بيغوڤيتش والمساواة بين الرجلِ والمرأة!

فِي أكتوبر عام ١٩٦٨م كتبَ علي عزت بيغوڤيتش -رحمه الله- مقالة طويلة وجميلة عن المرأة، وطرحَ فيها هذا السؤال: «هل يُقرِّر الإسلام مساواة الرجل والمرأة؟» ثم أجابَ على هذا السؤال إجابة بديعة -كعادتِه- ومُختصرة، فرأيتُ نقلها هُنا لعلّ فيها إثراء وفائدة.

السؤال: هل يُقرِّر الإسلام مساواة الرجل بالمرأة؟

الجواب: نعم و لا.

«نعم» إذا تحدَّث عن المرأةِ باعتبارها شخصية إنسانية ذات قيمة شخصية مساوية تتحمل واجبات أخلاقية وإنسانية. «لا» إذا كان الأمر يتعلَّق بالتساوي في الوظائفِ والدور في الأسرةِ والمجتمع، كما يُفهم معنى المساواة في أوربا عادة.

ويُمكن تصوّر قضية التفوُّق أو الدونيّة -وركز هُنا- فقط بين أشياء من جنسٍ واحد، والمرأة ليست أعلى ولا أدنى لأنها -بكلِّ بساطة- مُختلفة عن الرجل، لذلك تسقط المُقارنة، ومِن ثم يسقط تحديد الأعلى أو الأدنى.

لا معنى للسؤال: أيهما أهم: القلب أم الرئة؟ لأنّ كلاً من العضوينِ لا يُمكن أن يقوم بوظيفةِ الآخر، بل إنَّ الاختلاف بينهما يُعطي قيمة خاصة لأحدهما بالنسبةِ للآخر.

ولننتبه هُنا إلى الحقيقةِ التالية: إنّ الواجبات التي يفرضها القرآن متساوية تمامًا في حقِّ الرجل والمرأة، ولا فرقَ بين الرجلِ والمرأة في أداءِ الواجب وتحمّل المسؤولية عن أداءِ أركان الإسلام الخمسة: النُّطق بالشهادتين، الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج. وكذلكَ الأمر بالنسبةِ للواجباتِ الأخلاقية التي يُطالب بها القرآن الكريم صراحةً أو بطريقٍ غير مُباشر. إذن، فالمسؤولية متساوية بناءً على أنّ القيمة متساوية، لأن كل قانون يجعل القيمة أساس المسؤولية.

إنّ اختبار الفوارق في مستوى الذكاء عند الرجل والمرأة، أظهر أنَّ الفوارق تتعلق بكيفية الذكاء وليسَ بمستوى الذكاء. تُحقِّق المرأة نتائج أفضل في أمورٍ لها علاقة باهتمام وحفظ مباشر. بينما يُحقِّق الرجل التفوّق في اختباراتٍ لها علاقة بالأرقام والمسائل الميكانيكية. إنّ حالات الذكاء المُفرط قد سُجلت لدى الرجال أكثر، ولكن نسبة التخلّف العقلي لدى الرجال أكبر منها لدى النساء!. ذكاء الرجل يتّصف بحريةٍ أكبر ويتّجه نحو العالم الخارجي، وذكاء النِّساء أقل حرية ويتّجه نحو الحياة والشخصية والعواطف. ويرجع سبب ذلك إلى اختلافِ دور كل منهما في نشوءِ واستمرار الحياة على الأرض.

إنّ المرأة رمز للخصوبةِ والولادة وتعاقب الأجيال، وفي كل هذهِ الأحداث فائقة الأهمية لمظاهر الحياة -عند حد فاصل بين الغريزة والإدراك- تقوم المرأة بدورٍ مباشر، وأما الرجل فلا يعدو دوره أن يكون أكثر من مشاهدٍ حائر! فالعلاقة هُنا ليست علاقة بين الرجل والمرأة، بل هي علاقة الأم بوالد أطفالها، لأن الأمور هنا تأخذ الشكل الذي يجب أن تكون عليه كما تفرضه طبيعة الجنسين.

ويختم -رحمه الله- إجابته على السؤال بقوله:

إذن، فالعلاقة التي أشرنا إليها هنا تجعل السؤال عن المساواةِ بين الجنسيْنِ بلا معنى، أو تجعله سؤالاً مضحكًا على الأقل!”.

وقبل ختم المقال أضيف للفائدةِ ما قاله مالك بن نبي رحمه الله عندما تحدَّث عن مشكلةِ المرأة في كتابهِ «شروط النهضة»، يكتب:

ليست مُشكلة المرأة شيئاً نبحثه مُنفردًا عن مُشكلةِ الرجل، فهُما يُشكلان في حقيقتِهما مُشكلة واحدة، هيَ مُشكلة الفرد في المُجتمع. وليسَ بمُجدٍ أنْ نعقد موازنة بين الرجلِ والمرأة، ثم نَخرج منها بنتائج كمية تشير إلى قيمةِ المرأة في المُجتمعِ، وأنها أكبر أو أصغر من قيمةِ الرجل أو تُساويها، فليستْ هذهِ الأحكام إلا افتئاتًا على حقيقةِ الأمر ومحض افتراء. ولسنا نَرى في الأقاويلِ التي تَقوّلها على حقوقِ المرأةِ أدعياء تحريرها، أو الذينَ يُطالبون بإبعادِها من المُجتمعِ؛ إلا تعبيرًا عن نزعاتٍ جنسية لا شعورية.

فالمرأة والرجل يكوِّنان الفرد في المجتمعِ: فهيَ شِقُّ الفرد، كما أنَّ الرجل شِقه الآخر. ولا غرو فالرسول ﷺ يقول: «النِّساء شقائق الرِّجال». والله تعالى خلقهما من نفسٍ واحدة، قالَ سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.

فالمرأة والرجل قُطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهِما بغيرِ الآخر”.

وختامًا يُعجبني وصف مالك بن نبي للمرأةِ عندما قال: ”وهيَ مخزن العواطف الإنسانية!”. وقال عنها في سطرٍ آخر: ”مُلهِمة لذوق الجمال وروح الأخلاق”.

للاستزادة؛ راجع كتاب «عوائق النهضة الإسلامية» وهو جمع لمقالات المجاهد المجتهد علي عزت بيغوڤيتش القديمة، وانظر (الباب الثاني – مشكلة المرأة) في كتاب «شروط النهضة» لمالك بن نبي رحمهما الله.

6 رأي حول “بيغوڤيتش والمساواة بين الرجلِ والمرأة!

  1. بيّض الله وجهك أخي فهد، إنتقاء رائع، كعادتك في إنتقاء تغريداتك وإشاراتك، وفقك الله وجعلك مباركاً إينما كنت..

    إعجاب

اترك رداً على فهد. إلغاء الرد