الأدب والأحذية!

مِن أظرف المقالات؛ مقالٌ كتبه وديع فلسطين في مجلة الأديب [العدد 9, 1 سبتمبر 1969] وهو في ليبيا بعنوان «الأدب والأحذية»، نقل فيه بعض الطرائف المتعلقة في هذا الشأن، وقال في آخره؛ أنَّ الذي أغراه بالاهتمام في الحذاء، المقابلة التي أجراها نزار قباني بين الفكر والحذاء في بيته المشهور:

وإذا أصْبَــحَ المُفَكِّــرُ بُـوقًـا

يَسْتوي الفِكرُ عِندهَا والحِذاءُ

قال وديع فلسطين في أول المقال:

مادة المقال مستمدة من معين الذاكرة، وبعضها منقول من مراجع، والبعض الآخر تبرَّع به الأصدقاء جورج صيدح، وروكس بن زائد العزيزي، والبدوي الملثم يعقوب العودات عندما علموا أنني منشغل بالأحذية القديمة والجديدة على حدٍّ سواء!

والآن أنقل لكم بعض الأخبار والطرائف التي وردت في المقالِ مع اختصارٍ لابد منه وتصرّف يسير.

مما يروى عن الأديب الفكه الراحل كامل الشناوي أن أديبًا مرموقاً جاءه ذات يوم يشكو له ضيق الحال، وكيفَ أنه لم يعد أمامه إلا العمل بمؤسسة للأحذية! فقال الشناوي: وما الذي أحنقك، أفلا تعلم أن أستاذك «مكسيم غوركي» الذي تهيم به قد بدأ إسكافياً وانتهى أديباً؟ وها أنتَ قد عكست الآية، فبدأت أديباً وانتهيت في حانوت الإسكاف.😊

وأرادَ الشَّاعر إلياس فرحات أن يهجو لئيمًا من سُفهاءِ القوم فقالَ في وصفهِ:

مَاشَيْتهُ يومًا فدستُ خَياله

عرَضًا، فأثَّر لؤمـه بِحذائي!

‏وأهدى الشَّاعر نعمة قازان المُقيم في ريو دي جانيرو زوج أحذية من إنتاجِ مصنعه الخاص إلى صديقهِ الأديب توفيق ضعون، وقالَ في تسجيل هذهِ المُناسبة:

‏لَقد أهديتُ توفيقًا حِذاءً

فقالَ الحاسُدونا: وما عليهِ

‏أما قالَ الفتى العربيّ يومًا

شَبيه الشيء مُنجذبٌ إليهِ!

‏فما كانَ مِن ضعون إلا أن يَرد التحية ‏بأحسنَ منها وخاطبَ قازان قائلاً:

لو كانَ يُهدى إلى الإنسانِ قِيمتهُ

لَكُنتُ أستَـاهِل الدُّنيـا ومَا فيـها

‏لكِن تَقبَّلتُ هَذا النَّعـل مُعتقـدًا

‏أنَّ الهَـدايا على مـقدارِ مُهْدِيِهـا

‏وعندما أصدرَ الشَّاعر كامل أمين ديوانه الأول، قدَّمه بعبارةٍ شعريةٍ غريبة فيها منتهى الاعتداد بالنَّفسِ فقال: ”إلى الذينَ حِذائي فوقَ أرؤسهم!“. ثم ثنَّى بقولهِ أنَّ قدمه تعلو على كثيرٍ من الرؤوس!

‏ولحافظ جميل قصيدة كانَ الحذاء وحياً ‏لها ومادة لمعانيها، يقول:

تعلّم كيفَ تنحدِرُ النفوسُ

‏وتلثم مَوطيء القدم الرؤوسُ

‏وصانع لا يفتكَ رخيص قدرٍ

‏تُجامِله ولا رذل خسيسُ

‏وحاول أن تساير كل عهدٍ

‏فلا يَندى محياكَ اليبيسُ

‏جلال القَدر أنكَ حين تَمشي

‏يلوذُ بنعلِك الشَّرف المدوسُ!

وكانت في الشامِ أسرة معروفة هي أسرة «القباقيبي»، عَنَّ لهذه الأسرة أن تدعو الشيخ البيروتي محمد الكستي للنزول في ضيافتها في دمشق، وفي صباح اليوم التالي أراد أحد شبان الأسرة ممازحته فسرق بابوجه (أي خُفه). ولما رح يبحث يفتش عنه لم يعثر عليه، فضرب كفاً بكف، وهنا دخل عليهِ الشاب سارق البابوج، فأنشده تواً:

‏لا غرو أن ضاعَ بابوجي بداركم

‏إن البوابيج إخوان القباقيبِ!

انتهى.

رأيان حول “الأدب والأحذية!

  1. 😂
    لا أدري أيه النبيل -وأنا أقرأ تدوينتك- لماذا تذكرت بعض الأحذية المشهورة في زماننا!.
    ولعل من أشهرها حذاء الصحافي العراقي منتظر الزيدي، الذي كاد يقصف هامة الرئيس الأمريكي ج بوش .. لقد تسيس الجميع في زماننا حتى الأحذية!.

    🌿 اتابعك وتعجبني حروفك الأنيقة .. تقبل سلامي.

    إعجاب

اترك رداً على محمد العُمري الفيفي إلغاء الرد