رجل القش ورِفاقه!

هُنا بإذنِ مَن رفعنا بالنقلِ وكرَّمنا بالعقل؛ عرض مُيسَّر لأشهرِ المغالطات المنطقية المهيمنة على أغلبِ حواراتنا اليومية في وسائل التواصل الحديثة والإعلام التقليدي. وسأختم المقال بعرضِ أهم المراجع العربية النافِعة في هذا الباب.

1

«العيّنة غير الكافية، أو التعميم المتسرِّع»

يقع المتحدث في هذه المغالطة لأسبابٍ عديدة منها: عجزه عن التحققِ الكامل، وخدمته لآراء مسبقة شكّلتها عاطفة معينة. مثال: ”شعب موزامبيق حاقد علينا؛ عرفتُ هذا بسبب مزاملة بعضهم“. هذه نظرة جزئية قادت إلى حكمٍ كلّي! وهذا هو التعميم المتسرع.

2

«رجل القش، أو مغالطة التحريف»

هي أن ينسب أحدهم لخصمه حجج ضعيفة لم يقل بها، ثم يرد عليها! مثال: ”قرار الوزارة الفلانية يضيّق على المحتاجين” يرد المغالط: ”أنت ترفض قرارات الدولة، وتؤيد الفوضى في البلد!“. بسبب عدم التركيز، أو العجز عن رد الحجج القوية؛ يلجأ البعض إلى هذا الأسلوب.

3

«المصادرة على المطلوب، أو الاستدلال الدائري»

وهي جعل النتيجة مكان المقدمة، ونشرح المقال بمثال: ”الوزير فلان نزيه، لأن الحاكم أشاد بنزاهته“. هنا استدلال دائري فارغ لا يحمل أي دليل منطقي على نزاهة الوزير. وهذه المغالطة في الغالب صعبة الكشف لِمن لا يفرِّق بين النتيجة والمقدمة.

4

«السؤال المشحون، أو الافتراض المسبق»

وهي أن يطرح أحدهم سؤالاً ضمّنه فروض مسبقة، بحيث تلزم إجابة الطرف الآخر الاعتراف بمقدمات خفية. مثال: ”هل ما زلتَ ترفض النهضة الحاصلة في البلاد؟“ إذا أجبت بنعم أو لا فإنك تعترف بفرضٍ مسبق! كل سؤال ملغوم كهذا عليك أن تفككه إلى أجزاء.

5

«المنحدر الزلق، أو الاستقراء العبثي»

وهي رفض فكرة ما بدون أي دليل يقيني، لافتراض سلسلة عواقب وخيمة ستنتج عنها! مثال: ”نعطيهم اليوم حرية التعبير، وغدًا ينتقدون الوزير، ثم يحرضون الجماهير.. لذلك لن نسمح بحرية التعبير!“ وهكذا تُرفض الفكرة من البداية بسبب نتائج محتملة متخيّلة!

6

«الاحتكام إلى السلطة، أو حجة السلطة»

وهي الاعتقاد بصحةِ فكرة معيّنة لأن سلطة ما قالت بها. والسلطة هنا قد تكون حكومة أو عالِم.. أو غير ذلك. مثال: ”النظرية صحيحة لأن ستيفن واينبرغ من أنصارها“. يجب أن ننبه هنا، بأن النظرية أو الحكم قد يكون صحيحًا، ولكن طريقة الاستدلال خاطئة.

7

«الاحتكام إلى الجهل، أو حجة غياب الدليل»

وهي اعتقاد أحدهم بصحةِ فكرة ما لأنه لا دليل على خطئها، والعكس. ومعلوم أن ”غياب دليل الوجود ليس دليلاً على العدم”. مثال: ”لأنك لا تستطيع إثبات أن الكائنات الفضائية غير موجودة، فهي موجودة!“. نسي المتحدث هنا أن البيّنة على من ادّعى.

8

«الرنجة الحمراء، أو التشتيت»

وهي أن يشتت المحاور الحديث -لعجزه عن الاستدلال أو الرد- بمواضيع جانبية وبعيدة. مثال: ”لا تعاتبني على فسادي والدولة غارقة في الفساد، لنتساءل أولاً من المسؤول عن فساد الدولة؟“. (الرنجة الحمراء: سمكة يستعملها المجرمون لتشتيت الكلاب البوليسية) فتيقّظ!

9

«الاحتكام إلى القوة، أو حجة العصا»

وهي الاعتماد على التهديد والتخويف بدلاً من الحجج لفرض الفكرة. مثال: يخاطب أحدهم مسؤولاً: لماذا علي تطبيق هذا النظام إذا كان خطأً؟ يرد: ”لأنك لا تريد أن تدخل السجن!“. هنا تهديد غير مباشر، وهو ما يفعله -في الغالب- أصحاب السلطات لفرض أفكارهم.

10

«الشخصنة، أو إدانة المصدر»

وهي أن يتجاهل الشخص كل الحجج المقدمة من الطرفِ الآخر، ويعمد إلى عيبٍ فيه فيظهره بهدف إسقاط حججه! مثال: ”مَن أنت لتنتقد المفكر الكبير فلان؟!“. من الواضح هنا أن المغالط نفذ إلى شخص خصمه ليُسقط حججه، ولكن القدح الشخصي هنا ليس دليلاً على خطأ الكلام.

11

«التقسيم المخطئ، أو الأبيض والأسود»

وهي افتراض أحدهم وجود خيارين فقط، مع إمكانية وجود خيارات أخرى. مثال: ”إما أن تكون معنا ضد الشعب الموزامبيقي أو أن تكون خائنا!“. وهذه المغالطة محببة لدى المتعصب، فإنه دائمًا ما يجعلك بين خيارين، الأول: رأيه المقدّس، الثاني: رأي آخر ظاهر البطلان.

12

«المصدر المجهول»

وهي استخدام أحدهم مصدرًا مجهولاً في حجته، ليصل إلى نتائج تخدم قضيته. ومن العبارات المشهورة: (قال العلماء، أثبتت الدراسات..). مثال: ”أكّدت الدراسات أن الشذوذ حالة طبيعية!“ بدأ المتحدث قوله باستدلال مجهول المصدر لخداع المتلقي، والاستدلال يجب أن يكون واضحًا.

13

«تسميم البئر، أو تشويه المصدر»

وهي تشويه صورة الآخر بهدف إسقاطه كمصدر موثوق، والاعتماد على هذا التشويه في نقض حججه. مثال: ”أما ترى هيئته ولحيته الكثة، كيف تقرأ كتبه في الفلسفة؟“ هنا تسميم للبئر وتشويه واضح لصورة الكاتب بهدف التنفير عنه وعن إنتاجه الفكري، والحجة لحيته الكثّة!

14

«مغالطة الهروب للمستقبل»

وهي اعتقاد فلان بأن فكرة ما صحيحة لأن المستقبل كفيل بإثبات أدلة صحتها. مثال: ”قد تبدو نظريتي لك الآن غريبة، ولكن مُستقبلاً ستكتشف صحتها وتظهر أدلة صوابها“. هنا تعليق للحكم حتى ظهور الأدلة الكافية! هذه الأساليب تستخدم بكثرة في المجتمعات العلمية.

15

«الإطراء، أو تلميع التفاح!»

وهي مدح الطرف الآخر للتأثير على عواطفه ليقبل الفكرة التي تريد. مثال: ”غريب أن يكون شخصا بذكائك وعِلمك واطِّلاعك الواسع لا يؤمن بنظرية التطور!“. هنا محاولة صريحة للتأثير على رأي الآخر بأسلوب الإطراء، وفي الغالب ينجح هذا الأسلوب في تغيير آراء الخصوم في النقاشات.

قبل الختام..

بعد هذا العَرض المُيسّر -في زَعمي- والمقتضب جدًا لأشهرِ المغالطات المنطقية المشاهدة في حواراتنا اليوم، أقول وأسأل الله السداد والقبول:

• اعْلَم -أيها الكريم- أن الغرض من هذا العرض ليس الحِفظ المدرسي، فهذا لن يجعلك محصّنًا من الوقوعِ في المغالطات أثناء النِّقاش، بل ما أردته هو فقط تنبيه العقل، وجعله في حالةِ تيقّظ أثناء الحوار. واعْلَم أن للنقاد رأي معتبر في دِراسة المغالطات، يقولون: ”دِراسة المغالطات لا تكفي لإجادة التفكير الاستدلالي، مثلما أن معرفة الأخطاء في لعبة كرة القدم مثلاً لا تكفي لإجادة اللعب. إنما ينبغي أن نتجه مباشرة إلى دِراسة قواعد الجدل الصحيح ومعايير الاستدلال الصائب“.

• المغالطة في تعريفٍ لها تقليدي: ”نمط من الحجج الباطلة التي تتخذ مظهر الحجج الصحيحة“. فأردتُ من هذا العرضِ السريع -ظاهر القصور- أن أُنبه عقلك لبعض مظاهرها التي تتبدّى كاستدلالٍ قوي أثناء الحوارات، وهذه المظاهر منتشرة وتتكرر في أغلبِ نقاشاتنا اليوم في وسائل التواصل الحديثة والإعلام التقليدي. أردتُ أن أنبهك عليها لأنها تُستخدم إما جهلاً أو خِسّة، وطموحي أن تربأ بنفسِك عن منازِل الجهلاء ودَرَكات الأخسّاء.

• الوقوع في الخطأ الاستدلالي أثناء النِّقاش سببه -في الغالب- انحيازٌ إدراكي لجانبٍ معيّن تكوّن من عِدّة أسباب عاطفية ونفسية. وكما هو ظاهِر لك؛ فإن هذا دليل قصورٍ في المنهج المنطقي مُوقع صاحِبه -لا محالة- في السطحيةِ والانحراف عن سكّة الموضوعية. ولِذا فإن التعرّف على الأساليب الخادِعة في الاستدلال، وبيان مدى ضَعفها، يكون خير معين على يَقظة العقل والتحرّز من مواطن الهشاشة في التفكير. وفي مقدمة كِتاب ماجد الحمدان يقول: ”الهدف من التعرّف على المغالطات المنطقية، هو التأسيس للفكر العقلاني والذي يمثّل الأرض الذي يستند عليها التفكير العِلمي“.

• إدامة التأمل في هذا الباب، والقراءة فيه، ينشّط التفكير النقدي لديك، والذي في غيابه ”نكون رهائن للمؤثرات المحيطة؛ فلا يسعنا إلا أن نُكرر تكرارًا أعمى تلك الاستجابات التي تعلّمناها من قبل؛ ولا يسعنا إلا أن نقبل قبولاً أعمى كل ما يُقال لنا في أبواق الدعاية السياسية والتجارية، وفي الصحافة والكُتب، وكل رأي يصدر عن «سلطة»“.

• أعْلَمُ والله أنك تقول في نفسِك وأنت تقرأ ما سقتهُ من مغالطاتٍ مشهورة: ”ما هذا؟ هذه أمور واضحة لكُل أحد، ويعرِفها كل عاقل!“. وقد صَدقت، ولكني أخبرك وللأسف؛ مع شدةِ وضوحها لا نراها! والسبب ما يطرأ على العقلِ البشري من أحداثٍ تنتج عنها عاطفة مُشتتة للأفكار وقائدة للميل عن الصواب أو عدمِ التيقّظ له. لذلك وجَبَ التنبيه والتذكير حتى يتخلّص الإنسان مما يعتري عقله من الأسباب التي تَخلق الإعياء في تفكيره المنطقي.

وأختم بما أورده صاحب «الحِجاج والمغالطة» في آخر مقدمته عن أبي حيان التوحيدي متمثلاً به أمامك: ”فكُن عاذري عند خللٍ يمر، إذا أبيت أن تكون شاكري عند صوابٍ تظهر عليه“. وأُذكرك يا كريم بما خطّه عادل مصطفى في آخر مقدمة كتابه «المغالطات المنطقية»: ”خُذ البلاغة ولا تؤخذ بها. وفرِّق دائمًا بين الخطابة والبُرهان. ولا يخلبك زُخرف القول عن جوهر الحُجة. ولا تَقف عند التشبيه البليغ وتظنه المحطة النهائية وتأخذه مأخذ الدليل“.

ولمن أراد الاستزادة فليرجع إلى الكُتب التسعة التي سأسردها، مع العِلم أنها كلها يعتريها النقص والخطأ كعادةِ كُتب البشر! وأنا أنصح بالتشبّث بكتاب يوسف بوحايك -مع التحفّظ الشديد على بعضِ أمثلته- لأنه آخر ما صدر ولغته واضحة ميسّرة.

الكُتب:

١. المغالطات المنطقية لعادل مصطفى، ٢. رجل القش ليوسف بوحايك، ٣. الحِجاج والمغالطة لرشيد الراضي، ٤. قائمة المغالطات لماجد الحمدان، ٥. في الغلطِ والمغالطة أو السفسطة اللغوية للدكتور مجهول، ٦. كتاب المغالطات نيكولاس فاليتا، ٧. مختصر المغالطات لمرضي العنزي، ٨. المحاورة بالحيلة (مصور صغير) للموسوي، ٩. المغالطات المنطقية في وسائل الإعلام لأحمد دعدوش، ١٠. حبذا قراءة ما كتبه حبنَّكة في الفصل الثالث من كتابه «ضوابط المعرِفة» عن مراتب الحجج والمغالطات صـ٢٩٧-٣١٣.

والسلام.

نورٌ من سوادِ الحَلَك!

‏قرأتُ مقالة بديعة لصاحبِ الحِس المُرهف، والذوق الرفيع، والمَلَكة الفريدة المُعبِّرة عن المعنى الإنسانيِّ السامي؛ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله تعالى، فلَمْ أُرد أن أستأثر بها دونكم، وأحببتُ أن تشاركني أرواحكم قراءتها. وإنِّي أرجو أن تُحرِّك في نفوسكم ما حرَّكته في نفسي. «تنبيه: لقد تصرَّفتُ بها واختصرتها».

«الرحمة».

يَسْتَهِلُّ المنفلوطي مقالته السامِقة، بقوله:

سأكونُ في هذهِ المرة شاعرًا بلا قافية ولا بحر، لأني أريدُ أنْ أخاطِب القلب وجهًا لوجه، ولا سبيل إلى ذلك إلا الشِّعر.

إن البُذور تُلقى في الأرضِ فلا تنبت إلا إذا حرثَ الحارِث تُربتها، وجعلَ عاليها سافلها؛ كذلكَ القلب لا تبلغ منه العِظة إلا إذا داخلته، وتخللت أجزاءه، وبلغت سويداءه، ولا محراث للقلبِ غير الشِّعر. أيها الرجل السعيد: كُن رحيمًا، أشعِر قلبكَ الرحمة، ليكُن قلبكَ الرحمة بعينها.

ستَقول: إنِّي غير سعيد، لأنَّ بين جنبي قلبًا يُلمُّ بهِ مِن الهمِّ ما يُلم بغيرهِ من القلوب، أجل. فليكُن ذلك كذلك، ولكن أطعِم الجائع، واكس العاري، وعَزِّ المَحزون، وفرِّج كربة المكروب، يكُن لكَ من هذا المَجموعِ البائسِ خير عزاءٍ يعزِّيك عن همومِك وأحزانك.

«ولا تَعجب أنْ يأتيك النُّور من سوادِ الحَلَك، فالبدر لا يطلع إلا إذا شق رِداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من مهدِ الظلام». لقد بَلِيَت اللذات كُلها، ورثَّت حبالها، وأصبحت أثقل على النفسِ من الحديثِ المُعاد، ولم يبقَ ما يعزِّي الإنسان عنها إلا لذة واحدة: هيَ «لذة الإحسان».

إنّ مَنظر الشاكِر منظرٌ جميلٌ جذاب. أحسِن إلى الفُقراء والبائسين، وأعدكَ وعدًا صادقًا أنكَ ستمر في بعضِ لياليكَ على بعضِ الأحياء الخامِلة فتسمع مَن يحدِّث جاره عنك، وأنكَ أكرم مخلوق، وأشرف إنسان، ثم يعقب الثناء عليكَ بالدُّعاءِ لك أن يجزيك الله خيرًا بما فعلت.

تأمل هذهِ الحروف!

ليتكَ تَبكي كُلما وقعَ نظركَ على محزونٍ فتَبتسم سرورًا ببكائك! واغتباطًا بدموعِك، «لأنّ الدُّموع التي تَنحدِر على خديك في مثلِ هذا الموقف إنما هيَ سطورٌ من نور! تُسجل لكَ في تلكَ الصحيفة البيضاء: أنكَ إنسان».

إنّ الرحمة كلِمة صغيرة، ولكن بينَ لفظها ومعنَاها من الفرقِ مثل ما بين الشمس في مَنظرِها، والشمس في حقيقتِها. وإذا وجدَ الحَكيم بين جوانحِ الإنسان ضالته مِن القلبِ الرحيم، وجدَ المُجتمع ضالته من السعادةِ والهناءة.

لو تراحمَ الناس؛ لما كانَ بينهم جائع ولا مَغبون ولا مهضوم. ولأقفرت الجُفون مِن المَدامع، ولا طمأنت الجُنوب في المضاجِع، «ولَمَحت الرحمة الشقاء مِن المُجتمعِ كما يمحو لِسان الصُّبح مداد الظلام».

الفَرد هو المُجتمع، وإنما يَتعدد بتعدد الصُّوَر. أتدري متى يكون الإنسان إنسانًا؟ متى عَرَفَ هذهِ الحقيقة حق المَعرفة وأشعرها نفسه. إن مِن الناسِ من تكون عنده المعونة الصالِحة للبرِّ والإحسان فلا يفعل. فإذا مشى مشى مندفعاً مندلثاً لا يلوي على شيء مما حوله من المناظرِ المؤثرة المحزنة. وإذا وقعَ نظره على بائسٍ لا يكون نصيبه منه إلا الإغراق في الضحك سخريةً به وببذاءةِ ثوبه. وإن من الناسِ من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيفَ يحتلب درتهم ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته، لا يطعمها ولا يسقيها إلا لما يترقب من الربحِ في الاتجار بألبانها وأصوافها. (وهذا النوع) لو استطاعَ أن يهدم بيتًا ليربح حجرًا لفعل!

وإن من الناسِ لا حديث له إلا الدينار وأينَ مستقره وكيف الطريق إليه وما السبيل إلى حبسهِ والوقوف في وجههِ والحيطة لفراره. يبيتُ ليله حزيناً كئيباً لأنَّ خزانته ينقصها درهم كانَ يتخيَّل في يقظتهِ أو يحلم في منامهِ أنه سيأتيه فلم يقيض له.

وإنّ من الناسِ من يؤذي الناس لا يَجلب لنفسه بذلكَ مَنفعةً أو يدفع عنها مضرة، بل لأنهُ شرير يدفعهُ طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو ليضرِّي نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة إليه. حتى لو لَمْ يبقَ في العالمِ شخص غيره لكانت نفسه مدب عقاربه وغرض سهامه.

وإنّ مِن الناسِ مَن إذا كشفَ لكَ أنيابه رأيتَ الدم الأحمر يَترقرق فيها، أو عن أظافرهِ رأيتَ تحتها مَخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية، أو عن قلبِهِ رأيتَ حجرًا صلدًا من أحجارِ الغرانيت لا يبضّ بقطرةٍ من الرحمة، ولا تخلص إليه نسمة مِن العظة.

فيا أيها الإنسان؛ احْذر الحذر كله أن تكونَ واحدًا مِن هؤلاءِ فإنهم سباع مُفترسة وذئاب ضارية. بل أعظك ألا تدنو من واحدٍ منهم أو تَعترض طريقه، فرُبما بدا له أن يأكلكَ غير حافل بك، ولا آسف عليك!

أيها الإنسان؛ ارحَم الأرملة التي ماتَ عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبيةٍ صغار، ودموع غزار، ارحمها قبلَ أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبِها فتؤثر الموتَ على الحياة. ارحم ولدكَ وأحسِن القيام على جسمِهِ ونفسه؛ فإنكَ إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنتَ أظلم الظالمين.

ارحَم المرأة الساقِطة لا تُزيِّن لها خلالها، ولا تشتر منها عِرضها؛ علَّها تعجز عن أن تجد مساومًا يُساومها فيهِ فتعود بهِ سالمًا إلى كسرِ بيتها. ارحم الزوجة أم ولدكَ وقعيدة بيتكَ ومرآة نفسك لأنها ضعيفة، ولأنَّ الله قد وكل أمرها إليك، وما كانَ لكَ أن تكذب ثقته بك.

ارحم الحيوان لأنهُ يُحِس كما تُحس، ويَتألم كما تتألم، ويَبكي بغيرِ دموع، ويتوجع ولا يكاد يبين. ارحمهُ وكذِّب من يقول أن الإنسان طُبع على ضرائبِ لؤم، أقلها أنهُ يُقبِّل يد ضاربه، ويضرب من لا يمد إليه يدا. ارحم الطير لا تحبسها؛ دعها تهيم في فضائها، إنَّ الله وهبها فضاء لا نهاية له، فلا تغصبها حقها فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها؛ أطلق سبيلها وأطلع سمعك وبصرك وراءها لتسمع تغريدها فوق الأشجار، وترى منظرها وهي طائرة في جوِّ السماء، فيخيل إليك أنها أجمل من منظرِ الفلك الدائر والكوكب السيار.

وأخيرًا يختم المنفلوطي مقالته:

«أيها السُّعداء. أحْسِنوا إلى البائسين والفُقراء، وامسحوا دموعَ الأشقياء، وارحموا من في الأرضِ يرحمكم من في السماء»(١).

وهُنا أُحبُّ أن أذكر ما قاله الأديب المفكر عبَّاس العقاد عن المنفلوطي رحمهما الله، يكتب نقلاً عن مجلة الثقافة: ”. . فلا يُعرف له نظير بين أعلامِ الأدباء الناثرين من مطلعِ النهضةِ الكتابية قبل مولده إلى ما بعد وفاته، فليسَ بين أدبائنا الناثرين من استطاعَ أن يقرِّب بين أسلوبِ الإنشاء وأسلوب الكتابة كما استطاع صاحب «النظرات» و «العبرات»،

فربما ذهب القصد في الكتابةِ بجمال الإنشاء في أساليبِ الناثرين المجيدين، وربما ذهبَ الأسلوب الإنشائي الجميل بالمعنى المقصود في كتابةِ أدباء الفِكر والتعبير، ولكن المنفلوطي -قبل غيره- هو الذي قارب بين الجمال والصحة على نسقهِ الفصيح في سهولةِ لفظ ووضوح معنى وسلاسة نغم . . ”(٢)

ويطيب لي أيضًا أن أسوق لكم كُليماتٍ ختمَ بها الزيات رحمه الله مقالة كتبها عن المنفلوطي في ذكراه الثالثة عشرة، يقول:

كان المنفلوطي قطعة موسيقية في ظاهره وباطنه؛ فهو مؤتلف الخلق، متلائم الذوق، متناسق الفِكر، متسق الأسلوب، منسجم الزِي، لا تلمح في قوله ولا في فعلهِ شذوذ العبقرية ولا نشوز الفدامة. كان صحيح الفهم في بطء، سليم الفكر في جهد، دقيق الحِس في سكون، هيوب اللسان في تحفّظ. وهذه الخلال تُظهر صاحبها للناس في مظهرِ العيي الجاهل، فهو لذلك كان يتقي المجالس ويتجنب الجدل ويكره الخطابة؛ ومرجع ذلك فيه إلى احتشامِ التربية التقليدية في الأسرة، ونظام التعليم الصامت في الأزهر، وفرط الشعور المرهف بكرامةِ النفس. ولكنك إذا جلستَ إليه رأساً إلى رأس، تسرَّح في كلامه، وتبارى لسانه وخاطره في النقدِ الصريح والرأي الناضج والحكم الموفَّق والتهكم البارع، فلا تشك في أن هذا الذي تحدثه هو المنفلوطي الذي تقرأه. ثم هو إلى ذلك رقيق القلب، عف الضمير، سليم الصدر، صحيح العقيدة، نفاح اليد، موزع العقل والفضل والهوى بين أسرته ووطنيته وإنسانيته . . ”(٣)

(١) الأعمال الكاملة جـ١ صـ٨٨ النظرات جـ١ صـ١٢٤ (٢) مجلة الثقافة لمحمد فريد. [العدد ٩/ ١٧ سبتمبر ١٩٦٣م] (٣) الرِّسالة / العدد ٢١٠ / ١٢ يوليو ١٩٣٧م.

والسلام.

شيءٌ تَعافه النَّفس!

وقفتُ على مقالةِ جلال أمين التي ختمَ بها كتابه «عصر التشهير بالعربِ والمسلمين»، وهي مقالة عن «تحسين صورة الإسلام»، ونقدٌ للمهووسين لنيل إعجاب الغرب ورضاه. فرأيتُ أن أنقل زبدتها هنا، لعلَّها أن تحرِّك ما سَكَن في بعض القلوب.

كتب جلال أمين مقالته هذه عام ٢٠٠٣م في عزِّ مهاجمة الغرب للإسلام وأهله. رأى أنَّ في هذهِ الأوضاع ومع ما تعانيه الأمة العربية والإسلامية من هجومٍ إعلامي وعسكري؛ هناكَ مَن يحاول جاهدًا تحسين صورة الإسلام في أعين الغرب؟ وفي هذا كما عبَّر ”شيء تعافه النفس”، لماذا؟ لنقرأ معًا.

يفتتح جلال أمين:

لم يُعجبني منظر لفيف مِن كبارِ كُتابنا ومُثقفينا، وقد اجتمعوا في صالةٍ فخمة في واحدٍ من أكبرِ فنادق القاهرة ليُناقشوا كيفَ يُمكن تحسين صورة الإسلام في أعينِ الغرب؟

فحتى في أحسنِ الظروف، عِندما تكون العلاقة بيننا وبين الغربِ علاقة وئام وصداقة، ما الذي يَجعلني أبذل جهدًا إضافياً لتحسين صورة الإسلام في الغرب، بعد كُل ما كُتب ونُشر عن الإسلامِ في الغربِ والشرق طوال القرون الماضية؟ ولِماذا لا يأتي إليَّ مَن يُريد مزيدًا من العلمِ والفهمِ للإسلام بدلاً مِن أن أذهب أنا إليه؟

نحنُ لا نزيد شرفًا بأن تتحسن صورتنا في أعينهم، والإسلام لا يحتاج إلى أن يتزيَّن ويتجمَّل من أجلِ أن يحصل على إعجابِ الغرب. إذا كانَ هذا صحيحًا في أحسنِ الظُّروف، فما بالكَ به في ظروفنا الحالية، حيث يُشبعنا الساسة ووسائل الإعلام في الغربِ إهانةً وتحقيرًا، ولا يكفون عن الكلامِ عن الإسلامِ والمُسلمين بما نكره وبما يُخالِف الحقيقة مُخالفة صارخة؟ هل يجوز في هذهِ الحالة أنْ أتطوع بالذهابِ إليهم في محاولةٍ لتحسين رأيهم في؟ طمعًا في الحصولِ على رِضاهم عني وعن ديني؟. ”في الأمرِ شيء تعافه النفس بلا شك”.

من الاستراتيجيات التي يُطبقها من يريد «تحسين صورة الإسلام» في أعين الغرب؛ أن يُثبت لهم أن مبادئ الإسلام ”شبيهة” بمبادئ الغرب، أو أن الإسلام في الحقيقةِ لا يختلف كثيرًا عن المسيحية، وأن يحاول إقناعهم؛ بأنه ليسَ هناك ما يوجب القلق من الإسلام، والسبب أنهُ لا يختلف عنكم في شيء!

هذهِ الاستراتيجية، فضلاً عن أنها تقوم على خطأ محض، لا تعني في النهايةِ إلا التنازل عن خصوصيتك، بل إذا استخدمنا عبارة أصرح، التنازل عن الإسلامِ أصلاً. ذلك أن هُوية الشيء تتحدد باختلافه عن غيره، فإن لم يكُن هناكَ ما يميزه عن غيرهِ زال وجوده أصلا!

هذهِ الحقيقة عبر عنها منذ مئة عام اللورد كرومر، عندما قال: ”إن إسلامًا تجري عليه عملية الإصلاح لا يعود بعد ذلك إسلاما”. فهو لم يكن يقصد في رأيي أكثر من أن يقول: إن كل مَن يحاول باسم الإصلاح، أن يفسر الإسلام تفسيرًا يجعله أقرب إلى مبادئ الأوربيين، إنما يتخلى في الحقيقة عن الإسلام.

إني لا أنفي بالطبع أن هناكَ أوجه شبه مهمة بين بعض المبادئ الإنسانية التي تتبناها الحضارة الغربية، وبعض المبادئ الإسلامية، ولكن هناكَ أيضًا وبالطبع اختلافات كثيرة ومُهمة. وهذا لا يجعل المبادئ الإسلامية أقل قدرًا من مبادئ الحضارة الغربية وإنما يجعلها فقط مُختلفة.

والمُسلم يعتز بمبادئهِ الإسلامية مهما كانَ اختلافها عن مبادئ الحضارات والثقافات الأخرى. فإذا حاولَ مسلم أن يتجاهل هذه الاختلافات، إما بعدم ذكرها أصلا، أو بأن يحاول أن يعطي بعض النصوص الإسلامية معاني تتفق مع مبادئ الغير، لمجرد كسب رضا هذا الغير، فهو ظالم للحقيقة، وللإسلام، ولنفسه.

كذلكَ فإنِّي لا أشعر بأي ارتياح عِندما أجد هؤلاء الذين يحاولون «تحسين صورة الإسلام» في أعين الغرب، يلجئون إلى محاولةِ بيان فضل المسلمين على الحضارةِ الغربية، وأنه لولا المسلمين ما أطلع الغربيون على كُتب أرسطو وسائر علوم اليونان، ومن ثم فالحضارة واحدة في الحقيقةِ ونحن شركاء فيها.

وبهذا نكون أصحاب فضل عظيم في إنشاءِ هذه المبادئ الرائعة التي يُنادي بها الغربيون اليوم. إن كُل هذا صحيح بلا شك ولكني لا أُحب بالمرة أن أستدرج إليه كطريقة لتبرئة الإسلام مما يوجه إليه اليوم من اتهامات وما يُشاع عنه من أكاذيب.

نعم لقد نقلَ المُسلمون حضارة اليونان إلى الغربِ، ولكن الإسلام لا ينحصر فضله في القيامِ بدورِ الوسيط بين جزء من الغرب وجزء آخر منه، والمسلمون لديهم أكثر من سبب يُبرر استحقاقهم للحياة غير قيامهم بهذهِ الخدمة للغرب في يومٍ ما في الماضي.

وفهم المُسلمين لما قرأوه عند اليونان لم يكن على أي حال مطابقًا تمام التطابق لفهم الغربيين له، وكان اختيارهم لما يستحق البقاء من علومِ اليونان وفكرهم، مختلفًا عن اختيار الغربيين، فقد اختاروا منه ما يناسبهم ويتفق مع دينهم ومزاجهم، وليسَ هذا بالضرورة مما يتفق مع دين الغربيين ومزاجهم.

فإذا كانَ المسلمون قد توقفوا عن التقدمِ في لحظةٍ تاريخية تالية فلهذا أسباب كثيرة ليسَ من بينها أنهم متخلفون بالطبيعة وأغبياء بالسليقة. وإذا كانوا قد مروا بفترةٍ من الانحطاطِ الحضاري بعد فترةِ الازدهار، فكُل الأمم يحدث لها هذا.

ووصول الغربيين إليهم بعدَ ذلك بجيوشهم ومدافعهم قد زادهم بعدَ هذا انحطاطًا على انحطاط. وعلى أيِّ حال فإن الغربيين قد أساءوا استخدام الكثير مما وصلهم من علوم وأفكار اليونان عن طريقِ المسلمين. فما أكثر ما أساءوا تطبيق شعارات الحُرية والمساواة، وما أكثر ما أطلقوا هذهِ الشعارات على نقيضها، وما أكثر ما استخدموا العلم والتكنولوجيا فيما يضر ولا ينفع.

والذاهبون لتحسين صورة الإسلام والمُسلمين في عيونِ الغرب لا يتوقفون كثيرًا لتأمل المعنى الحقيقي لعناوين الندوات والمؤتمرات التي يُدعون للاشتراك فيها. فهم يَقبلون الاشتراك في أي ندوة وأي مؤتمر، مهما كانَ عنوان الندوة أو المؤتمر، طالما يُسمح لهم فيهما بالثناء على الإسلام.

ولكن تأمل العناوين المختارة لهذهِ الندوات والمؤتمرات، وتأمل جدول أعمالها، يبينان أنها أبعد ما تكون عن الحياد، وأنها تتضمن توجيه الاتهام للإسلامِ والمسلمين والإيحاء من بابٍ خفي بتخلّفهم ونقصهم وعدم تحضرهم.

انظر مثلاً إلى العناوين الآتية للندوات التي يطلب للكُتاب والمُفكرين المسلمين الاشتراك فيها: «دور المرأة في العالمِ الإسلامي»، أو «الإسلام في عصرِ الحداثة» حيث يثار السؤال: «هل هناكَ تناقض أصيل بين الإسلامِ والحداثة؟». والسؤال هو: لماذا يختارون موضوع المرأة بالضبط؟ أو لماذا يفترض ابتداءً أن هناكَ تناقض أصيل أو غير أصيل، بين الإسلامِ من ناحية وقيم الحداثة التي يفترضون ضمنًا أنها قيم جديرة بالاعتناق؟ فهل دعوناهم نحن للقدوم إلينا للكلام عن «دور المرأة في المجتمع الأمريكي الحديث مثلاً؟» وعن «أثر استخدام المرأة كرمزٍ للجنس في التلفزيونِ الغربي أو في الإعلامِ الأمريكي، على كرامةِ المرأة واحترامها لنفسها؟». وهل عقدنا عِندنا مؤتمرًا ودعوناهم للاشتراك فيه حول ما إذا كانَ هناك «تناقض أصيل بين تصرفات الحكومة الأمريكية الأخيرة والمبادئ الديمقراطية العريقة، أو بينها وبين القيمِ الأخلاقية الراسخة؟» فإذا كُنا لم نسمح لأنفسنا بدعوتهم إلى مثلِ هذه المؤتمرات، فلماذا يسمحون لأنفسهم بمثله؟.

خلاصة القول:

إن لهجة الغربيين اليوم في كلامهم عن الإسلامِ والمسلمين ليست من النوعِ الذي يُثير الرغبة في محاولةِ تحسين صورة الإسلام والمسلمين في أعينهم، بل من النوعِ الذي يُثير الغضب والحنق. لقد أساءوا الأدب في الكلام عن شيء نبيل وعزيز لدينا مما لا يترك مجالاً لتبادل الحديث معهم.

ومحاولة تبرئة النفس في مواجهةِ ظلم صارخ من هذا النوع، هي من قبيل الإمعان في إذلالِ النفس. ويزيد الغضب والحنق عِندما تجيء هذهِ الاتهامات والإهانات من سياسيين في الغربِ لا يعرف عنهم الكثير من صفاتِ التحضّر إلا في أتفه الشكليات، كنوع ما يرتدونه من ثياب مثلاً أو طريقة تناولهم للطعام! فلا يُعرف عنهم سمو الأخلاق في معاملتهم لغيرهم من الشعوبِ، أو الترفع عن الصغائرِ عندما يتعاملون مع خصومهم، أو الحِلم وضبط النفس عند الشدائد، أو الاستعداد للعفو عِندما يكونون قادرين عليه. «وكلها صفات أظهر العرب والمُسلمون في تاريخهم الطويل قدرًا وافرًا منها».

انتهى.

أقول: لا تزال بعضُ الدول العربية إلى اليوم تبذل الأموال وتضاعِف الجهود للسير على خُطا المثقفين الذين نقدهم جلال أمين في مقالهِ هذا. نُرهق أنفسنا لنظهر أمام الغرب في أكملِ وأجملِ صورة، وفي المقابل لا يزيده فعلنا هذا إلا تمادياً في احتقارنا وازدراءِ حضارتنا.. عقدة النقص؛ هذه العقدة التاريخية هي التي تعيق تقدّمنا كدول عربية إسلامية تستطيع بدينها السماوي وإرثها الحضاري ومخزونها الثقافي أن تفرض وجودها دون الالتجاء إلى الغرب الذي لا يرانا إلا أتباعًا -وإن سمَّانا في خطاباته الرسمية أصدقاء وحلفاء!- بحاجةٍ دائمة إلى حمايته وتنويره! . نعم؛ نستطيع أن نُبصر النور، ولكن علينا أولاً أن نخرج من كهفِ الغرب المظلم.

بيغوڤيتش والمساواة بين الرجلِ والمرأة!

فِي أكتوبر عام ١٩٦٨م كتبَ علي عزت بيغوڤيتش -رحمه الله- مقالة طويلة وجميلة عن المرأة، وطرحَ فيها هذا السؤال: «هل يُقرِّر الإسلام مساواة الرجل والمرأة؟» ثم أجابَ على هذا السؤال إجابة بديعة -كعادتِه- ومُختصرة، فرأيتُ نقلها هُنا لعلّ فيها إثراء وفائدة.

السؤال: هل يُقرِّر الإسلام مساواة الرجل بالمرأة؟

الجواب: نعم و لا.

«نعم» إذا تحدَّث عن المرأةِ باعتبارها شخصية إنسانية ذات قيمة شخصية مساوية تتحمل واجبات أخلاقية وإنسانية. «لا» إذا كان الأمر يتعلَّق بالتساوي في الوظائفِ والدور في الأسرةِ والمجتمع، كما يُفهم معنى المساواة في أوربا عادة.

ويُمكن تصوّر قضية التفوُّق أو الدونيّة -وركز هُنا- فقط بين أشياء من جنسٍ واحد، والمرأة ليست أعلى ولا أدنى لأنها -بكلِّ بساطة- مُختلفة عن الرجل، لذلك تسقط المُقارنة، ومِن ثم يسقط تحديد الأعلى أو الأدنى.

لا معنى للسؤال: أيهما أهم: القلب أم الرئة؟ لأنّ كلاً من العضوينِ لا يُمكن أن يقوم بوظيفةِ الآخر، بل إنَّ الاختلاف بينهما يُعطي قيمة خاصة لأحدهما بالنسبةِ للآخر.

ولننتبه هُنا إلى الحقيقةِ التالية: إنّ الواجبات التي يفرضها القرآن متساوية تمامًا في حقِّ الرجل والمرأة، ولا فرقَ بين الرجلِ والمرأة في أداءِ الواجب وتحمّل المسؤولية عن أداءِ أركان الإسلام الخمسة: النُّطق بالشهادتين، الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج. وكذلكَ الأمر بالنسبةِ للواجباتِ الأخلاقية التي يُطالب بها القرآن الكريم صراحةً أو بطريقٍ غير مُباشر. إذن، فالمسؤولية متساوية بناءً على أنّ القيمة متساوية، لأن كل قانون يجعل القيمة أساس المسؤولية.

إنّ اختبار الفوارق في مستوى الذكاء عند الرجل والمرأة، أظهر أنَّ الفوارق تتعلق بكيفية الذكاء وليسَ بمستوى الذكاء. تُحقِّق المرأة نتائج أفضل في أمورٍ لها علاقة باهتمام وحفظ مباشر. بينما يُحقِّق الرجل التفوّق في اختباراتٍ لها علاقة بالأرقام والمسائل الميكانيكية. إنّ حالات الذكاء المُفرط قد سُجلت لدى الرجال أكثر، ولكن نسبة التخلّف العقلي لدى الرجال أكبر منها لدى النساء!. ذكاء الرجل يتّصف بحريةٍ أكبر ويتّجه نحو العالم الخارجي، وذكاء النِّساء أقل حرية ويتّجه نحو الحياة والشخصية والعواطف. ويرجع سبب ذلك إلى اختلافِ دور كل منهما في نشوءِ واستمرار الحياة على الأرض.

إنّ المرأة رمز للخصوبةِ والولادة وتعاقب الأجيال، وفي كل هذهِ الأحداث فائقة الأهمية لمظاهر الحياة -عند حد فاصل بين الغريزة والإدراك- تقوم المرأة بدورٍ مباشر، وأما الرجل فلا يعدو دوره أن يكون أكثر من مشاهدٍ حائر! فالعلاقة هُنا ليست علاقة بين الرجل والمرأة، بل هي علاقة الأم بوالد أطفالها، لأن الأمور هنا تأخذ الشكل الذي يجب أن تكون عليه كما تفرضه طبيعة الجنسين.

ويختم -رحمه الله- إجابته على السؤال بقوله:

إذن، فالعلاقة التي أشرنا إليها هنا تجعل السؤال عن المساواةِ بين الجنسيْنِ بلا معنى، أو تجعله سؤالاً مضحكًا على الأقل!”.

وقبل ختم المقال أضيف للفائدةِ ما قاله مالك بن نبي رحمه الله عندما تحدَّث عن مشكلةِ المرأة في كتابهِ «شروط النهضة»، يكتب:

ليست مُشكلة المرأة شيئاً نبحثه مُنفردًا عن مُشكلةِ الرجل، فهُما يُشكلان في حقيقتِهما مُشكلة واحدة، هيَ مُشكلة الفرد في المُجتمع. وليسَ بمُجدٍ أنْ نعقد موازنة بين الرجلِ والمرأة، ثم نَخرج منها بنتائج كمية تشير إلى قيمةِ المرأة في المُجتمعِ، وأنها أكبر أو أصغر من قيمةِ الرجل أو تُساويها، فليستْ هذهِ الأحكام إلا افتئاتًا على حقيقةِ الأمر ومحض افتراء. ولسنا نَرى في الأقاويلِ التي تَقوّلها على حقوقِ المرأةِ أدعياء تحريرها، أو الذينَ يُطالبون بإبعادِها من المُجتمعِ؛ إلا تعبيرًا عن نزعاتٍ جنسية لا شعورية.

فالمرأة والرجل يكوِّنان الفرد في المجتمعِ: فهيَ شِقُّ الفرد، كما أنَّ الرجل شِقه الآخر. ولا غرو فالرسول ﷺ يقول: «النِّساء شقائق الرِّجال». والله تعالى خلقهما من نفسٍ واحدة، قالَ سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.

فالمرأة والرجل قُطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهِما بغيرِ الآخر”.

وختامًا يُعجبني وصف مالك بن نبي للمرأةِ عندما قال: ”وهيَ مخزن العواطف الإنسانية!”. وقال عنها في سطرٍ آخر: ”مُلهِمة لذوق الجمال وروح الأخلاق”.

للاستزادة؛ راجع كتاب «عوائق النهضة الإسلامية» وهو جمع لمقالات المجاهد المجتهد علي عزت بيغوڤيتش القديمة، وانظر (الباب الثاني – مشكلة المرأة) في كتاب «شروط النهضة» لمالك بن نبي رحمهما الله.

شاعِر الإسلام الثائر.

أمة الصحراء يا شَعب الخلود
مَن سِواكم حلَّ أغلال الورى
أيُّ داعٍ قبلكم في ذا الوجـود
صاحَ لا كِسرى هُنا لا قيصَرا

شاعِر عقيدة، له دعوة ورسالة. مُفكر عاش بالإسلامِ؛ منوِّهًا بما كانَ له بالماضي، ومتألِّمًا لما آل إليه في الحاضر. داعية يدعو إلى المجدِ الإسلامي وسيادة المُسْلِم. ثائر على حضارةِ الغرب المادية وناقد لها. إنه محمد إقبال المولود في التاسعِ من نوفمبر عام ١٨٧٧م.

أسرته وولادته

وِلِدَ محمد إقبال في مدينةِ ”سيالكوت” الواقعة في ولاية بنجاب سنة ١٨٧٧م، في بيتٍ معروف من أواسطِ بيوتات البراهمة. أسلم جده قبل ٢٠٠ سنة، ومنذ ذلك اليوم عُرِفَ ذلك البيت بالهدايةِ والصلاح. كانَ والده صالِحًا يغلب عليه التصوُّف.

النشأة والدِّراسة

تعلّم في مدرسةٍ إنكليزية في بلده وتجاوزها بامتياز، ثم التحقَ بكليةٍ في بلده أيضا وتعرّف بالأستاذ مير حسن، أستاذ اللُّغة العربية والفارسية، فأثّر في هذا الشاب الذكي، وغرس فيه حُب الآداب الإسلامية والثقافة، لذلكَ لَمْ ينسَ إقبال فضله إلى آخر حياته. سافر بعد ذلكَ إلى لاهور عاصمة بنجاب، وانضمَ إلى كليةِ الحكومة، وحضر الامتحان الأخير في الفلسفةِ، وبرزَ في اللغةِ العربية والإنكليزية، ونال وسامين وأخذ شهادة (.B.A) -تعادل ليسانس في البلاد العربية- بامتياز. ثم أخذ شهادة (.M.A) -تعادل الماجستر- في الفلسفةِ بامتياز أيضًا ونال وساما.

عُيّن بعد ذلك أستاذًا للتاريخِ والفلسفة في الكلية الشرقية في لاهور، ثم أستاذًا للإنجليزية والفلسفة في كلية الحكومة. سافر إلى لندن سنة ١٩٠٥ وأخذ شهادة عالية في الفلسفة وعِلم الاقتصاد من جامعة «كامبردچ» مكث ٣ سنوات في لندن، وألقى عدة محاضرات في موضوعاتٍ إسلامية أكسبته الثقة والشهرة. درّس آداب اللغة العربية في جامعةِ لندن، ثم سافر إلى ألمانيا فنال هناك شهادة الدكتوراه في الفلسفةِ من جامعة ”ميونخ”، ثم رجع إلى لندن وحضر الامتحان النهائي في الحقوق، وانتسبَ إلى مدرسةِ علم الاقتصاد والسياسة في لندن.. ثم بعد كُل هذا السعي المعرفي الحثيث عادَ سالمًا غانمًا إلى الهند سنة ١٩٠٨م.

النُّبوغ الشعري

تأتى لإقبال كل النجاح السابق وهو لَمْ يتجاوز النِّصف الأول من عقدهِ الثالث. أُقيمت له الاحتفالات تكريمًا وإعجابًا بعبقريته. كتبَ قصيدة «العتاب والشكوى» التي اشتكى فيها إلى الله على لسان المسلمين، وذكر أعمالهم الخالدِة في سبيلِ الكفاح والصلاح والجهاد. ثم أعقبها بأختٍ لها يُجيب فيها على الأولى. سرعان ما سارت بهاتينِ القصيدتين الركبان، وتغنّى بها الأطفال والشبان، وحفظها الرجال والنساء، وبلغت شهرتها عنان السماء، فكانتا عندهم أشهر مِنقِفَا نَبْكِ”. وهما بديعتانِ مُبتكرتان في الأسلوب والمعاني والغرض كما يقول النَّدْوي.

لما نشبت الحرب البلقانية والطرابلسية ١٩١٠م، تأثر وهاجت عواطفه، وتحرَّك ساكنه، وجعلت منه ألد أعداء الحضارة الغربية، فأخذ يبري السِّهام ويرسلها مسمومة إلى نحور الأوروبيين. مما كتب: «البلاد الإسلامية» و «يا هلال العيد» و «المسلم» و«فاطمة بنت عبدالله» (وهي فتاة مسلمة استشهدت في جهاد طرابلس). ولا أنسى قصيدة «شكوى إلى الرسول» التي نعى فيها على الزعماء والقادة الذين يتزعمون المسلمين. مما قاله فيها لما سأله الرسول عن الهدية، قال: ”جئتُ بهدية، وهي زجاجة يتجلَّى فيها شرف أمتك، وهو دم شُهداء طرابلس“.

رحلاته

وهو في لندن جاءته دعوة من حكومة فرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، فزار القطرين الأخيرين، وألقى محاضرات في الفنِّ الإسلامي في «مجريط»، وزار مسجد قرطبة الذي فقد سجَدات أهله، وصلى فيه لأول مرة في التاريخ بعد جلاء المسلمين! وهناك سُكِبت العبرات، وأومضت في عينيه ثمانية قرون سالِفة.

طَلَبت منه حكومة فرنسا أن يزور مستعمراتها في شمالِ إفريقية، فغضب لهذا الطلَب ورفضَ هذه الدعوة بعِزة المسلم، وأبى أيضًا زيارة جامع باريس وقال كلمته التي أعجبت شيخ العربية محمود شاكر رحمه الله، قال: ”إنّ هذا ثمن بخس لتدمير دِمشق وإحراقها“.

أُقيمت لتكريمه الحفلات، في كامبردچ، وجامعة روما، وجامعة السوربون، وجامعة مجريط، والمجمع الملكي في روما، وفي طريق عودته إلى الهند عرّجَ على القدس، واشترك في المؤتمر الإسلامي الشهير، وقال في أثناء الطريق قصيدته البديعة الرفيعة «ذوق وشوق».

عوامل كوّنت شخصيته

«الإيمان». كان إقبال عميق الإيمان، متفانياً بحبِّ رسول الله ﷺ، كان مقتنعاً بأنَّ الإسلام هو الدِّين الخالد؛ الذي لن تسعد الإنسانية إلا به. شُغل قلبه بحب الصادق الأمين لذلك نجده يقول: ”لم يستطع بريق الحضارة الغربية أن يبهر لُبي، ويعشي بصري، فقد اكتحلت بإثمد المدينة“. وقالَ عنه ﷺ في كِتاب «أسرار خودي» : ”إن قلب المسلم عامر بحبِّ المصطفى، وهو أصل شرفنا، ومصدر فخرنا في هذا العالم، إن هذا الذي داست أمته تاج كسرى، كان يرقد على الحصير! . . بأبي هوَ وأمي، لم تلد مثله أم، ولم تنجب مثله الإنسانية“. ويُكمل: ”فتح على الأعداء باب الرحمة، وقال لا تثريب عليكم اليوم! لماذا لا أحبه، ولا أحنُّ إليه، وأنا إنسان، وقد بكى لفراقه الجذع، وحنّت إليه سارية المسجد؟! إن تُربة المدينة أحبُّ إلي من العالمِ كله، أنعِم بمدينةٍ فيها الحبيب“. كان إقبال حتى آخر حياته إذا ذكر الرسول فاضت عينه، فألهمه هذا الحُب معنًى عميق، فيقول مخاطبا الله سبحانه: ”أنتَ غنيٌّ عن العالمين، وأنا عبدك الفقير، فاقبل معذرتي يوم الحشر، فأرجوك يا ربِّ أن تحاسبني بنجوة من المصطفى، فإنِّي أستحي أن أنتسب إليه وأكون في أمته، وأقترف هذه الذنوب والمعاصي“.

ننتقل إلى العامل الثاني الذي أثر في عقلية إقبال وفهمه للحياة، وهو «القرآن الكريم». كان يقرأ القرآن بشغف، قراءة رجل حديث عهدٍ بالإسلام. اعتاد أن يقرأ القرآن بعد صلاة الصبح، فقال له والده كلمة أثرت به جدًا، يقول: قال لي أبي مرة: يا بُني ”اقرأ القرآن كأنما أُنزل عليك!“. ”ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن“. يكتب بعد ذلك معرِّضا ببعضهم: ”إن الكتاب الذي هو مصدر حياتك، ومنبع قوتك، لا اتصال لكَ به إلا إذا حضرتك الوفاة، فتُقرأ عليك سورة يس لتموت بسهولة، فوا عجبًا! قد أصبح الكتاب الذي أُنزِل ليمنحك الحياة والقوة، يُتلى الآن لتموت براحةٍ وسهولة!“.

العامل الثالث والأخير هو «معرفته بنفسه ومقامه». عرفَ إقبال نفسه فرفعها وارتفعَ بها، يقول: ”إن الإنسان إذا عرفَ نفسه بفضل الحبِّ الصادق، وتمسك بآداب هذه المعرفة، انكشفت لهذا المملوك أسرار الملوك. إن ذلك الفقير الذي هو أسد من أسود الله أفضل من أكبر ملوك الأرض“. إقبال عندما عرفَ نفسه اعتدّ بها، لذلك تجده يكره الخسف ويأبى الذل، ولا يقبل الرِّزق الذي يشل حركته، وتأمل قوله هنا: ”يا صاح! إن الموت أفضل من رزقٍ يقصُّ قوادمي، ويمنعني حرية الطيران“. كانَ يعرف قيمته، ويربأ بنفسه عن الرذائل، ويرفض أن يكون عبدًا لأحد، فيقول بثقةٍ لا غرور: ”لك الحمد يا رب! إذ لستُ من سقطِ المتاع، ولستُ من عبيد الملوك والسلاطين، لقد رزقتني حكمة وفراسة، ولكني أحمدك على أنِّي لم أبعهما لملكٍ من الملوك“. ويكتب مرة مفتخرًا بغِنى نفسه مع شدةِ فاقته: ”إني من غير شكٍّ فقير قاعدٌ على قارعة الطريق، ولكني غنيُّ النفس أبيّ“.

في كتاب «جناح جبريل» ينصح إقبال غيره بفلسفته الواضحة: ”إذا لم تعرف رازقك كنتَ فقيرًا إلى الملوك، وإذا عرفتهُ افتقرَ إليكَ كبار الملوك. إن الاستغناء ملوكية، وعبادة البطن قتلٌ للروح، وأنتَ مُخيّر بينهما، إذا شئت اخترت القلب، وإذا شئت اخترت البطن!“ ولا شك أن إقبال رحمه الله ممن اختار القلب. كانَ يثور إذا جُرِحت كرامته. وصلته في يومِ ميلاده هدية من النقود من رئيس وزارة في دولةٍ ما، فغضب ورفضها، ثم قال: ”إن كرامة الفقير تأبى عليه أن يقبل صدقة الأغنياء». وعرضت عليه الحكومة البريطانية وظيفة نائب الملك في إفريقية الجنوبية، وكان من تقاليدِ هذه الوظيفة أن زوجة نائب الملك تكون سافرة وتستقبل الضيوف في الولائم الرسمية، وتكون معه في الحفلات. لمّا عُرِضت عليه هذه الوظيفة وسمع شرطها، رفضها وقال: ”ما دامَ هذا شرطًا لقبول الوظيفة؛ فلا أقبله، لأن فيه إهانة ديني، ومُساومة كرامتي“.

وفاته

كان يعاني أدواء يغلبها وتغلبه، حتى ساءت صحته، وظل أياماً طريح الفراش، ومع كلِّ هذا كان يُملي الكتب والمقالات، ولسانه يفيض بالشعر، بل ويرد على القوميين في مقالات، قال قبل وفاته بأيام: ”جنّة لأرباب الهمم، وجنّة للعباد والزهاد، قل للمسلم الهندي: أبشر، فإن في سبيل الله جنّة“. أزفت ساعة الرحيل؛ زادت آلامه، واشتدّت وطأة الأدواء على روحه، فقال وهو يجود بنفسه بإيمان عجيب: ”أنا لا أخشى الموت، أنا مُسْلِم، ومن شأنِ المسلم أن يستقبل الموت مبتسما“. . وغربت -كما قال الندْوي- هذه الشمس التي ملأت القلوب حرارة ونورًا قبل أن تطلع شمس ٢١ أبريل ١٩٣٨م.

استرسال

رُزق محمد إقبال من الاحترامِ والتقدير أن ملايين المسلمين في هذه البلاد -الكلام للغوري يريد الهند وباكستان- يعتقدون فيه المُرشد المُلهم، والقائد الرائد، والمُفكر المصلح، والفيلسوف المنقذ، والسياسي الموجِّه.. وقد توسعت هذه الصورة عنه فشملت العالَم الإسلامي والعربي. لم تُنجب اللغة الأوردوية شاعرًا وأديبًا كمحمد إقبال. يتسم شعر إقبال بسهولةِ الأسلوب، ووضوح العبارة، وقوة المعاني. هذا الأديب الفيلسوف عدد ما صدرَ عنه من الكتبِ والرسائل قد بلغ ٢٠٠٠ ، وهذا عدا ما نُشر عنه من البحوث والمقالات، وما أُلقي من محاضرات في مناسباتٍ مختلفة! تركَ خمسة دواويين باللغةِ الفارسية وأربعة بالأوردوية، وقد تُرجمت جميع هذه الدواويين إلى العربية واللغات العالمية. منها: «الأسرار والرموزأسرار خودي ورموز بيخودي» و«رسالة الشرقپيام مشرق» و«رسالة الخلودجاويدنامه» و«صلصلة الجرسبانك درا» وغيرها. الذين ترجموا هذه الدواويين إلى العربيةِ اجتهدوا أيما اجتهاد كالدكتور عبدالوهاب عزام وهو صاحِب همة، ولكنها لم تُفصح عن كُلِّ ما يُكنه إقبال. لذلك طلب الطنطاوي من أبي الحسن النَّدْوي أن يُترجم لنا إقبال! فكانَ الكِتاب الموسوم بـ«روائع إقبال». على صغر حجمه إلا أنه إضافة مهمة للمكتبة العربية. ولكن يجب أن نُشير إلى رجلٍ ساهمَ بانتشارِ اسم إقبال وشعره في البلاد العربية وهو “صاوي الشعلان المصري”. هذا الرجل حباه الله شاعرية مُتدفقة، وروح إسلامية حقه، فأفصحَ عن المعاني التي أرادها إقبال، كأنه أُلهمها هو في شعرٍ له من الوجدان -كما قال عبدالماجد الغوري-.

قالوا عنه

في خاتمة «وجهة العالم الإسلامي ج١» لمالك بن نبي رحمه الله أشار إلى إقبال ووصف ضميره الديني بأنه ناضج، ”وهذا أكسب المُفكر الشاعر ذاتية غنية، اتصف بها ضمير يتمتع بالعقلِ والعاطفة، أي بميزة الفهم وميزة الانفعال، وهذا الحوار بين القلب والفكر“ هو الذي ينقص إنسان اليوم!

قالَ عنه الأديب الموسوعي عباس العقاد: ”.. إن إقبالاً هو طراز العَظَمة الذي يتطلبه الشرق في الوقتِ الحاضر، وفي كلِّ حين؛ لأنها عظمة ليست بالدنيوية المادية، وعَظَمة ليست بالأخروية المُعرضة عن هذه الدنيا، وهو زعيم العمل بين العدوتين من الدُّنيا والآخرة قوّام بين العالمين كأحسن ما يكون القوّام!“.

وقالَ عميد الأدب العربي طه حسين: ”شاعران إسلاميان رفعا مجد الآداب الإسلامية إلى الذروة، وفرضا هذا المجد الأدبي الإسلامي على الزمان، أحدهما إقبال شاعر الهند والباكستان وثانيهما أبو العلاء شاعر العرب“.

وقال صديقه المُفكر والأديب والمترجم عبدالوهاب عزام واصفاً شِعره: ”لا أعرِف كشعرِ إقبال، معرِّفًا بالحياةِ، داعيًا إليها، معظمًا الإنسان، مُشيدًا بمكانتهِ في هذا العالم، نافثاً الأمل والهِمة والإقدام في نفوسِ الناس“.

وكتبَ عنه الزيّات مقالة في الرِّسالة بمناسبةِ ذكراه ٢٨ مايو ١٩٦٤م، مما قاله عنه: ”وما كانَ إقبال إلا بَضعة من طبيعةِ الهند المؤمنة، نفخ الإسلام فيها من روحه فخلصت خلوص الحق، وسطعت سطوع الهُدى، وصفت صفاء الفِطرة“.

وقال عنه شيخ العربية محمود شاكر: ”وأكثر ما أدهشني رفض إقبال أن يدخل مسجد باريس، ومقالته: «هذا المسجد ثمن رخيص لتدمير دمشق» فلولا أنَّ الرجل كانَ يعيش في حقيقةٍ صريحة، وفي ذكرٍ دائم لا ينقطع لِما نزلَ بنا وطمَّ، لما خطرَ له هذا الخاطر. وكم من غافلٍ ساهٍ منا ومن قومنا يعرض له أن يحيا تاريخ نفسه وتاريخ دينه بمثلِ هذه الكلمة؛ ثم لا تراه إلا حيث يكره الله من الذلِّ والضِّعة والعبودية، والفتنة بما زيَّنَ له أعداء الله وأعداء رسوله “.

نُغلق هذا الباب بكلامٍ جميلٍ لأبي الحَسن النّدْوي، كتبَ عن إقبال: ”إني أحببته، وشُغلت به كشاعر «الطموح، والحب، والإيمان»، وكشاعر له عقيدة، ودعوة، ورسالة، وكأعظمِ ثائرٍ على هذه الحضارة الغربية المادية، وأعظم ناقدٍ لها، وكداعيةٍ إلى المجد الإسلامي، وسيادة المُسلم. ومن أكبرِ المحاربين للوطنية والقومية الضيقتيْن، وأعظم الدُّعاة إلى النزعةِ الإنسانية، والجامعة الإسلامية“. ويختم: ”أشهد على نفسي أني كلما قرأتُ شعره جاش خاطري، وثارت عواطفي، وشعرت بدبيبِ المعاني والأحاسيس في نفسي للحماسةِ الإسلامية، وتلك قيمة شعره وأدبه في نظري“.

خاتمة

بعدَ هذه الجولة الطويلة نوعًا ما، أقول: أردتُ أن أبسط هنا شيئا من فلسفته، ولكنِّي تنبّهتُ إلى طول المقال، فآثرت أن أدل القارِئ الكريم على بعض الكُتب عنه ليستفيد أكثر. «محمد إقبال سيرته وفلسفته» لعبدالوهاب عزام، و«إقبال الشاعر الثائر» للكيلاني، و«روائع إقبال» للنَّدْوي. وجُل ما ذُكر في هذا المقال مأخوذ -بتصرُّف- من كتابِ أبي الحسن رحمه الله.

والكتب والدِّراسات عن إقبال كثيرة جدًا ، ولا بأس أن نشير إلى «محمد إقبال؛ الشاعر المفكر الفيلسوف» للغوري. كانت هذه لوحة متواضعة لهذا العَلَم، أرجو أن تكون ريشتنا قد أجادت رسمَ ملامحه. أعتذر على الإطالة، ويعلمُ الله أني اجتهدتُ في الاختصار، ومع ذلك أردت أن تكون الترجمة هنا كافية للقارئ الكريم.

والسلام.

«فيلسوف الشيطان!».

وُصِف بأنه «فيلسوف الشيطان!»، وسمّاه ميشيل برجيس في كتابه عنه: «المُفكِّر المُقنّع»؛ حديثنا اليوم عن “مؤسس علم السياسة الحديث” -على حدِّ قول بول جانيت- السياسي والفيلسوف الإيطالي المولود في الثالث من مايو عام ١٤٦٩م نيكولو ماكياڤيلي.

وُجِدت كُتب كثيرة قبل كتاب «II Principe» -وهو العنوان الأصلي للكتاب- تحمل نفس العنوان، لكن لا يوجد كتاب واحد يمكن أن نقارنه بكتاب ماكياڤيللي. في كتاب «الأمير» لماكياڤيلي يظهر العمل السياسي لأول مرة ”عارياً” بغير زيادات أخلاقية أو لاهوتية.

مع ماكياڤيلي وكتابه بدأت الفلسفة السياسية في العصر الحديث؛ أعني التي ترى أن الدولة كيان تنظيمي أنجزه الناس بأنفسهم، وتحاول أن تنظر إلى العمل السياسي بدون النظارة الأخلاقية. ماكياڤيللي لا يُشكك في القيم الأخلاقية، ولكنه في فلسفتهِ بكل بساطة يتركها في الخارج أمام الباب!

كتاب «الأمير» يتناول موضوعا سهلاً ومهماً هو: كيف يمكن أن تكون السياسة فعّالة، وما الذي يجب أن يفعله الحاكم حتى يكون ناجحًا ويحافظ على سلطته؟. الأمر الثوري في الكتاب هو منظور الفاعلية. لذلك يعتبر كتاب «الأمير» أول مرجع في التقدير العقلاني للسلطة في الفلسفة السياسية. ويعتبر ماكياڤيلي مُخترع التعاليم السياسية للحكم. وهذه التعاليم تعتمد على التجربة والخبرة. فهو أول فيلسوف سياسي في العصر الحديث يبني نظريته على المشاهدات والتجارب الواقعية. عند ماكياڤيلي لم يعد العقل المجرد حَكَمًا، بل الحَكم ما شاهده بنفسهِ، أو ما يمكن أن يقتنع بإمكانية وقوعه. لذلك تجد كتابه مُمتلئ بمادة غزيرة من الأمثلةِ، التي يسوقها للتدليل على نظرياته، والتي استقاها من مصدرين، هما: الأحداث السياسية في عصره، والوقائع التي رواها المؤرخون. ماكياڤيلي لم يقم بكتابة آرائه وهو في مكتبهِ معزول عن الحياة العامة! بل إنه أنهى تدريبه العملي في الحياة الواقعية، وهو ما لم يقم به أي فيلسوف آخر لا قبله ولا بعده. كان مكياڤيلي سياسيا ودبلوماسيا سنين عديدة. لكنه لم يتحوّل إلى فيلسوف سياسي إلا بسبب المأزق الذي وجد نفسه فيه، فقد ألف كتابه في إجازته الإجبارية.

عندما نسترجع الماضي، نكتشف أن حياة ماكياڤيلي حتى هذا الوقت الذي كتب فيه «الأمير»، حياة مثالية لإعداد هذا العمل الفلسفي. ولد ماكياڤيلي عام ١٤٦٩م، ونشأ في مدينة أدت دورًا كبيرًا في الفن والسياسية في عصر الإحياء الإيطالي وهي فلورنسا. كانت فلورنسا مهد العلم الإنساني، الذي فتح المجال مرة أخرى لتعلم موضوعات العصور الإغريقية والرومانية القديمة، المشتملة على آدابها وفلسفتها ومعارفها. وارتبطت أهمية هذه المدينة بنهوض الميديشيين، الذين هم في الأصل عائلة تجار ورجال أعمال، استخدمت أموالها في رعاية الفنون وتشجيعها. استخدمت هذه العائلة أيضًا أموالها لنيل السلطة السياسية، وبذلك تأسس عملياً حكم أقلية عائلية جديد خلف ستار ميثاق جمهوري. ظل مصير ماكياڤيلي مرتبطاً بأسرة ميديشي، فقد نشأ أولاً في ظل القانوني ميديشي لورينزو، وصار شاهد عيان على التقلبات السياسية الحادة في مدينته.

في عامِ ١٤٩٢م توفي لورينزو، وبعد عامين من وفاتهِ أُبعدت عائلة ميديشي عن الحكم. ثم بدأ العصر الذي اكتسبَ فيه الراهب الدومينيكاني جيرولامو سافونارولا نفوذًا كبيرًا في سياسةِ المدينة. كان سافونارولا أصوليا سياسيا من ذوي الاتجاه المتزمّت، فقد أُقيمت في عهدهِ محارق للصور والكتب. ثم بعد ذلك، وفي عام ١٤٩٨م تمّ إعدام هذا الراهب بتُهمة الزندقة! وكان هذا العام هو العام الذي استتبَ فيه الحال لقيادة جمهورية جديدة في فلورنسا، كما كانَ أيضًا العام الذي انخرطَ فيه مكياڤيلي في السياسة.

كان والده بيرناردو ماكياڤيلي محاميا ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، وكانت له علاقات وصلات قوية بعلماء الإنسانيات في الجامعة، الذين كانوا أيضًا يتقلدون مناصب سياسية. اهتمّ بأن ينال ابنه تعليما ممتازًا في الاتجاه الإنساني، يحتوي في صلبِ منهجه على اللغةِ اللاتينية ومعرفة فلسفة العصور القديمة والأدب والتاريخ. بعد أن أتمَّ ماكياڤيلي تعليمه وبفضلِ علاقات والده المتشعبة، تأتى له منصب «مدير مكتب الرئيس» في جمهورية فلورنسا. وبعد وقتٍ وجيز تم اختياره ليكون مسؤولاً عن لجنةِ العلاقات الخارجية والدبلوماسية. وهذا يعني أنه كان يتقلّد وظيفة رئيس السلك الدبلوماسي لجمهورية فلورنسا.

مثّل ماكياڤيلي مصالح فلورنسا في بعثات متعددة حتى عام ١٥١٢م. قدّم له عمله هذا الأمثلة المحسوسة التي اعتمدَ عليها في كتابه. ولنصل إلى تقديرٍ سليم للمهام المعقدة التي واجهها الدبلوماسي ماكياڤيلي، علينا أن نضع نصب أعيننا الحالة السياسية لجمهورية فلورنسا وإيطاليا في بداية القرن السادس العشر.

كانت إيطاليا ممزقة إلى عددٍ كبير من الدول المستقلة والمُتنازعة، التي تعقد تحالفات متغيّرة ضد بعضها. أهم الدول الإيطالية بجانب فلورنسا؛ البندقية، ونابولي، ومايلاند، ودولة البابا في روما. كانت هذه الدول وبصورةٍ متكررة دُمى تحرِّكها القوى العظمى، وهي فرنسا، وإسبانيا، وهابسبورغ. هذه القوى العظمى ذات المطامع الواسعة أشعلت فقط في المدة من ١٤٩٤م إلى ١٥٢٥م ثلاثة حروب كبيرة على الأرضِ الإيطالية. وكانت الجيوش في هذه الحروب -في الغالب- من المرتزقةِ الذين لم تكن مصالحهم تتفق مع مصالحِ من كلّفهم بالمهمة، لذلك نجدهم غالباً يغيّرون مواقعهم من جبهةٍ إلى أخرى!

في عهدِ ماكياڤيلي كانت إيطاليا تمثّل لعبة الشطرنج للقوى العُظمى. كانت الضحية وليس الفاعل في السياسةِ الأوربية. أما فلورنسا فكانت حليفًا تقليدياً لفرنسا، ولذلك نجد أن ماكياڤيلي في حياته الدُبلوماسية قد سافرَ إلى البلاط الإمبراطوري في باريس عدة مرات. مِن أهمِّ الأحداث في حياتهِ الدُبلوماسية وأكثرها تأثيرًا في كتابه -وهذا ظاهر لكل من قرأ الكِتاب-، كانت مهمته الدُبلوماسية التي قادته إلى المغامر الإيطالي الطموح «سيزار بورجيا»، ابن الإسكندر السادس. بورجيا تأهب للسيطرة على إيطاليا ابتداءً من وسطها، وبذلك أصبحت فلورنسا أيضًا مهددة.

قضى ماكياڤيلي في عام ١٥٠٢م أربعة أشهر بالقرب من سيزار بورجيا، وكان يهابه كخصمٍ عسكري. في هذه المدة عايش كيف أن بورجيا مصدقًا لوعدٍ كاذب، فهو يدعم انتخاب خصمه يوليوس الثاني لمنصب البابا، وبذلك يمهد الطريق لهلاكِ نفسه! كانَ هذا البابا الجديد قد أبرم حلفًا بين عدد من الدول الإيطالية وبين أسبانيا، موجهًا أولاً وأخيرًا -أي الحلف- ضد فرنسا. لم تُشارك فلورنسا في هذا الحلف بسببِ ولائها لفرنسا، ولذلك تم احتلالها من قبل القوات الإسبانية عام ١٥١٢م. وهذا يعني نهاية الجمهورية الفلورنسية القديمة.

عادت عائلة ميديشي مع الأسبان. ويقول (روبرت تسيمر): ”فإذا كانت إزاحة هذه العائلة عن الحكم قبل عشرين عاما قد دفعت بهِ -أي ماكياڤيلي- إلى الأمام في السلكِ الدبلوماسي، فإن إعادتها إلى حُكم فلورنسا تعني توقفه الوظيفي نهائيًا”. عُزل ماكياڤيلي من وظيفته، واتُهم بالتآمر، وأُلقي القبض عليه وعُذب. لم يُفرج عنه إلا عندما انتُخِب أحد أعضاء أسرة ميديشي لمنصب البابا، فأصدر عفوًا عاما في فلورنسا. ومع ذلك فقد تم تحديد إقامته في مزرعته «سانت أندريا» في محيط المدينة، وحُرم من أي نشاطٍ سياسي. وفي هذا المنفى، وبعد هذا السِّجن والتعذيب؛ وُلِدَ «الفيلسوف السياسي» ماكياڤيلي.

وجد ماكياڤيلي في منفاه الوقت للقراءة، والوقت لترتيب وإعداد مذكراته الكثيرة التي قيّدها أثناء عمله السياسي. وُضعت خطة الكتاب في النصفِ الثاني من عام ١٥١٣م، وانتهى من تأليفه في نفسِ العام. أهدى ماكياڤيلي كتابه إلى الرجل الذي حرمه من السياسة، ولكنه الوحيد الذي يستطيع أن ينهي نفيه. هو «لورينزو» الحاكم الجديد لفلورنسا، أحد أحفاد لورينزو القانوني. ماكياڤيللي أراد أن يوضح في كتابه كيف يستطيع الإنسان أن يتجنب أخطاء الماضي. وهدفه المحدّد يتخطّى السياسة المحلية لمدينته، هدفه هو: ”توحيد إيطاليا سياسياً وتحريرها من الحكمِ الأجنبي“.

في الفصل الأخير من كتابه العنوان التالي: ”نداء لتحرير إيطاليا من الهمج المتوحشين (أو البرابرة)”. والبرابرة الذين يريدهم ماكياڤيلي هم: الألمان والأسبان والفرنسيين والسويسريين. أراد في كتابه أن يساهم في ظهور المُنقذ والمُخلِّص بعد هذا الزمن الطويل لوطنهِ الممزّق. لذلك فـ«الأمير» وصفٌ لهذا المُنقذ، وللخصائص والصفات التي يجب أن تكون فيه. لم ينل كتاب «الأمير» أي اهتمام خاص في البداية، والسبب أن هناك كتابًا كثيرة جدا انتشرت قبله -وبعده- تحمل ذات العنوان. في العصور الوسطى يوجد تراث خاص بهذه الكُتب، وهي نوع من الكتابة أُطلق عليه «مرآة الأمراء». هذه المرايا ينبغي على السلطان أن يرى فيها الصورة المُثلى للحاكم الكامل، كما لو كان ينظر في مرآة مرفوعة أمامه. هذه المرآيا (أعني الكتب) كانت تُهدى أيضا ككتاب ماكياڤيلي هذا لأمير أو حاكم بعينه. ولذا نجد أن فيلسوف العصور الوسطى ”توما الأكويني” أهدى كتابه «عن حكم الأمراء» لملك قبرص، وإيرازموس الفيلسوف الهولندي، الذي نشر كتابه عام ١٥١٦م «تربية الأمراء» أي بعد ثلاث سنوات من انتهاء ماكياڤيلي من كتابه، أهداه أيضا لأميرٍ من الأمراء. وضعت «مرآيا» الأمراء هذه مقياساً أخلاقياً للسياسة مفاده: أن الحاكم لن يكون حاكمًا رشيدًا، إلا إذا أخضع سلوكه للمبادئ الأخلاقية. وعليه أيضًا أن يُراعي الحقوق الأساسية للمحكومين. فالحكمة والخيرية على سبيل المثال خاصيتان يطلب «إرازموس» تحقيقهما في الأمير المثالي. ماكياڤيلي تمسّك بفكرة «مرآة الأمراء»، ولكنه استخدامها ليضع فيها مضامين أخرى مختلفة! فهو يرى أن القيم الأخلاقية لا يجب أن توجّه عمل الأمير السياسي.

وجهة نظره; أن الأمير لا يعيش في عالمِ الملائكة، وإنما في عالمِ التآمر والشرور والسلطة. ولهذا قال في كِتابه: ”يجب على الأمير، الذي يريد أن يحافظ على مكانته، أن يكون قادرًا على العمل غير الطيب، وأن يكون قادرًا على فعل الخير وتركه، حسبما تتطلب الظروف”. قدّم ماكياڤيلي بما يُسمى «مرآة الأمراء» صورة مغايرة تماماً ومقاييس جديدة للحاكم المثالي. فهو لم تعد له الآن صلة بالأمير الكامل أخلاقياً. إنه يتجه إلى «أرض الحقائق» نصّاً وروحًا، ولذلك قال: ”إني أترك التخيلات عن الأمراء جانبًا وأتحدث عن الواقع”. بهذا يبدأ رسم برنامجه بوضوح.

الذي قاده لهذه الصورة المغايرة، ولا أقول للأمراء بل للإنسان! هي خبرته الموضوعية عن كيفية تصرّف الحكّام والمحكوميين في علاقاتهم ببعضهم. الفلسفة السياسية القديمة، وبالأخص تلك نشأت على يدِ أفلاطون وأرسطو؛ نظرت إلى الإنسان أنه ”كائن عاقل” يمارس فيه العقل السيادة على الغرائز والشهوات. فإن الإنسان يجد تحقّقه الطبيعي عند ممارسة عقله السيادة على غرائزه. هكذا -على سبيلِ المثال- توصّل أفلاطون إلى فكرة الملوك الفلاسفة. لكنّ ماكياڤيللي قال بشيءٍ آخر! إن الإنسان عنده تسيطر عليه الغرائز قبل كل شيء. لذا فهو يرى أن الحاكم الذي يتصرّف بحكمة، أو يفترض ردود عاقلة في الخاضعين لحكمهِ، سوف يفشل حتمًا. كما أنَّ الحاكِم اللي يُظهر الخير دائمًا كما يطلب إيرازموس، سوف يخدعه خصومه، ويحتقره شعبه لأنه في أعينهم حاكم ضعيف!. لاشك أن هناك صورة مقابلة للحاكم الناجح، فمن هو؟

الحاكم الناجح عند ماكياڤيلي هو الذي يُجيد العزف على أوتارِ الأمزجة والأحوال في البيانو. هذا الشكل للعقيدة السياسية يُسمى اليوم «السياسة الانتهازية». الحُكم عنده لم يعد مؤسساً على الميلاد، أو التوريث التعاقبي. وقوله هذا بعد تأمل في الأوضاع السياسية لإيطاليا في عصرِ إعادة الإحياء. كان الاستيلاء على الحُكم -في أغلب الأحوال- في هذا الوقت عن طريق الغزو، أو الانقلاب، أو المهارة الدبلوماسية. فالاستيلاء على الحكم كانَ يتحقق بمساعدة القوة الخاضعة، أو بمساعدة قوة أجنبية، أو من خلال الجدارة الذاتية، أو من خلال القدر السعيد!! انصَب اهتمام ماكياڤيلي على حالاتٍ معيّنة من حالات الاستيلاء على الحكم، وهي التي تحوطها المخاطر، ويحتاج الحاكم فيها إلى مهارةٍ عالية، وهي: حالة تولي الحكم بمساعدة قوة أجنبية، أو بمساعدة القَدَر السعيد والحظ الحَسن!

حاولَ أن يعرِض بوضوحٍ تام كيفية التعامل الماهر مع السلطة. إنه قبل أن يقدم لنا نموذجه يقول بصوتٍ مرتفع: ”هُنا يُثبت العبقري السياسي الحقيقي ذاته”. [الأمير] عنده ليسَ حاكمًا من نوعِ «الملكيّة المقدّسة»، وإنما سياسي صنعَ نفسه بنفسهِ، إنه ميكانيكي السُّلطة!

المَثل الأعلى والحي هو «سيزار بورجيا»، الذي درَسَ ماكياڤيلي حياته وتصرفاته عن قُرب. بورجيا نال الإمارة عن طريق إهداء والده. أنشأ جيشا خاصّا، وحصّن سلطته، واكتسب احترام شعبه. وخلال نشاطه وشدّة بأسه استفادَ كثيرًا من نعمة حسن الحظ! لكن اعتقاد بورجيا في حسن الحظ، كان سبباً في سقوطه، وذلك أنه ترك عدوّاً سابقا له ذا قوة فائقة عن الحد. عند ماكياڤيلي «سيزار بورجيا» ومن وجوه كثيرة هو الحاكم المثالي، ولكن تنقصه ”القدرة” ليكون كاملاً، ليس القدرة فقط على اتباع حسن الحظ، وإنما على توجيهه وقيادته أيضا. «حسن الحظ» (fortuna) أحد أهم مصطلحين في فلسفةِ ماكياڤيلي السياسية. أما المصطلح الثاني فهو «الفضيلة» (virtu). يتميّز الحاكم المثالي عنده؛ بأنه يُظهر الفضيلة التي يتحكم بها في حُسن الحظ. الفضيلة عند ماكياڤيلي ليست الصلاح والطهارة، وإنما المرونة العقائدية في التعامل مع حسن الحظ. الحاكم المثالي عنده هو الذي يُتقن فن تقدير المواقف، ويستغلها لصالحه. فالمثل الألماني «حظ الشاطر» يعبر بصورة ممتازة عن العلاقة التي وصفها في كتابه بين القدرةِ على المرونة وحسن الحظ. فالمرونة العقائدية لا تنحصر في الاستسلام التشاؤمي ولا في التفاؤل، وإنما في فن انتهاز الظروف المواتية.

وهذا الفن يُمكِّنه أيضًا من استخدام العنف في أوقات والمكر في أوقات أخرى. يرى خطيب روما المفوّه «شيشرون – سيسرو» أن العنف والقوة من صفات الأسد، والخديعة والمكر من صفات الثعلب، لذلك أي إنسان يحاول أن يستخدم هذه الصفات والأساليب فإنه ينزل إلى مستوى الحيوانات! ما الذي فعله ماكياڤيلي؟ لقد استعارَ من شيشرون صورة الأسد والثعلب، ووافقه بأنَّ العُنف والمكر أقرب إلى خصائص الحيوانات، ولكنه خالفه قائلاً: ”. . لأن الوسائل الإنسانية في الحياة السياسية اليومية غالبًا لا تكفي، يجب على الإنسان أن يستخدم الوسائل والأساليب الحيوانية!”.

في فلسفةِ ماكياڤيلي السياسية يرى أن ”الحاكم يجب أن يكون قادرًا على التصرفِ كالأسد، مثلما يحب عليه أن يكون قادرًا على التصرفِ كثعلب”. الإنسان ليس كما صوّره الفلاسفة القدماء، بل إنه على الأرجح لا يوثق به أخلاقياً، إن حديثه كالعسل، ولكن فعله سام كالحيّة، ويجب الحذر منه في كل لحظة. لذلك يقول: ”يجب على الإنسان أن يكون ثعلبا ليعرف الحيّات، وأسدًا ليُفزع الذئاب”. فالعنف والمكر عنده أدوات مشروعه للحاكِم.

ننتقل إلى «القناع الأخلاقي». يرى ماكياڤيلي أن الحاكم يجب أن يقدم نفسه للشعب حسب متطلبات الموقف، ويجب عليه إتقان فن التدبير والإخراج السياسي. عليه مثلاً أن يكون صارمًا في وقت القلاقل، وخيِّرا حليماً في أوقاتِ السلام الاجتماعي. وعلى الحاكم أن يكون قناعا الحيوان والإنسان تحت تصرّفه وحسب اختياره. الحاكم عند ماكياڤيلي ”ليس ديكتاتورا مولعاً بالقوة، وإنما هو لاعب شطرنج سياسي، يدرك حسابات كل نقلة من نَقلاته”. هدف الحاكم والسبب في تصرفاته: ”تثبيت الحكم”. لذلك القاعدة الرئيسة والأهم للحاكم في علاقتهِ بالشعب، فعليه أن يكون مهاباً دون أنْ يكون مكروهاً، لأن الكره -حسب فلسفة ماكياڤيلي- ”ينشأ من الطغيان، والاحتقار ينشأ من الضعف” وكلاهما يهدِّد الحاكم. الضعف يتحقق في رأيهِ عندما يكون الحاكم محبوباً من الشعب، وهذا الهدف (أن يكون الحاكم محبوبا لدى شعبه) هو ما اشترطه سيسرو في الحاكم. ماكياڤيلي يخالف هذا بالطبع ويوجب وجود مسافة بين الحاكم وشعبه، حتى يتجلّى تأثير القوة وجلال الحكم. وهنا يستخدم ماكياڤيلي مثال سيزار بورجيا؛ فإن حكمه عندما تعرّض للخطر بسببِ أحد قادته، كان وحشيّاً فكرهه الشعب، أمر بورجيا بإعدامه فورًا أمام أعينهم، وهو بهذا الفعل حقّق أثرًا مزدوجًا: أنه هدّأ كره الشعب وغضبه، وولّد الرهبة والاحترام، اللذين يخدمان تأمين سلطته وحكمه.

وهو يرفض وبشدة ما ينصح به فلاسفة العصور الوسطى؛ أن الحاكم يجب أن يكون حليماً وسخياً. ويرى أن من سيكون ليّن الجانب أكثر من اللازم، سيضطر في وقتٍ ما للعقاب بشدة، ولكن متى؟ عندما تفوت الفرصة. فالأفضل التصرف بوحشية منذ البداية، ولكن هذه الوحشية لابد أن تكون محددة الهدف ومقدرة الكمية. وأمير ماكياڤيلي يجب أن لا يضيّع أمواله باستخفاف، فهذا تهديد للسلطة بالزوال. في المقابل فإنَّ البخل أو التصرف الحريص للأدوات المالية، يساعد الأمير على حرية العمل السياسي. وهو يرى أن كرم الحاكم يجب أن يكون من الأموال التي يكسبها من الآخرين، حتى تولّد مشاعر طيبة عند الشعب.

«القوانين المحكمة، والسلاح» على هاتين الركيزتين يعتمد حُكم أمير ماكياڤيلي. الدور الأعظم على الإطلاق قائم على السلاح، فبدون السلاح والجيش لا يمكن -في رأيه- لأفضل القوانين أن تستمر. استخلص هذا من ملاحظاته على الجيوش المرتزقة، لذلك أكّد على تكوين جيش من أبناء الإقليم نفسه. وفي النهاية المجد والجاه هما جزاء الحاكم الناجح.

رأى ما كياڤيلي أن إيطاليا تقف في منعطفٍ هامٍ من تاريخها، فأراد بكتابهِ هذا أن يُوقد الشعلة التي يرجو أن تعيده إلى الأضواء مرة أخرى، والتي تستطيع أن تحرك وتدفع الأمير الفلورنسي إلى الإنجاز السياسي. ولكن أمله الذي أراد تحقيقه بكتابه خاب! بفتورٍ شديد استُقبل كتاب ماكياڤيلي. والأمير المديتشي لورينزو لم يرَ سبباً يدعوه إلى التصرف طبقًا لتصورات ماكياڤيلي، أو حتى يعيده إلى المشهد السياسي. وزيادة على هذا فإن إيطاليا لم تتّحد سياسيا إلا بعد مرور أكثر من أربعمائة عام.

عاش ماكياڤيلي سنواته التالية منعزلاً عاكفاً على التأليف، فألّف كتبًا في التاريخ والأدب والفلسفة، وواصل تعميق فلسفته السياسية، فكان كتابه «Discorsi دراسات» أو «أحاديث على المقالات العشر الأولى في تاريخ تيتو ليفيو» أكثرها شهرة. ورغم الاستقبال البارد لكتاب «الأمير» في بداية ظهوره، إلا أنه بعد ذلك أصبح من أكثر الكتب إثارةً للجدل في الفلسفة السياسية حتى يوم الناس هذا. تم تداول الكتاب قبل نشره في الدوائر الفلورنسية، ولكنه لم يطبع إلا بأمرٍ من البابا عام ١٥٣٢م بعد وفاة مؤلفه. ثم لم يلبث حتى وضعته الكنيسة في قائمة الكتب المحرمة عام ١٥٥٩م. وسببُ تحريمه لم يكن ذلك الضمير الذي نصح به ماكياڤيلي في ممارسة السلطة، وإنما فصلهُ التام بين السياسة واللاهوت، وهذا كان أمرًا غير مقبول عند الكنيسة. عالم السياسة عند ماكياڤيلي، هو عالم يخلو من الله! فإنَّ الحاكم في فلسفةِ ماكياڤيلي السياسية لا يحتاج إلى الله لتثبيت حكمه، بل إنه في فلسفته لم يفكر إطلاقًا في ثواب الله وعقابه. فهو أول مفكر في العصر الحديث أسس فلسفة سياسية في غِنًى تام عن الأساس الديني. لم يضع ماكياڤيلي نصب عينيه إلا مصالح الأمير والدولة.

«مصلحة الدولة وسلامتها»؛ هو أكبر منجزات كتاب “الأمير” لماكياڤيلي. فكل الذين يتحدثون اليوم عن (سلامة الدولة ومصلحتها العليا) فهم يسيرون على خطى ماكياڤيلي. لكن الأمر الذي لا يمكن توضيحه، هو وضع كثير من السياسيين هذا الكتاب على ”الكومودينو” بجوار أسرة نومهم!!

هذه بإيجاز فلسفة ماكياڤيلي السياسية التي أودعها كتابه «الأمير»، وهذا هو الفهم السائد لها، وهناك من قرأ الكتاب قراءة عرجاء قائمة على التخرّص كالباحثة الأمريكية ماري ديتز Mary Dietz؛ التي ترى أن وجهة نظر ماكياڤيلي في كتابه، ما هي إلا فخ أحكمه بمهارة للإيقاع بلورنزو دي ميديتشي! ودليلها تلك ”النصائح الملغومة” على حدِّ قولها، وهي أربع: أن يسكن الأمير فلورنسا، وأن يعمل على كسب دعم الشعب، وألا يبني حصوناً، والرابعة: أن يسلّح شعبه لكي يجعل منه جيشاً. أطروحة ديتز انتُقدت، ومن أشهر نُقادّها جون لانتغون John Langton الذي رأى أن الإخلاص التام كان في هذه النصائح.

وهناك جمع من الباحثين قيّدت عقولهم الحَيْرة، وذلك بسبب التناقض الشديد بين كتابي «الأمير» و «أحاديث»؛ ففي النص الأول يظهر ماكياڤيلي كمُنظِّر للاستبداد ومشجّع على ممارسته، بينما في كتابه الآخر «أحاديث» يتبدّى مفكرًا جمهوريا يؤكد وجوب تأسيس مجتمع حرّ! وهذا أمرٌ أُجيب عليه، وحتى لا يطول المقام، أُحيل القرّاء الكرام لقراءة مغايرة عمّا ذُكر هنا لأستاذ الفلسفة المغربي د. الطيّب بوعزة في كتابه «نقد الليبرالية» من صـ٣٨ إلى صـ٥٢، لعلّ فيما يذكره إثراء معرفيا لكم. كما أدعوكم لقراءة حديث روبرت تسيمر في كتابه «في صحبة الفلاسفة» عن كتاب ماكياڤيلي، فإن حديثي هذا ما هو إلا تلخيص لما كَتبه.

نختم هذهِ السلسلة بقولٍ مقتبس: ”قوة الأمير هي في قوة الشعب لا في قوة الجدران التي يتمنّع خلفها؛ لأنه ليس ثمة حصن قادر على حمايته إذا ما ثار الشعب عليه، ولذا فالأصل في الحكم هو كسب ثقة الشعب ودعمه لا الإنفصال عنه من وراء جُدر”.

انتهى.