا الزمان!“.

قال الزيات رحمه الله عنه: ”لو استطاعَ زكي مبارك أن يتملَّق الظروف، ويصانع السلطان، ويحذق شيئاً من الحياة، لاتقى كثيرًا مما جرته عليه بداوة الطبع وجفاوة الصراحة“.

انتهى.

«إميل» جان جاك روسُّو.

‏جان جاك روسو ابن مدينة جنيف السويسرية، الفيلسوف الذي تركَ تأثيرًا عظيماً في تصورات الكثيرين عن التربية؛ أراد أن يُربِّي الإنسان ليصير إنساناً على ما يؤكد كرامته ويتسق مع قدراته. من أهمِّ أعماله كتابه الذي يحمل عنوان «إميل»؛ الشخصية الرئيسة. إميل القاصر هوَ موضوع التجربة التربوية.

يقدّم «إميل» ما يُمكن أن يصير إليه الإنسان؛ عندما يتم إبعاده عن التأثيرات الضَّارة في المجتمع. يُعايش القارئ الإنسان الفطري الطبيعي في التجربةِ المعملية مِن الميلاد إلى الزواج. كتاب إميل خلّف تأثيرا عظيماً في تاريخ الفلسفة.

‏أصبحَ «روسو» وهو خاوي الوفاض من الثروةِ والأصل العائلي العريق، والذي عاشَ حياة التشرّد، ولم يتخصص في أي مجال، أقول: أصبحَ بين فلاسفةِ باريس الكِبار حدَثًا طبيعيا متفجرًا، وظاهرة غير عادية إلى أقصى حد ممكن.

‏كانت قصة حياته مثيرة جدا، والتي تناولها أدبياً فيما بعد في كتابهِ «اعترافات». نشأ ابن لساعاتي، شجَّعه والده على القراءةِ ولكن ما لبث أنْ تمزّقت الأسرة بسرعة. ماتت الأم مبكرا، وترك الأب الأسرة، وتم الزج بأخيه في مؤسسةٍ تربوية، ثم وضعه هو تحت رعاية أحد القساوسة.

‏كانَ «روسُّو» إنسانًا حساساً وغير متزن شعوريا. قال عن نفسِه في كتابه «هواجس المتنزّه المنفرد بنفسه» صـ١٠٩: ”لقد ولدتُ مرهف الإحساس ذا طيبة، أحمل بين جنبيّ رأفة تبلغ حد الضعف“. كانت خلافاته مع الناسِ تؤدي عنده بسهولة إلى القطيعةِ النهائية. وكانَ أيضًا من الصعبِ عليه إنشاء علاقة متكافئة ناضجة بامرأة. ولم يَستطع التوافق مع الأعرافِ الاجتماعية للمُجتمع الراقي مطلقا. لقد ظل إنسانًا غريب الأطوار.

‏لم يكن يتغنَّى بالتقدّم العلمي والفني؛ بل كان يؤكد أنَّ العلم والفنون، الدعامات المدّعاة للحضارةِ المدنية، لَم يجلبا للإنسان إلا الشقاء والفساد. يكتب روسو ما يلي: ”يا الله القادر خلصنا من العلومِ والفنون الشريرة لآبائنا، وأعد لنا الجهل (والبراءة) والفقر“. لقد رأى مِن يومها أنَّ مهمته الفلسفية الخاصة هيَ التشهير بالإنجازاتِ المزعومة للحضارة، وأنْ يدعو إلى الفضيلةِ على أنها «العِلم السامي للنفوس البسيطة». إنها فضيلة البساطة ضد التصنّع والبذخ.

يرى «روسو» أنَّ عدم المساواة بينَ البشر نتيجة تاريخ إنساني يعتبره تاريخ انحطاط. ففي البحث المنشور عام ١٧٥٥م بعنوان (بحث في معالجة أصل وأسس عدم المساواة بين البشر) يحمِّل إدخال الملكية الخاصة مسؤولية نشأة تناقضات الفئات والطبقات الاجتماعية بينَ الناس.

كان يشكو دائمًا من سوءِ صحته؛ لكنهُ مع سوء حالته الصحية كان يواصل العمل بلا انقطاع. أنجبَ أطفالاً من شريكته تيريز لوفاسور ولكنهُ وضعهم في ملجأ أيتام!

صحيح أنَّ روسو يعتبر في تمرّده على الأحكامِ المسبقة رجل تنوير؛ لكنهُ تنويري من نوعٍ خاص. فليسَ العقل؛ وإنما الحقيقة الخالصة للإحساس صَارت بوصلة نقده الاجتماعي. عام ١٧٦١م كان مخطوط «إميل» قد اكتمل مع ثاني أهم أعماله الكبيرة «العقد الاجتماعي».

طبقًا لقوله يقدِّم الكِتابان معًا صورة متكاملة. فكِتاب «العقد الاجتماعي» يتناول إنشاء مؤسسات اجتماعية وسياسية، و«إميل» يقدّم تشكيل الإنسان الفرد. يبدأ في الكتابيْن بدقةِ ناقوس، يَتم فيها رثاء ضياع العصر الذهبي للبدائية والبساطة. ففي بدايةِ الفصل الأول مِن «العقد الاجتماعي» يقول راثيا حال الإنسان: ”يولد الإنسان حرّاً؛ لكنهُ تكبّلهُ القيود في كُلِّ مكان“. أما الجملة الأولى من «إميل» فتقول: ”كُل شيء طيِّب كمَا يجيء مِن بين يدي الخالِق، وكُل شيء يَفسد بيديْ الإنسان!“.

‏في «إميل» لايوجِّه الإنسان تربية الطفل، وإنما الطبيعة بنفسها. يُقارن روسو الإنسان بغرسٍ نباتي يُهدده خطر الجَفاف والتيبّس، والذي في ظلِ أوضاع مُناسبة فقط وبرعايةٍ سليمة يُمكن إعادة تحسينه. يربِّي روسو قاصرهُ المُتخيّل إميل في غرفةٍ زجاجية، حيث يَستطيع الطفل أنْ ينمو دون معوقات.

إنَّ «إميل» ابن طبقة نبيلة، ومن ثَمَّ فهوَ طفل يَستطيع أنْ ينمو حرّاً من القهرِ الاجتماعي والبؤس المادي. ليسَ لإميل إخوة أو أخوات. كما تم إبعاده عَن قرناء الصبا وعن انحطاطِ المدينة؛ لأنهُ يعيش في الريف. لن تتم متابعة نموّه من والديه؛ وإنما من أحدِ المربين، وهذا المربي صغير في السن. فكرة روسو؛ أن يُصبح المربي بعدَ فترة صاحبًا لإميل، ولقُرب السِّن بينهما لا تتكون سلطة ورتبة بينهما. يُعتبر مشروع روسو التربوي في عصرهِ ثوريا؛ إذْ إنَّ المربي لا يُعتبر سلطة مرجعية؛ وإنما هوَ مولدةٌ للطبيعة!

فكرة روسو التربوية هيَ فكرة «تربية سلبية»؛ أي تربية بدون تعليمات وقواعد مُحددة. إنها تنطلق مِن القاعدة التي يُمكن أن نسميها «التعليم بواسطة التصرفات». إنها تربية وجهتها الخبرة. فعلى الطفل أنْ يَحصل على ما يَعلم مِن خلال الاكتشاف الذاتي.

‏أيضًا يريد تربية طبقًا لمقاييس العقل؛ لكن العقل عنده عقلٌ مشدود إلى الطبيعة بشكلٍ وثيق؛ فهو عقل يُتيح للإنسان تعلّم ما يحتاج إليه، وليسَ ما تأمره به التقاليد.

باقتناعٍ تام يرى روسُّو أنَّ الطبيعة الإنسانية في الأصل خيّرة، ولا يَعتقد مثل كثير من مُعاصريه أنهُ يكمن في الأطفالِ شيءٌ من الشر. فالشرّ عندهُ يَرِدْ فقط من خِلال تأثير النَّاس والمجتمع.

ويرى بأنَّ: ”كل الشرور تنبثق من الضعف. فالطفل لا يكون شريرًا إلا عندما يكون ضعيفًا. اجعلوه قويا وسيُصبح خيّرا“. يُعتَبر روسو من أوائلِ الفلاسفة الذين أعطوا لدور اللعب أهمية تربوية مركزية. فهوَ يعتقد أنَّ اللعب أحد أهم أدوات المعرفة الحسية المُبكرة بالعالم.

عارضَ في كتاباته المبكرة حياة الرفاهية لعصره. لقد نادى بالخشونة البدنية واضعًا نصب عينيه الشاب المنشأ على الطريقة الإسبرطية. فعلى «إميل» أن يتعرض للطبيعة؛ بأنْ يمشي حافيا وينام في فراشٍ خشن وقاس. كما يجب أن يتواءم ملبسه ومأكله مع هذهِ التربية (الطبيعية) الجديدة. فَعلى النقيض من النبلاءِ الصغار في عصره، الذينَ كانت تسري عليهم تعليمات زِيّ محددة، كانَ «إميل» يرتدي ملابس متواضعة، يستطيع أن يتحرك فيها بحرية. أما طعام إميل فكانَ طعاما اقتصادياً صديقاً للبيئة في بساطةِ الوجبات واعتدال الكميات، كما أنهُ طعام نباتي خال مِن اللحوم.

يَجب على التربية العقلية -في رأي روسو- أن تُبنى على التربية الحسية، وأن تتم مِن خلالها. وعلى ذلكَ يتعلّم «إميل» المصطلحات والشروح النظرية دائمًا في ارتباطٍ وثيقٍ بالخبرات الحسيّة التي يَقوم بها. فهوَ يتحصّل على أُسس الهندسة من خلالِ إعادة رسم الأشكال الهندسية.

أما تعلّمه الجغرافيا وعِلم الفلك فيتم عن طريقِ المُلاحظة المباشرة للطبيعة. إنَّ لدى روسو سوء ظن تجاه الخيال والخبرات الجمالية الحرة. فهوَ ينظر إلى مُطالعة الكتب على أنها «سوط الطفولة» قبل كل شيء. لم يقع كتاب في يد إميل حتى بلوغه سن الخامسة عشر باستثناء وحيد ذي طبيعة خَاصة؛ وهو قصة روبنسون كروزو لدانييل ديفو، التي تُعتبر إنجيل رجل الطبقة المتوسطة العصامي؛ وهيَ حكاية رجل يَنزل بعد تحطّم سفينة إلى جزيرةٍ معزولة، ويُثبت وجوده بنفسهِ ويبني حياته بيديه بعيدًا عن المجتمع. قصة كروزوي قَدْ حققت ما يَنتظره روسو مِن الأدب: ”يجب أن يكون مُفيدًا ونافعًا“.

ليسَ مسموحًا «لإميل» أنْ يكون مثقفا. ويجب عليه أن يعمل بيديهِ وأنْ يُدبّر أمور معيشته بنفسه. كانَ روسو يركّز على الحياة الأخلاقية الخيّرة، فيقول: ”أهم شيء على هذهِِ الأرض أنْ يؤدي الإنسان واجبه“.

على القاصر إميل أيضًا أنْ يتعلّم ويهيئ نفسه للتعامل مع البشرِ الآخرين وبذلكَ مع المجتمع. فهوَ إلى الآن خامة ريفيّة معزولة عَن المجتمع. فعليه أن يُلم بصور التواصل وأشكال العلاقات. وعلى إميل أنْ لا يَنزلق وعيه الذاتي إلى الغرور وحب الذات. يقول روسو: ”إنهُ واثق من نفسهِ؛ لكنهُ ليسَ معجبًا بها. كما أنَّ سلوكه حُر؛ لكنهُ ليسَ مُتعجرفًا أو مُسْتخفًا“. فلا يَجوز أنْ يصير الأدب الحق عملاً روتينياً؛ وإنما يَجب أنْ يكون دماثة خُلق وطيبة طبيعية.

مِن المُهم جدًا لإميل أنْ يَتعرّف على الجنس الآخر. يُطالب روسو بما هوَ غير معتاد مطلقًا في عصره؛ يُطالب بالاستنارة والإطلاع الجنسي المُنفتح! ومع هذا لا يَنبغي عليه القيام بأي تجارب جنسية حتى يبلغ العشرين. وحتى حينئذ لا يَختار هو بنفسهِ أول شريكة، بل سوف يمدهُ بها مُربيه. فقضية الشريك المُناسب عند روسو أكثر أهمية من أن يَتركها للصدفة. مثلما قدّم الرب الإنجيلي للإنسان الأول شريكة، يُقدّم هوَ أيضًا في الفصل الخامس من رواية «إميل» زوجة المُسْتَقبل لفتاه. إنها تُسمى صوفي. كانت تربيتها عكس تربية إميل. والمرأة في رأي روسو: ”خُلِقت للإعجاب بها والخضوع“.

خَتم روسو كتابه بنهايةٍ سعيدة ممثلة بالزواج. هذا الكِتاب هو محاولة تجريب نموذج تم إلباسه شكل الرواية، والذي يَجب على كُل إنسان أن يَنقل نتائجه إلى واقعه الذاتي. أثارَ نَشر «إميل» عام ١٧٦٢م الرقابة فورًا، وتسبب في اضطرابات وصخب هائل لحياة روسو. اضطر إلى مُغادرة باريس هاربًا من ردود الأفعال التي أثارها كتابه، وظل سنوات عديدة فارّاً من قبضةِ السُّلطات. ولأنَّ الكِتاب كانَ مخالفا تماما لمناهج التربية في عصره، وفيه آراء غير تقليدية في الدِّين؛ تمّت مصادرته فورا وحرقه.

‏لَم يَسلم روسو من نقدِ مُعاصريه أيضًا. فقد كانَ «فولتير» أول من سخر منه؛ فكيفَ لرجلٍ قد دفع بأطفالهِ الخمسة إلى ملجأ للأطفال اللُّقطاء، يدّعي أنهُ سيعلّم القارئ التربية! أما «روسو» نفسه فقد كانَ مقتنعا بأنَّ «إميل» من بين كل كتبِه سيكون لهُ التأثير الأعظم.

قد بدأت مكانة «روسو» كمُفكر عصر، عندما نقل اليعقوبيون رفاته إلى مقبرةِ العُظماء الباريسية بانتيون (Pantheon) على أكثر تقدير. لقد استندَ التنويريون على نقده الاجتماعي، وعلى دفاعه عن الفضائلِ الاجتماعية العامة، وعلى مطالبتِه بالاعتراف برُشد وأهلية الإنسان الفرد. وعلى ذلكَ يُعتبر المطلب التنويري الكلاسيكي «لإمانويل كانْت» (أقْدم على استخدام عقلك الذاتي) مأخوذا بصورةٍ مُباشرة من المبادئ التربوية في رواية «إميل». أما ما بدأه روسو من ثقافة احترام رهافة الحس والبساطة، فقد وصلت إلى قيمتها في رواية «آلام فرتر» لجوته. أما مبادئ التربية المتعلقة بالتفتح الذاتي لقوى الإنسان الطبيعية والتجربة الكلية فقد أثرت أيضا في مختلف المفكرين؛ من أمثال رودولف شتاينر، مؤسس مذهب معرفة الإنسان. ختاما فهذه رواية «إميل» التي تعتبر عمل مصلح فلسفي، كشف عن صورة الإنسان الطبيعي خلف صياغات الثقافة والحواجز المجتمعية.

وهُنا أرى أنه من المُناسِب إيراد حجة روسُّو التي يرد بها على بعضِ معاصريه عندما سخِروا منه؛ بأنه يريد أن يعلِّمنا التربية وهو الذي دفعَ بأطفالهِ الخمسة إلى ملجأ للأطفال اللُّقطاء! في كتابه «هواجس المتنزِّه المنفرد بنفسِه» صـ١٦٠ كتب يرد على مَن اتهمه بكره الأولاد ومن جرَّده من العواطف الإنسانية:

أنا أفهم أنَّ الملامة التي وُجهت إلي بأني وضعتُ صغاري في ملجأ اللقطاء قد تحوَّلت بطريقة من طُرق التعبير بأني أب مجرَّد عن العواطف الإنسانية، وبأني أكره الأولاد، على أنه مما لا شكَّ فيه أنَّ خوفي عليهم من مصيرٍ أسوأ ألف مرَّة ولا مهرب منه، هو الذي حداني على اتخاذِ هذا القرار. ولقد كنتُ أكثر مبالاة بما سيصير إليه أمرهم كما كنتُ عاجزًا عن أن أقوم بتربيتهم بنفسي، لذلك كان عليَّ، في هذه الحال، ألا أكِل أمر تربيتهم إلى والدتهم التي أفسدتهم، ولا إلى أسرتها التي كانت جعلت منهم مسوخًا. إنني أرتجف كلما فكرت في هذا الأمر، فإنَّه ما لقيه فلان لدى فلان من إفسادٍ وسوء معاملة، ليسَ شيئاً يُذكر، إذا قيس عندي، بمعاملة الأم وأسرتها، والفخاخ التي نصبوها لي فيما بعد تُثبت لي أنهم كانوا قد عزموا الأمر على ذلك. وحقيقة الأمر أني كنتُ أبعد من أن أتوقع عندئذٍ هذه الدسائس المريعة؛ ولكني كنتُ أعلم أن أقل التربيات ضررًا بهم وأقل خطرًا كانت تربيتهم عند اللقطاء فوضعتهم في ذلك الملجأ“.

كانَ هذا العرض اختصارًا لما كتبه روبرت تسيمر في الجزء الثاني من كتابه الشهير «في صحبة الفلاسفة» عن جان جاك روسُّو وكتابه «إميل»، وقد تحدَّث عنه في خمس عشرة صفحة تقريبًا، زبدتها ما نقلته لك هنا بتصرُّف يسير وإضافات من كتاب الهواجس.

والسلام.

علي عزت بيجوڤيتش.

قُبيل وفاته بنصفِ ساعة؛ قامَ وهوَ يُصارِع الألم، يحمل ٧٨ سنة على كاهِله فتَوضأ وصلَّى، ثم فَاضت روحه إلى بارِئها فِي التاسعِ عشر من أكتوبر عام ٢٠٠٣م/ يوم الأحد ٢٣ شعبان ١٤٢٤ھ في سراييفو. فإلى رحمةِ الله أيها الرجُل العظيم.

‏هَذا الرجُل غير عادي، إنه أُعجوبة فِي الفِكر والصبرِ والأخلاق. تكمن عَظَمة بيغوڤيتش في صمودِهِ وبقائهِ مُعتزاً بإسلامِهِ ومُدافعًا عنه بصبرٍ وثبات. كانَ نشيطًا في حياتهِ كلها محاضرًا وكاتباً ومُحاورا. استطاعَ أن يثبِّت وجود ٦ ملايين مسلم في وسط أوربا لم تكن لهم حقوق ولا امتيازات.

وُلِدَ في الثامنِ من أغسطس ١٩٢٥م. قالَ في آخر سيرتهِ الذاتية صـ٥٧٦: ”وُلِدت في حقبةٍ من الزَّمن بعيدة كُل البُعد عن زمنِ سعادتي“ ثم أردفَ قائلاً: ”فلو عُرِضت عليَّ الحياة مرة أخرى لرفضتها، لكن لو كانَ عليَّ أنْ أولد من جديد، لاخترتُ حياتي“.

كيفَ كانت نشأة هذا الرجل العظيم؟ لنقرأ معاً هذه السطور التي كتبها لنعرف أساس تكوينه ونفهم سبب عَظَمته، يقول:

كانت أُمي تحرِصُ على قيامِ الليل وقراءة القرآن حتى يحين موعد صلاة الفجر، فتوقظني لنذهب معاً إلى صلاةِ الجماعة في المسجدِ القريب من بيتنا. كنتُ في ذلك الوقت بين السنة الثانية عشرة والرابعة عشرة من عمري. لم يكُن من السهلِ عليّ أن أُغادر دفء الفراش في هذا الوقت المُبكر، فكنتُ أُقاوم في بادئ الأمر، ولكني كنتُ أشعر بعد العودة من المسجدِ بارتياح كبير وسعادة من هذه الخِبرة المثيرة خصوصاً في فصلِ الربيع. حيثُ تكون الشمس قد أشرقت وملأت المكان بأشعتها الدافئة، ولا تزال آيات القرآن حُلوة ندية ترقرق في مسامعي، فقد اعتاد الإمام الشيخ قراءة سورة الرحمن كاملة في الركعةِ الثانية بصوته العذب، وكان شخصيةً محبوبة من جميع الناس. كنتُ أعود من المسجدِ سعيدًا منشرح الصدر، وقد استقرّ هذا الإنطباع في أعماقِ نفسي واضحًا مشرقاً في وسطِ ضباب كثيف من الخبراتِ الأليمة التي أحاطت بحياتي عبر السنين“.

هذا المُجاهِد المُجتهد -كما سمَّاه المسيري- كانَ حالة نادِرة فِي عالمنا الإسلامي؛ فإنكَ يندُر -وتجنَّبتُ لفظة يستحيل- أن تجِد رئيسًا على هذا المستوى الرفيع مِن الفِكرِ والثقافة. قادَ شعبه الأعزل في أحلك فترات تاريخه ضِد التدخل الصِّربي الغاشِم، وضِد تواطؤ ومؤمرات العالَم الغَرْبي الظالِم.

‏استحقَ جائزة الملِك فيصل على كِتابه العظيم «الإسلام بينَ الشرقِ والغرب» عام ١٤١٣ھ/١٩٩٣م. قضى رحِمه الله في السجون اليوغسلافية زهرة شَبابه وشطرًا من كهولتِه، والسبب؟ أنه كانَ دائمًا في أقوالهِ وأفعالهِ رافعًا لرايةِ الحَق، لا يَقبل الانحاء إلا لخالِقه.

أفلا تراه يتساءل أحد الأيام قائلاً: ”‏خلقنا الله نسير منتصبي القامة، بخلاف الحيوانات. بيد أن كثيرًا من الناسِ لا ينتفعون بهذه الهبة؛ فيقضون مُعظم حياتهم منحنين، بل زاحفين. كيف يقدر المرء على ذلك؟ أليسَ من الكُفر أن نُنكر هذهِ النعمة العظيمة من الله؛ نِعمة السير منتصبي القامة؟!“. كتب هذا في السِّجن! نعم؛ في المكان الذي ابتكره الإنسان لسحقِ كرامة أخيه الإنسان.

عندما انتُخِبَ رئيسًا رفضَ أن يغادر منزله المتواضع، وكانَ في شقةٍ صغيرة مع أسرته. فضَّل العيش في سراييفو المُحاصرة، وهي تُقصف بالقذائفِ لمُدة أربعة أعوام! لم يُحب فِكرة العيش في رخاءٍ وأمن بعيدًا عن شعبهِ الذي يعاني، أحب أن يتحمل شظف العيش معهم، ويُحِس بمخاطرهم اليومية.

قال عن الوطن في «هروبي إلى الحرية» صـ١٨٨: ”لِماذا لا يَستطيع المرء أن يَهجر وطنه؟ لا يُمكن لهذا أنْ يَحدث لأننا لا نَستطيع أنْ نأخذ معنا المقابر، فمَقابر آبائنا وأجدادنا هيَ جذورنا، والنَّبات الذي يُجتَثّ مِن جذورِه لا يُمكن أن يَعيش. ولذلك، علينا أنْ نَبقى“. وكتبَ متحدثًا عن الوَطَني الحقيقي في ذات الكتاب صـ١٦٥ : ”ليسَ الوطني الحَقيقي هوَ مَن يرفع وطنه فوقَ الأوطان الأخرى، وإنَّمَا هوَ مَن يعمل حتى يكون وطنه أهلاً لهذا التمجيد، كما أنَّهُ يحرِص على كرامةِ وطنه أكثر مِن حرصه على تَمجيده“.

‏كانَ الجيش الصربي يُردِّد أنشودة شعبية يتوعد فيها علي عزت بالقتل، وهي: ”سَنذبحك يا علي عندما تقوم الحرب كما ذبح ميلوس مراد“. يشيرون إلى السلطان مراد الذي هزم الصرب في كوسوفا، وميلوس الصربي الذي قتله بخنجرٍ مسموم غدرا. بيغوڤيتش لا يزال حيّا وأعداؤه نتنى في مزابل التاريخ.

‏في سيرته صـ٦٩٠ قالَ عن أولئك عُشّاق الحياد: ”إن هَذا الزمن بالفعل هوَ زمن التناقض، ولَم يَحدث أبدًا أن تَصادم الخير والشر على هذا النحو الواضح، فحتى الشخص الأعمى يُمكنه تمييز ومعرفة ماهية كل منهما (أيهما الخير وأيهما الشر) لكن مع ذلك فهُم حياديون، العار والخِزي لهم“. لذلك كان ثابتاً واضحاً في موقفهِ عندما اعتُقل عام ١٩٨٣م مع ثلاثة عشر من المفكرين والمثقفين الإسلاميين، كانت تهمتهم القيام بثورة مضادة والتآمر ضد السلطة، وانفرد علي عزت من بينهم جميعا -وذلك بسبب كتابه «الإعلان الإسلامي»- بتهمة التمهيد لقلب الحكم، وتأسيس دولة إسلامية في البوسنة!

‏جرَت محاكمة عبثية أشبه ما تكون بمسرحيةٍ هزلية، لم يتضعضع فيها، ولم يلتمس لنفسه العفو، وإنما وقف بشجاعةٍ في محاكمته قائلاً: ”أود أن أِقرِّر هُنا أنني مسلم وسأبقى كذلك تحت كل الظروف، فأنا أعتبر نفسي مناضلاً من أجل الإسلام في هذا العالم، وسأظل ملتزما بموقفي ما دام في صدري نَفَسٌ يتردد“.

خمسة عشر عاما كانت من نصيبه، كان هذا قرار المحكمة العادِلة! خُفِّض الحكم لاحقاً إلى اثنتي عشرة سنة، وهذا بعد التماسات جاءت من بعض المثقفين في بلجراد ومن خارج يوغسلافيا. ولأنه سجين سياسي؛ عانى من التضييق الشديد، ولولا إيمانه العميق سقط ضحية اليأس.

يُحدِّثنا في مذكراته عن حاله في السِّجن قائلاً: ”شعرتُ أنني محكوم عليّ بالسجن إلى الأبد، وأنني لن أرى أحدا ولن يراني أحد بقية حياتي، ومع ذلك لم أستسلم لليأس، وليس في هذا بطولة، ولكن كان الأمر يتعلق في نظري بالثبات والاتساق الجواني مع الإيمان والعقيدة. فالإنسان قد يقول أشياء يؤمن بها فعلاً، ولكن عندما تأتي لحظة الحقيقة إذا بشعورهِ نحوها يختلف، فمثلاً كنتُ أعلم أن من أهم مبادئ الإسلام وتعاليمه؛ الإيمان بالقضاء والقدر وأن على المسلم المؤمن أن يتقبّل كل ما يحدث له باعتباره مشيئة الله وإرادته. والحق أنني لم أفكر في هذه الناحية من قبل بنفسِ الطريقة التي بدأتُ أفكِّر بها بعد تجربة السجن هذه المرة، فعندما واجهت حقيقة احتمال أن أقضي بقية حياتي وأن أموت بين عتاة المجرمين لم يتناقص إيماني، وإنما انبعث في أعماق قلبي بقوة موازية لقسوة الظروف المطبقة في السجن. فشعرتُ بنوعٍ جديد من التناغم بين العقيدة والمحنة مما جعلني في حالةٍ عقلية سوية متوازنة، وساعدني في الحفاظ على صحتي البدنية أيضا، وعلى العموم فقد حمدت الله كثيرًا على نِعمة الإيمان الذي أعانني على التفاعل بإيجابية مع محنة السجن“.

‏ثم وصفَ -رحمه الله- الزمن عند السجين، فقال: ”الزمن في السِّجن ليس هو الزمن الذي اعتدنا عليه في الحياة العادية، فهو يتثاءب ويتمطى ويمضي بطيئاً ثقيلاً يجثم على القلوب كالكابوس ويكاد يقطع الأنفاس في الصدور، وهو لا يُحسب بالأيام والأسابيع والشهور، وإنما بالساعة والدقيقة والثانية!“. ولقد عاشَ هذا الزمن بنفسهِ، ولعلّك قرأتَ ما ختمَ به كتابه «هروبي إلى الحرية»، عندما ذكر أنه في ٢٥ نوفمبر ١٩٨٨م دخل عليه قائد الحرس كورومان وأخبره بقرار إطلاق سراحه، يكتب: ”كانَ ذلك اليوم هو الخامس والسبعين بعد الألفين منذ اعتقالي“ كان يحسب الأيام!

أحب زوجته «خالِدة» حبّاً عظيما، قال عنها في سيرته: ”في عام ١٩٤٣م عندما كنتُ في الثامنة عشرة قابلت زوجتي خالدة. كنتُ أحب هذهِ الفتاة جدًا، وليسَ من المخجل أن أقول هذا. لقد كانَ حبًا يمكن أن أضحي بنفسي من أجله. لما ذهبتُ إلى السِّجن انتظرتني هذه الفتاة لمدة ٣ سنوات قضيتها في السجن!“.

كانَ مُعجبًا بمحمد علي ويحلم بلقائه، وهذا ما تم عندما كان في أمريكا. يقول بيغوڤيتش: لما أخبرته بأن اسمي علي، رد بأنه يعرف ذلك. ثم قال: ”شعرتُ بقُرب أخوي من هذا الرجل“. قال لاحقا: ”عندما عدتُ إلى البوسنة الذين سألوني عن لقائي بمحمد علي أكثر من الذين سألوني عن مواجهتي لكلينتون!“.

في الخامسِ من نوفمبر عام ١٩٩٤م أجرت مجلة «شتيرن» الألمانية لقاء صحفياً معه، فسأله مندوبها سؤالاً مستفزّاً أجابَ عليه بيجوڤيتش إجابة عبقرية أحببتُ أن أضيفها هنا للإثراء والفائدة.

سألهُ المندوب: السيد الرئيس، أنتَ معروف كمُسلم حريص على التقاليد الأوروبية والتسامح الأوروبي، وأنكَ منفتح على العالمِ بأسره، ولكن هناك تقارير صحفية تزعم أن هناك أسْلمةٌ جارية في البوسنة والهرسك، فهل هذه مجرد شائعات؟

(وأنا أريد منكم أن تتأملوا وتقرؤوا جيّدًا إجابة هذا الرجل العظيم، الذي يفهم العقلية الأوروبية، ويعرِف كيف يخاطبها بمنطق المواجهة الحَكيمة، ولا يَلجأ إلى لغةِ الاعتذار المهين والتبرير المُذل).

أجاب بيجوڤيتش:

سوف أكون شديد الصراحة وأقول لك: لا ليست هذهِ شائعات بل حقيقة، وتفسيرها أن العودة إلى الدِّين أصبحت ظاهرة عالمية في كلِّ مكانٍ قَمَع فيه الشيوعيون الدِّين على مدى خمسين إلى سبعين سنة. نعم هُناك أسْلَمة في البوسنة -على حدِّ وصفك- وهي صحوة إسلامية، بقدر ما فيها صحوة أرثوذكسية وكاثوليكية، ولكن الفرق هو أن عودة المسيحيين إلى دينهم لم تلفت انتباه أوروبا المسيحية، وهو أمر أفهمه ولا ألومها عليه، أما عودة المسلمين إلى دينهم فقد اعتبرَته أمرا مفزعا !

وأود فقط أن أُصحِّحَ لك نقطة واحدة، وهي أن تسامحي ليس مردُّه إلى أنني أوروبي، وإنما مصدره الأصلي هو الإسلام. فإذا كنتُ متسامحًا حقّاً فذلك لأنني أولاً وقبل كل شيء مُسلم ثم بعد ذلك لأنني أوروبي.

لقد لاحظتُ خلال حرب البوسنة أن أوروبا تسيطر عليها ضلالات وأوهام لا تستطيع التحرُّر منها رغم الحقائق الدامغة. فقد دُمِّرت في هذهِ الحرب مئات المساجد والكنائس، كلها -بلا استثناء- دمّرها مسيحيون، ولا توجد حالة واحدة لكنيسة دمّرها البشناق (المسلمون). أسوق إليك حقيقة تاريخية أخرى: فقد حكم الأتراك العثمانيون البلقان ٥٠٠ سنة، فلم يهدموا كنيسة ولم يبيدوا شعباً، بل حافظوا على الأديرة الشهيرة في جبال فروشكا جورا (قريباً من بلجراد) لأن إسلامهم يأمرهم بهذا. ولكن هذه الآثار الدينية التاريخية لم تصمد ثلاثة أعوام فقط تحت الحكم الأوروبي.

دمّرها الشيوعيون والفاشيون خلال الحرب العالمية الثانية، وهؤلاء لم يكونوا نتاجًا آسيويا بل صناعة أوروبية، وحتى هذه اللحظة لم تُظهر أوروبا حساسية ضد الفاشية المتصاعدة في البلقان، ووقفت تتفرج على الخراب الذي أحدثه الصرب في البوسنة.

‏في كتابهِ «الإسلام بين الشرق والغرب» صـ٦١ يقول: ”الإسلام ليسَ مُجرد دين أوْ طريقة حيَاة فقط، وإنمَا هوَ بصفةٍ أساسية مَبدأ تَنظيم الكون“. ويعجبني قوله في ذات الكِتاب صـ١٧٩: ”ليست الإنسانيّة في الكمال أو العِصمة مِن الخطأ. فأنْ تُخطئ وتندم هوَ أن تكون إنسانًا“.

عندما نتحدث عن هذا الرجل العظيم، يجب علينا أن نستحضر اسم غريب وهو ‏«حسن بيبر». هذا الرجل كان صديقًا مقرّباً من علي عزت. بعد خروج بيجوڤيتش من سجنه الأول (١٩٤٦-١٩٤٩م) بأربعين يوماً أُلقي القبض على صديقه، وتعرّض لأشد العذاب حتى يعترف بأنَّ علي عزت عاد إلى ممارسة نشاطه، رفض بيبر وصبر، ثم أُعدم رمياً بالرصاص. إن بيجوڤيتش مدين بحياته -بعد الله- إلى هذا الحر الشريف.

كتبَ مرّة:‏ ‏”قلّة قليلة من الناس هي التي تعمل وفقا لقانون الفضيلة، ولكن هذه القلة هي فخر الجنس البشري وفخر كل إنسان. وقليلة هي تلك اللحظات التي نرتفع فيها فوق أنفسنا فلا نعبأ بالمصالح والمنافع العاجلة، هذه اللحظات هي الآثار الباقية التي لا تبلى في حياتنا“.

روى لنا الشاعر البوسني عبدالله سيدران -وكان صديقاً قريباً من بيجوڤيتش- أنه عندما زاره في آخر حياته، قال له جملة مهمة لَمْ يكتبها في أيٍّ من كتبه، وهي: ‏”إن الأشياء التي لها قيمة في حياةِ الإنسان، هي فقط الأشياء التي تعطيه القدرة على الاحتفاظ بالكرامةِ الإنسانية“.

‏أختم الكلام عنه بتساؤلٍ له في «هروبي إلى الحرية» صـ١٣٢ قال: ”هل صحيح أن الأمعاء الخاوية هي وحدها ما يُحرِّك التاريخ؟“. ماتَ رحمه الله وفي نفسه الكثير لهذهِ الأمة. للأسف لَمْ يجد حوله من يُسانده في طريقه، حاله كما قالَ هو ذات يوم: ”كنتُ على حقّ في الزمنِ الخطأ“.

‏والسلام.

الرجل الأسطورة!

هُنا برلين .. حيَّ العرب“.

حديثنا اليوم عن الصحافي المفوَّه، والمغامِر المغمور، والرجل الأعجوبة؛ يونس بحري، المتوفى في شهرِ مارس من عام ١٩٧٩م. هذا الرجل الذي طواه النسيان، كان ذا سيرةٍ حافلة بالأحداث. أتقن ست عشرة لغة عالمية، وتزوّج أكثر من ٤٠ امرأة، وله ٦٤ ولدًا عدا الإناث!

ولد يونس صالح خلف الجبوري في الموصل سنة ١٩٠٠م. كان ذا قامة طويلة، وشعر أشقر، وعينان زرقاوان. درس في مدارس الموصل، وامتهن الصحافة في وقتٍ مبكر. دخل يونس معترك السياسة كمعلقٍ صحفي وإذاعي في بداية الثلاثينيات قبل وبعد تتويج الملك غازي الأول ملكا على العراق.

كان يونس صديقا للملك غازي، وبينهما توافق في الأفكار، منها أنهما يميلان إلى حكومة (الرايخ الثالث) أي حكومة هتلر، ويعاديان السياسة البريطانية. ولتفرّد شخصيته فقد تعرّف على الملك عبدالعزيز في عشرينيات القرن الماضي، بل وكلّفه المؤسس بمهمة نشر الإسلام في مناطقِ جنوب شرق آسيا.

لم يكن هذا الصحافي الفلتة داعية إسلامي، ولا متديناً بما فيه الكفاية، ولكنه كان خطيباً مفوّها، أُوتي من الفصاحة ما يلفت الأنظار، مع صوتٍ جهوري، وأُسلوب ساحر ينفذ إلى قلوب سامعيه في التوِّ واللحظة، وهذا ما سهّل عليه النجاح فيما كلّفه به المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله.

بعدَ اغتيال الملك غازي -وكانَ صديقاً له كما ذكرنا- كتبَ يونس قصة مقتلة في إحدى الصحف وقام يوزع نسخ الصحيفة بنفسهِ على دراجة نارية موضّحاً أن عبد الإله ونوري السعيد قد تآمرا مع الإنكليز واغتالوه.

وعندما قفز هتلر إلى الرايخ الألماني في بدايات الثلاثينيات، شُغف به بعض العرب أيما شغف، آملين أن يكون منقذهم من الاستعمار الفرنسي والإنكليزي. شدَّ الرِّحال يونس بحري إلى ألمانيا، ونجح في مقابلةِ الرجل الثاني في الرايخ وهو وزير دعاية هتلر «غوبلز»، وأقنعه بفكرة تأسيس إذاعة برلين العربية.

كان الهدف منها أن تكون ضد إذاعة B.B.C البريطانية، لتخاطب المشرق العربي. بدأ بث الإذاعة وأطلق يونس بحري عبارته الشهيرة المزعجة للبريطانيين: ”حيّ العرب.. هُنا برلين!“. فكانت هذه العبارة لصيقة بشخصية هذا الرجل العجيب يونس بحري.

لم يقف طموح يونس بحري عند هذا الحد بل طلبَ من غوبلز أن يسمح له أن يفتتح إذاعته بتلاوة من القرآن الكريم. تريّث غوبلز واستشار الفوهرر، ثم نجح يونس في لقاء هتلر، وأخبره بأنَّ بداية الإذاعة بالقرآن ستشد العرب للاستماع. وفعلاً بعد أيام كانت إذاعته الصباحية تُفتتح بآيات من الذكرِ الحكيم.

أصبح يونس بحري أحد المقربين للقيادة النازية، ومُنِحَ رُتبة عسكرية بدرجة ماريشال، وكان يحضر الحفلات الرسمية والصليب المعقوف على كتفه! خُصصت الإذاعة التي ينطق من خلالها لمهاجمة الحلفاء، وتوعية الجماهير العربية للخطر المحدق بهم كأمة.

أتقن البحري ست عشرة لغة عالمية قراءة وكتابة، وقد وصلَ عدد زوجاته إلى أكثرِ من أربعين امرأة، وكان يقول: ”لقد بدأت بشهريار الإيرانية وانتهيت بشهرزاد السورية“. ولُقب بـ«البحري» لأنه دخل مسابقة لعبور المانش، فشارك دون تحضير سابق أو تدريب وفاز بالمركز الأول!

كان رجلاً عجائبياً، عمل مرة -كما في مقدمة مذكراته- مراسلاً لإحدى الصحف الهندية، وأصبح في وقتٍ آخر مفتيا في أندونيسا. جاءه مرة أحد السكان ومعه فتاة جميلة يريد منه أن يعقد قرانه عليها، وكان الرجل مسناً، فأخبره أن هذا لا يجوز شرعا، فصدّق المسكين وتزوجها المفتي يونس!

عاد إلى العراق قبل ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨م.. اعتُبر بعد ذلك أحد أنصار نوري السعيد، فاعتُقل ومكث في سجن أبو غريب ٧ أشهر، ثم أطلق سراحه لعدم كفاية الأدلة، وعدم وجود قضية أصلاً! وتم ذلك بعد مقابلة حامية مع عبدالكريم قاسم. وقيّد ما جرى في السجن بأسلوبٍ ساخر ولغة رفيعة بمذكراته المطبوعة.

بعد إطلاق سراحه من السجن افتتح مطعماً في منطقةِ الكرادة، وكان هو الذي يطبخ فيه! وسرعان ما تحوّل المطعم إلى منتدى ثقافي وفِكري. لم يعجب عبدالكريم قاسم هذا الوضع، وسمح له بالسفر إلى لبنان بعد أن أخذ منه وعدًا بعدمِ مهاجمة نظامه بعد مغادرة البلاد، فلم يفِ بهذا الوعد طبعا.

أصدرَ يونس بحري حوالي ١٦ عشر كتابا، منها: «هنا برلين.. حيّ العرب» و «العراق اليوم» و «سبعة أشهر في سجون قاسم» وغيرها. كما أصدر صحيفة «العرب» في باريس، ومجلة «الكويت والعراقي» في أندونيسا مع صديقه مؤرخ الكويت عبدالعزيز الرشيد.

كانَ البحري يتنقل حاملاً في حقيبته الدبلوماسية ٤ أشياء: الجواز، قنينة عَرَق، فرشاة أسنان، أدوات حلاقة. شارك في التظاهرة التي تدلل على وطنيته -كما يذكر خالد عبدالمنعم العاني-، والتي تحوّلت إلى هجوم على القنصلية البريطانية قرب منطقة المحطة في مدينة الموصل حيث قُتل القنصل البريطاني.

لم يتحسر في حياتهِ على شيء، فقد عاش راهبًا وراقصًا وسكيرًا وصحافياً ورحالةً متنقلاً بين الزوجات كما لو كُن بلدانًا يطوف بها، وكان الحصول على المال من أيسر الأشياء بالنسبةِ له؛ ومع هذا ماتَ وحيدًا مفلسًا في بيتِ أحد معارِفه في الباب الشرقي ببغداد، وكان ذلك في مارس من عام ١٩٧٩م.

من طرائفه أن أحدهم زاره قبل وفاته وأخذ يتحدث عن نفسه بشكل بطولي وكيف أنه خدع أحد أفراد الشرطة.. بعد مغادرته قال البحري: ”ضحكنا على ذقون ملوك ورؤساء سنين طويلة وهذا يتفاخر بأنه خدع شرطياً !!“. حكم عليه بالإعدام ثلاث مرات خارج الوطن، وداخله أصدر نوري السعيد حكم الإعدام بحقه غيابيا.

قابل يونس البحري الملك عبدالعزيز.. وبينا هو في مجلسهِ إذ بُشّر الملك بولدهِ الثالث والستين. نظر الأمير فيصل إلى يونس بحري وابتسم، انتبه الملك فسأل ولده عن الخبر؟ فقال: ”بلغ عدد أولاد البحري ٦٤ ولدًا“. فسأله الملك: صحيح يا يونس أن عدد أولادك ٦٤! قال: الذكور منهم فقط يا طويل العمر!

وأنا أقرأ تراث مالك بن نبي رحمه الله فوجئتُ بأنه قد لقيَ يونس البحري! وحديث ابن نبي يُعتبر إضافة مهمة عن حياة هذه الشخصية، وهو -لمن أراد- موجود في «مذكرات شاهد للقرن صـ١٠٩» وفي أعماله الكاملة جـ٤ صـ١٩٥٠.

يقول ابن نبي:

”.. تعرّفنا إلى شخصية لا تقل غرابة، وقد أدّت أيضًا بطريقة لا شعورية دورًا مؤلِّفًا لأفكارنا واندفاعها في اتجاه معيّن. إنه «يونس البحري» وكان آنذاك شابا بين العشرين والثلاثين. ولم نكن نعلم كيف وصل من بغداد وحل في مدينتنا ضيفًا على عمي إسماعيل وتعرفنا إليه. لقد شرح لنا مدير مكتبة النجاح بطريقة غامضة حكاية ضيفه الذي وصل من مكان غير معروف عبر طنجة. وكان يظهر مرتدياً الجلابية المغربية، وقد أثار وجوده في قسنطينة انتباه المسؤولين عن الأمن والنظام. فاستشعروا (خطرًا) وراء ذلك اللباس المغربي. حين عرفناه لم يكن يرتدي الجلابية، بل كانَ قد تخلى عنها وتزيّا بالزي الحديث، الطربوش وربطة العنق والبنطال. وكان بناؤه الرياضي يعطيه مظهرًا جميلاً بالإضافة إلى أنه «يملك ناصية اللغة العربية». وقد جعلت له هذه المَلَكة تأثيرا عميقاً في جماهير شمالي إفريقيا، حين أخذ يتحدث إليها من مذياع برلين في أثناء الحرب العالمية الثانية، بعدما وضع نفسه في خدمة دوائر الدعاية الألمانية التي كان يشرف عليها غوبلز. إذن كان الرجل يملك ما تتعطش إليه تلك العقول المجتمعة في مقهى بن يمينة، الباحثة عن الجديد، سواء كان في السياسة أم الأدب أم الأخبار العادية. وكانت لديه أقاصيصه الشخصية، سواء كانت صحيحة أم مُخْتَلَقة فقد داعبت أحلامنا. وكان يبدو لي خاصة أحد الرحالة أو الباحثين عن الآفاق الجديدة. وحينما حدثني عن رحلته إلى أستراليا، وهي في الغالب خيالية، فتح لنزعتي إلى التنقل والتشرد بُعدًا جديدًا“. انتهى.

وأنقل لكم ما كتبه ابن نبي أيضًا في صـ١١٥ من مذكراته، يقول: ”.. باختصار كان هؤلاء الأشخاص جميعًا يعملون على تحديد شخصيتي في ذلك العصر. «يونس البحري» ومحمد طاهر العنيزي وبوماكيه وبن يمينة وكاندياك وجون ديوي“.

وفي جـ٤ صـ٢١٧٧ [الأعمال الكاملة لابن نبي] يقول: ”ما زالت موجة الفصاحة تستولي على جمهور المقاهي التِبسية، إلا أن أسماء الفصحاء قد تغيّرت، منذ أصبح «يونس بحري» يتكلم من إذاعة برلين، فغطى صوته المهدار أعلى أصوات مسموعة مثل B.B.C وراديو باري“.

ووقفتُ أيضاً على ذكرٍ له في كتاب «ظلام السجن» لمحمد علي الطاهر، وهو كتاب قلتُ في تعريفهِ قبل مدة: ”٩٠٠ صفحة من الحماس والإثارة والمُلح واللطائف. قراءة هذا الكتاب تعني مشاهدة فيلم سينمائي مادته الرئيسة المغامرة! قلمٌ سهل، وتاريخ خَفي، وتراجم مختصرة، ومواقف تسجّل، وصور نادرة، ورأي جريء، ووثائق مهمة، وآلام تُدمي.. كل هذا وغيره في هذا الكتاب الماتع“. المهم يقول المؤلف: ”مضى عام على اشتعالِ الحرب العامة الثانية بعد أن عانى الحلفاء من بأسِ الألمان ما يشيب الأطفال، فقد انهزموا في جميعِ الميادين برًا وبحرًا وجواً واكتسحت جيوش الألمان أنحاء أوروبا وطوت ممالكها تحت سنابك خيولها بل دباباتها طي السجل للكتاب! وكان الإنكليز في هذه الأيام لا عمل لهم إلا الهرب من الألمان وإثارة الخوف بين العباد، يثيرون الخواطر ويروّعون الخلق وينشرون الفزع بين الشعوب والأمم، ألسنة طويلة وتبجّح وقح في حين أن جيوشهم كانت لا تكاد تحارب ولا تصمد في معركة، وكم كنا نضحك على الإنكليز حين كان الأستاذ يونس بحري المذيع العربي الشهير يصيح من راديو برلين متهكّماً على الإنكليز متندرًا على قحتهم لما كانوا يهربون من ميادين القتال ويهددون الألمان بكثرة مواردهم وتصميمهم على مواصلةِ الحرب، فيقول يونس: وقد أقسم الإنكليز على أن يحاربوا إلى آخر جندي فرنساوي! وقد صدق يونس، لأن فرنسا استسلمت بعد أن فقدت جميع جيوشها وسقطت باريس في قبضةِ الألمان. وأما الإنكليز فقد هربوا من فرنسا كلها..“

قرأتُ الجزء الرابع من كتابه «هنا برلين .. حي العرب»، وهو عبارة عن مذكرات سياسية صاغها يونس بحري بأسلوب رشيق متمرد لا يخجله ذكر الملاهي الليلة والشمبانيا ! في الكتاب صور نادرة، ومعلومات جديدة عن النازية وأعلامها؛ الفوهرر هتلر، وغوبلز، وهيملر، ويوزاف ديتريش، ومارتين بورمان، وغيرهم.

تحدّث في هذا الجزء عن ماجدة غوبلز وإيفا براون، وأشار إلى علاقة هتلر بالأولى! وفي صـ١٣١ قال عن غوبلز: ”وكان غوبلز بالرغم من مشاغله السياسية المتزاحمة من سُمّار الليل وقوامه يُحب الرقص والموسيقى، ولم تكُ رجله العرجاء لتحول دون إجادته الرقص!“.

في صـ٢٠ يذكر عن صديقٍ له اسمه: عبدالمسيح جيد، أنه كريم يعطيك ما تريد إلا ثلاثة أشياء يعتز بها: علبة دخان ذهبية تستوعب ٢٥ لفافة تبغ، وساعة ذهبية مرصعة بالجواهر هدية من الملك فاروق، ومسبحة فاخرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين! وكان يسمي هذه الأقانيم الثلاثة: «عدة للنصبِ على النساء!».

للبحري أسلوب خاص في الكتابة، انظر إليه مثلاً عندما تحدث عن رشيد عالي الكيلاني: ”وهناك في برلين.. «الزعيم»، ليس هتلر بالطبع! بل الزعيم رشيد عالي الكيلاني، الذي أطلقتُ عليه لقب (الرئيس الشرعي لحكومة الثورة في المهجر) في إذاعاتي من برلين، هكذا اعتباطًا وغرورًا مني لا أقل ولا أكثر!“.

ومما يدل على اعتداده بنفسِهِ قوله في صـ٦٤ : ”أشرتُ في سياق الحديث آنفا عن الخطر الداهم الذي كان يهدد حياتنا في كل لحظة وأنا أدير هذا الجهاز الضخم في الإذاعة العربية في برلين. لقد كانت المسؤوليات الملقاة على عاتقي صعبة ضخمة، فقد كنتُ مطّلعاً على أسرارِ الوضع الداخلي والخارجي في ألمانيا وفي أوربا. وكنتُ بحكم علاقاتي الواسعة النطاق مع رجالات وزعماء وملوك ورؤساء العرب والشرق بأقسامه الثلاثة: الأدنى والأوسط والأقصى! ناهيك عن معرفتي التامة بماجرَيات الأحوال في المغرب العربي. كل هذه المعلومات تفيد في السياستين السلمية والحربية، ففي استطاعتي وأنا في موقفي ببرلين أن أحطم أكبر رأس في العالم وأفضحه وأجعله حديث المجالس والتندر والتفكّه. أو بالعكس أصنع منه قديسًا يُصلّى على أذياله، ولا يُذكر اسمه إلا بالحمدِ والتقدير والشكر!“.

أقول بعد قراءةِ كتابات البحري؛ أنه رجل لا يُعتمد عليه كمصدرٍ موثوق، فإنَّ المبالغة الشديدة حاضرة في أقواله، وأيضًا مما يجعل رواياته جديرة بالشك، ما ذكره مالك بن نبي عنه. ثم أقول: أكثر في كتاباته من أخبار الفاتنات والملاهي والخلاعة والمجون؛ وهذا أمر يوضح للقارئ مدى ديانةِ الرجل.

أختم الحديث بكلمةٍ له أعجبتني، يقول:

إن الكرامة في هذهِ الدُّنيا الفانية هي القصد من الوجود، فإذا ما فقد المرء كرامته فإن معنى الوجود يصير أتفه من قردٍ يقبع وراء قضبان قفصه الحديدي، يتلقى فتات الطعام من المتفرجين عليه“.

والسلام.

فيلسوف الحضارة.

الحديث اليوم عن رجلٍ لَمْ يُعط حقّه في حياته، ولم يُعرف قدره بعد مماته. رجلٌ أفنى عمره يبحث في مشكلاتِ الحضارة؛ بهدفِ نهضةِ أمته. تخرّج مهندساً فلم يذهب ليهندس البِناء بل اختارَ هندسة الأفكار، إنه فيلسوف الحضارة المُفكر الإسلامي «مالك بن نبي».

• ولادته وحياته •

وُلد مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي في مدينة قسنطينة، في السادسِ من ذي القعدة من سنة ١٣٢٣ھ، الموافق ٢٨ / يناير من سنة ١٩٠٥م. وهو يرى أنَّ ولادته في تلك الفترة من الزمنِ مكّنته من الشهادةِ على القرن حيث أتيحت له فرصة الاتصال بالماضي والمستقبل، فيقول: ”من ولدَ بالجزائر سنة ١٩٠٥ يكون قد أتى في فترةٍ يتصل فيها وعيه بالماضي المتمثل في أواخر شهوده، وبالمستقبل المتمثل في أوائل صائغيه… فكان لي حين ولدت تلك السنة، الحظ الممتاز الذي يتيح لي أن أقوم بدور الشاهد على تلك الحقبة من الزمان“ ومن هُنا جاء اسم مذكراته «شاهد للقرن».

تتكون أسرته من الأب، والأم، ووالدتها، ومالك وأختيه. كانت أسرته محافظة وتعيش في بيئةٍ تقرب من البداوة، حيث كانوا في مدينة تِبسَّة (هكذا بتشديد السين)، وتِبِسَّة في ذلك الوقت كانت تحتفظ بطابعها البدوي الذي اكتسبته من مجاورةِ العشائر البدوية. وكان وضع الأسرة الاقتصادي مترديا نوعا ما. كانت جدة مالك تُمثل الماضي الجميل. تحكي لهم دائمًا بعض القصص عن أيامِ دخول الاستعمار بأسلوبها العفوي. عاصرَ مالك تلك الأحداث الدامية، عندما انتهت الحرب العالمية الأولى؛ حيث سقط العالم الإسلامي فريسة للاستعمار، الذي اقتسم أقاليم الدولة العثمانية، فكان ذلك الجيل يشعر بمرارة المأساة.

كان شديد التعلّق بوالدته. كانت -كما يقول- ذات شخصية قوية، وكانت تعمل بجد لإعاشةِ الأسرة عندما تعطّل زوجها عن العمل، وتشترك في كل قرار يتخذه رجل البيت، وتشرف على منزلها وتدبيره حتى وهي على فراش المرض! كان مالكا متعلقا بها، وكان يضع صورتها على مكتبه في غرفته أثناء الدراسة في باريس. كانت والدة مالك تتميّز برجاحة العقل، والبعد عن تحكيمِ العاطفة فيما تمرّ به الأسرة من ظروف. كل ذلك جعل لتلك المرأة المكانة العظمى لدى أفراد الأسرة جميعًا، ولهذا كانَ وقع وفاتها عليهم قاسيا، ولا سيما على والد مالك.

يقول مالك: ”فقامَ والدي ليُعزيني، فأنساني مصابه مصابي، فعزيته أنه فقدَ أصلح الزوجات وفقدتُ خير الأمهات“. أما مالك فكانَ أثر هذا الحادث عليه عظيمًا جدا، ولعلّ ما سأنقله لكم من كلامِه يوضِّح شدة تعلّقه بوالدته رحمهما الله. يقول (في مذكراته) : ”طلبتُ خديجة (زوجته) فوجدتها منهارة في الغرفةِ التي أعدتها والدتي منذ سنوات ليوم زفافي، لم أستطع أن أقول لها شيئاً يهدئها، فخرجتُ، إذ أصبح لدي كل شيء لا يُحتمل في هذا البيت فذهبتُ كالسكران . . . حيث لا أدري، وإنما أتذكر الخطوات التي سِرتها وحدي خارج السور، ولا أدري إذا كنتُ أسير مطأطئ الرأس على الأقدامِ، أم كنتُ أسير في ليلٍ دامس لا أرى فيه النجوم. ولكنني أتذكر تلك الكلمة التي تتردد في نفسي وبين شفتي: «أنا الآن يتيم». عجبًا لفكرة كهذهِ عند رجل شاب، ولكن عقله قد تشنج، شنّجته المصيبة!.. بينما لم أشعر بكُل صدمتها، إلا في الغد، عندما استيقظت من النوم، وقد كانت والدتي تراقب تلك اللحظة بالذات، فتأتي إلى غرفتي لتُهدي لي أول ابتساماتها، وأول عطفها، فلم تأتِ والدتي ذلك اليوم فكانت الصدمة الكبرى. وتشنّج -فعلا- فكري فأصبحتُ أقول:

-لا إن والدتي ستفتح الباب!

يظهر لي ويخفى على عبثِ هذه الفكرة التي ستُخامر عقلي كل الأيام التالية، عندما أستيقظ باكيًا، البكاء يقطع أنفاسي في النوم، وستدوم هذه الحالة سنوات إذ أجد نفسي كل صباح أنني أبكي في النوم!

عانى ابن نبي من العطالةِ بعد تخرّجه من المدرسةِ عام ١٣٤٣ھ-١٩٢٥م، حاول مع ابن خلاف التاجر أن يبعثه في عملٍ تجاري للسودان فلم يفلح، وسافر لفرنسا للبحث عن عمل فلم يجد، وحاول أن يكون مترجمًا، أو أن يحصل على عمل خارج الجزائر أو محاولة الحصول على وظيفة في المحكمة؛ وكل محاولاته باءت بالفشل. ثم عرض على محكمةِ تِبسَّة أن يعمل بها دون أجر، فقُبل عرضه لأن في ذلك مكسبا لهم، وهو يراها فرصة لانتشاله من الفراغِ الذي يقلقه كثيرًا. بقي على تعاونه مع المحكمةِ حتى وصله خطاب على تعيينه في محكمة آفلو. عمل بها فترة من الزمن إلا أن نفسه كانت تطمح إلى ما هو أكبر منها فهي مرحلة على الطريق. بعد ذلكَ دخل مع صهره في تجارة، مطحنة أقامها الصهر في تِبِسّة فازدهرت أعمالها مدة، فلم تلبث أن أفلست مما اضطرهما إلى بيعها. وكل هذهِ الأحداث والمحاولات والرحلات عرّفته على قدرٍ لا بأس به من التجاربِ وأصول المشكلات.

رحل بعد ذلك إلى فرنسا بغرضِ الدراسة، فيُحدثنا قائلاً: ”لقد عزمتُ على السفر.. ولم يكن ذلك شوقًا إلى البعيد، بل عزمًا وجزمًا وحكمًا، وكنتُ أخفي مشروعي عن أمي، ولكن «لا يمكن إخفاء شيء عن قلب الأم»“. فرحل إلى فرنسا رحمه الله بعد أخذ الموافقة من والديه. أول جولاته في باريس لم تكن حَسَنة! أو بمعنًى أبلغ؛ لم يكن استقبال باريس لمالك استقبالاً طيبا، إذ استقبلته بوجهها السيئ حيث لم يتمكن من الحصولِ على سكن في الجهةِ التي كان يقصدها، فاستقر في فندقٍ متواضع في شارعٍ صغير تؤمه بنات السوء، وكانت دعوتهن تقرع أذنه في الدخول والخروج!

سجّل اسمه في معهدِ الدراسات الشرقية، فلما حان وقت الامتحان كان واثقاً من نجاحه، ولكن النتيجة جاءت عكس ما توقّع، إذ لم ينجح، لسببٍ واحد فقط؛ وهو أنه مسلم ومن الجزائر! بل إن مدير المعهد دعاه وأشعرَه بعدم جدوى محاولة الدخول إلى هذا المعهد! وقد قرأتُ مرة أن ماسينيون وراء هذا الأمر. بعد ذلك تحوّل وغيّر اتجاهه والتحق بمدرسة الكهرباء والميكانيك. استمرّ بها إلى أن أنهى الدراسة فيها، وهي تخوّله للحصول على شهادة مهندس كهربائي، غير أنه لم يحصل على ذلك لأسبابٍ استعمارية -كما يقول-. ثم درس دروسا ليلية بمعهد تابع لمتحف الفنون والصناعات لدراسة الكيمياء.

• زواجه •

يحكي لنا رحمه الله قائلاً: ”إن باريس مدينة تُخشى عواقبها، فبدأتُ أفكر كيف أحصّن نفسي من مغرياتها، وذات يوم، وأنا في غرفتي أمام النافذة، إذ انطلق من أعماقي دعاء وتضرّع إلى الله. كانَ يوم الجمعة ١٣٤٩ھ-١٩٣١م. وقد تولى الله الأمر، فهداني إلى زوجتي وهداها هي، فسمّت نفسها خديجة، وأخذت على الفور زمام حياتي المادية في البيت“. من برنامجهما اليومي في المنزل: يتناولان الشاي، ثم يتحدثان في القضية الجزائرية أو حول الدين، وكانت تُحب أن تسمع منه بعد صلاة المغرب تلاوة القرآن، فتتذوّق جرس التلاوة، من دون أن تفهم معناها، لعدم معرفتها باللغة العربية، وتجري خلال ذلك بعض التساؤلات، أو مقارنة بين المسيحية والإسلام، ثم العشاء.

كانت خديجة توفر له الأُنس والراحة في جوٍّ مفعم بالتعب والشقاء. يقول: ”كنت أعود إلى بيتي من باريس بعد كل ما يصيبني من تعب البحث عن عمل، وبعد كل مسامراتي المرهقة.. أعود وعلى وجهي ملامح تفزع زوجتي التي تبادر بقولها: والله لكأنك عدت من ارتكاب جريمة! ولكن لا تمر إلا ليلة واحدة في بيتي، حتى تعود ملامحي إلى عادتها في أُنس الأسرة وهدوء الطبيعة“. وبعد أحداثٍ شائكة يطول سردها، وقد يجهل بعض القرّاء الكِرام هذه المعلومة؛ فكّر ابن نبي في الهجرة إلى السعودية والاستقرار بالطائف!

رأى ابن نبي أنَّ الاستعمار كانَ متضايقًا من تولي السعودية على الأرض المقدسة التي هي منارة إشعاع للفكرة الوهابية. وهو يرى أن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب هيَ: ”الفكرة الإسلامية الوحيدة التي تصلح بما فيها من طاقةٍ متحرّكة، لتحرير العالم الإسلامي المنهار منذ عهد ما بعد خلافة بغداد“.

كانَ رحمه الله يبني الأفكار هو وزوجته، ماذا سيعملان هُناك؟ وماذا سيكون نشاطهم؟ تقول له زوجته: ”أستطيع أن أؤسس في الطايف مدرسة منزلية للبنات، فأعلّمهن الخياطة..” ويقول هو: ”سأبدأ بالقدر الممكن.. أصنع الأسمنت، أو الصبغة، والعطور الفرنسية، وأحوّل مخلفات عيد الأضحى بمنى إلى أسمدة..“ وهكذا كانا يسبحان في بحرِ الخيال حتى أيقظتهم صدمة الواقع، وعطّلت مشروعهما السفارة المصرية آنذاك.

ذاق مالك بن نبي في حياته مرارة السجن، فقد سُجن سنة ونصف كما ذكر في (العفن صـ١٣٤). وعانى كثيرا بسببِ ماسينيون الذي قال عنه مرة: ”سقطت مرة أخرى تحت رحمة باريس أي ماسينيون. بكل تأكيد أدركت أن هذا الرجل يقف حاجزا أمام كل المخارج التي أحاول عبرها أن أنجو من مقرعةِ الاستعمار“.

المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون تـ١٩٦٢م.

بدأت صلة مالك بن نبي بالعالم الإسلامي عن طريق مصر، فقد قدم إليها ١٣٧٥ھ-١٩٥٦م. يقول الدكتور عمار الطالبي: ”وأقام بمصر ابتداء من سنة ١٩٥٦م في أثناء الثورة الجزائرية، وهناك في منزله كان يعقد مجالس أسبوعية (يوم الجمعة) يقصده الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي، من جاكرتا إلى طنجة..“

مالك بن نبي حُكم عليه بالإعدام في فرنسا، فجاءَ لاجئاً سياسياً في مِصْر. لذلك كانَ مقيّدا في القاهرة. سمعتُ هذا الكلام من الدكتور عبدالله النافع، وهو ممن قابل ابن نبي عندما كان طالبا في مِصر، وله صورة معه شاهدتها في كتاب (في صحبة مالك بن نبي) لمسقاوي، ولا أدري إن كان لديه علم بها.

ومما سمعته من الدكتور النافع؛ أن الأستاذ مالك كان يمشي مرة مع الطلَبة في القاهرة فوجدوا حاوية للقمامة كُتب عليها «حافظ على نظافة مدينتك» والقمامة مكومة حول الحاوية لا داخلها! فقال انظروا نقلنا وسيلة حضارة، لكننا لا نملك سلوك حضاري! لهذا كان ابن نبي يهتم بسلوك الحضارة قبل وسائلها.

المهم؛ أقام في مصر منذ عام ١٣٧٥ھ-١٩٥٦م إلى عام ١٣٨٢ھ-١٩٦٣م حيث عاد إلى بلده الجزائر. وفي مصر تزوج بامرأةٍ جزائرية، وقد رُزق منها بثلاث بنات هُن: إيمان ونعمة ورحمة. وهنا يجب أن نقول: من راقب أوضاع تلك الفترة، وأخذ ظروفها بعين الاعتبار، لم يلمه على انخداعه -وغيره- بعبدالناصر وثورته.

زار مفكرنا رحمه الله سوريا، ولبنان، وليبيا، وتونس، والكويت، وإندونيسيا، وزار السعودية عدة مرات، فقد حجّ أربع حجات، وزار الرياض بدعوةٍ من جامعة الملك سعود، وألقى مجموعة من المحاضرات في كلٍّ من جامعة الملك سعود وكلية الشريعة بالرياض، ومعهد الإدارة العامة.

• صفاته الخِلْقيّة •

تميل قامته إلى الطول، غير بدين، رقيق الحاشية، متوقد العينين، بادي الاهتمام بهندامه إن لم نقل التأنق . . إذا تحدث انفعل هادئاً مع حديثه، وبدا كمن يلد الأفكار أو يتمخض عنها، حاضر الجواب دائمًا، وإذا فاجأته بسؤال أطرق قليلا ثم رفع وجهه إليك وأعطاك الجواب الفاصل.

• صفاته الخُلُقيّة •

فكانَ يشعر دائمًا بأنَّ له رسالة، وعلى الرغمِ من كُلِّ الصعاب التي واجهته في حياتهِ الشاقة، لم يتزلزل في يوم، ولم يترك رسالته. كان ملتزماً بالأخلاقِ الإسلامية، ذو أصالة وهِمة عالية، أنفه شامخة، وعوده لا يلين في الحق، وقلبه لا يخشى في الله لومة لائم. أما وصف زوجته له، فتقول: ”كانَ طيب القلب للغاية، يغضب أحياناً، ولكنه لا يحمل حقدًا على أحد، فقد كانَ ذا أخلاق عالية، حنونا، مؤمنا بالقضاء والقدر، لا يبالي في سبيلِ الحق، وكانَ ملتزماً بالإسلام، ومحافظاً على فرائضه، ويكره الاختلاط، ولا يسمح لأهله بذلك“. وقالت عن برنامجهِ اليومي: ”كان يستيقظ لصلاة الفجر، ثم يشرب القهوة، ثم يصلي ركعتي الضحى، ثم يدخل المكتب فيقرأ في المِصحف، ثم يبدأ في العملِ إلى الثانية عشرة -حيث يخرج للغداء- ثم يرتاح إلى الثالثة. ومن الثالثة إلى السابعة يتفرغ لاستقبال ضيوفه وتلامذته. وكان دقيقاً في مواعيده“.

• مؤلفاته •

الذي قرأته له وأحصيته بنفسي ١٩ كتاباً، وذكر العويسي في كتابه (مالك بن نبي .. حياته وفكره) ٣٤ كتابا، ولعلَّ بعضها مفقود، وبعضها رسائل ومقالات طويلة جُمعت إلى بعض في أعماله الكاملة التي طبعتها دار الفكر في خمس مجلدات.

• وفاته •

أصيب مالك بن نبي بمرض السرطان في الدماغ، اشتدّ به المرض بعد عودته من مدينة الأغواط حيث كانَ يُلقي بعض المحاضرات هناك، فسافر من أجلِ ذلك إلى باريس للعلاج، فأجريت له عملية جراحية، استردّ بعدها صحته نوعا ما لمدة عشرين يوما. ثم عاوده المرض، فنصحهم الطبيب بأن يعودوا به إلى بلادهِ لأنه لا أمل له في الشفاء، فعادوا به إلى الجزائر وبعد ثمانية أيام توفي. وكان ذلك في يوم الأربعاء ٤ شوال سنة ١٣٩٣ھ الموافق ٣١ تشرين الأول / أكتوبر سنة ١٩٧٣م، الساعة 11:15 مساءً بمنزله في الجزائر. رحمة الله تغشاك يا أستاذنا.💔

مما يجدر ذكره أنَّ مالك بن نبي عانى من السرطان فترة من الزمن، ومع ذلك لم ييأس، بل ظل يواصل جهاده الفكري حتى توفي. وأنا هنا أتذكر المسيري رحمهما الله. آخر ما كتبه مالك -كما تقول زوجته- : ”أنا فرِح باستقبال الموت لأنني سألقي عن كاهلي عبء أربعين سنة، وما يُقلقني سوى ثلاث بنات صغيرات“.

• مشروعه الفِكري •

يتميّز مشروع مالك الفكري بتعدد النواحي التي اهتم بها. غير أنَّ المتفحِّص لها بعمق يجد أنها جميعها تندرج ضمن ما سماه بنفسه «مشكلات الحضارة». فكانت بحوثه ذات أهمية بالغة في كشفِ عناصر الحضارة وسنة تركيبها، كما حاول أن يحدِّد أبعاد المشكلات الإنسانية في إطارها الحضاري الواسع. ثم يُحدِّد العناصر الأساسية للإصلاح من خلالِ رؤية إيمانية عميقة تنطلق من مبدأ التوحيد الشامل الذي هو لُب الإسلام وجوهره. ويشهد كل مطلع على كتاباتهِ بأنها في تمثلها للثقافةِ الإسلامية والعالمية في أبعادهما الإنسانية، قد قدمت تصورات لم يصل إليها لا مفكرو التيار الإسلامي الحَرَكي، ولا مثقفو التيار القومي أو الليبرالي أو الماركسي آنذاك، فهو فيلسوف أصيل له طابع العالم الاجتماعي الدقيق، جمع بين دقة المنهج وقوة البرهان ووضوح الأفكار وشمولية التناول.

تجده -رحمه الله- في مقالٍ واحد يحشد مجموعة من الأفكارِ والنظريات التي تلتقي كلها لإبراز مراده رغم أنها في الأصلِ تنتمي لحقول معرفية مختلفة ومتباينة! ما يهمه ليسَ معرفة المجتمع الإسلامي كأرقامٍ متراكمة، أو أشكال من العاداتِ والأوصاف، بل الذي يهمه بالدرجة الأولى هو ذلك التفاعل الإنساني الذي يحدث داخل المجتمع في مختلفِ أطواره الحضارية، والذي يستمد أسسه من مرجعيةِ الأمة الدينية ومن قيمها الروحية التي حركت المجتمع في ميلاده الأول.

فعنده أن النظرة في تاريخِ الإنسانية تؤكد أن الإنسان إذا تحرّك تحرّك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ. فنرى المجتمع حيناً يزدهر بوجود النشاط ويزخر بالحضارة، وأحيانا نراه ساكنا لا يتحرك يسوده الكساد وتغمره الظلمات تبعا لما يسميه ”فعالية الإنسان في التاريخ“.

فالإنسان هو العنصر الوحيد الذي يمتلك إرادة تعمير الأرض وتسخير الوقت، وبهذا فهو المتحكم والموجه لمسيرة الحضارة كلها. ”ولا يتاح لحضارة في بدئها رأسمال، إلا ذلك الرجل البسيط الذي تحرّك، والتراب يمده بقُوته الزهيد، حتى يصل إلى هدفه، والوقت اللازم لوصوله“. ويُكمل ابن نبي: ”وكل ما عدا ذلك من قصورٍ شامخات، ومن جامعات وطائرات، ليس إلا من المكتسبات لا من العناصرِ الأولية“. [شروط النهضة صـ٦٠].

لذا، فإن السعي لتشييد «الإنسان» تربويًّا وثقافيًّا، وبث «الفعالية الحضارية» في كيانه، يمثل اللبنة الأولى والرئيسة التي ينبني عليها المشروع الحضاري كله عند مالك بن نبي؛ فبناء الإنسان في نظرهِ أسبق من كل «تشييد مادي في المشوار الحضاري».

ويرى أن الذي ينقص الإنسان المسلم ”ليسَ منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحَرَكة، فهو لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلامًا مجردًا“. ولهذا، فإن مشكلة المجتمع تعود إلى أزمته الثقافية، كما أن سلبية الثقافة تعود إلى عدمِ فاعليتها. فالإشكال في عدم امتلاك برامج فكرية واضحة، وقابله للتنفيذ عمليا.

المُجتمع الإسلامي يفتقد للأفكار، فهو أعزل من حيثِ المفاهيم. وفي رأي ابن نبي -رحمه الله- أنه عند البحث في عوامل البناء الحضاري يجب أن نقف عند محطة ”الأفكار لا الأشياء“، بمعنى البناء الحضاري وليس التشييد المادي.

أهم المصادر والأسس التي تقوم عليها مرجعية الرؤية الإنسانية عن ابن نبي: ١- أصول ترتبط بالإسلام وتراثه الحضاري الفكري، ٢- أصول مستمدة من الحضاراتِ الإنسانية الأخرى وثقافتها العالمية، ٣- أصول مستمدة من العلومِ التطبيقية ومن تكوينه الهندسي.

[أولاً: الأصول المرجعية المرتبطة بالإسلامِ وحضارته]. شكّلت أسرته التي تلقّى فيها تربيته النواة الأولى. حفظ أجزاء من القرآن الكريم في مدينته تِبِسّة بالجزائر، ونهل من الأسرةِ والكُتّاب الكثير من القيم الروحية والدينية التي سترافقه طيلة حياته، كما ذكر في «مذكرات شاهد للقرن». ثم التحقَ بعد ذلك بالمدارسِ الابتدائية، ثم الثانوية. كما كان لاتصاله ببعض رجال الإصلاح وتلاميذهم من أمثالِ ابن باديس وغيره بالغ الأثر على توجهه الفكري. كان كثير القراءة، ولعلّ قراءاته العديدة هي التي حددت توجهه الفكري بالدرجة الأولى، ووسعت آفاقه العلمية والأدبية.

ذكر ابن نبي في مذكراته كتباً كثيرة يعتبرها مهمة في تشكيل وعيه المبكر للتأمل في قضايا الإنسان والإنسانية في أبعادها الحضارية المختلفة. منها «الفشل الأخلاقي للسياسة الغربية» لأحمد رضا، و«رسالة التوحيد» لمحمد عبده، قال عن هذين الكتابين: ”إخال أن ذينك الكتابين طبعا جيلي كلّه في المدرسةِ بطابعهما، وأنا مدين لهما بتحول فكري منذ تلك الفترة بأية حال“. تأثر ابن نبي في بدايته بالشيخ محمد عبده ومنهجه، لكنه انتقده بعد ذلك بسبب تناوله للعقيدة الإسلامية. يرى ابن نبي أن الشيخ محمد عبده تناول العقيدة الإسلامية بمنهجٍ كلامي وفلسفي يهتم بتنسيق الكلمات وتحديد العبارات أكثر من اهتمامهِ بالبحثِ عن كيفية تمثّل الإنسان المسلم لروح عقيدته لإحداث التغيير المتوازن المطلوب.

ثم ذكر لنا ابن نبي كتباً أخرى كان لها بالغ الأثر عليه، مع ملاحظاتهِ عليها، مثل كتاب «في ظلال الإسلام الدافئة» للكاتبة الفرنسية إيزابيل أبرهاردت Isabelle Eberhardt ، الذي قالَ عنه: ”كان هذا الكتاب.. يكشف لي إسلاما شعريا ولكنه إسلام غير مبال أيضاً يبحث عن النسيان في المخدرات!“. وكذلك كتاب «أم القرى» للكواكبي الذي كشفَ له ”إسلاماً كان ينتظم حقا للذودِ عن الحياض، ويسعى للنهضة، ويعبر عن الوعي الذي كانَ يعمل في العالم الإسلامي… أما أنه لم يكن إلا كتابا وليد الخيال فما كنتُ أشك فيه، ومع ذلك لم يزدد أثره في شعوري إلا عمقا“.

وذكر لنا أيضًا كُتبا أخرى عديدة قرأها، تشمل جل جوانب الإبداع العربي الإسلامي في الأدبِ والفكر ومختلف فروع العلم؛ لكن أهم وأعظم من ترك أثارا واضحة على فِكره هو ابن خلدون، وقد أشار صراحة إلى اقتباسه بعض «المفاهيم الخلدونية» وتحليل جوانب من «مشكلات الإنسان والحضارة» على ضوئها.

وهذا الاطلاع على التراثِ الحضاري العربي والإسلامي والإنساني هو الذي جعله يعرض الإسلام كمُلهم لقيمنا، وأنه قادر على استعادةِ إنسانية الإنسان المبرأة من ثقل مادية حضارة الإمبراطورية (الحضارة الغربية). وهو لا يقدم الإسلام ككتاب وإنما كواقع اجتماعي يسهم في بناء مصير الإنسانية. وهو من هذا الجانب، يمنح الفِكر الإسلامي الحديث رؤية إنسانية متزنة ومؤثرة في زمانها.

[ثانيا: الأصول المعرفية المستمدة من الثقافةِ الإنسانية]. مثّل انتقال ابن نبي سنة ١٩٣٠م من بلده (المُستعمَر) الجزائر، بلد «القابلية للاستعمار»، إلى فرنسا البلد (المستعمِر)، نقله كبيرة في حياته.

كانت هذه النقلة صدمةً فكرية دفعته بأن يتقصى أسباب الظواهر الإنسانية الثقافية والاجتماعية المتباينة بين البلدين، فأخذَ يجري المقارنات ويتفحص الأسباب، فأحسّ بثقل المسئولية الملقاة على عاتق الإنسان العربي المسلم في العصرِ الحديث. كل هذا دفعه بأن يبحث بعمق عن كلِّ السُبل الممكنة لتحقيق التغيير والنهوض في البلادِ العربية والإسلامية، لكن مع التركيز بشكلٍ خاص على الواجهة الفكرية والعلمية لأنها تظل عنده الأساس الذي لا يُمكن لأي مشروع تغييري أن ينطلق دونه.

وهذا ما دفعه إلى الاطلاعِ على مختلفِ الثقافة الإنسانية، العلمية والأدبية والمترجمة إلى اللغة الفرنسية بشكلٍ خاص. وأهم المصادر التي أغنت رؤية مالك بن نبي «لمشكلات الإنسان والحضارة» كتابات «أرلوند توينبي J. A. Toynbee» حول تاريخ الحضارات الإنسانية وفلسفتها.

واستفادَ من شبنجلر وكتابه «تدهور الغرب»، وكتاب كلور تلمون «تاريخ الإنسانية الاجتماعي». واطّلع على كتابات كوندياك، وماركس، وهيغل، وكسرلنج، وجون ديوي، وديكارت.. وغيرهم من المفكرين والفلاسفة الغربيين الذين نراه في كُتبه يستعرض كتاباتهم برؤية تحليلية نقدية فريدة قل مثيلها.

كما أنه ذكر في مذكراتهِ أنه قرأ أعمالاً كثيرة لبعض المستشرقين، من أهمهم: لويس ماسنيون، والأب زويمر، والمستشرق دوزي، وهاملتون جب، وغيرهم؛ وكان يرد عليهم، بل أنه خصص كتابًا سمّاه «إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي» لتحليل خطاباتهم وبيان بعض خلفياتهم.

واطّلع أيضًا على الأدب، وقرأ لطاغور، الذي فتح ضميره وفكره على الطاقات الروحية التي تختزلها آسيا. وجعلته يكتشف أن ”العبقرية لا تولد على ضفاف السين أو التِيمز فحسب، بل قد تولد على ضفاف نهر الغانج أيضًا..“ يقول أنه حرره من العبودية الثقيلة على روح المثقف العربي تجاه أوروبا وثقافتها.

ومن المهم أن نذكر تأثر ابن نبي رحمه الله بغاندي، وموقفه من الاستعمارِ الإنجليزي على وجه الخصوص. ولعلّ هذا هو الذي دفعه في كتابه «فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونج» للإلحاح على ضرورة انفتاح المسلمين على القارة الآسيوية، بقصد تكوين حلف إنساني يقف في وجه الدول العظمى.

زواج ابن نبي من فتاةٍ فرنسية -تسمّت بخديجة بعد ذلك عندما أسلمت- عام ١٩٣١م جعله يتعرّف أكثر على المميزات التي يتسم بها الإنسان في البيت الأوروبي، حيث دقة التنظيم، والحفاظ على النظافة، والعناية بترتيب الأمور. لذلك نجده بعد ذلك ينفر بشدة من كل شيء يخالف الذوق والجمال -كما ذكر-.

ومن ‏اللطائف الطريفة أن زوجه خديجة كانت تهتم جدًا بالنظافةِ والترتيب، حتى أنها لم تكن تسمح له بدخول البيت إلا وفي قدميه قطعة قماش كانت تضعها له عند الباب! وفي إحدى رحلاتهم طلب منها موظف الجمارك فتح حقيبتها، فلما رأى دقة الترتيب، قال: ”أغلقي حقيبتك سيدتي، إنني لا أريد أن أضع يدي في هذا البناء الدقيق“.

[ثالثاً: الأصول المعرفية المنحدرة من العلوم التطبيقية والهندسية]. مثّل دخوله لمعهد الهندسة نقلة في توجهه الفكري ورؤيته لقضايا الإنسان والمجتمع. فالمقررات التي تُدرّس في هذا المعهد تُلزم الطالب على الإلمامِ بعلوم كالرياضيات والفيزياء، وهذا ما جعله ينكب على القراءة، فتوسّعت معارفه.

دائمًا ما يؤكد على الاستفادةِ من التقنية لتأكيد الذات وتحقيق تحررها من الاستعمار وقرينته الشمطاء «القابلية للاستعمار»؛ ”وليس لخلق مزيد من التبعية والذوبان في الآخر“. تخرّج ابن نبي سنة ١٩٣٥م مهندساً كهربائياً؛ لكنه بدل أن يتوجه إلى هندسة البناء، فضّل أن يتوجه إلى هندسة الأفكار! فعل هذا لحل مشكلات الحضارة التي تحاصر الإنسان المعاصر عامة والمسلم بشكلٍ خاص. فقد أحس بأن الإنسان في حاجةٍ إلى من يقوم «بكهربةِ أفكاره وهندسة ثقافته!» أكثر من حاجته لمن يهندس له أشياءه وسلعته. فظهرت أفكاره وكأنها بناء هندسي منظم ومنسق تتسم بارتباطها الشديد بواقع الأمة.

ومن قرأ لمالك أُعجب بترويضه مصطلحات التخصص لأفكاره؛ تكرر في مؤلفاته مصطلح «الفاعلية» الذي يستخدم في الأصل بميدان الهندسة الميكانيكية. وكذلك مصطلح «ذهاني السهولة والاستحالة»، و«مرآة الكف»، وغيرها من المصطلحات.

وأيضًا مما يلفت الانتباه وضعه لبعض المعادلات الرياضية التي لها علاقة بالمجالِ الإنساني، مثل: (الإنسان+التراب+الزمن) x (الفكرة الدينية)=الحضارة. وكذلك: (الإنسان+العقيدة الدينية)=تحكم الغرائز والشهوات. وهذا كله يدل على عَظَمة المفكر الذي يروّض معارِفه في سبيلِ نهضةِ أمته.

الحضارة عنده هي: ”مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له“. ونستخلص من هذا التعريف ثلاثة أمور لتكوين حضارة: الشروط الأخلاقية، والشروط المادية، والضمانات الاجتماعية.

«الشروط الأخلاقية» المعنوية هي التي تكوِّن ما يسميه ابن نبي بـ”الإرادة الحضارية“. و«الشروط المادية» هي التي تكوِّن ما يسميه بـ”الإمكان الحضاري“. و«الضمانات الاجتماعية» يقصد بها ما يُمكن تسميته بالنسيج الإنساني التراحمي التضامني، وهو شرطٌ ضروري لقيام حضارةٍ ما.

تمثل القيمة الحقيقية لأية حضارة عند ابن نبي؛ ”ما توفره للإنسان من أشكالِ الضمانات المعنوية والمادية، حتى يشعر كل فرد بكرامته وإنسانيته“ لذا فإن المكتشفات التقنية والمنجزات المادية لا تُمثل عنده القيمة الحقيقية. وهذا يُعطيك بُعد واضح لاهتمام مالك رحمه الله بالإنسان.

يستنتج ابن نبي من قراءاتهِ لتاريخ الحضارات الإنسانية أنه: ”لا يتاح لحضارة في بدئها إلا ذلك الرجل البسيط الذي تحرك، والتراب الذي يمده بقُوته، والوقت اللازم حتى يصل إلى هدفه“. هذه العناصر الأولية لتكوين أية حضارة. (الإنسان+التراب+الزمن) x الفكرة الدينية = حضارة.

والإنسان في مشروعِ مالك بن نبي الفِكري هو المتحكم والموجه لمسيرة الحضارة، يقول: ”إن الإنسان هو الشرط الأساسي لكل حضارة، وإن الحضارة تؤكد دائمًا الشرط الإنساني“. ثم نأتي لمسألة مهمة تناولها ابن في «مشكلة الثقافة» و«مشكلة الأفكار» و«الصراع الفكري» وغيرها من الكتب، فما هي؟

(المسألة الثقافية)

يعتقد ابن نبي أن تغيير واقع الإنسان الحضاري لا يمكن أن يتحقق ما لم يسبقه تغيير ثقافي، وتغيير المجتمع لابد أن يشمل تغييرًا في أفكارهِ وتصوراته. يقول ابن نبي؛ قد يحدث أن تُلم بالمجتمع ظروف أليمة، كأن يحدث فيضان أو تقع حرب، فتمحو منه «عالم الأشياء» محوا كاملا، أو تَفقده إلى حين السيطرة عليه، فإذا حدث في الوقتِ ذاته أن فقد المجتمع السيطرة على «عالم الأفكار» كان الخراب ماحقاً ! أما إذا استطاع أن ينقذ «أفكاره» فإنه يكون قد أنقذ كل شيء، إذ إنه يستطيع أن يعيد بناء «عالم الأشياء».

فمن لا يصنع أفكاره الرئيسة، لا يمكن له على أية حال أن يصنع المنتجات الضرورية لنهوضه، وبعبارة مالك بن نبي -كما في كتابه (إنتاج المستشرقين) صـ٤٨ : ”علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية، واستقلالنا في ميدان الأفكار حتى نحقق بذلك استقلالنا الاقتصادي والسياسي“.

ويرى -رحمه الله- أن الاضطراب والفوضى والتناقض والغموض، وغير ذلك من الصفاتِ التي تتصف بها بعض الأطروحات الفكرية في العالمِ الإسلامي، إنما ترجع في جانب كبير منها إلى نفسية «القابلية للاستعمار» التي تسكن نفوس أبناء هذا المجتمع، وتدفعهم من موقع الدونية إلى تقليد أشياء الغرب وأفكاره.

وهكذا بدل أن تُساهم كتابات هؤلاء في تشييدِ البناء الحضاري للأمة الإسلامية، نجدها تلجأ إلى تكديس «المعارِف» ومراكمة المعلومات والانجذاب إلى الشقشقة اللفظية، وترديد المصطلحات الغربية التي فقدت الحياة بمجرد قلعها من بيئتها الحضارية الأصيلة في الغرب.

عند ابن نبي أن الأفكار هي مرآة الحضارة، تعكس نظمها وقيمها الاجتماعية والاقتصادية، كما أنها تحدد مسارها. يقول: ”ومن الواضح أن من أكثر البوادر دلالة على اتجاه مجتمع ما؛ اتجاه أفكاره، فإما أن تكون متجهة إلى الأمام، إلى المستقبل، أو إلى الخلف اتجاها متقهقرا، إلى الماضي بصورة مرَضية!“

وهذه الأفكار التي تجر المجتمع إلى الوراء هي التي يسميها في كُتبه بـ«الأفكار الميّتة»، وهي تلك الأفكار التي خَذَلت أصولها وانحرفت عن نموذجها المثالي ولم يعد لها جذور في محيطِ ثقافتها الأصلي. بجانب هذه الأفكار هناك تلك الأخرى التي يسميها بـ«القاتلة – المُميتة»، وهذه الأخرى خطيرة جدا.

هذه الأفكار هي التي ترمي بها الدوائر الغربية إلى النخبةِ التابعة لها عن طريق مراصدها الفكرية حتى تظل تابعة لا مبدعة، منفعلة لا فاعلة. فالتجربة الغربية تفتح أبواب متاجرها أكثر من أن تفتح أبواب مدارسها، مخافة أن يتعلم التلاميذ وسائل استخدام مواهبهم لتحقيق ما تحتاج إليه مجتمعاتهم.

ويقدّم ابن نبي تجربة النخبة اليابانية الأولى مع خبراتِ الغرب التي استفادت منه ”دون الذوبان والانصهار في ثقافته، بل بقيت وفية لثقافتها وتقاليدها وماضيها“. فالفرق شاسع بين تعامل النُّخبة المغتربة عندنا، التي تعاملت مع التجربة الغربية كزبون يكتفي باقتناء سلعها ومنتجاتها، وتعامل النُّخبة اليابانية التي تركت القشور واهتمّت بالجوهر، فتعاملت مع التجربة الغربية كطالب مجتهد، فتمكنت من استعيابِ علوم الغرب وتقنياته التي تمثل سر شموخ حضارتها دون أن يؤدي بها ذلك إلى فُقدان هويتها.

وعلى كُلِّ حال؛ فالتجربة تُثبت أن الثقافة كما يرى ابن نبي لا تستورد بنقلها من مكانٍ إلى آخر بل يجب خلقها في نفسِ المكان، لأن ”البيئة ليست إحدى لوحات الرسم التي نفكّها من مسمارِ الجدار الذي عُلقت عليه لكي ننقلها إلى منزلنا“.

وانتشار هذين النوعين من الأفكار «الميتة» و «القاتلة» -في رأي ابن نبي- مؤشر واضح على اختلالٍ في الحياة الثقافية في البلاد الإسلامية، حيث لا توجد في هذا المجتمع شبكة العلاقات الثقافية اللازمة التي تحيا فيها الأفكار، كما لا يوجد فيه الدفء الإنساني الذي يشعر به الكاتب ويحضن إبداعاته.

ويرى ابن نبي أنه ما دام المجتمع الإسلامي عاجزًا عن إيجادِ البدائل الفكرية والمنهجية التي تنسجم مع عقيدته وواقعه، فيعني أن هذا المجتمع سيبقى يعاني من التبعية، ولن ترتقي أفكاره إلى درجة الاستقلال والتحرر الشاملين، لأن من لا يصنع أفكاره ومناهجه الرئيسة ستسيره أفكار ومناهج الآخرين.

ولا يُمكن لهذا المجتمع على أية حال أن يصنع المنتجات الضرورية لنهوضه، ”لأن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بحضارة.. فالحضارة هي التي تكوّن منتجاتها وليست المنتجات هي التي تكون حضارة“ . . ”فالغلط منطقي، ثم هو تاريخي لأننا لو حاولنا هذه المحاولة فإننا سنبقى ألف سنة ونحنُ نكدّس ثم لا نخرج بشيء“ لذلك علينا أن نستعيد أصالتنا الفكرية، واستقلالنا في ميدان الأفكار حتى نحقق بذلك استقلالنا الاقتصادي والسياسي.

يدعو ابن نبي على المستوى الاقتصادي إلى ضرورةِ اكتشاف طريق اقتصادي جديد مغاير لما هو سائد في الغرب، طريق لا ينظر للإنسان على أنه مجرد كائن استهلاكي يجب العمل على تلبية جوع غرائزة المادية فحسب، وتحدد مكانته بحسب ما يملكه من مال وما يكدسه حوله من أشياء الحضارة أو يستهلكه من سلعها. وقد أفرد كتاباً خاصا لهذه المسألة وهو «المسلم في عالم الاقتصاد». يمكننا القول أن ابن نبي قد تنبه مبكرا إلى خطورة النظرة التي تختزل الإنسان وقضاياه العديدة في إطار الواحدية المادية، ونبه إلى ضرورة السمو بنظرتنا لقضايا الإنسان، هذا الكائن التي تنكسر دونه التفسيرات المادية الأحادية.

ختاما: الأفكار هي مرآة الحضارة، تعكس نظمها وقيمها الاجتماعية والروحية، ومسار الحضارة هو انعكاس للفكر الذي يحرّكه والفكرة الدينية التي توجهه. وبهذا ظل الإنسان فردا وجماعة، جوهر ومحور المشروع الفكري والحضاري عند مالك بن نبي، ومعيار حركة المجتمع وسكونه ونهوضه وانتكاسه.

• قالوا عنه •

في تقديمه لـ«الظاهرة القرآنية» قال صديقه محمود شاكر: ”هذا كتاب (الظاهرة القرآنية) وكفى، فليس عدلا أن أقدم كتابا هو يقدم نفسه إلى قارئه. وبحسب أخي الأستاذ مالك بن نبي وبحسب كتابه أن يشار إليه، وإنه لعسير أن أقدم كتابا هو نهج مستقل، أحسبه لم يسبقه كتاب مثله من قبل، ولا أقول هذا ثناءً، فأنا أعلم أن رجلاً أثنى على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «ويلك! قطعت عنق صاحبك»، قالها ثلاثا. ومالك أعزُّ عليّ من أن أقطع عنقه بثنائي أو أُهلكه بإطرائي“.

وفي مقدمتهِ لكتاب «في مهبِّ المعركة» قال محمود شاكر أيضًا: ”لعلي لا أبالغ إذا قلت: إن هذه المجموعة من مقالاتِ أخي الأستاذ مالك، هي عندي من أنفس ما كتب“، وبعد سطور قليلة: ”بل هي أنفس شيء عندي، لأنها تكشف لنا عن فكرِ رجل خبير فكر في الأمورِ ساعة بعد ساعة، وقيد هذا الفكر في حينه. فهذا المفكر الخبير، قد استطاع بحسن إدراكه وبدقة ملاحظته، أن يفتح عيوننا على الخيوطِ التي تنسج منها حياتنا تحت ظلام دامس قد أطلقه المستعمر ليخفي عنا مكره وخداعه لنا، فإذا تم نسيج هذه الحياة، لبسناها كأنها حياة نابعة من سرِّ أنفسنا، وبذلك يتمكن أن يقودنا كالأنعام، ونحن نحسب أننا إنما نقود أنفسنا، وأننا نتصرف في هذه الحياة تصرف الحر الذي لا سلطان لأحد عليه. وهذا هو المعنى الذي يرمي إليه الأستاذ مالك باصطلاحه الذي وضعه وهو (القابلية للاستعمار)“. ويختم: ”وأنا لا أعرف فيمن قرأتُ لهم، ولا ممن في أيديهم مقاليد أمور الشعوب العربية، رجلاً فيه مثل هذا الحس الدقيق بالنكبة، أو مثل هذا التنبه الشامل للدسيسة، أو مثل هذه الاستقامة في فهمِ الوسائل المعقدة التي يستخدمها الاستعمار، أو مثل هذه الخبرة بالخسة التي تلبس ثياب الشرف والنبل“.

في آخرِ مقدمة الطبعة الفرنسية لكتاب «الظاهرة القرآنية» قال الشيخ محمد عبدالله دراز: ”وعسى نداؤك المنطقي والشاعري الذي أطلقته ليلامس العقول النيرة، يتسرب إلى عميق نفوسهم فيبعث فيهم من جديد حياة القلب والعقل معا“. [باريس ١٥ أيلول / سبتمبر ١٩٤٦م.

وفي مقدمةِ الطبعة الفرنسية لكتاب (القضايا الكُبرى) قال بوقروح: ”إن جيلي يجب أن يدرك بأنه سادر في التنكر للمفكر الوحيد، ذي المدى العالمي الذي لم تنجب مثله الأرض الجزائرية… فعندما نستذكر بن نبي فهذا يعني أننا نتكلم عن فن بناء الأمة، عن مستقبلنا التاريخي، فن بناء مفهوم الإنسانية“.

وفي آخرِ تقديم الأستاذ محمد المبارك لكتاب (وجهة العالم الإسلامي جـ١) قال: ”[كانَ] داعياً مؤمنا يجمع بين نظرةِ الفيلسوف المفكر ومنطقه، وحماسة الداعية المؤمن وقوة شعوره“. وفي آخر سطر: ”أنا لا أقول: إنه ابن نبي، ولكني أقول: إنه ينهل من نفحات النبوة، وينابيع الحقيقة الخالدة“.

وذكرَ المسيري في كتابه (رحلتي الفكرية) أنه استفاد من قراءته لبعض الإسلاميين، وأن قراءته لهم ساعدته على فهم الإسلام بطريقة تُجيب عن كثير من تساؤلاته، وكان أول من ذكر «مالك بن نبي». وفي مقدمة كتاب (رحابة الإنسانية والإيمان) أوصى المسيري بل كلّف أحد تلامذته بدراسة إنتاج مالك بن نبي.

وقال عنه رابح الساسي (عايش ابن نبي وزوجته أخت لزوجة الأستاذ مالك) : ”[كان] نادر المثال، ذا أخلاق وتواضع، وحرص على الجهاد، وإعلاء كلمة الحق“. وذكر الساسي أن صديقا في المخابرات الفرنسية أحضر له مجلة خاصة، ذُكر فيها عشرون شخصا مستهدفون للتصفية من قبل اليهود كان من بينهم مالك بن نبي.

وقال عنه مدني حواس (قريب له) بعد أن ذكر مطاردة الاستعمار له: ”كان -رحمه الله- شجاعا لا يهاب؛ جاء إليه رجال الشرطة في إحدى الليالي في دار أبيه، فأخذ بندقية صيد وهددهم بأنه سيقتلهم قبل أن يصلوا إليه، فتراجعوا، ثم استدرجوه فيما بعد عن طريق بعض الجزائريين العملاء وأبعدوه عن البلاد“.

وقال عنه الشيخ هدّام: ”أنا أعتبر الأستاذ مالك إماما، فقد ضحّى وبذل من جهده ووقته الكثير. كانَ رحمه الله مؤمنًا بالقضاءِ والقدر، بحيث لم يتأثر حينما أخبره ابني بأنه مصاب بسرطان الدماغ، فسلّم أمره لله، وما أخبر بذلك أحدا، وظل يجاهد حتى آخر حياته“.

وقال عنه عبدالوهاب حمودة: ”كان متواضعا؛ ومن الدلالة على ذلك إقامته عندنا في قرية جبلية، وفي حجرة صغيرة، مدة شهر كامل“. وقال عنه جلول الساسي (من تلامذته): ”مكث عندنا في الأغواط عشرة أيام، كلما جئنا نوقظه لصلاة الفجر وجدناه قد استيقظ وجلس يقرأ القرآن. كان محافظا على الصلاة في وقتها“.

وقال عنه عبدالقادر الأمير خياطي (من تلامذته): ”كنا نبيت عنده بعض الليالي، فيوقظنا قبل الفجر للصلاة، وقد كان حريصاً على أداء الصلاة في وقتها، حتى في أثناء إقامة الندوات في منزله، كان يوقف الندوة ويقيم الصلاة إذا حان وقتها. كما كان له وِرد من القرآن قبل صلاة الفجر“.

وفي كلمة الناشر في بداية كتاب (وجهة العالم الإسلامي ج٢): ”لقد أفنى مالك بن نبي عمره في استنهاض الإنسان المسلم، وتأهيله لاستلام راية الحضارة الإنسانية، التي أخذت تترنح في أيدي الغرب، لكن حجم الرواسب التي حملها المسلم معه إبان نكوصه الحضاري، كانت أكبر من طاقة مالك على تصحيح المسار. فعاشَ عمره غريباً يغرد خارج السرب، شأن كل الأنبياء والمصلحين. وقد استحكمت غربة مالك بن نبي على الساحة الفكرية؛ نتيجة منهجيته الصارمة التي رتب أفكاره غليها؛ ورؤيته البعيدة التي تضع مشروعه النهضوي في إطارهِ الإنساني الشامل، وفي موقعه على مسار الدورات الحضارية، متميزاً بذلك عن مفكري حركة النهضة؛ بشقيها: السلفي العاكف على تراثه يحاول تكييفه مع حاجات العصر، والحدَاثي الذي يروم قطع صلاته بالتراث؛ ميمماً شطر تجارب ليسَ لها في أرضه جذور، فلم يفهمه أي من التيارين، ولم يمكن تصنيفه ضمن واحد منهما، فكان مرفوضا منهما كليهما“.

وكتبَ عمر مسقاوي عام ١٩٩٠م في بداية كتاب (القضايا الكبرى) : ”مالك بن نبي وقد مضى على وفاته سبعة عشر عاما ما يزال يفتقده شبابنا المعاصر في ظلمة الشتات الفكري.. ففكر ابن نبي ما يزال ينادي الجيل من مكانٍ بعيد، لكنه يقترب رويدًا رويدًا كلما استفحلت الهزيمة. فابن نبي إذا كنا قد جحدناه في حياتهِ أباً يرسم لنا شروط النهضة الفاعلة المستلهمة خُطا الحضارات وتعاقبها؛ فإننا كلما أفلسنا بالشعاراتِ الرائجة في سوقِ العالم الغربي المعاصر نقترب من ذلك اليوم الذي يثرينا ميراثه بفاعليّة الإنجاز وسلامة الاتجاه“. [١٩ رمضان ١٤١٠ھ].

ونختم هذا الباب -حتى لا نُطيل فيَملّ القارئ الكريم- بقولِ الباحث الأمريكي بروس لورنس عنه: ”مالك بن نبي لا يوجد له شبيه لا في أوروبا و لا في أمريكا و لا في المغرب العربي، هو ببساطة ابن خلدون المعاصر“.

• شذرات مُتفرِّقة •

الحضارة عند مالك بن نبي ليست بضاعة تُباع وتشترى؛ بل هي بناء داخلي تحدده عبقرية المجتمع وتعكس خصوصيته الثقافية عبر مسيرته التاريخية، وبالتالي فهي غير قابلة للاستعارة، وكل محاولة في هذا السبيل تعرض الثقافة المغلوبة على أمرها للمسخ بعد سقوطها في شباك التبعية.

حينما كتبَ فرحات عباس (فرنسا هي أنا وأنا الكثرة وأنا الجندي)، رد عليه ابن نبي بمقالٍ حازم، وكان آنذاك في السنةِ الأخيرة من الحصول على لقب مهندس في الكهرباء، قال فيه هذه العبارة: ”نخبتنا ماتت، نخبتنا أصبحت بلا روح للأسف“. ولعل هذه العبارة صالحة للترديد، طبعًا إن وجدت النُّخبة!

رأى مالك بن نبي أن من آثار مرض «القابلية للاستعمار»؛ فقر المثقفين المسلمين في صياغةِ أفكارهم في العالم الحديث، فتبنوا مدارس المستشرقين في صياغة قيمهم الروحية. ”ولكي نخرج من أزمتنا الراهنة؛ علينا أن نبني ثقافتنا وفق النموذج الذي يأتلف مع تاريخنا وأصالتنا“.

يقول مالك: ”كلما ضعفت العلاقات الدينية يتناقص عدد العلاقات الاجتماعية، وكلما تضامنت وترابطت العلاقات الدينية بشبكة العلاقات الاجتماعية في مفهومها الأخلاقي؛ يؤسس المجتمع لجغرافيا المكان الذي تنطبع فيه هذه العلاقات“. وهنا تتضج رؤيته؛ فالتطور يكون بترابط العلاقات الدينية والاجتماعية.

في بدايةِ كتابه (شروط النهضة صـ٢٠) كلمة تستحق الوقفة، وهي: ”من عادةِ التاريخ ألا يلتفت إلى الأمم التي تغط في نومها، وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا، وتزعجها حينا آخر؛ تطربها إذ ترى في منامِها أبطالها الخالدين وقد أدوا رسالتهم، وتزعجها حينما تدخل صاغرة في سلطة جبارٍ عنيد“.

ويقول ابن نبي لمن يستهين في الكلمة: ”إن الكلمة لمن روح القدس، إنها تسهم إلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد، إذ تدخل إلى سويداء قلبه فتستقر معانيها فيه لتحوله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة“.

وخذوا بل احفظوا هذا القول منه رحمه الله: ”وليس ينجوا شعب من الاستعمارِ وأجناده، إلا إذا نجت نفسه من أن تتسع لذلّ مستعمر، وتخلّصت من تلك الروح التي تؤهله للاستعمار“. ومن جميل ما أورده قول أحد المصلحين: ”أخرجوا المستعمِر من أنفسكم يخرج من أرضكم“.

وتعجبني كلمة في كتابه (شروط النهضة): ”وإنها لشرعة السماء: غيِّر نفسك تُغيِّر التاريخ!“. وتأمل قوله في (صـ٣٣) من ذات الكتاب: ”وكانت الأمة تقدم تضحياتها لبناء المدارس «والمساجد» من أجلِ البعث الفِكري والبعث الروحي، اللذين هما عماد كل حضارة في سيرها الحثيث“.

واقرأ قوله في [شروط النهضة صـ٣٦] : ”ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم؛ فإن هذا النوع أخطر على المجتمعِ من جهل العوام، لأن جهل العوام بين ظاهر يسهل علاجه، أما الأول فهو متخفٍّ في غرور المتعلمين“. وفي (صـ٨٤) من ذات الكتاب: ”والحقيقة أننا قبل خمسين عاما كنا نعرف مرضاً واحدًا يمكن علاجه، هو الجهل والأمِّية، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضًا جديدا مستعصيا هو «التعالم!»“.

في انطلاقِ الحضارة ليس أمامنا إلا هذه العوامل: الإنسان، التراب، الوقت. ولكنها لن تتحرك إلا برابعٍ يمزجها فيكوّن الحضارة، وهو «الفكرة الدينية». لذلك نجد مفكرنا يقول: ”فالحضارة لا تنبعث -كما هو ملحوظ- إلا بالعقيدة الدينية“. وفي موضع ثان: ”نجد أن الإيمان هو الذي مهد الطريق للحضارة“. وفي موضعٍ ثالث: ” .. الحضارة تولد مرتين، الأولى: فميلاد الفكرة الدينية، الثانية: تسجيل هذه الفكرة في الأنفس، أي دخولها في أحداث التاريخ“. وفي موضع رابع: ”إن الوسيلة إلى الحضارة متوافرة ما دامت هناك فكرة دينية تؤلف بين العوامل الثلاثة، لتركب منها كتلة تسمى في التاريخ «حضارة»“.

ومن أقوالهِ المخيفة إذا تأملنا زماننا هذا جيّدا، قوله: ”لا يُمكن لنا أن نتصور تاريخاً بلا ثقافة، فالشعب الذي فقد ثقافته قد فقد حتمًا تاريخه!“. ومن توقيعاته البديعة قوله في (وجهة العالم الإسلامي جـ١ صـ٨٠) عن الاستعمار: ”إن الاستعمار هو أفظع تخريب أصاب التاريخ“.

دائمًا نجد الاستعمار بشتى أنواعه وأشكاله يحاول إفساد ممارسات الدِّين أو إعاقتها، ولكن لماذا؟ يقول ابن نبي: ”وما فرض الاستعمار رقابته على الحياة الدينية، إلا لعلمه بأن الدين وحده هو الوسيلة النهائية لتصحيح أخلاق الشعب، الذي فقد في غمار أزمة تاريخيه كل همٍّ أخلاقي!“.

قد لا يعلم كثير من قرّاء مالك بن نبي أنه لم يكن يسعى لأن يكون مفكرًا، يدرس مشكلات الحضارة وعوائق النهضة، بقدرِ ما كان ساعياً لأن يكون «كاتب قصة» كما صرّح بذلك لابنه الروحي عمر كامل مسقاوي -هكذا كان يناديه-، ولكن أبى أن يكون كذلك، «لأنه كان صاحب قضية يدافع عنها».

مالك بن نبي سلخ من حياته أكثر من ثلاثين سنة عاشها في أوروبا ! فتأمل؛ كل هذه المدة قضاها في أرض المُسْتَعْمِر ولم يفقد هُويته واعتزازه بدينه وانتمائه! عاشها دون أن يذوب في الآخر، ليس كحال بعض المثقفين -إن صحّت تسميتي!- يعيش سُنيّات في الغرب فينسلخ كليا لا من هُويته فقط بل من ذاته!

لمالك عبارة شهيرة وهي: ”إن القرن العشرين هو قرن اليهود والدولار والمرأة“ فهل ما زال الأمر كذلك؟ أم استجد شيء؟ لا أدري. رحم الله ابن نبي حيث يقول: ”ولدتُ في بلد وفي عصر يدرك بوضوح نصف الذي يُقال، لكن الذي يقول كلمة حول النصف الثاني سوف يُحاكم بكل قسوة!“.

قال في مقدمةِ (وجهة العالم الإسلامي ج٢ المسألة اليهودية) أن هناك نظرة صامتة مؤلمة ترمقه وهو يكتب هذه الصفحات، وهي نظرة والده الذي لا يجد كسرة خبز يواجه بها عجز أيامه! ثم يقول: ”وأنا حينما أخط هذه السطور أضرع إلى الله؛ أن يوفقني لقول الحقيقة كاملة دون تورية ولا تلميح“.

وعن إرادةِ الشعوب قال في (فكرة الإفريقية الآسيوية): ”إن إرادة الشعوب طاقة من طاقات الطبيعة التي تقلب التقديرات، طاقة لا يُمكن أن يقاومها سد، مهما كان متيناً محكما. وإن انتصار إرادة هذه الشعوب على محاولات الكبار لهو قدر حتم من أقدار التاريخ“.

يرى ابن نبي -كما في كتابه تأملات- أن الصعوبات دليل نمو، فيقول: ”يمكن لنا أن نعد الصعوبات أوضح دليل على النهضة واليقظة“ وفي موضعٍ آخر: ”ثم إنه بصفةٍ عامة يمكننا عدّ هذه الصعوبات أزمة نمو تعيشها الأمة العربية، وطبيعي أنه ككل نمو لا بدّ له من تعبٍ وألم“.

حذّرنا من التساهل، وذكر أن التساهل هو الذي جعلهم ينظرون إلى اليهود نظرة احتقار، فلم يقدروا قوتهم، يقول: ”قلنا: حثالة حقيرة، حينما ننفخ عليهم نفخة واحدة يطيرون، ولكنهم للأسف لم يطيروا. فينبغي لنا أن نتخلص من نفسيةِ المستحيل والتساهل، فليس هناك شيء سهل ولا مستحيل“.

الاستعمار يحتاج دائمًا إلى أقلام يكتب بها، وأبواق يتكلم بها، حتى لا يُعرف خطّه ولا صوته عندما يخادع الجماهير الطيبة! سمّاها ابن نبي (الأرَضة) ثم قال: ”وهذا النوع من الحشرات لا ينقطع ما دامت ثقافتنا تفقد المبدأ الأخلاقي المهيمن على سلوكِ المثقفين“ فلنحذر من هذه الحشرات المدسوسة.

في رأيهِ أن كل حضارة تهمل الإنسان مآلها السقوط، لذلك نجده يقول: ”الحضارة تنتهي عندما تفقد في شعورها معنى الإنسان“. ويرى أن ضمير المسلم لا بد أن يحوي تقويما جديدا للإنسان، ويُلمح بقوله: ”أي بقدر ما تضع في ضميره قيمته وقيمة الآخرين حتى لا يقع في هاوية العبودية أو هاوية الاستعباد“.

اهتم في مشروعه بالمرأة، وأشار إلى أن مشكلة المرأة ”ليست.. شيئاً نبحثه مُنفردًا عن مُشكلة الرجل، فهُما يُشكلان في حقيقتِهما مُشكلة واحدة، هي مُشكلة الفرد في المُجتمع“ وكما قال في (شروط النهضة): ”فالمرأة والرجل يكوّنان الفرد في المجتمعِ: فهيَ شِقُّ الفرد، كما أنّ الرجل شِقه الآخر“. وهو القائل: ”فالمرأة والرجل قُطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهِما بغيرِ الآخر“. بل أنه قال في كتابه (في مهب المعركة): ”إن تطور المُجتمع يرتبط بتطور المرأة“. ولا زلتُ معجَباً بوصفه للمرأة عندما قال: ”وهي مخزن العواطف الإنسانية“. وقال في سطرٍ آخر: ”مُلهِمة لذوق الجمال وروح الأخلاق“.

ختمَ كتابه (فكرة الإفريقية الآسيوية) بقوله: ”ومهمة الحُكم تتطلب أسمى الصفات الأخلاقية، فإن من يريد أن يحكم اليوم يجب أن تكون لديه -أكثر من أي وقت مضى- روح الداعية إلى الخير، وحنان الأب الرحيم“. وآخر سطر في كتابه (فكرة كمنويلث إسلامي): ”الإسلام يظل دائمًا القوة التي لا تُحطم“.

وقال في آخر الفصل المسمّى (في حديقة الثقافة) من كتاب «في مهبِّ المعركة» : ”من الممكن أن يرى أحد القراء اعوجاجاً فيما أكتب، وأن يتفضل بتوجيه نقده لي، فمرحبا بهذا النقد وشكراً لصاحبه ما دام واضحاً في مبرراتهِ وبرهانه حتى أستفيد منه، لا مجرد قول تمليه وتصحبه العاطفة“. ويقول رحمه الله: ”وفيما يخصني فإنني كنت دائما حريصا على أن أقدم للقارئ ما يمكن من الوضوح، حتى أمكّنه من أداء واجب النقد، إن رأى لذلك مسوغا . . ويبقى أن النقد يجب ألا يكون موقف عداء يتبادل فيه خصمان الشتم والضرب.. بالأقلام والجمل.. بل موقفا فكريا يتبادل فيه اثنان آراءهما“.

يُحذِّر ابن نبي في كتابه (ميلاد مجتمع) من «المرض الاجتماعي» الذي يجعل المجتمع عاجزًا عن القيامِ بالنشاط المشترك بصورةٍ فعالة، هذا إذا ارتخى التوتر في خيوط شبكة العلاقات، أما إذا تفككت نهائياً، فيقول: ”فذلك إيذان بهلاك المجتمع، وحينئذ لا يبقى منه غير ذكرى مدفونة في كُتب التاريخ“.

من المهم -قبل الختام- أن أتحفكم بهاتين الورقتين مِن كتاب «الماجَرَيات صـ١٣٦-١٣٧» لأبي عمر إبراهيم السكران -فرّج الله عنه-، قالَ وهو يتحدث عن مالك بن نبي:

أختم بمعلومة لطيفة عنه؛ أنه لم يتعلم اللغة العربية إلا بعد الـ٥٠ من عمره! لذلك نجده يقول في التنبيه الذي أورده في بداية كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة ١٩٦٠م): ”هذه أول محاولة للمؤلف في الكتابة باللغة العربية مباشرة، فشأنها شأن كل محاولة؛ لا يمكنها أن تكون مرضية“. ومن الطرائفِ ما ذكره عبدالسلام الهرّاس، أن مالك بن نبي أراد أن يترجم (شروط النهضة) بنفسه! يقول الهرّاس: ”كان مالك قد قام بترجمة بسيطة للكتاب لكنها كادت تكون بلغة غير عربية، وكنا أحيانا نعلّق ببعض النكت عليها، فلا يسع أستاذنا مالك إلا الضحك مع رفع اليدين قائلا: هذا مبلغ علمي“.

• المصادر •

بحث د. إبراهيم رضا عن ابن نبي، وهو في آخر كتاب «رحابة الإنسانية والإيمان» للمسيري. كتاب «مالك بن نبي .. حياته وفكره» للعويسي. كتاب «في صحبة مالك بن نبي» لعمر مسقاوي. و٤٠٪ من قراءتي الخاصة لمؤلفاته رحمة الله عليه. من أراد الاستزادة فليرجع إلى ما أشرتُ إليه من الكتب.

• خاتمة •

أشعر بالحسرة والله؛ عندما أتأمل إنتاج مالك بن نبي -وأمثاله- ولا أجد ذلك الاهتمام الكبير به. إذا أردت أن تعرف عبقرية المفكر وعمق أطروحاته تأمل عمرها. عندما تقرأ لابن نبي تجد أن أفكاره التي كتبها قبل ٦٠ سنة لا زالت حيّة في ريعان شبابها، وهذا دليل قوة العقل الذي أنتجها.

إهمالنا للمفكرين -نحن العرب للأسف- هو سبب تخلّفنا. سيغضب القارئ، ويظن هذا القول من قبيل جلد الذات، وللأسف خلف كلمة (جلد الذات) تختبئ الهزيمة والكسل. نهتم بالممثل والراقص ولاعب الكُرة.. ولكن المفكر يُهمل، وإن لم يُهمل، يضيّق عليه حتى تكلّ أقلامه وتذوب أفكاره لفساد البيئة الولّادة.

المُفكرون هم الأساس الذي تبني عليه الحضارة صَرْحها الشامخ. لن تنهض الدول بدونهم. مالك بن نبي يَعنيهم عندما يشير -في كتبه- إلى (عالم الأفكار) المُنتج لـ(عالم الأشياء). وتحضرني كلمة لبيغوڤيتش قالها عام ١٩٧٢م وهي: ”تُشكل الثروة مع الفكرِ أُسس النهضة، ولكن الثروة بلا فكر هلاك مُحقق“.

إلى متى سنظل نُردِّد قول الشاعر:

المرءُ ما دامَ حيّاً يُستهان بهِ . . ويعظُم الرزء فيهِ حين يُفتقدُ!

ولعلّه من المُناسِب أن أذكر المثل الجزائري الذي سمعتهُ قريباً، يقول: ”عِندما كانَ حيّاً كانَ يشتاق إلى تمرة، وعِندما مات غرسوا نخلةً قُرب قبره!“.

أعلم أن هذه المقالة طويلة جدا، وأعتذر لهذا، فقد كان هدفي؛ أن يُلم من يقرأ التغريدات بحياةِ مالك، وتتضح له أفكاره، ويظهر له معدن شخصيته، حتى وإن لم يفتح -أو يقرأ- كتاباً واحدًا له. أرجو أن أكون قد وُفقت لنيل هذا الهدف. ثم إنه مالك بن نبي فاعذروني.❤️

سأعود بعد ثلاثين سنة!“. هذا ما قاله ابن نبي لزوجته وهو على فِراش الموت، ثم رحلَ بصمت عن هذا العالَم. تذكروا قوله دائمًا: ”الأُمم التي لا تقرأ تموت قبل أوانها“. ولعلّي أختم بقول ابنته إيمان: ”كانَ والدي يُكثر من ترديد هذا الدُّعاء: «اللهم أعطِنا الصبر والتقوى»“.

والسلام.

العُنصر الخالِد! «٢»

يقوم بين دوستويفسكي ومصيره صراع لا يتوقف، نوعٌ من العداوة المفعمة بالمحبّة. فمصيره يزيد جميع ضروب الصِّراع على نحوٍ مؤلم، ويباعد مباعدة شديدة بين المتناقضات عنده على نحوٍ مؤلم إلى درجةِ التمزّق؛ فالحياة تؤلمه لأنها تُحبه، وهو يُحبها لأنها تمسّه مساً بالغ القوة، ذلك لأنَّ هذا الرجل ذا الحكمة المتناهية يتعرّف في المعاناة على أقوى إمكانية للشعور.

كان دوستويفسكي مؤمنًا إيمانًا تامّاً بمصيره، وخاضع بكل إرادته للقوة اللانهـائية (الله)، لذلك نجده كلما ازداد سقوط جسده عمقاً زاد تحليق إيمانه علوّاً، وكلما ازدادت معاناته إنسانًا ازدادت سعادته في معرفةِ معنى معاناة العالَم وضرورتها. ”وهكذا تتحوّل كل لعنة عنده إلى برَكة، وكل حطٍّ من قدرهِ إلى رفع له، وفي سيبيريا يؤلف، والأغلال في قدميه، نشيدًا إلى القيصر الذي حكمَ عليه بالإعدام وهو بريء!“.

ومن عجائبِ هذا المخلوق أنه مع كلِّ ألمٍ يصيبه ينتج في روحهِ المفتوحة حبّاً جديدًا للألم، وظمأ متلمِّظاً لا يرتوي بضربةٍ كالسياط. وإذا ما ضربه القدر ضربة قاسية تنهَّد منهارًا ينزف دماً وشوقًا إلى ضرباتٍ جديدة شديدة! وكل برق يصيبه يلتقطه ويحوّل ما يمكن أن يحرقه إلى نارٍ روحية ووجدٍ إبداعي.

وفي ذلك القرن الذي يُحب العبث بالرموز، ثمة برق مشابه يمسّ أديبًا آخر هو أوسكار وايلد. ويسقط كلا الأديبين، وهما كاتبان لامعان، ذات يوم، من جوِّ حياتهم المدني إلى هوّةِ السِّجن. ولكن الأديب وايلد يُسْحَق في هذا الامتحان كما تسحق الأشياء في هاون، أما الأديب دوستويفسكي فيتشكل من هذا الامتحان كما يتشكل الفلز في البوتقة النارية. وايلد يشعر بالاحتقار والفظاعة من ذلك الحمام الذي في سِجن رينج حيث يُفرض على جسدهِ النبيل أن ينغمس في الماءِ الذي دنّسه سجناء آخرون. وهكذا تهتز طبقة النبلاء في فزعٍ شديد من الاندماج الجسدي مع الأدنياء. أما دوستويفسكي؛ ذلك الإنسان الذي تجاوز كل الطبقات، فتشتعل هذه الوضاعة أمامه بروحٍ سُكري بالقَدر، ويتحوّل الحمام القذر نفسه إلى مطهر لكبريائه! لذلك نجد أن وايلد ينتهي عندما يخرج من السِّجن، أما دوستويفسكي فلا يبدأ إلا حين يخرج من السِّجن. وهكذا؛ يحترقَ وايلد في اللهيب نفسه الذي شكّل دوستويفسكي.

لدى دوستويفسكي قدرة عجيبة على قلبِ ألوان المعاناة إلى سعادةٍ ونصر، وذلك بسببِ الأمان الداخلي الذي يظفر به؛ فسيبيريا، والأشغال الشاقة، وحمّى المقامرة، والإدمان، والتهتك، كل أزمات وجوده هذه تصبح في فنِّهِ مثمرة بفعل قدرته العجيبة على قلبِ القيَم. ومعلوم بأنَّ ”الفنان لا يستخرج أكثـر حقـائقه التهـابًا، ومعارفه الأخيرة، دائمًا، إلا من أخطرِ أغوار طبيعته، كما يستخرج الناس أنفس معادنهم من أكثرِ أعماق المناجم ظلمه“.

كانَ مريضًا، لقد زُرع في جسدهِ أخطر الآلام، رمز للموت رهيب؛ ألا وهو الصَّرَع. كان مصابًا بالصرعِ طوال كل الأعوام الثلاثين من حياتهِ الفنية. فأثناء انهماكهِ في العمل، وفي الشارع، وأثناء الحديث، بل في النوم، تنشِبُ يد ”الشيطان الحانِق“ مخالبها حول حلقومه وتطرحه أرضًا على نحوٍ مفاجئ والزبد يغشى فمه حتى ينزف جسده في الحالِ دماً. وهنا وقفة تأمُّل؛ كل هذه الأعمال الخالِدة التي تثبُتُ للأيام قد خرَجت من أعضاء واهية متداعية ومن أعصاب مرتعشة مضطربة اضطرابًا لاهبا!

ظلّت مِحنته هذه وفية له حتى ساعته الأخيرة. غير أن الغريب في الأمر أنّ المعذَّب دوستويفسكي لا يثور قط بكلمةٍ واحدة على هذا الامتحان. ولا يشكو قط من عجزهِ كمـا يشكـو بيتهوفن من صممه، وبايرون من قدمه القصيرة، وروسو من التهاب المثانة، بل لم يروِ أحدًا عنه قط أنه بحث يومًا بحثًا جدياً عن علاج لذلك. لا أدري إن كانَ يحق لنا أن نقول أنه أحبّ ألمه؟ وبهذا الحُب الغريب استطاع أن يتجاوز الحدود اللانهائية لمأساته. قال مرة بعد لحظةِ صرَعٍ جعلته بين السماءِ والأرض: ”إنكم، أيها البشر الأصحاء، لا تُدركون ولا تتصورون أي شعور بالنشوةِ يتغلغل في نفسِ المصاب بالصرَع قبل سقوطه بثانية واحدة. ولستُ أعرِف أبدًا هل كانت مدرسة النشوة هذه تدوم ساعات، ولكن صدقوا أنني لا أودّ أن أستبدل بها نعيم الحياة كله!“.

كانَ عندما يدهمه الصرَع يسقط على سريره محطّم الأوصال، ولا يطاوع لسانه صوته، ولا يده القلم، ويصد نفسه في سأم واكتئاب عن كل مجتمع. هكذا تتحطم قدّاسة المخ الذي كان يضم آلاف التفاصيل في اختصارٍ متناسق منسجم، وماعاد قادرًا على تذكر أقرب الأشياء إليه. وذات مرة، بعد نوبة أصابته بينما كان يكتب رواية «الشياطين» يشعر وقد تولّاه الفزع أنه ماعاد يعي شيئاً من كل الأحداث التي ابتدعتها مخيلته، بل نسي حتى اسم البطل، وبعد لأيٍ يدخل من جديد حياة الصياغة والتشكيل، ويدفع ألوان الرؤيا التي اعتراها الوهن، بإرادة عنيدة من جديد إلى اتقاد كامل، إلى أن ترديه نوبة جديدة. وهكذا نشأت كل رواياته الأخيرة، أكثر رواياته شموخًا، والخوف من الصرع وراءه، وبقية طعم الموت المُرّ على شفتيه، مكدودًا من المِحنة والحرمان.

على هذا الشفير القائم بين الموت والجنون يتصاعد إبداعه شموخًا نحو الأعالي وهو يسري آمنًا في ظلمةِ الليل، ومن هذا الموت المستمر تنشأ لهذا المبعوث من الموتِ تلك القوى الخارقة التي تمكِّنه من التشبث بالحياةِ في رغبةٍ شديدة ليستخرج منها بالضغط أقصى ما فيها من القوة والعاطفة الجامحة. لهذا المرَض، ولهذا الشقاء يدين دوستويفسكي بعبقريته بمقدار ما يدين بها تولستوي لصحته. ”فقد حلّقت به إلى حالات الشعور المركّز التي لا تُتاح للحس العادي، ومنحته نظرة خفية إلى العالم السفلي للشعور، وإلى ممالك الروح البرزخية“.

من يعاني الموت على نحوٍ مستمر في الحياة فهو يعرِف فزعًا أقوى وأعظم من فزع الإنسان العادي، وهو يحس في السباحةِ اللاجسدية في الهواء، بمتعةٍ أعلى من متعة جسد لم يغادر الأرض القاسية قط. هكذا كان دوستويفسكي؛ يتمثل عنده مفهوم السعادة في التمزّق. لذلك لا تتسم سعادة أبطاله بشيء من البهجة المصعدة، بل تتألق وتشتعل كالنار، وترتعد من الدموعِ الحبيسة المكفكفة؛ وتضيق أنفاسها من الخطر.

دوستويفسكي لم يكن يريد أن يعرف الحياة معرفة ممتازة بل يريد فقط أن يُحِس بها. ولم يُرِد أيضًا أن يكون سيّداً لمصيره بل عبدًا متعصباً له. وعلى هذا النحو وحده استطاع أن يصبح أكثر الناس إحاطة بكل ما هو إنساني، من حيث كونه ”عبد لله“ وأكثر الناس استسلامًا.

لم يكن دوستويفسكي يُحِب شخوصه إلا بقدرِ ما تعاني. كل شخصياته في سيرٍ دائم وسريع عبر الحياة، قلوبهم طفولية ورغباتهم طفولية، إنهم يريدون كل شيء بقوة فائقة، الخير والشر، الحار والبارد، القريب والبعيد. متعطشون إلى القتلِ من الرغبةِ إلى الندم، ومن الندمِ إلى الفعل من جديد، ومن الجريمةِ إلى الاعتراف، ومن الاعتراف إلى الوجد، ولكنهم يمضون في طريقهم مجتازين كل مكان إلى رمقهم الأخير، إلى أن يخرّوا منهارين، والزبد على شفاههم، أو إلى أن يرديهم إنسان آخر.

يا لهذا الظمأ إلى الحياة في كل فرد. إنها أمة فتية بأسرها، بشرية جديدة تتلمظ جوعًا إلى العالم، إلى المعرفة، إلى الحقيقة. ألا فابحثوا لي، وأروني إنسانًا في عملِ دوستويفسكي يتنفس بهدوء، ويلقي عصا الترحال، وقد بلغ هدفه! لا أحد، ولا فرد واحد! فكلهم يتجه في هذا السياق الجنوني إلى الأعلى وإلى الأسفل. نعم؛ هكذا كان أبطال دوستويفسكي، إنهم المتألمون الكبار الذين يتسمون بوجوه مقطبة، ويعيشون في الحمّى، في التشنج والنوبات. لذلك سمَّى فرنسي كبير عالَم دوستويفسكي «مستشفى للمرضى العصبيين!».

ولا يُلام، إذ تولاه الذعر من هذا الجوِّ الكدر نوعًا ما! «حجرات الحانات المفعمة ببخار البراندي، وزنزانات السِّجـن، والزوايا في مساكن الضواحـي، وأزقة المواخير والمقاصف، والقاتل الذي يرفع يديه الملطختين بدم ضحيته، والسكير وسط ضحك المستمعين، والفتاة ذات البريق الأصفر تحت ضوء الزقاق الخافت، والطفل المُصاب بالصَّرع وهو يتسوّل عند زوايا الشوارع، والقاتل ذو الجرائم السبع في عقوبةِ الأشغال الشاقة في سيبيريا، والمُقامر وقد تعاورته قبضاته شركائه، وروجوشين منطرحًا كالحيوان أمام حجرة مُغلقة، واللِّص الشريف الذي يموت على السرير القذر».

يا له من عالمٍ سفلي للشعور، ويا له من جحيمٍ للأهواء الجامحة! ألا ما أشد مأساوية هذه البشرية، وما أعجب هذه السماء الروسية الرمادية المُنخفضة الدكناء أبدًا فوق هذه الشخصيات، وما أغرب هذه الظلمات التي تغشى القلب والعاطفة! إنها أراضي البؤس، وصحاري اليأس، ومَطهر بلا رحمة أو عدالة.

ألا ما أشد ظلمة هذه البشرية، وهذا العالم الروسي، وما أشد ما ينطويان عليه من الاضطرابِ والغربة والعداوة أول الأمر. إنَّ هذا العالم ليبدو وقد طغى عليه فيض من الآلام، وإن هذه الأرض لتبدو، كما يقول إيفان كارمازوف حانقًا: ”غرقى بالدموع حتى أعمق نواة فيها“. ولكن الضوء الفِكري يخترق بشعاعه المادة الفجة القاتمة مثلما يبدو محيا دوستويفسكي لدى النظرة الأولى قاتماً طينياً كئيباً فلاحيا، ثم يضيء بريق جبينه، وهو يشرق فوق الاستسلام، العنصرَ الأرضي في ملامحه وينير أعماقه بالإيمان. ويبدو عالم دوستويفسكي وكأنما قُدَّ من الألم وحده.

الإنسان في أعمال دوستويفسكي يكافح من أجلِ حقيقته الأخيرة، من أجل أناه الإنسـانية الشاملة. كل واحد من أبطاله يسأل نفسه: من أنا؟ وما مقدار أهميتي؟ إنه يبحث عن نفسه، بل عن ذروة كيانه فيما لا توقف فيه ولا مكان ولا زمان له. يريد أن يعرف نفسه من حيث هو الإنسان الذي يكونه أمام الله، وهو يريد أن يعترف ويؤمن.

شخصياته تَبرز كأنما ينشق عنها جدار من البؤسِ والظلام، إنها لا تقوم حرَّة واضحة المعالم في عالمٍ واقعي، بل في لانهائية من الشعور. . وجوّه عالم أرواح لا طبيعة، وليس عالمه إلا البشرية وحدها. لن تجد في صفحاتِ مؤلفاته التي تبلغ عشرين ألفًا وصْفاً يتضمن أن واحدا من شخصياته يقعد أو يأكل أو يشرب، بل يشعرون أو يتكلمون أو يكافحون، فحسب، هكذا دائمًا. هم لا ينامون ولا يقر لهم قرار، ويفكرون دائمًا، ولا يكونون قط غائبين عن الوعي كالنباتات والبهائم والمتبلدين، بل تجدهم دائمًا في حركةٍ وهيجان وتوتر، هم أيقاظ، بل في حالة فوق اليقظة.

شخصيات دوستويفسكي مشبعة حتى أعمق كيانها بعلمِ النفس، لهذا قال نيتشه ذات يوم: ”دوستويفسكي هو الوحيد الذي أفادني في علم النفس” أو قال: ”هو عالم النفس الأوحد الذي تعلمت منه كل شيء”.

الإبداع عند دوستويفسكي وَجْدٌ وعذاب وتمزُّق، إنه متعة مصعدة إلى درجةِ الألم، وألم مصعد إلى درجةِ المتعة. وقد كتب وهو في الثانية والعشرين مؤلفه الأول «فقراء الناس» أو «المساكين» من خلال الدموع، ومنذ ذلك الوقت أصبح كل عمل عنده أزمة ومرَضا. ويقول: ”إني لأعمل بصورةٍ عصبية وسط العذاب والهموم، وعندما أعمل وأنا مرهق فأنا مريض مرضًا جسديا أيضًا“. وبالفعل كان الصَّرَع يتغلغل بإيقاعه المحموم الملتهب، وعوائقه الغامضة المظلمة في أدق ذبذبة في عمله.

دوستويفسكي لم يكن يعمل على رواياتهِ في هناءةٍ وهدوء، بل كان مثل «حصان البريد العجوز»، لذلك كان يصرخ ويقول: ”ألا ليتهم يرون في أي حالةٍ أعمل، إنهم يطلبون مني أعمالا ممتازة لا يشوبها شائبة، وأنا مرغم على السرعة بسبب المِحنة المتناهية في المرارةِ والبؤس“. ويشتم تورجينيف وتولستوي اللذين يستطيعان أن يدبجا السطور وينسقاها وهما قاعدان على أملاكهما في دَعة، واللذين لا يحسدهما على شيء سوى ذلك.

كان يظل تحت وطأة المحنة ساعات يعمل في صياغة الصفحات المختلفة بصورةٍ مستعجلة، ويتلف رواية «الأبله» مرتين على الرغم من أن زوجته تتضور جوعاً ولم يدفع أجر القابلة. ”لقد كانت إرادة الكمال عنده لا نهائية، غير أن المحنة كانت لا نهائية أيضًا“.

ختامًا: هذهِ الترجمة الأدبية كانت تلخيصًا واختصارًا لما كتبه النمساوي المشرَّد ستيفان زفايغ في كتابهِ «بُناة العالم» عن دوستويفسكي. تحدَّث عنه وعن أسلوبه الروائي في مئةٍ وتسعين صفحة، عرضتُ زبدتها لك بعد التلخيص والتهذيب (والزيادة). فأرجو أن تكون ممتعة لك على الأقل إذا لم تجد فيها الفائدة المرجوة. وللفائدة: أنصحك بقراءة ما كتبه سومرست موم عن دوستويفسكي في كتابهِ «روائيون عظام ورواياتهم»، فإنك واجد هناك ترجمة لها نَفَسٌ آخر. تسفايج في ترجمته يظهر الإعجاب العميق بدستويفسكي، أما سومرست موم فإن البُغض طاغٍ على حديثه عنه. وللمهتم أكثر اقرأ «التأرجح على الهاوية» لإيغور فولغين، و«أبي دوستويفسكي» لابنته لوبوف، و«دوستويفسكي» لهنري ترويا. والسلام.

العُنصر الخالِد! «١»

مع دوستويفسكي يدخل المرء أرضًا تنتمي إلى العالمِ الأصيل، إنه يدخل عالمًا صوفياً، بالغ القِدم ومتسمٌ بالعذرية في الوقتِ نفسه، وتتملّك المرء رِعدة حلوة من الخوف، كما يحدث له عند كُل اقتراب من العناصِر الخالِدة!

كيف يبدو محيّاه؟

يبدو محيّاه في البداءةِ كفلّاح. فثمة ألوان طينية، وتنبسط الوجنتان الغائرتان فيما يُشبه القذارة وقد خددتهما آلام كثيرة من السنين، وتتوتر البشرة المتخدِّدة مظلمة محروقة بكثير من الاندفاعات وقد امتصَّ منها الدم واللون شبحُ العِلّة المزمنة التي لبثت عشرين حولا. وعن اليمينِ والشمال تبرز لبنتان قويتان، هما عظما الوجنتين السلافيتان، وعلى الوجه المتسم بالمرارة والذقن المحنيّ تترعرع لحيّة مشعّة كالدغل؛تُربة وصخر وغابة، أرضٌ تتألف على نحوٍ مأساوي من العناصِر الأولى، تلكَ هي أعماق وجه دوستويفسكي!

كل شيءٍ مُظلم وترابي ولا جمال في هذا المحيا الفلاحي الذي يكاد يكون محيّا متسوّل، قطعة مِن العتبات الروسية منثورة على الحجر. تقرأ في ملامحِ هذا الوجه الرخية حالة من الخدر أو التبلد الحسي الخالي من الحياة! وقطعًا قراءتك هذه خاطئة.. وإذا تأمل المرء صورته فإنه لا يشعر إلا بذلك الجبين دائمًا! الجبين العريض، القوي، المَلَكي، ذلك الجبين الذي يزداد إشراقه على نحوٍ مطّرد، ويبدو أنه يتسع كلما ذابَ المحيا الذي بدت عليه الشيخوخة في المرضِ وأضناه الأسى، وينتصب عالياً كسماء، لا يتزعزع فوق خور الجسد المتداعي، إنه مجد الفِكر فوق الحزن الأرضي.

الخوف هو الانطباع الأول الذي يتولى المرء دائمًا تجاه دوستويفسكي، والانطباع الثاني هو «العَظَمة».

إن بداية حياته لهي رمز؛ ففي ملجأ للفقراء يولد فيدور ميخائيليوفيتش دوستويفسكي. وفي الساعةِ الأولى حُدِّد له موضع وجوده في مكانٍ من الجانبِ الآخر للحياة. نعم؛ في الجانبِ المحتَقر منها والقريب من حضيضها، ولكن هذا المكان يقع وسط المصير البشري مجاورًا للآلام والأتراح والموت! لم يُفلت قط من هذا النطاق حتى آخر أيام حياته (إذ مات في حي من أحياء العمال)، وظل طوال سنيّ حياته الـ٥٦ الثقيلة ببؤسهِ وفقره وحرمانه في ملجأ من ملاجئ الحياة.

ينحدر والده وهو الطبيب العسكري من أصلٍ نبيل، وتنحدر أمه من دم فلاحيّ. وهناك في ملجأ الفقراء بموسكو، وفي كوخٍ ضيق كان يتقاسمه مع أخيه، أنفق دوستويفسكي السنين الأولى من حياته، السنين الأولى؛ فلا يجرؤ المرء على أن يقول طفولته، ذلك أن هذا المفهوم مات وتلاشى من حياته في مكانٍ ما.

وفي هذا العالَم الحالك الذي يعيش فيه أخذَ يبحث عن شعلةٍ من نور؛ «لقد هربَ إلى الملاذ الأبدي لكل الناقمين، إلى ملجأ المُهْمَلين، إلى عالم الكُتب الحافل بالألوان والخطر!». قرأ في تلك الأيام مع أخيه كتبا كثيرة لا تُحصى، مما جعله يغوص بعمق في بحرِ الخيال الذي أبعده عن الواقع. كان دوستويفسكي على ما فيه من امتلاء بالحماسةِ المتناهية في القوةِ البشرية؛ يهاب الناس وينطوي على نفسهِ إلى درَجةٍ مرَضية، كان لهيبًا وجليدًا في الوقتِ نفسه، متعصباً لأخطر ألوان الوحدة. تعتريه حالة غريبة تجعله يشعر بالاشمئزاز في كل متعة، ويتولاه شعور بالذنب في كل سعادة!

يلتحق بالجيشِ بسببِ ضائقة مالية، ومن أجلِ بضعة روبلات. تقبّل سنوات ثقيلة من سنوات الشباب بلا صديق. يعيش في حالةٍ سوداء أشبه بحالة الدمى، حالة الوحدة والصمت، وينتابه وسواس المرض، وخوف صوفي من الموت.

ترجمَ خلال ليال رواية بلزاك «أوجيني جراندي» ورواية «دون كارلوس» لشيللر، ليتدارك أحواله المالية المضطربة (وكان ماله يتبدّد في اتجاهين متناقضين؛ في الصدَقات وفي ضروب التهتك!). وأخيرًا وبعد أيامٍ عكرة وحالة ضبابية ينضج مؤلفه الأدبي الأول الرواية الصغيرة «المساكين». كتب هذه الدراسة الإنسانية البارعة عام ١٨٤٤م وهو في الرابعة والعشرين من عمره، كتبها بلهيبِ عاطفةٍ جامحة، بل بدموعه تقريبا. كان الفقر هو أعمق ما يُذله، وهو الذي أنتجها، كما باركتها قوة غريبة عنده وهي: حُب الألم والمشاركة اللانهائية في المأساة!

كان مسيئاً للظن بالأوراق التي كتبها فأعطاها إلى الأديب نيكراسوف لاختباره. ويمضي يومان دون جواب، بعدها إذ بحبل الجرس يشد بقوة في السـاعة الرابعة صباحًا؛ إنه نيكراسوف الذي عانقه بشدة ودوستويفسكي مدهوشا. نعم؛ إنها اللحظة الأولى في حياته المتمثلة في هذا الجرس من الليل الذي يناديه إلى المجد!

وصلت مخطوطة دوستويفسكي إلى يدِ نقّادة روسيا الجبار «بييلنسكي»، وعندما زاره دوستويفسكي -وكان خائفًا- في اليوم التالي، صاح بهِ قائلاً: ”هل تدرك أنتَ نفسك ما أبدعت هنا؟”. بعد هذا القول أخذته رِعدة، ونزل يترنح في الشارع وقد امتزجت دموعه بالسعادةِ والألم.

ومرة أخرى كما حدث بالأمس القريب، يدوّي صوت الجرس في الليل، ويفتح دوستويفسكي متعجبًا، لم يكن هذه المرة صديق يهتف له استحسـاناً، وليست رسالة من رسالات المجد، بل هو نداء الموت! هؤلاء ضباط يقتحمون حجرته ويعتقلونه، ويظل أربعة شهور يعاني من ألوان الحرمان في زنزانة بحصن القديس باول.

لم يكن يُدرك طيلة هذه المدة ما هو ذنبه، ثم عرف بعد ذلك أن ذنبه هو الاشتراك في مناقشات مع بعض الأصدقاء الغاضبين التي سميت على سبيلِ المبالغة باسم مؤامرة «بيتراشيفسكي» ولا ريب في أن اعتقاله كان سوء فهم. ومع ذلك نزل العقاب كالبرقِ فجأة: ”الموت بالبارود والرصاص!“.

«ولكن يتدخل قدَره في ثانيةٍ جديدة، هي أضيق ثواني وجوده وأغناها، ثانية لا تنتهي تلتقي فيها شفاه الموت والحياة في قُبلةٍ لاهبة! ففي غسق الصبح يخرجونه من السِّجن مع تسعةٍ من رفاقه ويسدل عليه كفن وتشد أوصاله بالحبال إلى الوتد وتعصب عيناه، ويسمع قراءة الحكم بالإعدام مع قرع الطبول. لقد ضُغط مصيره في حفنـة من الانتظـار والتربص، ضغط يـأس لا نهـاية له ورغبة في الحياة لا نهاية لها في جُزيءٍ واحد من الزمن. هنالك يرفع الضابط يده ويلوّح بالمنديل الأبيض ويقرأ حُكم العفو محوّلاً الحُكم بالإعدام إلى سجن في سيبيريا».

والآن يهوي من مجدِهِ الأول الفتيّ إلى هاويةٍ رهيبة، وطوال أربعة أعوام يُحيط ألف وخمسمائة وتد من البلوط بكل أُفقه، وعلى هذه الأوتاد يعد بجروحه ودموعه يومًا بعد يوم، يعد أيامه البالغ عددها ثلاثمائة وخمسة وستين مضروبة في أربعة! أما رِفاقه في السِّجن فمجرمرن ولصوص وقَتَلة، وأما عمله فصقل الرخام وحمل القرميد وجرف الثلج. وكان الإنجيل هو الكتاب الوحيد المسموح به، وكان صديقاه الوحيدان هما كلبٌ أجرب ونسرٌ مشلول الجناحين! ويمكث أربعة أعوام في «بيت الموتى» في العالم السفلي، ظلاً بين الظلال، منسيا لا اسم له.

وعندما يفكون الأغلال بعدئذ عن قدميه الجريحتين ويخلّف الأوتاد وراءه، يكون رجلاً آخر؛ فصحته متداعية، ومجده يعلوه الغبار، وحياته محطمة. حبّه للحياة فقط هو الذي يبقى وحده سليما لا يتطرق إليه الفساد. وبعد كل هذا يضطر إلى البقاء في سيبيريا بضعة أعوام أخرى، بين الحُر والأسير، محروماً من السماح له بنشرِ سطرٍ واحد.

وهناكَ في المنفى، في أشدِّ ألوان اليأس والوحدة مرارة، يعقد ذلك الزواج الغريب من زوجته الأولى، وهي امرأة مريضة ذات ملامح متميّزة تبادله الحب القائم على الرثاء على غيرِ رغبتها ! وهنا مأساة غامضة من مآسي التضحية ستبقى خفية إلى الأبد، تُتلمس بعض الآثار البطولية الصامتة لهذه التضحية من خلال بعض التلميحات والإشارات في رواية «مذلون مهانون».

ويعود إلى بطرسبرج رجلاً منسيا؛ فقد تركه مشجعوه من الأدباء يسقط، وضاع أصدقاؤه، ولكنه بقي يصارع الموجة التي طرحته بشجاعة وقوة حتى يخلُص بنفسهِ منها إلى النورِ الجديد. كتبَ روايته «ذكريات من بيت الموتى»، فاكتشفت الأمة الروسية بأسرها مذعورة أن عالمًا آخر يسود تحت الطبقة السطحية المستوية لعالمها الهادئ. ارتفع لهيب الشكوى حتى بلغ الكرملين، وأخذ القيصر ينشج باكيا فوق الكتاب، وتردد اسم دوستويفسكي بين آلاف الشفاه. وهكذا أُعيد بناء مجده في سنةٍ واحدة بناءً أعلى. ثم أسس بالاشتراك مع أخيه مجلة يكاد يحررها كلها وحده، ويدوي صداها كالعاصِفة، وتنتشر أوسع انتشار. وهكذا ينهض دوستويفسكي المبعوث من جديد.

ولكن هيهات هيهات، عادت تلك الإرداة الغامضة المسيطرة على حياته قائلة له: إن الوقت ما زال مبكرًا. ومرة أخرى ينقض عليه برق خاطف، وتُحظر المجلة. والآن يهوي الفزع، ضربة عاصفة إثر ضربة عاصفة في قلبِ حياته. تموت زوجته، ويموت بعدها الأخ الذي كان في الوقتِ نفسه أفضل صديق له ومعين. وتتعلّق بظهره ديون عائلتين ثقيلة كالرصاص وتحني كاهله تحت عبء لا يُحتمل.

حاول الثبات، وصار يكدّ في الليل والنهار كالمحموم، ويكتب ويحرر ويطبع بنفسه، ليوفر المال وينقذ شرفه ووجوده، ولكن القدر أقوى منه. فيخرج ذات ليلة هارباً كالمجرم من دائنيه ليضرب في الأرض. والآن يبدأ ذلك التجوال الذي استغرق سنين طوالا بلا هدف في المنفى الأوروبي، ذلك الانقطاع الرهيب في الأواصر التي تصله بروسيا، لقد كان ذلك الانقطاع يضيّق الخناق على روحه أكثر مما كانت تفعله تلك الأوتاد في السجن والأعمال الشاقة. وإنه لمن الأمور الرهيبة أن يتصور المرء بفكره كيفَ كان أكبر أديب روسي، وعبقري جيله، يهيم على وجهه، لا يملك شروى نقير، مشرّدًا لا وجهة له.

وبعد جهدٍ كبير يجد مكاناً يقطن فيه؛ حُجرات منخفضة يملؤها دخان الفقر، وتطارده الديون والسندات والالتزامات بسوطها من عملٍ إلى آخر، ويلاحقه الخجل والحرج من مدينةٍ إلى أخرى. لاح له شيء من شعاع السعادة، والتقى بشابة، هي كاتبة الاختزال عنده، وأصبحت زوجته الثانية. ولكن الطفل الأول الذي تمنحه إياه يذهب به الوهن ومحنة المنفى بعد أيام قلائل. ولئن كانت سيبيريا المطهِّر أو المدخل إلى معاناته للألم، فقد كانت فرنسا وألمانيا وإيطاليا بلا ريب جحيمه!

كان يخرج متسللاً من كهفِ عمله إلى الشارع كحيوان خطير، جلْفاً في ثيابٍ بالية، وعلى الطريق نفسه دائمًا، في درسن، وجنيف، وفي باريس؛ ويدخل مقهى أو نادياً لا لشيء إلا ليقرأ صحفاً روسية. ”إنه يريد أن يتلمس أثر روسيا، الوطن“. كان قلبه صافياً لروسيا وحدها، بينما جسده يعيش في غيرِ مبالاة حياة البؤس في هذا العالم الغريب. كان ضيفاً دائمًا في مكتبِ الرهون: فقد رهن كل شيء هناك، بل رهن ذات مرة سرواله الأخير لا لشيء إلا ليتمكن من إرسال برقية إلى بطرسبرج!

في ظل هذه الظروف البائسة يعمل طوال الليالي ويكتب، بينما تتنهد زوجته إلى جانبه في آلامها، وبينما تهدده سيدة البيت بالشرطة من أجلِ الإيجار، والقابلة تصرخ طلباً لمالها، وفي خضم كل هذه الأهوال يكتب «الجريمة والعقاب» و «الأبله» و «الشياطين» و «المقامر»، تلك الآثار التي خلّفها القرن التاسع عشر، هذه الصياغات الكونية الشاملة لعالمنا الروحي بأسره. كان العمل ”ملاذه وعذابه!“. ففيه يعيش في روسيا، الوطن. كان هذا العملاق البائس يعد الأيام التي يستطيع بعدها أن يعود إلى الوطن متسوّلاً، فجُلّ غايته أن يعود إلى الوطن فحسب! روسيا، وروسيا، وروسيا هي الصرخة الأبدية في محنته. ولكن العودة لم تُتح له، هكذا قدره؛ أن يعيش نكرةً لا مجد له، وأن يبقى الصابر الوحيد من دون صراخ أو شكوى. ما زال عليه أن يسكن مع ديدان الحياة قبل أن يرقى إلى المجد الخالد العظيم.

غدا جسده خاوياً بفعلِ ألوان الحرمان، وجعلت مقارع المرض تنقضّ على دماغهِ في ضربات تزداد توترًا على نحوٍ مطّرد حتى كان يبقى أياما بأسرها مخدّرًا مصعوقاً مستغلق الحواس؛ ليجرّ نفسه من جديد مترنحًا إلى طاولة الكتابة حين تعود إليه أولى بوادر القوة. لقد بلغ دوستويفسكي الخمسين من العمر، ولكنه عانى عذاب الآلاف من السنين.

وهنا، وفي أشدِّ اللحظات قسوة وألما، يقول له القدر: حسبك هذا. ومن جديد يعود إلى قلبِ حياته النبض. ففي الثانية والخمسين يُتاح لدوستويفسكي العودة إلى روسيا. وذلك بعد أن أكسبته كتبه شهرة، وأصبح تولستوي وتورجينيف مغمورين في الظلال، فما عادت روسيا تنظر إلا إليه. ويجعله كتاب «يوميات كاتب» رائدًا لشعبه. وبآخر ما يملك من طاقة، وبأعلى درجات الفن يُتم وصيته إلى مستقبل الأمة «الإخوة كارامازوف».

وأخيرًا يتركز انتصار دوستويفسكي ويتكاثف في لحظةٍ واحدة كما كان عذابه من قبل. لقد أرسل الله إليه برقاً، ولكنه لم يكن هذه المرة برقاً يصعقه، بل كان يحمله إلى عالم الخلود في عربةٍ نارية! لقد دُعي إلى العيد الثمانين لميلاد بوشكين أحد أدباء روسيا الكِبار لإلقاء كلمات الاحتفال. لقد صاغ كلمته في سكرٍ شيطاني كبلطةٍ يهوي بها الرعد، وبنيران الوجد التي تنبثق فجأة كعاصفةٍ من صوته الخافت الأجش، يبشر بالرِّسالة المقدسة رسالة التآخي الروسي الشامل، ويخر المستمعون على الرُّكب كأنما حُصِدوا حصدا. وتهتز القاعة من انفجار هتاف الاستحسان، وتُقبِّل الجماهير يديه، وينهار طالب أمامه مغشياً عليه، ويتنازل كل الخطباء الآخرين عن كلماتهم، وتتعاظم الحماسة إلى حدودِ اللانهاية، ويتقد المجد نارياً على هامته التي يعلوها التاج ذو الأشواك.

وفي العاشر من شباط عام ١٨٨١م يموت دوستويفسكي.. وتسري رِعدةٌ في أرجاء روسيا. لحظة من الحزن الصامت. ولكن السيل العارم يفيض بعد ذلك؛ فمِن أقصى المدن ترحل في وقتٍ واحد (وبدون اتفاق) وفود توليه الشرف الأخير. الناس جميعاً يريدون أن يروا الميت الذي نسوه طوال حياة بأسرها. ويغلي شارع الحِداد الذي وُضِع فيه دوستويفسكي على النعش، أسود من الزحام. وتصعد جماهير بملابس سود سلالم بيت العمال سابحة في صمتٍ مرتعد وتكتظ الحجرات الضيقة حتى تزحم التابوت بشدة. وبعد بضع ساعات تختفي زينة الأزهار التي أرقدوه تحتها، لأن مئات الأيدي تأخذ الزهور المختلفة على أنها من آثار الميِّت الثمينة. ويصبح هواء الحجرة الضيقة خانقاً حتى ما عادت الشموع تجد غذاءً لها فخمدت. وتفيض الجماهير متقدمة في ازدحامٍ يزداد على نحوٍ مطرد، موجةً إثر موجة، نحو الميت. ويترنح التابوت من شدّةِ تدفقهم ويوشك أن ينهار. وتضطر الأرملة ويضطر الأولاد المروّعون إلى أن يقيموه بأيديهم. ويهم رئيس الشرطة بمنع التشييع العام للجثمان، ولكنه لا يجرؤ على ذلك آخر الأمر في وجه حماسة كان في وسعها أن تفرض مشاركتها في هذا التشييع بالسِّلاح.

وفي الجنازةِ يتحوّل حلم دوستويفسكي المقدَّس فجأة إلى واقع؛ ذلك حلم روسيا الواحدة. وكما تصبح كل طبقات روسيا وفئاتها في عمله الفني كتلة واحدة بشعور الأخوة، تتحوّل مئات الألوف وراء التابوت بفعل ألمها إلى كتلةٍ واحدة؛ فالأمراء الشباب، ورجال الدين المهيبون، والطلاب، والعمال، والضباط، والخدم بالملابس الرسمية، والمتسولون؛ هؤلاء جميعا يندبون الفقيد الغالي بصوتٍ واحد تحت غابة خافقة من الرايات والشعارات. وأمام قبره المفتوح تتحد كل الأحزاب في قسم الحب والإعجاب. هكذا يَهِبُ دوستويفسكي لأمته في ساعته الأخيرة لحظة من التآخي، ويجمع بقوةٍ خارقة مرة أخرى تناقضات عصره المتوترة إلى حدِّ الجنون. ووراء طريقه الأخير تنفتح الهوة الرهيبة؛ تحية رائعة للميت: «الثورة». وبعد ذلك يُقتل القيصر، وتجلجل رِعدة الثورة، وتسري في أرجاء البلاد بروق العقاب؛ ومثل بيتهوفن يموت دوستويفسكي في ثورة العناصر المقدسة، في العاصفة!

وللحديثِ بقية..