
وقفتُ على مقالٍ للدكاترة زكي مبارك يعرِض وينقد فيه كتاب «المطالعات» للعقاد، وجاء هذا المقال ضمن مشروع أقرَّته وزارة المعارف، فقد ذكر زكي مبارك في مجلة الرِّسالة/ العدد ٣٨٣/ ٤ نوفمبر ١٩٤٠م أنَّ الهدف المنشود من المسابقةِ جذب الطلبة إلى مسايرةِ الأدب الحديث، وغرس الشوق فيهم إلى تعقّب الآراء الأدبية والمذاهب الاجتماعية. يقول: ”دعتني الرغبة في معاونة طلبة السنة التوجيهية على الاستفادة من مسابقةِ الجامعة المصرية إلى درسِ تلك المؤلفات على صفحات الرِّسالة درساً تحليلياً يستطيعون به الوصول إلى ما تشتمل عليه من مقاصد وأغراض، بحيث يصبح الانتفاع من المسابقةِ ميسوراً لكل طالب يُقبل على درسِ تلك المؤلفات بعناية واهتمام، وقد وضح أمامه منهج الفهم والاستقصاء. وسنبدأ في الأسبوع المقبل بتحليل كتاب «فيض الخاطر» للأستاذ أحمد أمين، والله بالتوفيق كفيل“. تناول زكي مبارك -عرضاً ونقدًا- عدة مؤلفات مهمة، وقد اشتمل تناوله لها على عظيمِ الفائدة والمتعة معاً، ومن أظرفها ما كتبه عن مطالعات العقاد وفيض أحمد أمين. والزبدة بعد هذا التمطيط والتطويل المتعمَّد رغبةً ومزاجا، أحببتُ أن أنقل لكم شيء مما كتبه زكي مبارك فيما يخص العقاد ومطالعاته، راجياً لكم المتعة المرغوبة والفائدة المطلوبة، والله عليم بالنوايا، وإليه تُحث المطايا.
وهنا أود أن أبدأ بلطيفةٍ غير خافيةٍ على القارئ الكريم، ولكن النفس تدفعني للبدء بها. زكي مبارك اسمه في شهادة الميلاد: محمد عبدالسلام مبارك، ولكن والده أطلق عليه «زكي» لما تكشف له ذكاؤه، فعُرف به : )
قبل أن يشرع زكي مبارك عرضه ونقده للكتاب وذكر شخصية مؤلفه قدَّم قائلاً: ”موضوع الدرس هذه المرة هو كتاب «مطالعات في الأدب (الكُتب) والحياة» للأستاذ عباس محمود العقاد عضو المجمع اللغوي، وهو كتاب يقع في أربع وعشرين وثلثمائة صفحة بالقطع المتوسط، وقد نشرته المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، وثمنه خمسة عشر قرشاً. والنسخة التي أنقدها هي الطبعة الثانية، ولهذه الإشارة معنًى، فهي تشهد بأن هذا الكتاب نال بعض ما يستحق من النباهة والذيوع“.
ثم يعرِّج الدكاترة على شخصية المؤلف قائلاً:
العقاد أديبٌ منوَّع المواهب: فهو كاتب وشاعر وناقد وخطيب! على تفاوت في هذه الأوصاف لا يوجبه التقصير أو نقص الأدوات، وإنما يوجبه التفات هذا الأديب إلى بعضِ الفنون أكثر من التفاته إلى البعض، فهو كاتباً أقوى منه شاعرًا؛ لأن ذهنه ارتاض على التعبير بالترسل، أكثر مما ارتاض على التعبير بالقريض. ودرس اليوم لا يتصل بمواهبه الشعرية والخطابية، وإنما يتصل بمواهبه النثرية والنقدية، فمن هو العقاد بين الكتاب والنقاد؟
للعقاد في الكتابةِ والنقد شخصيتان مختلفتان كل الاختلاف: فالعقاد الكاتب السياسي يَرمي ويُرمى، ويَظلِم ويُظلَم، في كل وقت، فهو من أبناء السماء عند قوم، ومن أبناء الأرض عند آخرين. أما العقاد الكاتب الأدبي فهو من الطبقةِ الأولى بشهادة الجميع.
والعقاد الناقد لا ينحرِف عن القصد إلا في حالٍ واحد، حال الحكم على مَن يعاديه من المعاصرين، أما حكمه على المفكرين الذي بَعُدَ عهدهم في التاريخ فهو في غايةِ العدل والسداد، وقد يصل به الرِّفق إلى المبالغة في إظهار المحاسن وإخفاء العيوب.
وانحراف العقاد في كتاباته السياسية والنقدية يشهد بأنه سليم الشخصية، وللسلامة هُنا مدلولٌ خاص، هو اكتمال الحيوية والإحساس، فالعقاد يصادق بعنف، ويعادي بعنف، فأصدقاؤه ملائكة ولو كانوا شياطين، وأعداؤه أبالسة ولو كانوا ملائكة مقربين. وهو مستعد لخوصِ النار مع أصدقائه إن أوجب الوفاء أن يشاطرهم عذاب الحريق، أما أعداؤه فهو لهم بلاءٌ وعناء، وهو يلقاهم في السِّرِّ والعلانية بأقبحِ ما يكرهون.
وقد شاع وذاع أن العقاد رجلٌ حقود، وهو كذلك : ) فالحقد من كبريات الفضائل (!) في بعضِ الأحايين، وقد نُجزى عليه خير الجزاء يوم الحساب، فالله أحكم وأعدل من أن يعاقبنا على تأديب من يحاولون الغض من أقدارنا الأدبية وهم جهلاء!
ما نظرت في شراسةِ العقاد مع خصومه إلا قلت: هذا رجل والرِّجال قليل. وما نظرتُ في سماحة العقاد مع أصدقائه إلا راعني ما في طبعه من بشاشةٍ وأريحية، فهو لهم عماد في جميعِ الظروف، وهم من أخوّته الوفيّة في أُنسٍ أنيس.
والواقع أنَّ الرجولة لها تكاليف، وهي تجشّمنا مصاعب لا تخطر لأحدٍ من الضعفاء في بال، فالرجل الحق هو الذي يقدر على الضر كما يقدر على النفع، أما المخلوقات «الرقيقة» التي تُحاكِمنا إلى شريعةِ «الأخلاق» في كل ما نكتب وفي كل ما نقول فهي شخوصٌ بوائد خلَّفها التاريخ، كما يخلِّف النهر العارِم أوشاب العشب المعطوب.
الرجولة الحَق تفرض الشجاعة الحَق، ولا تتم الشجاعة لرجلٍ إلا إذا جاز أن تصل به أحياناً إلى حدِّ التهور والجنون، لأن ضبط النفس لا يتيسر في كلِّ وقت، كما يتيسر لبعض من يفهمون أن الرجل «الصالح» للانتفاع بالمجتمع هو المخلوق «المصقول».
وما قيمة القلم إن لم نخِز بسنانه عيون المتعالمين والمتعاقلين من حينٍ إلى حين؟ وما حظ الأمة في أن يتخلَّق جميع أبنائها باللُّطفِ والظُّرف(١)؟ أعاذنا الله من زيغ البصائر في هذا الزمنِ المخبول!
[هامش للدكاترة: (١) الظُّرف: الجمهور في مصر ينطق الظرف بضمِّ الظاء، وهذا النطق صحيح إذا راعينا الاتباع، لأن كلمة الظرف تقرن كثيرًا إلى كلمةِ اللطف].
وبعد هذا التحليل الفريد لشخصية العقاد الذي لا أظنك ستقف على مشاكهٍ له، يكمل زكي مبارك:
العقاد في هذا الكتاب ناقد وكاتب، وقد خلص من الشوائبِ التي تعرِض له في بعض كتاباته النقدية أو السياسية، خلص خلوصاً مبينا، فهو لا يلتفت إلى ما يُحيط به من أحقادِ الساسة أو ضغائن الأدباء، وإنما يخاطب العقل وجهاً إلى وجه، ويسمو بنفسهِ إلى طلبِ المنزلة بين أهل الخلود.
والعقاد من هذه الناحية أقدر من طه حسين على ضبط النفس. نجد العقاد يقول في هامشِ بعض الفصول ”من مقالٍ نُشر في البلاغ“ فما المراد من عبارة ”من مقال“ ؟!
كان المقال في الأصلِ يحوي فكرة باقية أضيف إليها التحامل على أحدِ المعاصرين، وهو حين يجعل مثل هذا المقال فصلاً من كتاب يحذف الجزء المشوب بالتحامل ويكتفي بالجزء الذي يصور فكرة باقية، ومن أمثلةِ ذلك ما صنع العقاد في كتاب «الفصول». ففي ذلك الكتاب فصل عن «المتأنقين»، وهذا الفصل أنشأه العقاد للسخرية من سعادة الأستاذ «أحمد لطفي السيد باشا»، ثم رأى أن يحذف تلك السخرية من جانبها الخاص، وأن يكتفي بجانبها الأصيل، وهو احتقار التأنق في تناول عظائم الشؤون.
أما الدكتور طه حسين بك فقد أساء إلى نفسهِ وإلى تاريخه حين عجز عن تهذيب مقاله عن «عنترة بن شداد» في الجزء الأول من الطبعة الثانية لكتاب «حديث الأربعاء». ففي ذلك المقال تعريضٌ قبيح بمعالي الأستاذ حلمي عيسى باشا، وسيسأل الناس في المستقبل عن الموجب لذلك التعريض القبيح، لأنه لا يصدر عن رجلٍ يتسامى إلى الأستاذية في الأدبِ والأخلاق.
وما أعيبه على الدكتور طه أعيبه على نفسي، فقد أثبتُّ في الطبعة الثانية من كتاب «البدائع» فصلاً دميماً عن «طه حسين بين البغي والعقوق»، وهو فصل عانيت من شؤمه ضروباً من العقابيل، وعرَّضني لمكاره ومتاعب لم أدفع شرّها إلا بنضالٍ عنيف.
ومن أعجب العجب أن يكون عباس العقاد أقدر على ضبط النفس من زكي مبارك وطه حسين!
يمتاز كتاب المطالعات بالشجاعةِ الأدبية، فما المراد من ذلك؟ أيكون المراد أنَّ العقاد يبطش ذات اليمين وذات الشمال بلا تدبُّر للعواقب؟ أيكون المراد أنَّ العقاد لا يبالي ما عليه الناس من عقائدٍ وتقاليد؟ لا هذا ولا ذاك، فالعقاد في هذا الكتاب يساير الناس ويساير العُرف إلى أبعدِ الحدود، وإنما المراد أنَّ العقاد يثور على العوام بقوةٍ وعنف، والعوام في هذا المقام ليسوا هم الطبقة العديمة العلم والمعرفة من التجار والزُّراع والصناع، وإنما هم طبقة المثقفين من أبناءِ الجيل الجديد، والعقاد لم يُضف هذه الطبقة إلى العوام بصريح المقال، وإنما أضافهم إليها بلسان الحال.
بعد ذلك علَّق الدكاترة على ما ذكره العقاد -مؤيدًا ومضيفاً- في كتابه عن المرأة، والذي قاله العقاد في كتابهِ عنهن لن يرضيهن إطلاقا، وفيه تطرُّف ظاهر وإن كان لا يخلو من وجاهةٍ في بعض جوانبه، والعقاد يرى أننا -كما في ص١٠٥-: ”في عصرٍ يميل إلى محاباة المرأة فيما يكتب عنها من آراء فلسفية كانت أو اجتماعية، لأن آداب الأندية توشك أن تبغي على آداب الكتابة ومباحث الفكر. فيحبس الكاتب قلمه عن كل ما يغضب المرأة ولا يوافق دعواها، كما يحبس لسانه عن ذلك في أندية الأُنس ومجالس السمر، ويكتب حين يبحث في مسائل الاجتماع بقلمِ السمير الظريف لا بقلمِ الناقد الأمين“.
ويمضي زكي مبارك في مقاله عارضاً بعض آراء العقاد عن المتنبي في بحثهِ عنه، وقد كان للمتنبي في كتاب «المطالعات» نصيب الأسد، وهذا مما اعتاد عليه المتنبي فلا عَجب في ذلك. بحثُ العقاد عن أبي محسَّد جاء في ثمان مقالات غنية (أكثر من ٦٠ صفحة)، تناول فيها نبوءته، وشهرته، وولعه في التصغير، وفنّه، وفلسفته، وغير ذلك.
وبعد تعقيبٍ أدلى به الدكاترة على بحث العقاد، ذكر بعض الملاحظات المهمة، فيقول:
لا يتسع المجال لعرضِ ما أجاد العقاد وهو يدرس المتنبي، ولكن لا مندوحة من تقييد بعض الملاحظات، لأن لذلك فائدة في تشويق الطلاب إلى النقدِ الأدبي.
١- قال العقاد: ”مما لوحظ على المتنبي ولعه بالتصغير في شعرهِ إلى حدٍّ لم يروَ عن شاعرٍ غيره“. فأرجو أن يذكر العقاد أن أعظم الشعراء ولعاً بالتصغير هو ابن الفارض، وقد فصلتُ ذلك في كتاب «التصوف الإسلامي» فلا أعود إليه في هذا الحديث.
٢- حكم العقاد بأن عصر المتنبي كان ”بدعاً في العصور العربية“ وقد قال مثل هذا القول في عصر ابن الرومي، فأي قولَيْهِ نصدِّق؟!
٣- حكم العقاد بأن المتنبي ”لم يفارق كافورًا إلا باختياره“ فما حيثيات هذا الحكم، وفي أيِّ كتابٍ قرأ أن الرجل يرحل عن بلدٍ يحبّه في ليلةِ عيد؟ وكيف غاب عن العقاد أن المتنبي لم يفارق كافورًا إلا بعد أن أصبحت حياته تحت رحمة العيون والأرصاد؟
وذكر الدكاترة غير هذه الملاحظات، ولكني لن أطيل بإثباتها. لا ترمقني بهذه النظرة الحانقة، لأني سأُثبت مصدر المقال، فعُد له وانخله نخلا لوحدك : )
بعد كل هذا ختم الملاكم زكي مبارك مقاله ختاماً رائعاً بديعا، يقول:
أما بعد، فأنا أشعر بأني لم أقل شيئاً في العقاد، مع أني قلت فيه كل شيء، فإن كنتُ أنصفته فقد أنصفته بحق، وإن كنتُ ظلمته فقد ظلمته بحق، ولكن قبل كل شيء وبعد كل شيء قد انتصرتُ على نفسي فتناسيتُ ما كان بيني وبينه من القتال في سنة ١٩٣٥م على صفحاتِ جريدة الجهاد يوم سمحتْ له نفسه بأن ينضم إلى غريمي طه حسين.
والله المسئول أن يطيل حياة هذين الرجلين، فهما من ذخائر مِصر على وجه الزمان. وهل سيطرت مصر على الحياةِ الأدبية في الشرقِ إلا بفضل ما في أبنائها من شراسةٍ وعرامةٍ واستطالةٍ واستعلاء؟
بعد قراءة هذه الخاتمة تذكرتُ ما قاله في كتابه «وحي بغداد» بثقةٍ لا مثيل لها: ”ويسرني أن أُعلن بلا موارية وبلا تكلّف أن الله نجاني من هذا المرض البغيض، فما أذكر أبدًا أني جحدت الحق، وربما كنتُ أشجع أهل هذا العصر لأني أُنصف أعدائي، في زمنٍ يضن فيه الأصدقاء بالإنصاف“.
والسلام.
[مجلة الرِّسالة، العدد ٣٩٣، ١٣ يناير ١٩٤١م]
