فنسنت فان جوخ.

”يترك الإنسان ذكراه الطيبة التي تجعل من حوله يشعرون بغيابه عنهم“. (هذه من كلمات شقيقة فان جوخ).

لطالما كانت الرسائل الخاصة أصدق الوثائق لاستخراج الحقائق حول الأشخاص وحياتهم؛ إذ إنهم يكونون فيها على السَّجية، والسَّجية عنوان الوضوح.

في رسائل فنسنت فان جوخ ستتعرَّف على همومِه الحياتية، وبعض آرائه في الفنِّ، وشعوره الصادق تجاه عائلته، وموقفه من علّته التي كان يعاني منها، وغير ذلك مما تستطيع من خلاله رسم لوحة متكاملة لهذا الفنان البائس.

(ثيو) يكاد يكون له الفضل الأول فيما أصبح عليه شقيقه فنسنت، لقد أمدَّه بكل ما يستطيع من العون؛ وفَّرَ له منزل، وأدوات للرسم، ولم يتوقف يومًا عن مساعدته في دفع الإيجار وتقديم المال، بل إنه في آخر حياة أخيه وجهه إلى الدكتور غاشيه (غاشيت) الذي اهتم به إلى يوم انتحاره، ولوحة فنسنت للطبيب غاشيه مشهورة جدًا، وقد بيعت قبل ٣٥ سنة بمبلغٍ جاوز الـ٨٠ مليون دولار! 

لذلك لا تعجب إذا علمت أن ٩٥٪؜ من الرسائل التي تركها فان كوخ كانت موجهةً لأخيه (ثيو)، الذي لم تطل حياته بعد انتحار أخيه، ومات بعده بستة أشهر ودفن بجانبه بقرية أوفير في شمال باريس. ولا تعجب أيضًا إذا قرأتَ في إحدى رسائله قوله لأخيه: ”يجب أن تعلم أنني إذا اضطررت إلى بيعِ لوحاتي لأجلك فسأبيعها دون تردد“. كان يشعر بالامتنان الدائم تجاه (ثيو) الشقيق المشفق.

من المعلومِ أن فان غوخ نال الشهرة والمجد بعد انتحاره، ولم تُعرف قيمة أعماله إلا بعد اندثار أثره المادي من الحياة، وهذا -في الغالب- أمر طبيعي في كلِّ زمانٍ ومكان؛ إذ لا تُعرف قيمة العبقري ولا يُعطى حقه إلا بعد أن يفنى. حتى نشأ الرأي القائل: شكِّك في عبقرية وقيمة أحدهم إذا وجدته قد نال من المجد القسط الوافر في حياته، فلو كان عبقريًّا حقًّا لما التفت إليه أحد! وهنا تذكرتُ المثال القائل: ”في حياتِه كان يشتهي تمرة، فلمَّا مات زرعوا نخلةً عند قبره!“.

كان فنسنت يفكِّر بالخلود، ويؤمن بأنه بما يملك من موهبة قادر على تحقيق هذا الخلود. ”لستُ أتكهن المستقبل يا ثيو لكنني أعلم أن الحياة دائمة التغيير، لذلك يجب أن نخلق ما هو خالد لا يموت بموت الماضي والحاضر“. ومن رسالةٍ أخرى: ”سأرسم لوحات مدهشة يقول عنها الناس: «يا له من فنان مبدع ذاك الذي رسمها»“. ومع إيمانه بقدراته فإنه لا يطمع بأخذ فوق ما يستحق: ”رجل بمميزاتي قادرٌ على تحقيق النجاح خالد الذكر، ولكنني لن آخذ أكبر مما هو مقدَّر لي“.

ولم تكن تكهناته حول بعض لوحاته صحيحة، مع إقراره بإبداعه فيها، فقد قال عن إحدى لوحاته الشهيرة التي حققت نجاحًا عظيمًا: ”فلتعرف أنني أملك لوحة (سماء تتناثر فيها أضواء النجوم) ولوحة (حديقة الشاعر) ولوحة (البستان)، لكنني لن أعير هذه اللوحات اهتمامًا لأنها لن تلاقي نجاحًا كبيرًا بالرغم من براعتها وجمالها“. ولكنه في رسالةٍ أخرى أقرَّ بأنها ستعجب نوع خاص من البشر: ”أومن بوجود بعضٍ من لوحاتي التي يمكن أن تعجب الحالمين من الناس“، ثم ذكر اللوحات السابقة. 

لن تجد في رسائل فان جوخ شيء يستحق الذكر عن الحُب، وإنما هي إشارات بأنه غير محبَّب -من ناحية الشخصية- للنساء، وقد كتب مرَّةً في رسالةٍ لأخيه يقول: ”شخصيتي لا تجذب النساء“. ونقرأ في الرواية الرائعة التي كتبتها الروائية الأمريكية أليسون ريتشمان عن «أيام فان جوخ الأخيرة The Last Van Gogh» على لسان فنسنت قوله لمارغريت: ”ليس لدي جَلَد يتيح لي الجمع بين امرأة وفنِّي“. فهل من الممكن أن يكونا الحب والعبقرية من الأمورِ التي تحتاج إلى قوّةٍ دافعة تستنزف طاقة صاحبها فلا يستطيع الجمع بينهما دون الانخفاض الواضح في أحدهما؟! لا أدري.

وسيلة مقاومة المرض الوحيدة لدى فان جوخ كانت الرَّسم، لا شيء غيره. بل إن الرَّسم كان الشيء الأبرز لديه تحقيقًا للسعادة. ”أرجو ألا تنزعج من رسائلي المتكرِّرة والمبعوثة بأوقات متقاربة، فأنا أرسلها لأخبرك بكمية السعادة التي أشعر بها حين أرسم“. وقال مرة لأخيه ينصحه بالدواء الناجع: ”علاجي للراحةِ سيفيدك ألا وهو الخروج واستنشاق الهواء والرَّسم“. وقد قرأتُ في ليالٍ هانئة كتاب (بيكاسو – نساء وحياة ثائرة) ووجدتُ فيه كلمة معبِّرة وهي: ”لقد كان الفن بالنسبةِ لبيكاسو هو الترياق الذي يشفي غليله من المعاناة أو الآلام الموجودة في جذور الحياة ذاتها“.

مما ترسَّخ في ذهن فنسنت بعد حياةٍ قاسية مع العوز والاحتياج؛ أن الفنان أو صاحب الموهبة لن يستطيع العيش لفنِّه وموهبته دون القلق تجاه الرِّزق والكسب المادي، ومن يظن غير ذلك ما هو إلا واهم. لذلك لطالما تمنَّى لو كان بإمكانه العيش في مرسمه دون الانشغال بالكسب والرزق. يقول: ”إن الرغبة في العيش بسعادة دون القلق بشأن المال ومن ثم الهرب بعيدًا ليس سوى وهم غير قابل للتحقق، إذ إنني أدعو الله في بعض الأحيان لأن أعمل وأخرج بنفقات تكفي احتياجاتي الأساسية لأعيش بقية حياتي في مرسمي“

الفنان والعبقري بطبيعته يفضِّل العزلة، ولعلَّه يجد فيها من الطاقة للإبداع أكثر مما يجده في الاجتماع، ولكن لهذه العزلة ضريبة سيعاني منها لاحقًا؛ إما في علاقاته مع الآخرين أو في شخصيته، ولأجل هذا وغيره كان فان جوخ يرى بأن الفنان يخسر الكثير في عزلته.

ولابد من القول على سبيلِ الفائدة أن فان جوخ لم يبدأ الرسم إلا في عمر التاسعة والعشرين، ومعلوم أنه توفي في السابعة والثلاثين، أي أنَّ هذا الإبداع الخالد كان حصيلة تسع سنوات رسم فقط! وأيضًا لابد أن يعلم القارئ أن فان جوخ لم يدرس الرسم والفن أبدًا، بل علَّم نفسه بنفسه كما قال أنتوني لودوفيسي في مقالته التعريفية عنه وعن فنِّه.

هل لاحظتَ أنني قلت مرة: فان جوخ، وأخرى كوخ، وثالثة غوخ؟! بالطبع لم تلاحظ، المهم، في رسائله وقفتُ على قوله لأخيه: ”أرجو أن تضع اسمي في المستقبل بالطريقة التي أضعه أنا على لوحاتي (فنسنت) فقط، وليس (فنسنت كوخ)، وذلك أنه لا أحد في هذه البلاد يتمكن من لفظ اسمنا الأخير“. صدقت، في باريس وغير باريس يا فنسنت، ومع ذلك اسمك أكثر أناقةً ويسرًا من الفرعون توت عنخ آمون!

والآن، ماذا عن (الرسالة الأخيرة لفان جوخ)؟! إنها رسالة مؤثرة جدًا، منها: ”إلى أين تمضى الحياة بي؟ ما الذى يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة… اليوم رسمتُ صورتي الشخصية ففي كل صباح، عندما أنظر إلى المرآة أقول لنفسي: أيها الوجه المكرر، يا وجه فنسنت القبيح، لماذا لا تتجدَّد؟ أبصق في المرآةِ وأخرج“ وفي آخرها: ”كلما تقدَّمَ العمر بنا غدونا أكثر تعلقًا بها، لأجل ذلك أغادرها فى أوج اشتعالي، ولكن لماذا؟! إنه الإخفاق مرة أخرى. لن ينتهى البؤس أبدًا! وداعًا يا ثيو سأغادر نحو الربيع“. وهي رسالة طويلة نتفت الكثير من ريشها، المهم، تناقلتْ هذه الرسالة مصادر متعددة وأثبتتها الصُّحف على أنها آخر رسالة كتبها فان جوخ قبل انتحاره، والواقع أنها لكاتبٍ سوري ومترجم اسمه نبيل صالح، كان قد نشرها في جريدةٍ سوريةٍ سنة ١٩٩٠م وهي مثبتةٌ في كتابٍ له بعنوان (شغب). وقد قال صاحب الرسالة الحقيقي قبل ما يربو على العقد من الزمان -ردًّا على كاتبٍ نشرها دون عزوٍ إليه- كلمة أعجبتني، يقول فيها: ”هذا النص لي، كتبته قبل ١٥ عاما ونشرته في كتابي (شغب) المطبوع بدمشق سنة ٢٠٠٦م. يرجى إثبات الاسم والمصدر لما يُنشر لديكم احترامًا للحقوقِ الضائعة في هذا الوطن المضيع والسلام“.

ختامًا: من أراد الاستزادة فعليه أن يراجع (شهوة الحياة، أو حياة فان جوخ) لإرفينج ستون، ويقرأ (أيام فان جوخ الأخيرة) لإليسون ريتشمان، ويطيل التأمل في (المخلص دومًا فنسنت) وهو الجواهر من رسائل فان جوخ في ١٢٣٨ صفحة دون الفهارس، ويطّلع في كتيّب لطيف جدًا يضم بعض رسائله من منشورات مقبرة الكتب المنسية. 

والسلام.

رأيان حول “فنسنت فان جوخ.

  1. مقاله رائعة، انصحك بمشاهدة فيلم loving vincent كذلك ستحبه حتماً وستجد ما يؤثر فيك رغم كل ما تعرفه عن فان غوخ..

    إعجاب

  2. جميل هذا السرد

    ومن قال أنني لم ألاحظ كلمة جوخ وكوخ وغوخ، لماذا جزمت بعدم الملاحظة 🙂

    ولاحظت شيئا آخر؛ أنك تكتب عن شخصيات موهوبة كئيبة، وكأنك تتوارى عن الحديث عن نفسك بالكتابة عنهم

    أنت في الحقيقة تسكب نفسك من خلال الحديث عنهم

    هذا ما أشعر به.

    وعليك السلام.

    إعجاب

اترك رداً على ... إلغاء الرد