لنحيا في الموتِ ساعة!

كانَ الرَّافعي من أبرِّ الناسِ بوالديه، يُحبهما حُباً يفوق الوصف، فلمَّا ماتا لَم يترك زيارة قبريهما، وقد آثر الإقامة بطنطا -على ضيقهِ بها كما يقول العريان- حرصًا على إدامةِ زيارة والديه، حتى ماتَ ودُفن بقربهما، رحم الله الجميع.

‏لمَّا كانَ صبيحة يوم عيدِ الفِطر، سنة ١٣٥٣ھ ذهبَ على عادتهِ إلى المقبرةِ لزيارة والديه، والاستغفار لهما، والترحُّم عليهما، فلما عاد أنشأ مقالة مؤثرة جدًا بعنوان: «وحيُ القبور!». وإليك أيها القارئ الكريم شيء مما جاءَ فيها بعد التصرُّف اليسير، قالَ في مطلعها وتأمل هذهِ الحروف السَّاحِرة:

‏ذهبتُ في صبحِ يوم عيدِ الفِطر، أحمل نفسِي بنفسي إلى المقبرةِ، وقد ماتَ لي من الخواطرِ مَوْتى، لا ميِّتٌ واحد؛ فكنتُ أمشي وفيَّ جِنازة بمُشيِّعيها؛ من فكرٍ يحمل فِكرا، وخاطر يحمِل خاطِرا، ومعنًى يَبكي، ومعنًى يُبكى عليه!

‏وكذلكَ دأبي كُلما انحدرتُ في هذهِ الطريق إلى ذلكَ المكان الذي تأتيه العيون بدموعِها، وتمشي إليه النُّفوس بأحزانِها، وتجيء فيه القلوب إلى بقاياها. تلكَ المقابر التي لا يُنادى أهلها من أهليهم بالأسماءِ، ولا بالألقابِ، ولكن بهذا النداء: يا أحبابنا، يا أحزاننا.

‏ذهبتُ أزور أمواتي الأعزاء، وأتصلُ منهم بأطرافِ نفسي، لأحيا معهم في الموتِ ساعةً، أعرِض فيها أمر الدُّنيا على أمرِ الآخرة، فأنسى وأذكر، ثم أنظر وأعتبر، ثم أتعرَّف وأتوسَّم، ثم أستبطِن مما في بطنِ الأرض، وأستظهر مما على ظهرِها.

وجلستُ هناك أُشرف من دهرٍ على دهر، ومن دُنيا على دنيا، وأخرَجت الذاكرة أفراحها القديمة لتجعلها مادةً جديدة لأحزانها، وانفتح لي الزمن الماضي، فرأيتُ رجعة الأمس، وكأنَّ دهرًا كاملاً خُلق بحوادثِهِ وأيامه، ورُفع لعينيَّ كما تُرفع الصُّورة المعلَّقة في إطارِها.

أعرِف أنهم ماتوا، ولكنِّي لم أشعر قط إلا أنهم غابوا؛ والحبيب الغائِب لا يتغيَّر عليه الزمان ولا المكان في القلبِ الذي يُحبه، مهما تراخت به الأيام؛ وهذهِ بقية الرُّوح، إذا امتزجت بالحبِّ في روحِ أخرى؛ تترك فيها ما لا يُمحى؛ لأنها خالِدة لا تُمْحَى.

الحيَاة مُدة عملٍ، وكأنَّ هذهِ الدنيا بكلِّ ما فيها من المُتناقضات، إن هيَ إلا مصنعٌ يسَوَّغُ كل إنسانٍ جانبًا منه، ثُمَّ يُقال له: هذهِ الأداة؛ فاصنعْ ما شئتَ؛ فضيلتك أو رذيلتك.

جلستُ في المقبرةِ، وأطرقتُ أفكر في هذا الموت .. يا عجبًا للناس! كيفَ لا يستشعرونه وهو يهدِم من كل حيٍّ أجزاء تحيط به، قبل أن يهدمه هو بجملته؛ وما زال كل بنيان من الناسِ به كالحائط المُسلَّط عليه خرابه، يتأكَّل من هنا، ويتناثر من هناك؟!

‏ثُمَّ يقول:

‏القبرُ كلمة الصِّدق، مبنيّةً متجسِّمة، فكل ما حولها يتكذَّب ويتأوَّل، وليسَ فيها هي إلا معناها، لا يدخله كذب، ولا يعتريه تأويل . . «وإذا ماتت في الأحياءِ كلمة الموت؛ من غرورٍ أو باطلٍ أو غفلة، بقي القبرُ مذكِّرًا بالكلمة، شارحًا لها بأظهرِ معانيها، داعيا إلى الاعتبار بمدلولها، مبيِّنا بما ينطوي عليه: أنَّ الأمرَ كُلَّه للنهاية».

القبرُ كلمة الأرضِ لمن يَنخدع، فيَرى العمرَ الماضي كأنهُ غير ماضٍ، فيعمل في إفراغِ حياته من الحياة بما يملؤها مِن رذائله وخسائسه؛ فلا يزال دائبًا في معاني الأرض، واستجماعها، والاستمتاع بها، يتلو في ذلك تِلو -أي يحذو- الحيوان ويقتاسُ به، فشريعته جوفه وأعضاؤه؛ وترجع بذلكَ حيوانيته مع نفسهِ الروحانية كالحمارِ مع الذي يملكه ويعلفه، ولو سُئل الحمار عن صاحبهِ: من هو؟ لقال: هو حِماري.

وتأمل وصفهُ العجيب هُنا:

‏«القَبرُ على الأرضِ كلمةٌ مكتوبةٌ في الأرضِ، إلى آخرِ الدُّنيا، معناها: أنَّ الإنسان حيٌّ في قانونِ نهايته، فلينظرْ كيفَ ينتهي».

إذا كانَ الأمر كله للنهاية، وكانَ الاعتبارُ بها، والجزاءُ عليها، فالحياة هي الحياة على طريقةِ السلامة، لا غيرها؛ طريقة إكراه الحيوان الإنساني على ممارسة الأخلاقية الاجتماعية، وجعلها أصلاً في طباعه، ووزن أعماله بنتائجها التي تنتهي بها، إذ كانت روحانيّته في النهاياتِ لا في بداياتها.

‏«في الحياةِ الدنيا يكون الإنسان ذاتاً، تعمل أعمالها؛ فإذا انتهت الحياة انقلبت أعمال الإنسان ذاتاً يخلُدُ هو فيها؛ فهو من الخيرِ خالدٌ في الخير، ومن الشرِّ خالد في الشر؛ فكأنَّ الموت إن هو إلا ميلاد للروح من أعمالِها؛ تولد مرتين: آتية وراجعة».

يا مَن لهم في القبور أموات..

‏«إن رؤية القبر زيادة في الشُّعورِ بقيمة الحياة»، فيجب أن يكون معنى القبر من معاني السلام العقلي في هذهِ الدنيا. القبرُ فمٌ ينادي: أسرعوا أسرعوا، فهيَ مدة لو صرفت كلها في الخيرِ ما وفت به، فكيفَ يضيع منها ضَياعٌ في الشرِّ أو الإثم؟!

لو وُلِدَ الإنسان، ومشى، وأيفَعَ، وشبَّ، واكتهلَ، وهرِمَ، في يومٍ واحدٍ فما عساه يُضيّعَ من هذا اليوم الواحد؟ إنَّ أطول الأعمار لا يَراه صاحبه في ساعةِ موته؛ إلا أقصر من يوم.

يُنادي القبر:

‏«أصلحوا عيوبكم، وعليكم وقتٌ لإصلاحها؛ فإنها إن جاءت إلى هنا كما هي، بقيت كما هي إلى الأبد، وتركها الوقت وهرب». هنا قبر، وهناك قبر، وهنالك القبر أيضًا؛ فليسَ ينظر في هذا عاقل، إلا كانَ نظره كأنه حكم محكمةٍ على هذه الحياة، كيفَ تنبغي؟ وكيف تكون؟!

في القبرِ معنى إلغاء الزمانِ، فمن يفهم هذا استطاع أن ينتصر على أيامِه، وأن يُسقط منها أوقات الشر والإثم، وأن يُميت في نفسِه خواطر السوء؛ فمن معاني القبر ينشأُ للإرادة عقلها القوي الثابت؛ وكل الأيام المكروهة لا تجد لها مكانًا في زمنِ هذا العقل، كما لا يجد الليل محلا في ساعات الشمس.

ثُمّ يختم هذهِ المقالة المؤثرة البديعة الموقِظة بخاتمةٍ لا يقدر على الإتيان بمثلِها إلا الرَّافعي، يقول: «ثلاثةُ أرواح لا تصلحُ روح الإنسان في الأرضِ إلا بها: روح الطبيعةِ في جمالِها، وروح المعبدِ في طهارتِه، وروحُ القبرِ في موعظتِه».

انتهى.

تذكرتُ بعد قراءة المقالة وصف الشيخ مصطفى صبري -صاحب موقف العقل- للرافعي، قال عنه مرة: ”إنه لا يسمعُ ضجيج الدُّنيا، بل يسمع إلهام قلبه، ووحي ضميره، ونداء إيمانه“. ولله درّ عبدالوهاب عزام عندما كتبَ عن الرافعي قائلاً: ”وإذا وعظَ (مصطفى الصادِق) نفذ إلى السرائر، وصوّر للإنسان فضائله ورذائله تصويرًا لا يدعُ له أن يختار إلا الأولى، وأن يهجر إلا الثانية، وهو لا يعمدُ إلى النُّذُرِ يصبُّها على النفسِ صبَّ السياط، يألمُ لها الجِسم، ويموتُ القلب، بل يعمدُ إلى الحياةِ يصوِّرُها هُنا على حقائقها، نافياً عنها تلبيسَ إبليس، وإلى القلبِ ينفخ فيه العَظَمة، ويبثُّ فيه الفضيلة والطهارة والطموح إلى كلِّ خير، والنُّفور من كلِّ شر..“

‏المقال منشور في مجلةِ الرِّسالة، العدد 81، 21 يناير 1935، وتجده أيضًا في وحي القلم -طبعة دار القلم- جـ٢ صـ٢٦٣.

رأيان حول “لنحيا في الموتِ ساعة!

  1. في هذا المقال ما أسالَ دمعي و اخترق مشاعري
    و فيهِ ما أيقظ روحي و نبَّهَ عقلي
    لم اقرأ شيئًا يُذكر بالموت ويفعل بالنفس كمثل ماقرأت من الرافعي
    حفظك الله

    إعجاب

أضف تعليق