عبير الخُلد وأنفاس الملائكة!

من المقالاتِ المفضِّلة لدي، والتي أحببتُ الكاتب لأجلها؛ مقال كَتبه الأديب الكبير أحمد حسن الزيات تـ١٩٦٨م رحمه الله عن شهرِ رمضان، كتبه في عامِ الرِّسالة الأول ١٩٣٣م. تحدث فيه عن خصائصِ هذا الشهر المبارك وما يفعله في النُّفوس، وكيفَ يكون حال الرِّجال والنِّساء والأطفال في أيامهِ ولياليه، وتأكيده لأسباب المودة بين أفراد الأسرة والمجتمع، وما هي صورته في القرية! سأنقل المقال لكم -بعد ضبطهِ والتصرُّف اليسير به- لعلَّه يلامس مكامن الشعور الرُّوحاني في دواخلكم. قبل قراءة المقال أُحب أن أذكِّر بقولٍ للدكتورة الشاعرة عاتكة الخزرجي تـ١٩٩٧م أستاذة الأدب في جامعة بغداد، والتي كتبت مقالة بديعة رائعة عن أسلوب الزيات في مجلةِ الرِّسالة عام ١٩٦٤م، قالت في مطلعها: ”الأستاذ أحمد حسن الزيات أديب كبير من أُدباءِ العربِ المعاصرين، وإمام ثبت ثقة من أئمةِ البيان في لغةِ القرآن، وإنَّ الفِكر ليحار، وإن اللِّسان ليعجز إن أراد أن يُحصي بعض ما للرجل من أيادٍ غرٍّ على العربية وأهلها في ميادين الأدب والعِلم والسياسة، ومآثره في هذه الميادين جميعاً كُثر ليس إلى حصرها من سبيل.

فالرجُل في الأدبِ إمام من أئمة النثر الفني وهو ذو مذهب أيسر ما يوصف به أنه السهل الممتنع، والقريب المُحال، والمطمع المعجز، وناهيك بأسلوبٍ هذه سماته وتلك مميزاته.

وإني لأرجو ألا أكون مجانبة للحقِّ لو قلتُ لك إن الزيات أوضح من الرافعي، وأسمح من العقاد، وأوجز من طه حسين. على أنَّ أسلوب الرجل يضم محاسن هؤلاء الثلاثة جميعاً؛ أعني متانة الرافعي، وعُمق العقاد، ودماثة طه حسين، مضافاً إليها سمته هو، وسمتُ الزيات في أسلوبهِ شيء فوق الإحاطة لأنه فوق الوصف وفوق البيان!“.(١)

والآن لنسبح معاً في بحرِ بيان الزيات المُحبَّب إلى النفس.

نعم رمضان! ولابد من رمضان بعد أحد عشر شهرًا قضاها المرء في جهادِ العيش، مستكلِب النفس، مستأسِد الهوى، متنمِّر الشهوة، ليوقظ رواقد الخير في قلبه، ويرهف أحاسيس البِّر في شعوره، ويُرجِع روحه إلى منبعِها الأزلي الأقدس فتبرأ من أوزار الحياة، وتطهر من أوضارِ المادة، وتتزوَّد من قوى الجمال والحق ما يُمسكها العامَ كُله على فتنتة الدنيا ومحنة الناس.

فرمضان رياضة للنفسِ بالتجرُّد، وثقافة للروحِ بالتأمُّل، وتوثيق لما وهَى بين القلبِ والدِّين، وتقريب لما بعد بين الرأفةِ والمسكين، وتأليف لما نفرَ من الشمل الجميع، وتنديةٌ لما يبس من الرحمِ القريبة، ونفحة من نفحاتِ السماء تُفعِم دنيا المسلمين بعبير الخُلد وأنفاس الملائكة!

ورمضان ثلاثون عيدًا من أعياد القلبِ والروح، تفيض بالسرورِ أنهاره، وتغرق في النورِ لياليه، وتفتَرُّ بالأُنس مجالسه. ففي المُدن يغمر الصائمين فيض من الشعورِ الديني اللطيف، يجعلهم بين صحوةِ القلب ونشوة الجسد في حالِ استغراقٍ في الله. يتأملون أكثر مما يعملون، ويستمعون أكثر مما يتكلمون، فإذا أمسى المساء وفرغوا من الطعامِ والصلاة انتشروا في المدينة بالبهجةِ والزِّينة؛ فالرِّجال يحضرون محافل القرآن في البيوت، والنِّساء يوزعن الوداد على منازل القريبات والصديقات، والأطفال يفرحون بأناشيدهم ومصابيحهم الميادين والطُّرقات، والدور الباقية على العهدِ تتقرَّب إلى الله بالذِّكر والصدقات، والمساجِد المقفرة طول العام تعجُّ بالوعظِ والصلوات، والمآذن الحالية بالمصابيح، الشادية بالتسابيح، تُرسِل في أعماقِ الأبدِ نور الله وكلمته!

ورمضان بعد ذلك كُله رباط اجتماعي وثيق، يؤكِّد أسباب المودة بين أعضاء الأسرة بالتواصل والتعاطف، وبين أفراد الأمة بالتزاور والتآلف، وبين أهل الملة بذلك الشعور السامي الذي يغمرهم في جميعِ بقاع الأرض بأنهم يسيرون إلى غاية الوجود قافلة واحدة، ممتزجة الرُّوح، متحدة العقيدة، مُتفقة الفِكرة، متشابهة النظام، متماثلة المعيشة.

أما إذا كان في دنيا الإسلام من يستقبل رمضان بالوجهِ الكالح، والصدر الضيق، واللسان الطويل، والغيظ الحانق فهم ثلاثة: الخمّار الرومي، والشيطان الغوي، والمُسلِم المزيّف.

«فالرُّومي» صاحب القهوة أو الحان يستقبل في رمضان الكساد المُحزن، لأن القهوة في النهار يكثر فيها الجلوس ويقل الطلب، والحان في الليل تهجره الكؤوس ويُفارقه الطرب، ورمضان هو المسؤول، لأن السكير في رمضان لا يشرب، والمُقامِر في رمضان لا يلعب، وصاحب القهوة مضطر بحكم الصَّنعة أن يُقدِّم إلى الصائمين أدوات التسلية بالمجان حتى المغرب، وأن يُقدِّم إلى المفطرين أكواب الماء المثلوج طول السهرة حتى السحر.

«والشيطان» يستقبل في رمضان حصناً من الخير لا يدخله الشر ولا تفتحه الرذيلة. فإذا حاول إبليس أن يدنو منه ردّه الذِّكر بالنهار، وصدّه القرآن بالليل، فيظل كما يعتقد القرويين مصفداً بالأغلال مقيدًا بالسلاسل حتى ينطلق من إساره في آخر يوم من أيامِ رمضان.

«والمُسلِم المزيّف» يجد في رمضان فطاماً لشهواته، ولجاماً لغرائزه، وقيدًا لحريّته؛ فهو يرميه بما يرميه به الأوربيون من قلةِ الإنتاج، وكثرة الإهلاك، وشل الحركة، وقتل الصحة، فيشيح بوجهه عنه، ويتّخذ لنفسهِ رمضان آخر رقيق الدِّين، خفيف الظل، باريسي الشمائل، يبيح النظرة الآثمة، والكلمة العارية، والأكلة الدسمة، والكأس الدهاق، والسيجار الغليظ. ولا يُكلفه إلا أن يجعل عشاءهُ من بابِ المجاملة عند الغروب وبعد طلقة المدفع! وإذا كان في بيوتِ المحافظين قارئ يقرأ القرآن، وذاكرٌ يذكر الله، وساق يقدِّم المرطبات، فليكن في بيوتِ هذا الصنف من المسلمين مذياع يرجع أصوات الغناء، وحاكٍ يردد أهازيج الرقص!

وهكذا تُجِدُّ الليالي ونحن نلعب! كأنما كُتِب علينا أن نأخذ الحياة من جانبها الفضولي العابث فنتأثر بها ولا نؤثِّر فيها، وكأنما همّنا أن نعيش صعاليك على تقاليد الأمم دون أن تميِّزنا خصيصة من قومية، ولا شعيرة من عقيدة!

أما رمضان القرية فلا يزال يحل من أهلِها محل النور من العين والبهجة من القلب. تجسَّمت في خواطرهم صورته حتى جعلوه رجلاً له حياته وعمره وأجله. يذكرونه على شهرينِ من مقدمه، فيحسبون حسابه. ويهيئون أسبابه. حتى إذا دبَّ إليهم من غيوب الآباد دبيب الهرم سُلسِلت الشياطين، وأُرسِلت الأملاك، وهبطت الأرواح، ودرَّت أخلاف الخير، واغدودقت أصول النِّعَم. هنالك يملك القرية شعور تقي هادئ خاشع، فلا تعود تسمع لغواً في حديث، ولا عُنفاً في جدل، ولا بغياً في خصومه؛ فإذا أذهل أحدهم الغضب فرفع صوته ندم عجلان واستغفر ثم قال: اللهم إني صائم! ذلك لأن رمضان يُرجِع الفلّاح نقياً كقطرةِ المُزن، طاهرًا كفطرة الوليد، فلا يقتل ولا يسرق ولا يشهد الزور ولا يقول الهُجْر ولا يأتي النُّكر. وما أجمل أن ترى فاتِك الأمس ناسِك اليوم! يمشي من البيتِ إلى المسجدِ في ثوبهِ النظيف وئيد الخطر، غضيض الطرف، لا تترك السبحة يده، ولا يفتر عن التَّسبيح لسانه، فإذا قابل القروية الجميلة وعلى رأسها الجرَّة، اتّحدَ جمالها في نظره بجمال الخير في نفسِه، فأمعنَ في التسبيح واستغرق في الله؛ لأنَّ إبليس في رمضان سجين، وباب الغواية مُغلَق!

يقضون صدر النَّهار في تصريفِ أمور العيش، ثم يجلسون على المصاطب في أشعةِ الأصيل الفاترة يستمعون القَصص أو الوعظ. حتى إذا تضيَّفت الشمس (حالت للمغيب) جلسوا في الطريقِ أمام بيوتهم، فمدُّوا الموائد على الأرضِ ودعوا إليها عابري السبيل وطالبي الصَّدقة، ثم لا يلبث الإخاء المحض أن يجعل الموائد المتعددة مائدةً واحدة، يُصيب منها من يشاء ما يشاء.

أما ليلهم فاستماع للقرآن، واستقبال للإخوان، ومسامرة مشتركة ساذجة تجمع أفناناً شتَّى من شهى الحديث. وكلما انقضى نهار من رمضان تَغَضَّن سرار من وجوه القوم، حتى إذا لم يبقَ إلا رُبعه الأخير، تمثّلوه محتضراً يكابد غصص الموت فندبوه في البيوتِ والمساجد، ورثوه على السُّطوح والمآذن، وبكوه يوم «الجمعة اليتيمة» أحرَّ بُكاء.

فإذا كان المغرب الأخير ولم يبقَ من رمضان إلا بقية روح، خامرهم الخوف من انطلاق الشياطين السجينة. فيجلس الصبيان على أبواب الغُرَف يُكرِّرون البسملة ويضربون حديدًا بحديد، ليحفظوا البيت من دخول شيطانٍ مريد!

ذلك رمضان كما تُدرِكه الفِطر السليمة والقلوب المؤمنة.(٢)

(١) مجلة الرِّسالة/ العدد ١٠٥٨/ ٢٣ أبريل ١٩٦٤م.

(٢) وحي الرِّسالة (فصول في الأدب والنقد والسياسة والاجتماع) ج١ ص٧٢-٧٦ ط نهضة مصر. مجلة الرِّسالة/ العدد٢٥/ ٢٥ ديسمبر ١٩٣٣م.

• تنبيه: أجرى الزيات بعض التعديلات وأضاف بعض الزيادات على مقال «رمضان» الذي نشره عام ١٩٣٣م، والشكل الأخير للمقال موجود في «وحي الرِّسالة»، وهو ما أثبتُّهُ بعد التصرُّف اليسير.

شرابُ العظماء!

لا أشك أنَّ كل من قرأ عنوان المقال قال في نفسِه -حتى قبل التنبُّه للصورة-: الشاهي (الشاي) ورب الكعبة! والحقيقة أن واقعية هذا الشك لا تهمني كثيرًا ما دامت الحَوْباء قد اطمأنت له. قبل الشروع في الموضوع لابد من الاعتراف والتوثيق لكل مَن يهمُّه الأمر -والذي لا يهمه أيضًا-: كُتب هذا المقال تحت تأثير الشاهي وسطوة النعناع.

الشاي شراب لا يشك عاقل سلِم ذوقه من الفساد في لذاذته، وسمو قدره، وعظيم منزلته. له مكانة في قلوبِ الفقراء والأغنياء على السواء، فهو لم يتضخَّم مع تضخُّم عالمنا المادي كما فعلت تلك السوداء ربيبة الرأسمالية التي لا يتبجَّح -وحبذا شدّ الجيم جيدًا حتى تنتفخ المفردة المعبِّرة عن واقع الحال- بشربها إلا كل مدعٍ للمعرفةِ، أو متفاخر بالظواهر، أو مهووس بآراء الآخرين. هلّا تأمل مُنصف وأخبرنا: ما هو المشروب الأكثر استعراضاً اليوم؟ نعم؛ إنها هي وليس سواها. الشاهي شراب البُسطاء الذين صفا مزاجهم ولم تلوِّثه المدَنية؛ يختارونه بمزاج، ويصنعونه بمزاج، ويشربونه بمزاج. يفعلون كل هذا تلبية لذائقةٍ شخصية، ولذة نفسية، لم تدفعهم موضة المقاهي وفتنة التباهي.

هنا جذاذات من قراءات متعددة، ونوادر من مصادر متفرِّقة، عن هذا المشروب العظيم؛ تاريخه، ومكان ظهوره الأول، وحول فوائده، وطريقة شُربه، وما قيل في حقِّه والثناء عليه. جُمِعت مادة المقال في ليالٍ كان الشاهي فيها أُنسي وأنيسي الوحيد وطارفي والتليد. وإنَّ له لتأثير لو علِم به الجهلاء بقدره لالتهموا نباته التهاما قبل طبخه! ولا غرو أن وُصِف الشاي بـ«الغادة الحَسناء»، فإنه يفعل ما تفعله من خَلقِ الطُّمأنينة، وبث النشاط، وتنقية المزاج، وهناءة البال، ونحر كل هم وضيق على مذبح السعادة.

جاء في كتاب «أدبيات الشاي والقهوة والدخان» لمحمد طاهر الكردي: ”أول ما عُرف الشاي في بلاد الصين، ثم انتقل منها إلى اليابان، ثم انتقل إلى الهند ثم إلى البلادِ الأوروبية -وقرأتُ أن أول من أدخله إلى أوروبا هم الهولنديون- ثم انتشر استعماله في جميع الممالك والأقطار، ويقال أنَّ الأمة الإنجليزية أكثر الأمم الأوروبية شرباً للشاي وكان لا يشربه إلا الخاصة، بل إن ملك إنجلترا الملك جورج الخامس كان يعمل الشاي لنفسه بيده“. ويذكر الكردي في كتابهِ أنَّ أكثر وأشهر الأمم عناية بشرب الشاي ونظافة آلاته وأدواته هم أهل إيران والأتراك وأهل الحجاز وأهل العراق وأهل المغرب ويُسمَّى الشاي عندهم بالأتاي، وغالب شربهم الشاي الأخضر مع النعناع، ويسمى عند أهل الحجاز بالشاهي وهم مولعون به ويكثرون من شربه على الدوام.

وفي مستهلِّ كتاب «الشاي الأخضر» للحسيني، يقول: ”نحن لا نعرف على وجه التحديد متى بدأ الناس يعرفون نبات الشاي ويستخدمونه كشراب. فذلك يرتبط في الحقيقةِ بحكايات واعتقادات تميل للمبالغات والوهم ولا تستند إلى معلوماتٍ مؤكدة.

لكننا نعرف بكل تأكيد أنَّ نبات الشاي عُرف لأول مرة في جنوب شرق آسيا وخاصة في الصين. ولا تزال هذه المنطقة من العالمِ حتى الآن أغنى منطقة بنبات الشاي، وأكثرها اهتماماً بزراعته، وأكثرها اعتيادًا على شربه.

أما أبرز شخصية ارتبط اسمها بنبات الشاي فهو الصيني لو يو Lu Yu والذي لُقِّب برائد زراعة الشاي أو ملك الشاي. حيث يُعتبر أول من ذكر الشاي في كتاب، وهو كتاب Ch’a Ching وهذا الاسم الصيني يعني: كتاب الشاي، ويرجع تاريخ هذا الكتاب إلى ٧٨٠ قبل الميلاد.

ويتناول هذا الكتاب الذي جاء في ثلاثة أجزاء، كل شيء عن زراعةِ الشاي، وإعداده، وشربه. ولذا فإنَّ لو يو يحتل مكانة بارزة ورفيعة في التاريخِ الصيني حتى الآن“.

وننقل عن الباحثين السبتي والخصاصي في كتابهما «من الشاي إلى الأتاي – العادة والتاريخ» أنَّ الشاي الصيني وصل إلى أوروبا في القرنِ السابع عشر، أما وصوله إلى المغربِ العربي فكان في مطلعِ القرن الثامن عشر في عهد السلطان المولى إسماعيل حيث استُعمل أول الأمر كدواء.

ولأنني مولَع بالاستطراد أقول: وإسماعيل هذا يُعتبر من أعظمِ ذوي الآثار ليس فقط بين ملوك المغرب بل بين ملوك الإسلام، بل -كما قال شكيب أرسلان- بين ملوك العالَم بأسرهِ. وهو جد العائلة الشريفة المالكة إلى اليوم في المغرب، فهو الجد العاشر لمحمد السادس. كان ملكه بعد الثمانين وألف للهجرة، وهو الذي قلع الإسبانيول والبرتغال من سواحل المغرب، وقلع الإنكليز من طنجة، وحكم ٦٤ سنة! وهو الذي ألَّفَ الجيش الدائم المُسمَّى بالبخاري، وكان مركبا من مئة ألف من العبيد السود. لطول حكمه وحياته كان جهلة الأعراب يَعتقدون أنه لا يموت، وكان الذين يَستبطئون موته يلقبونه بالحي الدائم! قال صاحب «الاستقصا» : لم يبق لأهل الدعارة والفساد محل يأوون إليه، ويعتصمون به، ولم تقلّهم أرض، ولا أظلَّتهم سماء سائر أيامه. وكان مُغرَمًا بالبناء، متذكراً قول القائل:

‏همُ الملوك إذا أرادوا ذِكرها

‏من بعدهم فبألسُن البُنيانِ

‏إنَّ البناء إذا تعاظم شأنهُ

‏أضحى يدل على عظيم الشانِ

فرض على المدن عدداً معلوماً من البنائين، والنجارين، والحدادين، إلى غير ذلك. وكانت حاضرة ملكه لا تخلو من ٢٠ ألف أسير من الإفرنج. وكانت الجنان تحيط بقصوره، وبنى مسجداً عظيماً هو الجامع الأخضر. أما إصطبله فلا أظن أنه وجد مثله بالعالم في طوله وعرضه، يربط فيه ١٢ ألف فرس! وهذه المعلومات عن السلطان مولاي إسماعيل أخذتها عن شكيب أرسلان في كتابه «الارتسامات».

نعتذر لطول الاستطراد، ونعود إلى حديثنا عن الشاي وفوائده، نقرأ في مقدمة كتاب «أكواب الشاي – صورة من الأدب الحضرمي» للشيخ عمر باكثير قوله: ”مؤلف هذا الكتاب من المولعين بشرب الشاي وطباخته، فهو يصطبح به باكرًا ويغتبق به مساءً، ويقول مبالغاً: إذا وُجِدَ الشاي في البيت فهو يكفيني عن المواد الغذائية الأخرى. ويقول فيه أيضاً: إن الشاي ينشِّط الجسم ويقيه من الأمراض والحميات ويقوي الذاكرة ويهضم الطعام“.

وقال القاسمي تـ١٩١٤م في رسالته الشهيرة «رسالة في الشاي والقهوة والدخان ١٣٢٢هـ/١٩٠٤م» بعد أن ذكر اسم الشاي ومادته وانتشاره وصفته وأصنافه وكيفية طبخه: ”اعتبروه مهضّماً للغاية، مقوياً للمعدة، منبهاً يسبب ثوراناً خفيفاً في التصورات بتأثيره على المخِّ ويزيد في القوة الجنونية، ويسبب راحة واطمئنانا“. وذكر أيضاً أن الصينيين يرون أن من خواصه أنه يقوي المعدة والقلب ويزيل أوجاع الرأس. قال بعد ذلك: ”وقرأتُ في بعض المجلات العصرية أن الشاي يطهِّر الدم من مواد مضرّة ويعين على الهضم“.

وللضرورة ومن لوازم الأمانة القول: لا ينبغي أخذ هذه المعلومات كحقائق علمية، لأنني لستُ من أهل العلمِ، ولا أعلم مدى صحتها، وإنما أنقل بقلمٍ يتتبع شوارد اللطائف. وجب التنبيه.

ولأنَّ الشاي أصبح مشروباً رسمياً في المغرب، ولكي تدرك قيمته عندهم اقرأ هذا النص العجيب الوارد في كتاب «من الشاي إلى الأتاي» صـ١٠١ : ”فهذا الشراب اليوم جرى به العمل في عُرف القوم حتى صار يُقدم قرًى للضيف، وربما إن قُدِّم له طعاماً بدونه يعتقد أنه استُهزئ به. ولو قام الإنسان بواجب الضيافة، وأطعم جلساءه كل لون من ألوان الطعام وأنواع الحلاوة، ولم يأتهم بشراب الأتاي، لقالوا قصَّر في جانبنا وأزرى بحقنا، وشتموه ومزّقوا عرضه في المجالس، وصار عندهم أُحدوثة“.

ومن اللطائف ومما يدل على أن الشاي مشروب أهل التقى والصلاح والهداية -والخلاف في هذا يُفسد للود قضية- ما قرأتهُ في كتاب الأعلام للزركلي في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن السقاف العلوي تـ١٣٥٧ھ بأنَّ له مؤلَّف بعنوان «حسن الطائف بتقوى شاربي الشاي بالطائف» (مخطوط).

وعن أثرهِ الاجتماعي وأنه أُنس أهل العِفة والمودة وزين مسامراتهم، نقرأ في آخر مقال للزيات عنه في مجلة الرِّسالة ١٩٣٣م: ”وللشاي في الأُمم المدنية الحديثة أثر اجتماعي كبير، فقد اتخذت منه تلك الأمم وجبة خفيفة، وجبة خفيفة على المعدة وعلى الجيب على السواء، يجتمع عليها أهل الأعمال يتحدثون برهات قصيرة، وأهل المودة يتسامرون ساعات قليلة، ويلتقي عليها الأحباب في برء وعفّة، يتجاذبون أطراف الأحاديث الحلوة، ببطونٍ بالطعام خفيفة، وقلوب بالحبِّ مفعمة ثقيلة“.

وبين الشاي وأهله علاقة عميقة تُدرك بالشعور والوجدان ولا تُفسَّر بالعقل والبرهان، لذلك لا تعجب إذا علمت أن مفكرًا يدعى شو وينفو، كان يعد الشاي ويشربه ست مرات في اليوم، وفي ساعات محددة من الصباح حتى المساء، وكان يحب «غلايته» حبّاً عميقاً، حتى أنه أوصى بدفنها معه عند موته!

ولا بأس الآن أن أعرِّج على ما جاء في كتاب «كيف يحيا الإنسان» للين يوتانج الذي يرى أن الشاي وُجِد ليشربه الناس في هدوء، فيقول: ”وهناك شيء في طبيعة الشاي، يدفعنا إلى عالمٍ من التأمل الهادئ في الحياة. وقد يكون من المفجع أن يتناول الإنسان الشاي وقد أحاط نفسه بالأطفال يبكون ويصرخون حوله، أو بنسوةٍ يتحدثن بأصوات عالية، أو برجال يناقشون القضايا السياسية“. ويرى بأنه يجب أن يكون الجمع الذي يتناول الشاي قليل العدد. وكما قال أحد الكتاب: ”إذا كثر الضيوف، وتحوّل الحفل إلى ضجة صاخبة، يُنزع من جلسة الشاي كل ما فيها من سحر. و[يجب] أن يكون شرب الشاي على انفراد.. أما مع رفيقين فهو أمر مريح، ومع ثلاثة أو أربعة من الرفاق فهو أمر رائع، ومع خمسة أو ستة شيء عادي، أما إذا زاد العدد عن ذلك أصبح الأمر سيئا“.

وهنا أذكر من الأخبار والأحداث العجيبة ما قرأته عن الحملة التي قام بها سير توماس «راسل باشا»، وهو ضابط إنجليزي خدم في الشرطة المصرية في أوائل القرن العشرين. شنَّ هذا الرجل حملة شعواء على الشاي الأسود المنتشر بين الفلاحين في مصر، فيقول كاتب مقال مجهول في المجلة الجديدة: ”وحملته على الشاي الأسود بين الفلاحين لا تقل عن حملته على المخدرات. فإن الشاي يُشرب بكثرة في البحيرة والفيوم ومعظم مديريات الصعيد، ويُغلى مرات ويضاف إليه كثير من السكر! فتتسرب سمومه إلى الجسم فتضعف الشهوة الجنسية وتنتهي بإحداث العُقم بين الرجال والنساء!“.

وهذا ذكرني بما قرأته في كتاب «وحي بغداد» للدكاترة زكي مبارك، بعد أن تحدَّث عن البغداديين وأنهم يتحفظون في شرب الخمر، ولكنهم يُسرفون في شرب الشاي إلى حد الإدمان، قال: ”ويتفق في أحوال كثيرة أن ينقطع الرجل عن الحديث، فإذا سألت عرفت أنه لم يشرب الشاي منذ ساعتين، وأنه من أجل ذلك «خرمان»“. والشاهد قوله بعد هذا الكلام: ‏”فهم من هذه الناحية يُشبهون الفلاحين في الجيزة الفيحاء، فمِن أهل الجيزة من لا يُدرك ولا يعقل إلا إذا أسعفته بكأسٍ من الشاي الأسود البغيض“.

أما الآن فأود الانتقال إلى مقالٍ ظريف للكاتب العالمي إريك بلير، أعني جورج أورويل، كتبه بدورية «ايفننج ستاندارد» بعنوان «كوب لطيف من الشاي» ذكر فيه إحدى عشرة قاعدة لاختيار الشاي المناسب، وطريقة صنعه، وكيفية شربه. وقد يتعجَّب القارئ بعد قراءة المقال من آراء أورويل، ولكنه ذوقه ومزاجه! مما جاء في المقال بعد أن أكَّد أورويل أنَّ ”الشاي هو أحد الركائز الأساسية للحضارة في هذا البلد“ :

• ”رأيي دائمًا هو أن كوبًا من الشاي المضبوط الثقيل أفضل من عشرين كوباً خفيفًا.. كل عشاق الشاي العارفين لا يتناولونه إلا ثقيلاً، وفي الحقيقةِ أحب شايي أثقل قليلًا كل عام، فكلما زاد عمرك وزادت حكمتك صرت أكثر قدرة على الاستمتاع بالشاي الأثقل“.

• ”لا يجب إضافة السكر للشاي أبدًا.. خبرني بالله عليك، كيف يمكن أن تعتبر نفسك شريبًا حقيقيًا للشاي وأنت تفسد مذاقه بإضافة السكر؟ لماذا لا تضيف الملح أو الفلفل أيضًا فلا يوجد فارق كبير!“. ويتعصَّب أورويل لرأيه قائلاً: ”الشاي يجب أن يكون مرًا، طبيعة الشاي أن يكون مرًا.. إذا قمت بتحلية الشاي، فهو لا يصبح شايًا فأنت يمكنك أن تحصل على نفس المذاق بتناول ماء مغلي محلى بالسكر! .. قد يجيب بعض الناس بأنهم لا يحبون الشاي في حد ذاته، وأنهم يشربونه فقط من أجل الدفء والنشاط، ويحتاجون إلى السكر لإبعاد الطعم. أود أن أقول لهؤلاء المضللين: جربوا شرب الشاي بدون سكر، على سبيل المثال، لمدة أسبوعين، وأعدكم أنكم لن تفسدوا الشاي عن طريق تحليته مرة أخرى“.

وبعد هذه الجولة الطويلة يحلو لي بعد ارتشاف «بيالتي» المنعنعة، أن آخذ بيد القارئ الكريم إلى بستان الأدب لنقطف معاً ما راق وظرُف مما قيل في هذا المشروب الفريد.

ومن جميل وقفتُ عليه ما قالهُ الأديب البيروتي:

أدِم شُرب الأتاي فإنَّ فيها

منافع ليس توجد في سِواها

مآثر تمنح السُّفهاء حلماً

وأرباب الحُلوم عُلاً وجاها

إِذا جليت مَشاربها تَجلّت

على جُلساء حضرتها سَناها

فلا لَغواً ولا تأثيم فيها

ولا ما يَسلب العُقلا نهاها

ولا ما يلحق الإِنسان جهلاً

براتعةِ البهائم في فَلاها

ينال بها السليم نشاط جسمٍ

كما نالَت بها المرضى شِفاها

ويعبق طيبها فينمّ مِسكاً

فينعش روح شاربها شَذاها

وقال الشيخ عبد الجليل المدني في حقِّه:

إذا مجلسٌ للأُنسِ تمَّ نظامه

وما دار فيه كأس شاي مُعنبرُ

لعمري وإن حازَ المسرات ناقصٌ

وما هو في عد المجالسِ يُذكرُ

أما محمد العاقب الشنقيطي فيقول:

أتايٌ هو الشُرب الحلال ارتشافهُ

وحاشاه من أن يُستذمَّ ويُمنعا

مناقبهُ تنبيك فاستفتِ شَربه

ولا سيَّما ما كان منه مُنَعْنعا

(الشرب بالفتح: جمع شارب كصحب وصاحب).

وللشاعر علي أحمد باكثير في روايته «همام»:

لا تَعجبنَّ هُمام تلك حقيقة

كالشمسِ فيها الشاربون سواءُ

ما قيمة الدُّنيا وقيمة أهلها

ما لم يكُن شايٌ ولا ندماءُ!

ومن شعرِ د. يحيى شامي:

أدرها خمرة ليست بخمرِ

وليست بالحِجا والعقل تزري

أدرها من سلافِ الشاي صرفاً

فإنَّ الشاي صهبائي وخمري

إلى أن يقول في قصيدته العذبة:

ترانا والكؤوس مشعشعاتٌ

وطيف الحُب يرعانا ويغري

نعلّ شرابهن بلا حسابٍ

أليس البذل غاية كل حُرِّ

فمثنى أو ثلاثاً أو رباعاً

وأحياناً إلى تسعٍ وعشرِ!

حتى يقول:

وحسبي من رحيقِ الشاي وصلٌ

بكلِّ جوارحي ودماي يسري

إذا ليل الهموم بدا طويلاً

وطالعني بوجهٍ مكفهرّي

فليس سوى احتساء الشاي شيءٌ

يزيل الهم عني أو يسرّي

وليس كمثلِ سلسلها شرابٌ

ولا كمتاعها زاد لفكري

إلى آخر ما قال في أبياته الرقيقة.

ولعلّي لا أكثر وأُمل وأختم بقصيدة أحمد صافي النجفي في وصفِ الشاي في كتابه الأمواج، وهي طويلة مشهورة، فأنتخب منها:

لئن كان غيري بالمُدامةِ مولعاً

فقد ولعت نفسي بشايٍ مُعنبَّرِ

إذا صُبَّ في كأسِ الزُّجاج حسبتهُ

مذاب عقيقٍ صُبَّ في كأسِ جوهرِ

بهِ أحتسي شهدًا وراحاً وسُكَّرًا

وأنشق منه عبق مسكٍ معنبرِ

يغيب شعور المرء في أكؤس الطلا

ويصحو بكأسِ الشاي عقل المُفكرِ

يعيد سرور المرء من غيرِ نشوةٍ

فأحبب بهِ من منعشٍ غير مُسكرِ

خلا من صداعٍ أو نزيفٍ كأنهُ

سلافة أهل الخُلد أو ماء كوثرِ

إلى أن يقول:

فللهِ أرض الصين إذ أنبتت لنا

ألذ نباتٍ بالمسرَّة مثمرِ

لو ان ابن هاني فاز منه بجرعةٍ

لراح بأقداح ابنة الكرْم يزدري

ولو ذاقه الأعشى وحُكِّم في الطلا

وفيه، لقال الفضل للمتأخّرِ

فللفمِ أحلى مشربٍ من مذاقهِ

وللعين من مرآه أجمل منظرِ

عجبتُ له يكوي اللسان حرارةً

ويطفىء نيران الجوى المتسعّرِ

أخبرنا لين يوتانج عن توماس دي كوينسي (وهو مؤلف إنجليزي تـ١٨٥٩ أدمن منذ شبابه تعاطي الأفيون، وشغل عدة مناصب صحفية، ومن أشهر كتبه «اعترافات إنجليزي يتعاطى الأفيون» و«القتل من الفنون الجميلة!»)، أقول أخبرنا عنه قوله: ”الشاي سيبقى شراب المثقفين“، ولا يعنيني من هذا القول غير الدلالة الخفية لقيمة هذا المشروب عند أهل الفِكر المؤثرين في مجتمعاتهم، فالمثقف الإنجليزي حرَكيٌّ ضرورةً، ولا يشاكه المثقف العربي الذي إذا ألِف الدسوت والمناصب جمد وخمد وتنازل عن واجبه الأصيل تجاه نفسه وبلاده، فأنا لا أفهم لفظة المُثقف إذا لم تكن في سياق المُغيِّر أو المؤثر حامل رسالة التغيير.

وأقول قبل الختام لقد ربطَ الصينيون بين الشاي والنسك الرفيع، وهو على هذا الأساس يكون رمزًا للطهر الأرضي!

وأُغلق باب هذا المقال بقول عمر باكثير في كتابه «أكواب الشاي»: ”كان الشاي شيئاً نادرًا لا يشربه إلا العظماء“.

مصادر المقال:

[كتاب الارتسامات لشكيب أرسلان]

[كتاب كيف يحيا الإنسان للين يوتانج]

[كتاب رسالة في الشاي والقهوة والدخان للقاسمي]

[كتاب من الشاي إلى الأتاي للسبتي والخصاصي]

[كتاب الشاي الأخضر لأيمن الحسيني]

[كتاب أدبيات الشاي والقهوة والدخان للكردي]

[كتاب أكواب الشاي عمر باكثير]

[كتاب وحي بغداد لزكي مبارك]

[المجلة الجديدة/العدد٦/ ١يونيو ١٩٣٨م]

[مجلة الرِّسالة العدد ٦/١أبريل١٩٣٣]

[مجلة لغة العرب/ العدد٧/ ١يوليو ١٩٢٨]

[مجلةِ العرفان/ مايو ١٩٨٧]

[https://orwell.ru/library/articles/tea/english/e_tea]

العقاد في حلبةِ زكي مبارك!

وقفتُ على مقالٍ للدكاترة زكي مبارك يعرِض وينقد فيه كتاب «المطالعات» للعقاد، وجاء هذا المقال ضمن مشروع أقرَّته وزارة المعارف، فقد ذكر زكي مبارك في مجلة الرِّسالة/ العدد ٣٨٣/ ٤ نوفمبر ١٩٤٠م أنَّ الهدف المنشود من المسابقةِ جذب الطلبة إلى مسايرةِ الأدب الحديث، وغرس الشوق فيهم إلى تعقّب الآراء الأدبية والمذاهب الاجتماعية. يقول: ”دعتني الرغبة في معاونة طلبة السنة التوجيهية على الاستفادة من مسابقةِ الجامعة المصرية إلى درسِ تلك المؤلفات على صفحات الرِّسالة درساً تحليلياً يستطيعون به الوصول إلى ما تشتمل عليه من مقاصد وأغراض، بحيث يصبح الانتفاع من المسابقةِ ميسوراً لكل طالب يُقبل على درسِ تلك المؤلفات بعناية واهتمام، وقد وضح أمامه منهج الفهم والاستقصاء. وسنبدأ في الأسبوع المقبل بتحليل كتاب «فيض الخاطر» للأستاذ أحمد أمين، والله بالتوفيق كفيل“. تناول زكي مبارك -عرضاً ونقدًا- عدة مؤلفات مهمة، وقد اشتمل تناوله لها على عظيمِ الفائدة والمتعة معاً، ومن أظرفها ما كتبه عن مطالعات العقاد وفيض أحمد أمين. والزبدة بعد هذا التمطيط والتطويل المتعمَّد رغبةً ومزاجا، أحببتُ أن أنقل لكم شيء مما كتبه زكي مبارك فيما يخص العقاد ومطالعاته، راجياً لكم المتعة المرغوبة والفائدة المطلوبة، والله عليم بالنوايا، وإليه تُحث المطايا.

وهنا أود أن أبدأ بلطيفةٍ غير خافيةٍ على القارئ الكريم، ولكن النفس تدفعني للبدء بها. زكي مبارك اسمه في شهادة الميلاد: محمد عبدالسلام مبارك، ولكن والده أطلق عليه «زكي» لما تكشف له ذكاؤه، فعُرف به : )

قبل أن يشرع زكي مبارك عرضه ونقده للكتاب وذكر شخصية مؤلفه قدَّم قائلاً: ”موضوع الدرس هذه المرة هو كتاب «مطالعات في الأدب (الكُتب) والحياة» للأستاذ عباس محمود العقاد عضو المجمع اللغوي، وهو كتاب يقع في أربع وعشرين وثلثمائة صفحة بالقطع المتوسط، وقد نشرته المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة، وثمنه خمسة عشر قرشاً. والنسخة التي أنقدها هي الطبعة الثانية، ولهذه الإشارة معنًى، فهي تشهد بأن هذا الكتاب نال بعض ما يستحق من النباهة والذيوع“.

ثم يعرِّج الدكاترة على شخصية المؤلف قائلاً:

العقاد أديبٌ منوَّع المواهب: فهو كاتب وشاعر وناقد وخطيب! على تفاوت في هذه الأوصاف لا يوجبه التقصير أو نقص الأدوات، وإنما يوجبه التفات هذا الأديب إلى بعضِ الفنون أكثر من التفاته إلى البعض، فهو كاتباً أقوى منه شاعرًا؛ لأن ذهنه ارتاض على التعبير بالترسل، أكثر مما ارتاض على التعبير بالقريض. ودرس اليوم لا يتصل بمواهبه الشعرية والخطابية، وإنما يتصل بمواهبه النثرية والنقدية، فمن هو العقاد بين الكتاب والنقاد؟

للعقاد في الكتابةِ والنقد شخصيتان مختلفتان كل الاختلاف: فالعقاد الكاتب السياسي يَرمي ويُرمى، ويَظلِم ويُظلَم، في كل وقت، فهو من أبناء السماء عند قوم، ومن أبناء الأرض عند آخرين. أما العقاد الكاتب الأدبي فهو من الطبقةِ الأولى بشهادة الجميع.

والعقاد الناقد لا ينحرِف عن القصد إلا في حالٍ واحد، حال الحكم على مَن يعاديه من المعاصرين، أما حكمه على المفكرين الذي بَعُدَ عهدهم في التاريخ فهو في غايةِ العدل والسداد، وقد يصل به الرِّفق إلى المبالغة في إظهار المحاسن وإخفاء العيوب.

وانحراف العقاد في كتاباته السياسية والنقدية يشهد بأنه سليم الشخصية، وللسلامة هُنا مدلولٌ خاص، هو اكتمال الحيوية والإحساس، فالعقاد يصادق بعنف، ويعادي بعنف، فأصدقاؤه ملائكة ولو كانوا شياطين، وأعداؤه أبالسة ولو كانوا ملائكة مقربين. وهو مستعد لخوصِ النار مع أصدقائه إن أوجب الوفاء أن يشاطرهم عذاب الحريق، أما أعداؤه فهو لهم بلاءٌ وعناء، وهو يلقاهم في السِّرِّ والعلانية بأقبحِ ما يكرهون.

وقد شاع وذاع أن العقاد رجلٌ حقود، وهو كذلك : ) فالحقد من كبريات الفضائل (!) في بعضِ الأحايين، وقد نُجزى عليه خير الجزاء يوم الحساب، فالله أحكم وأعدل من أن يعاقبنا على تأديب من يحاولون الغض من أقدارنا الأدبية وهم جهلاء!

ما نظرت في شراسةِ العقاد مع خصومه إلا قلت: هذا رجل والرِّجال قليل. وما نظرتُ في سماحة العقاد مع أصدقائه إلا راعني ما في طبعه من بشاشةٍ وأريحية، فهو لهم عماد في جميعِ الظروف، وهم من أخوّته الوفيّة في أُنسٍ أنيس.

والواقع أنَّ الرجولة لها تكاليف، وهي تجشّمنا مصاعب لا تخطر لأحدٍ من الضعفاء في بال، فالرجل الحق هو الذي يقدر على الضر كما يقدر على النفع، أما المخلوقات «الرقيقة» التي تُحاكِمنا إلى شريعةِ «الأخلاق» في كل ما نكتب وفي كل ما نقول فهي شخوصٌ بوائد خلَّفها التاريخ، كما يخلِّف النهر العارِم أوشاب العشب المعطوب.

الرجولة الحَق تفرض الشجاعة الحَق، ولا تتم الشجاعة لرجلٍ إلا إذا جاز أن تصل به أحياناً إلى حدِّ التهور والجنون، لأن ضبط النفس لا يتيسر في كلِّ وقت، كما يتيسر لبعض من يفهمون أن الرجل «الصالح» للانتفاع بالمجتمع هو المخلوق «المصقول».

وما قيمة القلم إن لم نخِز بسنانه عيون المتعالمين والمتعاقلين من حينٍ إلى حين؟ وما حظ الأمة في أن يتخلَّق جميع أبنائها باللُّطفِ والظُّرف(١)؟ أعاذنا الله من زيغ البصائر في هذا الزمنِ المخبول!

[هامش للدكاترة: (١) الظُّرف: الجمهور في مصر ينطق الظرف بضمِّ الظاء، وهذا النطق صحيح إذا راعينا الاتباع، لأن كلمة الظرف تقرن كثيرًا إلى كلمةِ اللطف].

وبعد هذا التحليل الفريد لشخصية العقاد الذي لا أظنك ستقف على مشاكهٍ له، يكمل زكي مبارك:

العقاد في هذا الكتاب ناقد وكاتب، وقد خلص من الشوائبِ التي تعرِض له في بعض كتاباته النقدية أو السياسية، خلص خلوصاً مبينا، فهو لا يلتفت إلى ما يُحيط به من أحقادِ الساسة أو ضغائن الأدباء، وإنما يخاطب العقل وجهاً إلى وجه، ويسمو بنفسهِ إلى طلبِ المنزلة بين أهل الخلود.

والعقاد من هذه الناحية أقدر من طه حسين على ضبط النفس. نجد العقاد يقول في هامشِ بعض الفصول ”من مقالٍ نُشر في البلاغ“ فما المراد من عبارة ”من مقال“ ؟!

كان المقال في الأصلِ يحوي فكرة باقية أضيف إليها التحامل على أحدِ المعاصرين، وهو حين يجعل مثل هذا المقال فصلاً من كتاب يحذف الجزء المشوب بالتحامل ويكتفي بالجزء الذي يصور فكرة باقية، ومن أمثلةِ ذلك ما صنع العقاد في كتاب «الفصول». ففي ذلك الكتاب فصل عن «المتأنقين»، وهذا الفصل أنشأه العقاد للسخرية من سعادة الأستاذ «أحمد لطفي السيد باشا»، ثم رأى أن يحذف تلك السخرية من جانبها الخاص، وأن يكتفي بجانبها الأصيل، وهو احتقار التأنق في تناول عظائم الشؤون.

أما الدكتور طه حسين بك فقد أساء إلى نفسهِ وإلى تاريخه حين عجز عن تهذيب مقاله عن «عنترة بن شداد» في الجزء الأول من الطبعة الثانية لكتاب «حديث الأربعاء». ففي ذلك المقال تعريضٌ قبيح بمعالي الأستاذ حلمي عيسى باشا، وسيسأل الناس في المستقبل عن الموجب لذلك التعريض القبيح، لأنه لا يصدر عن رجلٍ يتسامى إلى الأستاذية في الأدبِ والأخلاق.

وما أعيبه على الدكتور طه أعيبه على نفسي، فقد أثبتُّ في الطبعة الثانية من كتاب «البدائع» فصلاً دميماً عن «طه حسين بين البغي والعقوق»، وهو فصل عانيت من شؤمه ضروباً من العقابيل، وعرَّضني لمكاره ومتاعب لم أدفع شرّها إلا بنضالٍ عنيف.

ومن أعجب العجب أن يكون عباس العقاد أقدر على ضبط النفس من زكي مبارك وطه حسين!

يمتاز كتاب المطالعات بالشجاعةِ الأدبية، فما المراد من ذلك؟ أيكون المراد أنَّ العقاد يبطش ذات اليمين وذات الشمال بلا تدبُّر للعواقب؟ أيكون المراد أنَّ العقاد لا يبالي ما عليه الناس من عقائدٍ وتقاليد؟ لا هذا ولا ذاك، فالعقاد في هذا الكتاب يساير الناس ويساير العُرف إلى أبعدِ الحدود، وإنما المراد أنَّ العقاد يثور على العوام بقوةٍ وعنف، والعوام في هذا المقام ليسوا هم الطبقة العديمة العلم والمعرفة من التجار والزُّراع والصناع، وإنما هم طبقة المثقفين من أبناءِ الجيل الجديد، والعقاد لم يُضف هذه الطبقة إلى العوام بصريح المقال، وإنما أضافهم إليها بلسان الحال.

بعد ذلك علَّق الدكاترة على ما ذكره العقاد -مؤيدًا ومضيفاً- في كتابه عن المرأة، والذي قاله العقاد في كتابهِ عنهن لن يرضيهن إطلاقا، وفيه تطرُّف ظاهر وإن كان لا يخلو من وجاهةٍ في بعض جوانبه، والعقاد يرى أننا -كما في ص١٠٥-: ”في عصرٍ يميل إلى محاباة المرأة فيما يكتب عنها من آراء فلسفية كانت أو اجتماعية، لأن آداب الأندية توشك أن تبغي على آداب الكتابة ومباحث الفكر. فيحبس الكاتب قلمه عن كل ما يغضب المرأة ولا يوافق دعواها، كما يحبس لسانه عن ذلك في أندية الأُنس ومجالس السمر، ويكتب حين يبحث في مسائل الاجتماع بقلمِ السمير الظريف لا بقلمِ الناقد الأمين“.

ويمضي زكي مبارك في مقاله عارضاً بعض آراء العقاد عن المتنبي في بحثهِ عنه، وقد كان للمتنبي في كتاب «المطالعات» نصيب الأسد، وهذا مما اعتاد عليه المتنبي فلا عَجب في ذلك. بحثُ العقاد عن أبي محسَّد جاء في ثمان مقالات غنية (أكثر من ٦٠ صفحة)، تناول فيها نبوءته، وشهرته، وولعه في التصغير، وفنّه، وفلسفته، وغير ذلك.

وبعد تعقيبٍ أدلى به الدكاترة على بحث العقاد، ذكر بعض الملاحظات المهمة، فيقول:

لا يتسع المجال لعرضِ ما أجاد العقاد وهو يدرس المتنبي، ولكن لا مندوحة من تقييد بعض الملاحظات، لأن لذلك فائدة في تشويق الطلاب إلى النقدِ الأدبي.

١- قال العقاد: ”مما لوحظ على المتنبي ولعه بالتصغير في شعرهِ إلى حدٍّ لم يروَ عن شاعرٍ غيره“. فأرجو أن يذكر العقاد أن أعظم الشعراء ولعاً بالتصغير هو ابن الفارض، وقد فصلتُ ذلك في كتاب «التصوف الإسلامي» فلا أعود إليه في هذا الحديث.

٢- حكم العقاد بأن عصر المتنبي كان ”بدعاً في العصور العربية“ وقد قال مثل هذا القول في عصر ابن الرومي، فأي قولَيْهِ نصدِّق؟!

٣- حكم العقاد بأن المتنبي ”لم يفارق كافورًا إلا باختياره“ فما حيثيات هذا الحكم، وفي أيِّ كتابٍ قرأ أن الرجل يرحل عن بلدٍ يحبّه في ليلةِ عيد؟ وكيف غاب عن العقاد أن المتنبي لم يفارق كافورًا إلا بعد أن أصبحت حياته تحت رحمة العيون والأرصاد؟

وذكر الدكاترة غير هذه الملاحظات، ولكني لن أطيل بإثباتها. لا ترمقني بهذه النظرة الحانقة، لأني سأُثبت مصدر المقال، فعُد له وانخله نخلا لوحدك : )

بعد كل هذا ختم الملاكم زكي مبارك مقاله ختاماً رائعاً بديعا، يقول:

أما بعد، فأنا أشعر بأني لم أقل شيئاً في العقاد، مع أني قلت فيه كل شيء، فإن كنتُ أنصفته فقد أنصفته بحق، وإن كنتُ ظلمته فقد ظلمته بحق، ولكن قبل كل شيء وبعد كل شيء قد انتصرتُ على نفسي فتناسيتُ ما كان بيني وبينه من القتال في سنة ١٩٣٥م على صفحاتِ جريدة الجهاد يوم سمحتْ له نفسه بأن ينضم إلى غريمي طه حسين.

والله المسئول أن يطيل حياة هذين الرجلين، فهما من ذخائر مِصر على وجه الزمان. وهل سيطرت مصر على الحياةِ الأدبية في الشرقِ إلا بفضل ما في أبنائها من شراسةٍ وعرامةٍ واستطالةٍ واستعلاء؟

بعد قراءة هذه الخاتمة تذكرتُ ما قاله في كتابه «وحي بغداد» بثقةٍ لا مثيل لها: ”ويسرني أن أُعلن بلا موارية وبلا تكلّف أن الله نجاني من هذا المرض البغيض، فما أذكر أبدًا أني جحدت الحق، وربما كنتُ أشجع أهل هذا العصر لأني أُنصف أعدائي، في زمنٍ يضن فيه الأصدقاء بالإنصاف“.

والسلام.

[مجلة الرِّسالة، العدد ٣٩٣، ١٣ يناير ١٩٤١م]

ثلاثون سنة ضاعت هباء!

.. كثيرًا ما يختار الإنسان تكريس قسم كبير من حياته من أجلِ قضية قد تبدو ضارة أو عديمة النفع!“.

‏من القصص المُلهِمة والتي تحمل في طيّاتها دروساً عظيمة لا حصرَ لها -وهذا عائد على قدرة تأمل القارئ- قصة الملازم الياباني الأسطورة «هيرو أونودا»، ويا لها من قصةٍ عجيبة! سأنقلها هنا كما رواها الكاتب المُتمرِّد الذكي مارك مانسون -مع تصرُّفٍ يسير- في كِتابه الماتع «فن اللامبالاة». ولكن قبل أن تبدأ -أو بعد أن تبدأ، اختر ما تشاء فأنا لا أُحب التسلُّط والاستبداد :)- أيها القارئ المحترم، أرجو منك قراءة ما كتبه كازوتوشي هاندو في «أطول يوم في تاريخ اليابان»؛ لمعرفةِ ما يُمثِّلهُ الإمبراطور الياباني للشعب، وماذا يعني الاستسلام والهزيمة في الحربِ للفرد الياباني.

والآن، هيّا بنا إلى جزيرة لوبانغ في الفيليبين.

في السادسِ والعشرين من كانون الأول سنة ١٩٤٤م، تم إرسال الضابط في الجيش الإمبراطوري هيرو أونودا إلى جزيرة لوبانغ الصغيرة في الفيليبين. كانت الأوامر التي تلقاها تقضي بأنَّ عليهِ إبطاء تقدم قوات الولايات المتحدة الأمريكية إلى أقصى حدٍّ ممكن، والثبات والقتال مهما كانت التكلفة، وعدم الاستسلام على الإطلاق! كان ذلك الملازم وقائده مدركان تمامًا أنها في حقيقة الأمر مهمة انتحارية.

وفي شهر شباط ١٩٤٥م، وصلت القوات الأمريكية إلى جزيرةِ لوبانغ واستولت عليها بقوةٍ كاسحة. وخلال أيام قُتل أو استسلم معظم الجنود اليابانيين. لكن أونودا وثلاثة من رجاله نجحوا في الاختفاء في الأدغال. ومن هناك راحوا يشنون حرب عصابات ضد القوات الأمريكية، فيهاجمون خطوط الإمداد ويُطلقون النار على جنود فُرادى، ويواصلون القتالِ بأيةِ طريقةٍ يستطيعونها.

وبعد ستة أشهر، في آب من ذلك العام، ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي. فكان استسلام اليابان بعد أشدِّ الحروب هولاً في تاريخ البشر.

إلا أن الجنود اليابانيين ظلّوا مبعثرين في جزرٍ كثيرة في المحيط الهادي. وكان أكثرهم مختبئاً في الأدغال، وأبرز هؤلاء كان العنيد الملازم أونودا. لم يعرف أونودا ومن معه بأنَّ الحرب قد انتهت، لقد واصلوا القتال كما كانوا يفعلون من قبل. كانت هذه مشكلة حقيقية في وجه إعادة بناء شرق آسيا بعد الحرب، فاتفقت الحكومات على ضرورة فعل شيء ما.

ألقت قوات الولايات المتحدة بالتعاون مع حكومة اليابان، آلاف المناشير في منطقةِ المحيط الهادي كلّها، معلنةً فيها أن الحرب قد انتهت وأن الوقت قد حان لكي يعود كل جندي إلى بيته. ومثلما حدث مع كثيرين غيرهم، عثر أونودا ورجاله على بعضِ تلك المناشير، إلا أنه قرّر -على عكس الآخرين- أنها كاذبة، وأن هذا فخٌّ تنصبه القوات الأمريكية لمقاتلي الأدغال حتى يُظهروا أنفسهم. أحرق هيرو أونودا تلك المناشير وظلَّ مختبئاً مع رجاله، وتابعوا القتال.

مرَّت خمس سنوات؛ وتوقف إسقاط المناشير، وعاد القسم الأكبر من القوات الأمريكية إلى وطنهم. حاول سكّان جزيرة لوبانغ العودة إلى حياتهم الطبيعية، حياة الزراعة وصيد الأسماك. لكن! هيرو أونودا ورجاله واصلوا إطلاق النار عليهم وحرق محاصيلهم وسلب ماشيتهم وقتل من يُغامر منهم بالتوغل بعيدًا في الأدغال. وعند ذلك، قرَّرت حكومة الفيليبين طباعة مناشير جديدة وتوزيعها في الغابات. كانت تلك المناشير تقول: ”اخرجوا! لقد انتهت الحرب. لقد خسرتم الحرب“. لكن أونودا تجاهل هذه المناشير أيضًا.

وفي سنة ١٩٥٢م -أي بعد ٨ سنوات من إرسال هيرو أونودا ورجاله- قامت الحكومة اليابانية بمسعى أخير لسحب آخر الجنود الباقين من أماكنِ اختبائهم في جُزر المحيط الهادي. وفي هذه المرة، جرى إسقاط صور ورسائل من أهالي هؤلاء الجنود عن طريقِ الطائرات، إضافة إلى رِسالة شخصية من إمبراطور اليابان نفسه. ومن جديد، رفض أونودا التصديق بهذه الأخبار، وأصرَّ على اعتبار هذه الصور والرسائل ما هي إلا خدعة من جانبِ الجيش الأمريكي. وعاد هو ومن معه إلى مواصلة القتال.

وبعد مرور بضع سنوات أخرى؛ سئم سكان تلك المنطقة في الفيليبين خوفهم المستمر من هذا الوضع وراحوا يقاتلون أولئك الجنود. وفي سنة ١٩٥٩م استسلم واحد من رفاق أونودا، ولم يلبث أن قُتل الآخر. وبعد عشر سنين قُتل ثالث رفاق أونودا واسمه «كوزوكا» في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة بينما كان يحرق حقول الأرز.. كان لا يزال يحارب السكان المحليين بعد ربع قرن من نهاية الحرب العالمية الثانية!!

أما أونودا الذي أمضى أكثر من نصف حياته في أدغال جزيرة لوبانغ فقد صار وحيدًا.

وفي سنة ١٩٧٢م، بلغ اليابان نبأ قتل كوزوكا فسبّب هذا الخبر ضجّة هناك. كان الشعب الياباني يظن أن آخر جنود فترة الحرب قد عاد إلى البلاد منذ سنوات. راحت وسائل الإعلام اليابانية تطرح السؤال التالي: إذا كان كوزوكا قد ظلَّ في جزيرة لوبانغ حتى سنة ١٩٧٢م، فمن الممكن أن يكون أونودا نفسه، أي آخر جندي ياباني من الحربِ العالمية الثانية، لا يزال حيّا أيضًا! وفي تلك السنة أرسلت حكومتا اليابان والفيليبين فِرقاً للبحث عن ذلك الملازم اللغز الذي صارَ بطلاً وشبحاً أيضاً. لكنهم لم يجدوا أحدًا !

وبعد مرّ الشهور، تحوَّل الملازم هيرو أونودا إلى شيء يشبه الأسطورة في اليابان: بطل الحرب الذي يبدو مجنوناً إلى حدٍّ يجعل من الصعب تصديق أنه موجود حقّا. انتقده البعض، وحوّله البعض الآخر إلى صورة رومانسية، في حين رأى آخرون أنه جزء من قصة خيالية اخترعها أولئك الذين لا يزالون متمسكين بالرغبة في الإيمان باليابان القديمة التي لم تعد موجودة منذ زمن بعيد.

وفي ذلك الوقت تقريباً، سمع شاب اسمه نوريو سوزوكي اسم أونودا للمرة الأولى. كان سوزوكي الشاب مستكشفاً يُحب المغامرة، ولد بعد نهاية الحرب ثم ترك المدرسة وأمضى أربع سنوات متجولاً في أنحاءِ آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، حيث كان ينام على مقاعد الحدائق وفي سيارات الغرباء وفي زنزانات السجون! كان يعمل في المزارع مقابل طعامه، ويتبرع بالدم حتى يتمكن من دفع المال لبعض الأماكن التي كان يبيت فيها. كان صاحب روح حرّة، ولعلّه كان مجنوناً بعض الشيء!

في سنة ١٩٧٢م وجد سوزوكي نفسه بحاجة إلى مغامرةٍ جديدة. جاءت أسطورة الملازم هيرو أونودا إجابة لكل مشكلاته. نعم؛ هذه مغامرة جديدة تستحق الاندفاع فيها! آمن سوزوكي بأنه الشخص الذي سيعثر على أونودا. صحيح أن فرق البحث التي أرسلتها حكومات اليابان والفيليبين والولايات المتحدة الأمريكية عجزت عن العثور على الملازم الأسطورة؛ كما لم يحالف الحظ قوات الشرطة التي ظلّت تمشط الأدغال قرابة ثلاثين عاما. ولم تظهر أية استجابة لآلاف المنشورات التي أُلقيت هناك. لكن، كل هذا لا يهم، هذا الفاشل الذي ترك المدرسة ولم يستطع الاستقرار أو الثبات في وظيفةٍ من الوظائف مؤمن إيماناً لا يشوبه شك أنه سوف يعثر عليه!

وفعلاً، سافر سوزوكي الأعزل من السِّلاح، والذي لم يتلقَ أي نوع من التدريب على أعمالِ الاستطلاع والتكتيكات القتالية، إلى جزيرة لوبانغ وبدأ التجول في الأدغال وحيدًا. كانت خطته بسيطة ومتواءمة تمامًا مع إمكاناته: يصرخ باسمِ أونودا بصوتٍ مرتفع ويقول له: إن إمبراطور اليابان قلق عليه!

والعجيب أنه عثر عليه بعد أربعة أيام فقط!

ظل سوزوكي بعض الوقت في الغاباتِ مع أونودا. وكان في ذلك الوقت قد مرَّت سنة تقريباً على بقاء الملازم أونودا وحيدًا هناك. وما إن صادف سوزوكي حتى رحَّب بصحبته وأظهر توقاً شديدًا إلى معرفةِ أخبار ما يحدث في العالم من مصدرٍ يابانيٍّ يستطيع أن يثق به. صارَ الرجلان صديقين على نحوٍ ما.

وبعد المعرفة والصحبة سأل سوزوكي الملازم أونودا عن السبب الذي جعله يظل هناك ويواصل القتال. كانت إجابة أونودا بسيطة جدًا: لقد تلقى أوامر «بعدمِ الاستسلام أبدًا». ولهذا السبب بقي هناك مواصلاً للقتال. لقد ظل قرابة ثلاثين عاماً ملتزماً بتلك الأوامر! ثم سأل أونودا سوزوكي عن السببِ الذي دفع شاباً مثله يأتي باحثاً عنه. وإجابة سوزوكي كانت: أنه ترك اليابان بحثاً عن ثلاثةِ أشياء: «الملازم أونودا، ودب الباندا، ورجل الثلج المخيف!». هكذا كان تسلسل الأهداف الثلاثة.

التقى هذان الرجلان في ظلِّ أكثر الظروف غرابة: مغامران عقدا العزم على ملاحقةِ صورة زائفة للمجد، كأنهما نسخة يابانية حقيقية من دون كيشوت وسانشو بانزا؛ رجلان عالقان معاً في وسطِ أدغال الفيليبين النائية الرطبة يتخيلان نفسيهما بطلين رغم كونهما وحيدين معدمين تمامًا، ورغم كونهما لا يفعلان شيئاً هنا! كان أونودا قد كرَّس القسم الأكبر من حياته حتى ذلك الوقت من أجل حربٍ غير موجودة. وكان سوزوكي مستعدًا لتقديم حياته أيضًا. فبعد أن عثر على الملازم هيرو أونودا وعلى دب الباندا، صار مستعداً لأن يموت في جبال الهيمالايا بعد عدة سنوات من ذلك وهو يبحث عن رجل الثلج المخيف!

كثيرًا ما يختار الإنسان تكريس قسم كبير من حياته من أجل قضية قد تبدو ضارّة أو عديمة النفع“. لا معنى لتلك القضية من حيث الظاهر! إنه من الصعب تخيّل كيف كان ممكناً للملازم أونودا أن يكون سعيدًا في تلك الجزيرة طيلة ثلاثين عاما وهو يعيش على القوارض والحشرات وينام على الأرض الترابية ويقتل أشخاصًا مدنيين سنة بعد سنة. أو ما جعل سوزوكي يسير إلى حتفهِ من غير نقود ولا رفيق ولا غاية غير ملاحقة رجل الثلج الخيالي!

لكن أونودا في وقتٍ لاحق من حياته قال إنه ليس نادماً على أي شيء، وأنه فخور حقّاً بخياراته وبالزمن الذي أمضاه في جزيرة لوبانغ. وقال إنه مما يشرّفه أنه كرَّس جزءًا كبيرًا من حياته لخدمة إمبراطور لم يعد موجودًا. ومن المرجح أن سوزوكي كان سيقول شيئاً مماثلاً لو أنه بقي حيّاً.

(حاشية: لن تستغرب هذا إذا فهمت أنَّ علاقة الشعب الياباني بالإمبراطور علاقة فريدة تختلف عن بقية شعوب العالم. الإمبراطور الياباني في نظرِ الشعب هو سليل عرش أماتيراسو إله الشمس، ويُجسِّد في قدسيته هذا الوجود العظيم الذي يُدعى اليابان. بدونه، أو بدون ورثته، لا يوجد أي يابان).

نعود..

لقد اختارَ كلّ من هذين الرجلين المعاناة التي أرادها. اختار الملازم هيرو أونودا المعاناة وفاءً لإمبراطور ميّت، واختار سوزوكي المعاناة من أجلِ المغامرة بصرفِ النظر عن جنونِ مغامراته. وبالنسبة لكل واحدٍ منهما؛ كان لتلك المعاناة معنى حقيقي لأنها قُدِّمت في سبيل خدمة «قضية كُبرى». ولأنها كانت تعني شيئاً، فقد كانا قادرين على احتمالها، بل لعلّهما كانا مستمْتعين بها أيضاً.

إذا كانت المعاناة أمرًا لا مهرب منه، وإذا كانت مشكلاتك في الحياة أمرًا لا يمكن تفاديه، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس «كيف أوقف المعاناة؟» بل «لماذا أعاني، ولأيِّ غاية؟» وعلى هذا الجواب تتوقف قدرتك على تقبّل ما تعانيه، أو إيجاد الحل الذي يريحك“.

عاد هيرو أونودا إلى اليابان سنة ١٩٧٤م، وصارَ له شيء من الشهرة في بلاده. بدأ يتنقل بين البرامج التلفزيونية والمحطات الإذاعية، وكان السياسيون حريصين على مصافحته، بل إن الحكومة أيضًا قدَّمت له مبلغاً كبيرًا من المال، ثم نشر كتاباً عن حياته.

إلا أنَّ ما وجده عندما عاد إلى اليابان أصابه بالذعر؛ ثقافة استهلاكية رأسمالية سطحية ضيّعت تقاليد الشرف والتضحية التي نشأ عليها جيله كلّه.

حاول أونودا استخدام شهرته المفاجئة من أجل تعزيز قيَم اليابان القديمة، لكن مجتمعه الجديد أعاره أُذناً صمَّاء. كان الناس يعتبرونه «شيئاً للفرجة»، وليس شخصاً جدّياً صاحب فكر؛ رجلٌ ياباني خرج فجأةً من آلة الزمن لنتفرج عليه كأنه عجيبة من العجائب أو كأنه أثر قديم في متحفٍ ما.

ولعلَّ المفارقة الكُبرى أن الملازم أونودا صار أكثر اكتئاباً مما كان عليه في الأدغال طيلة ثلاثين عامًا، لأن حياته هناك كانت من أجل شيء ما، على الأقل؛ كان لها معنى! وهذا المعنى هو ما جعل معاناته شيئاً يمكن احتماله، بل جعلها شيئاً مرغوباً فيه أيضًا. أما بعد عودته إلى اليابان التي صار يعتبرها أمة من الأشخاص الفارغين والنساء المتهتكات بملابسهن الغربية، فقد واجهته الحقيقة التي لا مهرب منها: ”لم يكن لقتاله أي معنى!“. إن اليابان التي عاش وقاتل من أجلها لم تعد موجودة. لقد مزّقه إدراك هذه الحقيقة أكثر مما فعل به الرصاص طيلة حياته. بما أنَّ معاناته كلها كانت من غير معنى، فقد أدرك الحقيقة المخيفة على نحوٍ مفاجئ… ثلاثون سنة من عمره ضاعت هباءً!

والآن؛ ما هو المعنى الذي تطلبه؟ وهل يستحق منك التضحية في سبيله؟ سؤالٌ لابد من تَكراره على نفسِك حتى تجد نفسك!

الزومبي في التاريخ الإسلامي!

هذا المقال للكبار فقط! فإذا كنتَ دون الثامنة عشرة فأرجو منك الخروج وإغلاق الباب خلفك بهدوء. وهو أيضًا غير صالح لأصحاب القلوب المرهفة؛ لأنَّ فيه صورًا بشعة ومشاهداً دموية قد لا تُناسب طبائع بعض بني آدم. لقد نبهتك قبل الشروع في القراءة، وحذرتك قبل البداءة، فلا تلمُني بعدها على شيء.

يوم ألهمني الله الرُّشد، دخلتُ عالم القراءة الفسيح عبر بوابة التاريخ، فكان أول كتابٍ تاريخيٍّ تهيأت الأسباب لقراءته؛ «البداية والنهاية» لابن كثير رحمه الله تعالى -كم أُحب هذا الرجل-، ولأنني كنتُ في حالةِ تعطُّشٍ شديدٍ للمعرفة؛ أقبلتُ بعقلي وروحي وجميع جوارحي أثناء قراءتي على هذا الكتاب الجليل، ولن أزعجك بسردِ ذكرياتي معه ومشاعري العاطفية تجاهه.. المهم، لما بلغتُ أحداث سنة سبع وتسعين وخمسمائة من هجرة المصطفى ﷺ -وهي سنة وفاة العالم الفذ ابن الجوزي- ذُهِلتُ مما قرأت من الأهوال المخيفة والأحوال المرعبة التي لحِقت بمِصْر الحضارة، ثم انطلقتُ أُفتِّش عن أحداث تلك السنة في كُتبٍ أخرى لمؤلفين معاصرين لتلك الحِقبة لأتأكد وأستوثق أكثر فوجدتُ العجب العُجاب، وهأنذا أسوق لك كل غريبة وأخبار تلك الأيام العجيبة.

لن أبدأ بابن كثير، بل بابن الأثير المعاصِر لتلك الحِقبة، ولعلَّهُ -استطراد- من المناسب هُنا الإشارة إلى الإخوان الثلاثة حتى يتسنَّى للقارئ الكريم التفريق بينهم في قابلِ الأيام. [أبناءُ أثير الدِّين محمد بن عبدالكريم الجزري ثلاثة: ١. مجد الدِّين أبو السعادات ٥٤٤-٦٠٦ھ وهو مفسِّر ومُحدِّث له كِتاب «النهاية في غريبِ الحديث»، ٢. عز الدِّين أبو الحسن ٥٥٥-٦٣٠ھ وهو مؤرِّخ ونسَّابة وهو صاحب «الكامل في التاريخ» و «أُسد الغابة في معرفةِ الصحابة»، ٣. ضياء الدِّين أبو الفتح ٥٥٨-٦٣٧ھ لُغويٌّ وأديب له الكتاب المشهور «المثل السائر في أدبِ الكاتب والشاعر»].

نعود إلى ما بدأناه، قال ابن الأثير في كتابه «الكامل» عن أحداثِ سنة ٥٩٧ھ : ”في هذه السنةِ اشتدَّ الغلاءُ بالبلادِ المِصْرية لعدمِ زيادة النيل، وتعذَّرت الأقوات حتى أكل الناس الميتة، «وأكل بعضهم بعضا»، ثم لحقهم عليه وباءٌ وموتٌ كثير أفنى الناس“.

هل تأملتَ قوله ”وأكل بعضهم بعضا“، ستفهم ماذا يقصد ابن الأثير إذا أكملتَ المسير معي إلى المكان الذي أود أخذك إليه.

وقبل الانتقال لابن كثير أيضاً، أُحب أن أعرض عليك أيها الكريم قول ابن العماد الحنبلي في كتابهِ «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» عن هذه السنة، يقول: ”فيها كان الجوع المفرط والموت بالدّيار المصرية، وجرت أمور تتجاوز الوصف، ودام ذلك إلى نصف العام الآتي، فلو قال قائل: مات ثلاثة أرباع أهل الإقليم لما أبعد. «وأُكلت لحوم الآدميين»“.

عندما تُتِم هذا المقال بسلام ستُدرك مراد ابن العماد من هذه الجملة التي قالها ”وجرت أمور تتجاوز الوصف!“.

والآن سأقتطع لك من أبي الفداء إسماعيل ابن كثير ما أورده في كتابه «البداية والنهاية» عن أحداث هذه السنة، أعني سنة ٥٩٧ھ، يقول:

فيها اشتدَّ الغلاء بأرض مصرٍ جدا فهلك خلق كثير من الفقراء والأغنياء، وقد كفَّن السلطان الملك العادل من مالهِ في مدة شهر من هذه السنة نحواً من من مئتي ألف وعشرين ألف ميت! وأُكِلت الكلاب والميتات في هذه السنة بمِصر، وأُكِلَ من الصغار والأطفال خلق كثير «يشويه والداه ويأكلانه! »، وكثر في الناس هذا حتى صار لا يُنكر بينهم، ثم صاروا يحتالون على بعضهم بعضا فيأكلون مَن يقدرون عليه، ومن غلب من قويٍ ضعيفا ذبحه وأكله! وكان الرجل يضيف صاحبه فإذا خلا به ذبحه وأكله، ووُجِدَ عند بعضهم أربعمئة رأس. وهلك في هذه السنة كثير من الأطباء يستدعون إلى المرضى فيُذبحون ويؤكلون“.

مالي أرى علامات الذهول بادية على ملامحك وجهك الجميل؟ لم نبدأ بعد، لا زلنا عند الطيّب ابن كثير ولم نصل إلى البغدادي ورحلته! المهم، ومن القصص العجيبة التي رواها ابن كثير، ولا أخفي القارئ الكريم أني وجدتُ المشهد طريفاً بعدما تصوّرته. يقول ابن كثير رحمه الله:

وقد استدعى رجلاً طبيباً حاذقاً، وكان الرجل موسرًا من أهل المال، فخاف الطبيب وذهب معه على وَجَلٍ وخوف، فجعل الرجل يتصدَّق على من لقيه في الطريق، ويذكر الله ويسبّحه ويُكثر من ذلك، فارتاب به الطبيب، ومع هذا حمله الطمع على الاستمرار معه، فلما وصلا إلى الدار فإذا هي خرِبة فارتاب الطبيب [أكثر]، فخرج رجل من الدار فقال لصاحبه: ومع هذا البطء جئت لنا بصيد! فلما سمعها الطبيب هرب، فخرجا خلفه سراعاً فما خلص إلا بعد جهدٍ جهيد“.

هذه هي الأخبار التي حَفَزتني إلى التنقيب والبحث حتى وقفتُ على البغدادي ورحلته، وقبل أن أعرِض عليك ما ذكره ابن اللباد عليَّ أن أُذكرك بلافتةِ التحذير والتنبيه التي علّقتُها عند مدخل المقال حتى يتأملها كل والج! السطور القادمة قد تكون مُقزِّزة للبعض ووحشية.

نقل إلينا ابن اللباد أو عبداللطيف البغدادي (ولِدَ ٥٥٧ وتوفي ٦٢٩ھ) -وهو ممن لقيَ صلاح الدِّين، واشتغل بالتدريس في الأزهر- ما شهِدَه من الغلاء والقحط الذي أصابَ مِصْر، ووثق بدقةِ وصفه في رحلته المسماه «الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر» ما وقفَ عليه من أخبارٍ ومشاهد تقشعر لها الأبدان، وإليك بعض ما جاء في رحلته.

يقول: ”ودخلت سنة سبع مفترسة أسباب الحياة، وقد يئس الناس من زيادة النيل، وارتفعت الأسعار، وأقحطت البلاد، وأشعر أهلها البلاء وهرجوا من خوف الجوع، وانضوى أهل السواد والريف إلى أمهات البلاد وانجلى كثير منهم إلى الشام والمغرب والحجاز واليمن… ودخل إلى القاهرة منهم خلق عظيم، واشتد بهم الجوع، ووقع فيهم الموت، وعند نزول الشمس وبيء الهواء ووقع المرض والموتان واشتدَّ بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيف والكلاب والبعر والأرواث! ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم، فكثيراً ما يُعثر عليهم ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون، فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل“.

ثم يقول: ”ورأيتُ صغيرًا مشوياً في قفة (وعاء)، وقد أُحضر إلى دار الوالي ومعه رجل وامرأة يزعم الناس أنهما أبواه فأمر بإحراقهما. ولقد رأيتُ امرأة يسحبها الرعاع في السوق وقد ظفر معها بصغيرٍ مشوي تأكل منه، وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبولون على شؤونهم وليس فيهم من يعجب لذلك أو ينكره، فعاد تعجبي منهم أشد وما ذلك إلا لكثرة تكرره على إحساسهم حتى صار في حكمِ المألوف الذي لا يستحق أن يُتعجب منه!“.

ويكمل لنا مشاهداته العجيبة قائلاً: ”ورأيتُ قبل ذلك بيومين صبياً نحو الرهاق مشوياً، وقد أخذ به شابان أقرّا بقتله وشيّه وأكلا بعضه. وفي بعض الليالي بعد صلاة المغرب كان مع جارية فطيم تلاعبه لبعض المياسير، فبينما هو إلى جانبها، اهتبلت غفلتها عنه صعلوكة فبقرت بطنه! وجعلت تأكل منه نيّاً. وحكى لي عدة نساء أنه يُتوثب عليهن لاقتناص أولادهن ويحامين عنهن بجهدهن“.

ثم يذكر البغدادي أن أمثال هذه الأفعال كانت تصدر بكثرة من النِّساء حمانا الله وإياكم :). يقول:

وأكثر ما كان يطلع من ذلك مع النساء، وما أظن العلّة فيه إلا أن النِّساء أقل حيلة من الرجال وأضعف عن التباعد والاستتار. ولقد أُُحرق بمصر خاصة في أيامٍ يسيرة ثلاثون امرأة، كلٌّ منهن تُقرُّ بأنها أكلت جماعة! فرأيتُ امرأة قد أُحضِرت إلى الوالي وفي عُنقها طفل شُوي، فضُربت أكثر من مائتي سوط على أن تُقر فلا تحير جواباً، بل تجدها قد انخلعت عن الطباع البشرية، ثم سُحبت فماتت“.

ويستمر البغدادي في رحلته بسردِ أمثال هذه الحوادث، فيقول: ”ثم فشا فيهم أكل بعضهم بعضا حتى فنيَ أكثرهم، ودخل في ذلك جماعة من المياسير، منهم من يفعله حاجة ومنهم من يفعله استطابة! وحكى لنا رجل أنه كان له صديق أدقعَ في هذه النازلة، فدعاه صديقه هذا إلى منزله ليأكل عنده على ما جرت به عادتهما قبل، فلما دخل منزله وجد عنده جماعة عليهم رثاثة الفقر وبين أيديهم طبيخ كبير اللحم وليس معه خبز؛ فرابه ذلك وطلب المرحاض، فصادف عنده خزانة مشحونة برمم الآدمي وباللحم الطري فارتاعَ وخرج فارّاً“.

ولعلّي أختم شواهد البغدادي بقصة المرأة الحامل! ص١٣٥-١٣٦ يحدِّثنا قائلاً: ”ومن غريبِ ما حدث من ذلك، أن امرأةً ذات مالٍ ويسار كانت حاملاً وزوجها غائب في الخدمة، وكان يجاورها صعاليك فشمّت عندهم رائحة طبخ، فطلبت منه كما هي عادة الحبالى فألفته لذيذاً فاستزادتهم، فزعموا أنه نفد فسألتهم عن كيفية عمله، فأسرّوا إليها أنه لحم بني آدم، فواطأتهم على أن يتصيّدوا لها الصغار وتجزل لهم العطاء، فلما تكرّر ذلك منها فضريت وغلبت عليها الطِّباع السبعية، وشى بها جواريها خوفاً منها؛ فهُجِمَ عليها فوُجِد عندها من اللحم والعظام ما يشهد بصحة ذلك، فحُبِست مقيّدة وأرجىء قتلها احتراماً لزوجها وإبقاء على الولد بجوفها. ولو أخذنا نقص كل ما نرى ونسمع لوقعنا في التهمة أو في الهذر، وجميع ما حكيناه مما شاهدناه لم نتقصده ولا تتبعنا مظانه، وإنما هو شيء صادفناه اتفاقاً بل كثيرًا ما كنتُ أفرّ من رؤيته لبشاعة منظره“.

وفي الصفحةِ التي تليها وبعد أن روى لنا هذه الشواهد المخيفة، يقول: ”وأشباه هذا كثير جدّاً حتى أنك لا تجد أحدًا في ديارِ مصر إلا وقد رأى شيئاً من ذلك، حتى أرباب الزوايا والنِّساء في خدورهن. ومما شاعَ أيضاً نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم. وهذه البلية التي شرحناها وُجِدت في جميع بلاد مصر، ليس فيها بلد إلا وقد أُكل فيه الناس أكلاً ذريعاً من أسوان وقوص والفيوم والمحلة والاسكندرية ودمياط وسائر النواحي. وخبرني بعض أصحابي وهو تاجر مأمون حين ورد الاسكندرية بكثرة ما عاين بها من ذلك. وأعجب ما حكى لي أنه عاين أرؤس خمسة صغار مطبوخة في قدر واحدة بالتوابل الجيّدة! وهذا المقدار من هذا الاقتصاص كافٍ، فإني وإن كنتُ قد أسهبتُ أعتقد أني قد قصرت“.

ومن ابن اللباد البغدادي لابأس أن نميل ميلاً سريعاً إلى أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي المؤرِّخ المِصْري صاحب الكتاب الشهير «النجوم الزاهرة في ملوك مِصْر والقاهرة» المكوَّن من سبعة عشر مجلداً (ط الكتب العلمية)، يقول في ج٦ ص١٧٣ من هذا الكِتاب المهم:

السنة الأولى من ولاية الملك العادل أبي بكر بن أيوب على مِصْر، وهي سنة سبعٍ وتسعين وخمسمائة، فيها كان هبوط النيل، ولم يُعهد ذلك في الإسلام إلا مرّة واحدة في دولة الفاطميين، ولم يبق منه إلا شيء يسير، واشتدّ الغلاء والوباء بمصر… قال أبو المظفر: «كان الرجل يذبح ولده الصغير وتساعده أمه على طبخهِ وشيّه»، وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ولم ينتهوا. وكان الرجل يدعو صديقه وأحب الناس إليه إلى منزله ليضيفه فيَذبحه ويأكله، وفعلوا بالأطباء كذلك، فكانوا يدعونهم ليبصروا المرضى فيقتلونهم ويأكلونهم، وفُقِدت الميتات والجِيَف من كثرةِ ما أكلوها. وكانوا يختطفون الصبيان من الشوارع فيأكلونهم!“.

وأظن أنني قد أكثرت وأمللت، ولكن بقيت هاهنا كُلَيْمة لابد منها: أعلمُ أن بعض الكرام داخله الشك من وقوع هذه الأحداث، حتى وهو يقرأ أسماء أعلام كبار ذكروها؛ كابن الأثير وابن كثير وابن العماد وابن اللباد وابن تغري! ومهمتي ليست أن أجتهد في إقناعه، فالأمر عندي أيسر من هذا بكثير، والباعث الرئيس الذي دفعني إلى تقييد ما سطّرته هو إتحاف القارئ الكريم بأخبارٍ لعلَّه -أقول لعلَّه- لم يقف عليها من قبل، وإثراءٌ مأمولٌ لمعرفته، ثم إلماع إلى استشعار نِعمة الله على عباده، وأن لا يأمن الغني الفقر، ولا القوي الضَعف، ولا المُفسِد العقوبة، وأنتَ في الخيار يا صديقي انتفع مما قرأت كيفما شئت.

طابت ليلتكم.

بين العبقري زفايغ والطاغية موسوليني!

«عالم الأمس» مذكرات ممتعة لكاتبٍ عبقري ممتع وهو ستيفان زفايغ (ولن نتعارك على كيفية كتابة الجزء الثاني من اسمِه؛ زفايغ أو تسفايج أو زفايج أو تسفايغ). هذا الكتاب من أجملِ الكتب وألذها عندي. زفايغ من الكُتَّاب الآسرين؛ يأسرك بأسلوبه في السرد، وتحليله للشخصيات، ووصفه للمشاهد والأحداث. كان عبقرياً بائساً، وعاشَ طريداً غريباً خائفاً يترقَّب. يقول عن نفسِه في آخر حياته: ”أنا لا أنتمي إلى أي بلاد، وحيثما حللت فأنا غريب، أو ضيف في أحسن الأحوال“. وعندما نقلَ قول جريلبارتسر: «نجد مواضع للهجرة ولا نجد وطنًا»، أضاف: ”. . مشردين في لغاتٍ مستعارة تتقاذفنا الرياح!“. وكان يطيب له الاستشهاد بقول أحد المنفيين الروس: ”كان الإنسان في الماضي له جسد وروح فقط، أما الآن فهو يحتاج إلى جواز سفر أيضًا، وإلا لن يُعامل معاملة الكائن البشري“. وما أشد هذا القول على أمثالِ زفايغ وأصدقه. لاحقه هتلر، ومنع كتبه، فبعد أن كانت كتبه في كلِّ بيتٍ -تقريباً- في ألمانيا، لم يعد لها أي وجود في وقته. وفي المكاتب العامة توضع كتبه في صندوق مُقفل يسمَّى «خزانة السموم!». بل حتى كتبه المترجمة حظرها هتلر، وكانت أكثر الكتبِ مبيعاً، وحُظرت أيضاً في فرنسا وإيطاليا. وكان يقول بعد كل هذا: ”واليوم أنا ككاتب «أسير وراء جثماني وأنا حي!» كما قال الشاعر النمساوي جريلبارتسر“.

ومع كل الشدائد التي عاشها، والخطوب التي مرَّت به، كان يؤمن إيماناً عميقاً بأن المِحن التي نجابهها ولا نسمح لها بتحطيمنا تقوِّينا. يقول: ”كان لابد أن تمرّ بضعة أعوام قبل أن أفهم أنَّ المِحن تتحدّى الإنسان، والاضطهاد يقوِّيه، والاعتزال يرفعه، شريطة ألا تُحطِّمه. وشأن جميع الأشياء المهمَّة في الحياة، فإنَّ هذه المعرفة لا يستمدها المرء من تجارب الآخرين، بل من قَدَره الخاص“.

كانت ولادته كما حدثنا بنفسِه ”عام ١٨٨١م في إمبراطورية عظيمة وقوية تحكمها سلالة هبسبورغ. ولكن لا تبحث عنها في الخارطة، فهي قد أُزيلت، وما بقي منها أثر“. وبعد حياةٍ طويلة شابها ما شابها من النجاحِ والسقوط، والأمن والخوف، والاستقرار والتشرّد؛ انتحرَ زفايج -يائساً من صلاح العالَم- وزوجته إليزابيث شارلوت في ٢٣ شباط ١٩٤٢م في مدينة بتروبوليس البرازيلية.

ترك رسالة وداعية يقول فيها: ”قبل مفارقتي الحياة بإرداتي الحرّة، وفي صحةٍ من عقلي، أنا مرغم على الوفاء بالتزامٍ أخير: أقدم شكري الصادر من القلب إلى البرازيل، هذا البلد الرائع الذي وفّر كرمه لي ولعملي كل أسباب الراحة. لقد تعاظم حبِّي للبلاد يومًا بعد يوم، ولم أكن لأوثر بناء حياة جديدة إلا فيها بعد أن توارى عالم لغتي عني، ودمّرت أوروبا، موطني الروحي، نفسها.

ولكن الذي بلغ الستين من العمر يحتاج إلى طاقات غير عادية حتى يبدأ بداية جديدة كل الجدّة، وما لدي من طاقات قد استنزفتها أعوام التشرّد المديدة. لذلك من الأفضل في اعتقادي أن أختم في الوقتِ المناسب، وأنا منتصب القامة، حياةً كان العمل الفكري فيها يعني الفرح الأصفى، والحرية الشخصية الأنقى، والخير الأسمى على الأرض.

تحياتي إلى كلِّ أصدقائي. عسى أن تتسنى لهم رؤية الفجر بعد هذا الليل الطويل! وهأنذا أتقدمهم، وقد فرغ صبري تمامًا“. [ستيفان زفايج، بتروبوليس، ١٩٤٢/٢/٢٢م]

وهنا لابد من القول: الحمد لله على نعمةِ الإسلام، الحمد لله على هذهِ النِّعمة العظيمة التي تقوِّم سلوكنا، وتضبط انفعالاتنا، وتجعلنا من الشاكرين ساعة الرخاء والفرح، والصابرين ساعة الشِّدة والشجن.

عندما شرعتُ في كتابةِ هذا المقال، كانت النية أن أورد قصة من حياةِ كاتبنا لها عظيم الأثر في نفسِه، وكانت نجاحاً باهرًا في سِجلّه الأدبي والأخلاقي. ولكني وجدتني أسترسل في الحديثِ عنه وعن حياته، وكلما أردتُ الدخول في الأمر الذي أريد، تذكرتُ قولاً له هنا، وآخر هناك، وطال المقال.. فليعذرني القارئ الكريم.

المهم، أترككم الآن مع زفايج الذي سيحدثكم عن قصته مع الطاغية موسوليني، وإنقاذه للطبيب السجين! يقول:

تلقيت ذات يوم رسالة خاصة من صديقٍ في باريس يقول فيها: ”إن سيدة إيطالية تريد أن تراني في سالزبورغ من أجل أمرٍ بالغ الأهمية، ويطلب مني أن أستقبلها بلا إبطاء“. جاءتني في اليوم التالي، وقصتها كانت مؤثرة حقّاً. كان زوجها -وهو طبيب بارز- قد انحدرَ من أسرةٍ فقيرة، وتعلَّم على حساب الزعيم الاشتراكي ماتيوني الذي لقي مصرعه على أيدي الفاشيين القساة. ثارت على إثر ذلك ثائرة أوروبا كلها، وكانت تلك آخر مرة يعبِّر فيها ضمير العالَم المُجْهَد عن جريمةٍ مفردة. كان زوجها -الصديق المخلص- أحد ستة رجال شجعان تجرؤوا على حملِ التابوت في شوارعِ روما. وبعد ذلك قوطِعَ وهُدِّد، فقصد المنفى. ولكن مصير أسرة ماتيوني بقي شغله الشاغل. وفي ذكرى الرجل الذي أحسن إليه، أرادَ أن يُهرِّب أولاده من إيطاليا. وفي أثناء القيام بهذه المحاولة، وقع في أيدي الجواسيس، أو العملاء المحرضين، وأُلقي القبض عليه. وبما أنَّ كل ما يذكِّر بالزعيم الاشتراكي كان مربكاً للإيطاليين، وكان من الممكن ألا تكون المحاكمة بالغة السوء بالنسبةِ إليه، فقد اتهمه المدّعي بالتورط في خطة مدبّرة لاغتيال موسوليني. وهكذا فإن الطبيب الشاب الذي نالَ أرفع الأوسمة في الحربِ، قد حُكِمَ عليه بالأشغال الشاقة عدة سنوات.

كانت المرأة الشابة منفعلة جدًا بالطبع. لابد من فعل شيء ردّاً على الحكم الذي يهدِّد حياة زوجها بالخطر. والمطلوب فعله هو توحيد الأسماء الأدبية الكبيرة بأوروبا في حركةِ احتجاج كبيرة، وأرادتني أن أساعدها على بلوغ هذه الغاية. وفي الحال نصحتها ألا تلجأ إلى الاحتجاجات، فقد كنتُ أعلم كم أصبحت مبتذلة مثل هذه التظاهرات منذ قيام الحرب. وذكرتها بأن الاحتجاج الأوروبي على محاكمةِ ساكو وفانزيتي لم يكن وقعهُ في أمريكا حسناً بقدر ما كان سيئاً. طلبتُ منها بكل جدية ألا تفعل شيئاً من هذا النوع، فهي سوف تزيد حالة زوجها ألماً وخطرا، لأن موسوليني لن يأمر، ولن يستطيع -ولو أراد- أن يأمر بتخفيض الحكم إذا مورس عليه ضغط من الخارج.

وبما أنني تعاطفتُ حقّاً مع المرأة، فقد وعدتها أن أبذل جهدي. واتفق أن كنتُ عازماً على الذهاب إلى إيطاليا في الأسبوع التالي، ولي هناك أصدقاء كرماء في مواضع ذات تأثير ربما يستطيعون أن يفعلوا شيئاً من أجل الطبيب.

حاولتُ في اليومِ الأول، ”ولكني اكتشفتُ كم تآكلت أرواح الناس من الخوف“. فما أن ذكرتُ الاسم أمام بعض الناس حتى ارتبكوا. ”آسف، لا أستطيع مساعدتك في هذا الأمر. هذا مستحيل تمامًا“. هذا ما قاله لي واحد بعد آخر، فعدتُ شاعرًا بالخجل. ألا يمكن أن تشك المرأة البائسة في ما بذلت من جهد؟ وبما أنني لم أبذل غاية الجهد، فكرت في أمرٍ واحدٍ ممكن، وهو السبيل المباشر الصريح، أي أن أكتب إلى الرجل الذي يملك القرار، أي موسوليني نفسه.

وفعلتها! كتبتُ رسالة بسيطة قلتُ فيها: ”إنني لا أُحب الابتداء بالعبارات المتملِّقة، وأود أن أوضِّح في الخارج أنني لم أعرف الرجل، ولا نوع الذنب الذي ارتكبه. غير أنني رأيتُ زوجته التي هي بلا شك بريئة، والتي ستتحمل هي تبعات الحُكم الكاملة إذا تعيّن على زوجها قضاء عشرة أعوام في السِّجن. لم يكن هدفي نقد الحكم بأيِّ حالٍ من الأحوال، إنما تخيّلتُ أن حياة امرأة يمكن إنقاذها إن أُرسل زوجها إلى جُزر العقاب حيث يتاح للأولاد والزوجات أن يعشن مع المنفيين بدلاً من إيداعه في السجن“.

أخذتُ الرسالة الموجهة إلى سيادة بينيتو موسوليني، وأسقطتها في صندوق بريد سالزبورغ العادي. وبعد أربعة أيام، أبلغتني المفوضية الإيطالية في فيينا أن سيادته رجاهم أن يشكروني، وأن يعلموني أنه قد وافق على طلبي، وأمر أن تُخفض مدة الحكم. وفي الوقتِ ذاته جاءت برقية من إيطاليا تؤكد الترحيل المطلوب. وفي واقع الأمر، عفي عن السجن تمامًا بعد وقتٍ قصير.

يكتب زفايغ بعد أن ساق هذه القصة:

لم أكتب رسالة في حياتي منحتني فرحاً وارتياحاً أكثر من تلك الرِّسالة، وإذا فكرت في أي نجاح أدبي، فإن هذا النجاح هو الذي أتذكره باعترافٍ خاص بالجميل“.

وداعًا يا عهد الشباب.

من المقالاتِ التي لا أمل تَكرارها وأطرب لها؛ مقال لنابغة الإنشاء المنفلوطي تـ١٩٢٤م، كتبه بعد بلوغه الأربعين. ولا أظن المنفلوطي رحمه الله يحتاج إلى تعريفٍ وتقديم، فهو من قال فيه العقاد: ”لا يُعرف له نظير بين أعلامِ الأدباء الناثرين من مطلعِ النهضةِ الكتابية قبل مولده إلى ما بعد وفاته، فليسَ بين أدبائنا الناثرين من استطاعَ أن يقرِّب بين أسلوبِ الإنشاء وأسلوب الكتابة كما استطاع صاحب «النظرات» و «العبرات»..“(١)

لذلك لا نعجب عندما نقرأ في ذكرياتِ الطنطاوي: ”وما أحدٌ ممّن كان من لِداتنا ومن أبناء عصرنا إلاّ تأثّر يوماً بالمنفلوطي و «نظراته»..“(٢)

كان ذا قلم رشيق وأسلوب متفرِّد فذ، ومن أراد التعرّف على بلاغته ومواطن تفرّده عليه إدامة التأمل في «نظراته» و «عبراته» فهي خير معرِّف به ودال عليه.

المقال المُنتخب بعنوان ‏«الأربعون»، وقد اجتهدتُ بضبطهِ، وتصرّفتُ بحذفِ بعض أسطره للتخفيف على القارئ الكريم.

‏يستهل المنفلوطي:

‏الآن وصلتُ إلى قمةِ هرم الحياة، والآن بدأتُ أنحدر في جانبه الآخر، ولا أعلم هل أستطيع أن أهبط بهدوءٍ وسكونٍ حتى أصل إلى السفحِ بسلام، أو أعثر في طريقي عثرة تهوي بي إلى المصرعِ الأخير هويّاً.

‏سلامٌ عليك أيها الماضي الجميل، ‏لقد كنت ميدانًا فسيحاً للآمال والأحلام، وكُنا نطيرُ بكَ في أجوائك البديعة الطلقة غادين رائحين طيران الحمائم البيضاء في آفاقِ السماء، لا نشكو ولا نتألم، ولا نضجر ولا نسأم، بل لا نعتقد أن في العالم هموماً وآلاما.

كانَ كل شيء في نظرنا جميلاً حتى الحاجة والفاقة، واحتمال أعباء الحياة وأثقالها، وكان كل منظر من مناظرك قد لبس ثوبًا قشيبًا من نسيج الزهر الأبيض، فأصبحَ فتنة الأنظار، وشَرَك الألباب.

وكان يُخيّل إلينا أن هذا الزورق الجميل الذي ينحدر بنا في بحيرتك الصافية الرائقة سيستمر في طريقهِ مطّردًا مندفعاً لا يعترضه معترض، ولا يلوي به عن طريقه لاوٍ، إلى ما لا نهاية لاطّراده وتدفّعه.

وكان كل ما يستذرف الدمع من أعيننا هجر حبيب، أو ظلمة رقيب، أو أرق ليلة، أو ضجر ساعة، أو نظرة شزرٍ يلقيها علينا بغيض، أو نفثة شرٍّ يرمينا بها حقود، ثم لا تلبث مسرّاتنا ومباهجنا أن تطرد تلك الآلام أمامها كما يطرد الماء المتدفق الأقذار والأكدار بين يديه، وتسلم لنا الحياة سائغة هنيئة لا كدر فيها ولا تنغيص.

‏سلامٌ عليكَ أيها الشباب الذاهب، سلامٌ على دوحتكَ الفينانة الغناء، التي كنا نمرح في ظلالِها مرح الظباء الغفر في رملتِها الوعثاء. ننظر إلى السماء فيخيّل إلينا أنها مغدًى ومراح لنا، وإلى الآفاق البعيدة فيخيّل إلينا أنها مجرى سوابقنا ومجرّ رماحنا، فكأن العالم كله مملكتنا الواسعة العظيمة التي نسيطر عليها، ونتصرّف في أي أقطارها شئنا.

أبكيك يا عهد الشباب، لا لأنني تمتعتُ فيك براحٍ أو غزل، ولا لأني ركبتُ مطيتك إلى لهوٍ أو لعب، ولا لأني ذقتُ فيك العيش باردًا عفوًا كما يذوقه الناعمون المترفون، بل لأنكَ كنت الشباب وكفى.

أبكيك لأني كنت أرى في سمائك نجم الأمل لامعًا متلألئاً يؤنسني مَنظره ويُطربني لألاؤه، وينفذ إلى أعماقِ قلبي شعاعه المتوهج الملتهب، فلما ذهبت ذهبَ بذهابك، فأصبحَ منظر تلك السماء منظر فلاةٍ موحشةٍ مُظلمة لا يُضيئها كوكب ولا يلمع فيها شعاع.

أجل، لم أتمتع فيك بمتعةٍ من المتع، ولا بلذةٍ من الملاذ، ولا نلتُ في عهدك مأربا من مآربِ المجد أو الجاه، ولكني كنتُ أؤمل وأرجو، وبذلك الأمل كنتُ أعيش، وتحتَ ظلال ذلك الرجاء كنتُ أهنأ وأنعم.

أما اليوم -وقد بدأتُ أنحدر من قمةِ الحياة إلى جانبها الآخر- فقد احتجب عني كل شيء، ولم يبقَ بين يدي مما أفكر فيه إلا أن أعد عدتي لتلكَ الساعة الرهيبة التي أنحدر فيها إلى قبري.

مضى عهد الشباب وبدأتُ أختلف إلى الأطباء الثلاثة: طبيب العيون، وطبيب المعدة، وطبيب الأسنان، وتقاربت خطواتي فأصبحَ فرسخي ميلا، وباعي ذراعا، ونعى الناعون إلي كثيرًا من أصحابي وأترابي؛ أي إنهم نعوا إليّ نفسي، ورأيتُ أصدقائي الذينَ نشأت معهم في طريقي فأنكرتُ استحالة حالهم، واغبرار وجوههم، وتجعُّد خدودهم، وابيضاض شعورهم، فعلمتُ أنني مثلهم، وأنهم يُنكِرون مني ما أنكر منهم.

‏ودعا لي الداعونَ بالقوة والنشاط، وطول البقاء، وحُسن الختام؛ أي إن قوتي في هبوط، ونشاطي في اضمحلال، وسلامتي في خطر، وحياتي على وشك الانحدار إلى مغربها. ومررتُ بمجامع الشبان الحافلة بالقوة والنشاط، والمرح والسرور، فخُيّل إلي أنني غريب عنهم لا صلة لي بهم، ولا شأن لي معهم، وأنني أعيش في عالم غير الذي يعيشون فيه.

وانتقلتُ من النظرِ في شأن نفسي وشأن مُستقبلي إلى النظرِ في شأن أولادي وشأن مستقبلهم؛ لأن مستقبلي أصبح ماضياً، وغدي أصبح أمساً لا رجعة له إلى الأبد.

وسمعتُ كلمة «الجد» يهتف بها أحفادي الصغار، فلم أنكرها ولم أبتئس كأنني معترف أنها الكلمة التي يجب أن أسمعها.

‏ونصحني الناصحون بالاقتصاد والتدبير إبقاء على مصلحةِ أولادي الفقراء، كأنهم يقولون لي: إنكَ موشك أن ترحل فأعدّ لمن وراءك من أهلك وبنيك ما يغنيهم عنك يوم يفقدون وجهك!

وهدأت نفسي بعد ثورتها وجماحها، فأصبحت سمحًا كريمًا عفوّاً غفورًا، لا أبغض أحدا، ولا أحقد على أحد، ولا أقابل ذنباً بعقوبة، ولا إساءة بمثلها. كأنني أقول في نفسي: ما لي وللعالم ولِما يحويه من خير وشر وأنا مفارقه وشيكا، إن لم يكن اليوم فغدًا.

وأخذتُ أتحدث عن الماضي أكثر مما أتحدث عن الحاضر، لا لأن الأول أجمل من الثاني؛ بل لأن الشبيبة أجمل من الشيخوخة.

‏وذكرتُ الجلسة البسيطة التي كنتُ أجلسها أيام الطلب في غرفتي العارية الصغيرة بين زملائي الفقراء البسطاء، فبكيتها ورثيتها ولم تُنسني إياها جلستي اليوم في منزلي الأنيق الجميل بين خير الناس أدبا وفضلا، ومجدًا وشرفا؛ لأن الأولى كانت في سماء الأحلام الحلوة اللذيذة، أما الثانية ففي أرض الحقيقة المرة المؤلمة.

‏كانَ كل ما أفكر فيه أن أشيد لي بيتاً جميلاً أعيش فيه عيش السعداء الآمنين في مدينةِ الأحياء، فأصبحتُ وكل ما أفكر فيه الآن أن أبني لي قبرًا بسيطاً يضم رفاتي في مدينةِ الأموات!

‏وكنت أدهش لبلاغة البليغ، وذلاقة الخطيب، وبراعة الشاعر، وقدرة الكاتب، ونبوغ المبتكر، وأطرب لكل عظيم وجليل مما أرى وأسمع. فأصبحتُ لا أدهش لشيء ولا أعجب من شيء؛ لأن مرآة نفسي قد صدئت فلا ينطبع فيها غير الكوكب الفخم العظيم، وأين ذلك الكوكب فيما يقع عليه نظري من كواكب السماء ونجومها؟

‏ويختم رحمه الله:

‏ما أنا آسف على الموت يوم يأتيني، فالموت غاية كل حيٍّ، ولكنني أرى أمامي عالماً مجهولاً لا أعلم ما يكون حظي منه، وأترك ورائي أطفالاً صغارًا لا أعلم كيفَ يعيشون من بعدي، ولولا ما أمامي ومَن ورائي ما باليت أسقطت على الموت أم سقط الموت علي؟!

‏ليكُن ما أراده الله. أما ما أمامي فالله يعلم أني ما ألممتُ في حياتي بمعصيةٍ إلا وترددتُ فيها قبل الإلمام بها، ثم ندمت عليها بعد وقوعها، ولا شككتُ يومًا من الأيام في آيات الله وكتبه، ولا في ملائكته ورسله، ولا في قضائه وقدره، ولا أذعنت لسلطان غير سلطانه، ولا لعظمةٍ غير عظمته، وما أحسبُ أنه يحاسبني حسابًا عسيراً على ما فرطت في جنبه بعد ذلك.

وأما ما ورائي فالله الذي يتولى السائمة في مرتعها، والقطاة في أفحوصها، والعصفور في عشه، والفرخ في وكره، سيتولى هؤلاء الأطفال المساكين وسيبسط عليهم ظِل رحمته وإحسانه.

وداعًا يا عهد الشباب، فقد ودعت بوداعك الحياة، وما الحياة إلا تلكَ الخفقات التي يخفقها القلب في مطلع العمر، فإذا هدأت فقد هدأ كل شيء وانقضى كل شيء.

‏أيا عهدَ الشباب وكنت تَنْدَى

‏على أَفْيَاءِ سَرْحَتِكَ السلامُ!(٣)

انتهى.

وأذكِّر هنا بوصفِ الزيات العجيب للأديب البليغ المنفلوطي رحمهما الله في آخر مقالةٍ كتبها عنه في الرِّسالة، يقول:

كان المنفلوطي قطعة موسيقية في ظاهره وباطنه؛ فهو مؤتلف الخلق، متلائم الذوق، متناسق الفِكر، متسق الأسلوب، منسجم الزِي، لا تلمح في قوله ولا في فعلهِ شذوذ العبقرية ولا نشوز الفدامة. كان صحيح الفهم في بطء، سليم الفكر في جهد، دقيق الحِس في سكون، هيوب اللسان في تحفّظ. وهذه الخلال تُظهر صاحبها للناس في مظهرِ العيي الجاهل، فهو لذلك كان يتقي المجالس ويتجنب الجدل ويكره الخطابة؛ ومرجع ذلك فيه إلى احتشامِ التربية التقليدية في الأسرة، ونظام التعليم الصامت في الأزهر، وفرط الشعور المرهف بكرامةِ النفس. ولكنك إذا جلستَ إليه رأساً إلى رأس، تسرَّح في كلامه، وتبارى لسانه وخاطره في النقدِ الصريح والرأي الناضج والحكم الموفَّق والتهكم البارع، فلا تشك في أن هذا الذي تحدثه هو المنفلوطي الذي تقرأه. ثم هو إلى ذلك رقيق القلب، عف الضمير، سليم الصدر، صحيح العقيدة، نفاح اليد، موزع العقل والفضل والهوى بين أسرته ووطنيته وإنسانيته“.(٤)

(١) مجلة المجلّة العدد ٧٠ / نوفمبر ١٩٦٢م.

(٢) الذكريات جـ٣ صـ٢٨٥

(٣) النظرات، دار الجيل، صـ٧١٥-٧٢٠ ، والمقال في مجلة الهلال العدد ٦ / مارس ١٩٢٤م.

(٤) الرِّسالة العدد ٢١٠ / يوليو ١٩٣٧م.

دون كيخوتي والإيمان الصلب!

قال دون كيخوتي لسانشو بانثا:

ما أسعد مَن منحتهُ السَّماء كسرة من الخُبز، دون أن يضطر إلى الاعتراف لأحدٍ بجميل غير الله تعالى“. [الفصل ٥٨ صـ٩٣٧].

قبل الشروع بما أريد، تعالوا لنتفق على رسمِ الأسماء حسب النطق الإسباني لا الفرنسي الشائع، فنكتب ثرڤانتس بدلاً من سرفانتس، ودون كيخوتي بدلاً من دون كيشوت. [العهدة على كيليطو في كتابه: لسان آدم صـ٩١].

دون كيخوتي عمل خالِد للأديب الإسباني ثرڤانتس، وكم يطيب لبعض المثقفين الاستشهاد بها والإشارة إليها، لأنه من القبيح أن يكون المثقف جاهلاً بعملٍ كهذا! ولكن للأسف لا تكاد -أقول لا تكاد!- تجد متحدثًا عنها إلا واختزلها بسطحية باردة في مهاجمةِ الفارس الواهم لطواحين الهواء، دون النفاذ إلى عمقِ الرواية وسبر أغوارها وإظهار الدافع الأصيل إلى تحقيقِ العدالة ورفع الظلم.

أعتذر، لعلّي غفلت عن إمكانية وجود من لم يقرأ الرواية! حسنًا، دونكم تلخيصٍ سريع وتوضيح لإطارها العام:

هذا فارسٌ إسباني نحيل في الخمسين من عمره، يعيش في قرية من قُرى إقليم لامانشا، أكبّ على كتب الفروسية حتى تمكّنت منه وألهته حتى عن الزواج، فقرّر فُجاءةً أن يكرّس نفسه لإحلال العدالة في الأرض ونصر المظلومين. ركب حصانه الأعجف العجوز، ولبس خوذته، وحمل درقته، وأخذ رمحه القديم، وأقنع جاره البائس سانشو بانثا بمرافقته، فركب حماره، وانطلقَ مع الفارس المقدام لركوب الأهوال وتحدي الصِّعاب. ولأن قصص الفروسية سيطرت على خياله حتى حجبت المنطق السليم في عقله؛ نجده يعامل النِّساء غير المحتشمات كسيدات نبيلات، وصاحب النُزل الحقير كقائد عظيم، ويرى طواحين الهواء عمالقة فيدخل معها في معركةٍ حامية الوطيس، ويُلقي خطبة عن السلام على رعاة بسطاء صادفهم في طريقه!! وهذا ما أوقعه هو وخادمه أثناء الرِّحلة في مواقف صعبة، وجعلهما عرضة للإهانة والإذلال والخداع، حتى أنقذه في آخر المطاف بعض الأصدقاء القدامى، فأُعيد إلى بيته ليموت يائسًا من صلاح العالم.

هذا تلخيص مُخل (متعمد) لإحدى روائع الأدب العالمي تقع في أكثر من ١٠٠٠ صفحة!

نعود.. للأسف، كثير ممن قرأ الرواية ركّز على جانبها الهزلي، وهذا ملموس مشاهد باستشهاداتهم بها، أو إسقاط بعض أحداثها على الواقع المعاصر. الرواية متكاملة؛ فيها الجِد والهزل، الخيال والواقع، الجنون والعقلانية.. وهذا المزيج العجيب في الرواية سبب تكاملها، وهو الذي جعل الجميع يتلذذون على حدٍّ سواء أثناء قراءتها. ولهذا قالت عنها دائرة المعارف البريطانية إن ”الأطفال يقلّبون صفحاتها، وصغار السِّن يقرؤونها، والكِبار يفهمونها، والشيوخ يمتدحونها“.

لذلك أقول: إن هذه الرواية الخالِدة تفقد عَظَمتها عندما تُختزل في جانبٍ معيّن. وهذا هو الذي دفع عالِم الأدب البارز ليستر كروكر تـ٢٠٠٢م إلى القول من ضمن مقالٍ له عن الرواية ومؤلفها: ”ومن مهازل السخرية أن تُعد «دون كيخوتي» مجرد مغامرة هزلية بل حتى قصة للأطفال. في حين أنها أعظم قصة فلسفية في الأدب الغربي إلى القرن العشرين على الأقل. إنها عمل فني تتجمع فيها المعاني كلها تتمثلها حقيقة واقعية تسري في مجرى الحوادث والشخوص. ولذا نحن أحرار أن نقرأها كقصة جيّدة وكوميديا تتناول حكايات الفروسية. ولكن ثرڤانتس نفسه قبل وفاته بقليل رفض غلط العديد من جهال الناس الذين عدوه كاتبًا مبهجًا“.

يكتب المفكر المِصْري والاقتصادي الكبير جلال أمين ملخصًا شخصية بطل الرواية: ”لقد اتُخذَ دون كيخوتي، على مرِّ العصور، رمزًا لما يفعله شخص يرفض أن يرى الواقع كما هو في الحقيقة، بل يراه كما يصوّره له خياله. قد يكون رجلاً نبيلاً وصاحب مبادئ سامية، ولكنه يتعامل مع الواقع على نحوٍ غير ملائم بالمرة، فينتهي الأمر بمأساة. والرواية تنتهي فعلاً نهاية مأساوية، إذ يعود دون كيخوتي حزيناً إلى منزله، مرهقًا ومحبطًا ويائسًا تمامًا من إصلاح العالم، ومعترفًا بهزيمته أمام عالم مادي مجنون“. [في كتابه: تجديد جورج أورويل].

وهذه قراءة متزنة وعادلة نوعًا ما لشخصية البطل، لكن ماذا لو أضفنا إليها قراءة الكاتب والروائي الكبير الروسي إيڤان تورغينيف لتكتمل صورة «دون كيخوتي».

تورغينيف قال هذا التحليل الذي سأنقله لكم في جمعية مساعدة العلماء والأدباء المحتاجين بتاريخ ١٠ كانون الثاني ١٨٦٠م، وقوله من كلمة طويلة أظهر فيها تحليلاً فريدًا لشخصيتين متناقضتين هما «دون كيخوتي» لثرڤانتس، و«هاملت» لشكسبير.

من هو دون كيخوتي؟ عن أي شيء يُعبِّر؟ يسأل تورغينيف ثم يُجيب -بتصرُّف- : ”يُعبِّر عن الإيمان، الإيمان الراسخ والثابت والمستقر والوطيد بأمرٍ خالد وأبدي وسرمدي، الإيمان بالحقيقة الموجودة خارج إنسان معيّن، والتي تتطلّب التضحيات والعطاء الدائم. يُخلص دون كيخوتي للمُثل العليا والمبادئ السامية، ومن أجلها يحرم نفسه من الكثير من طيبات الحياة، ولديه استعداد للتضحية بالحياة نفسها من أجل المُثل العليا. والحياة بالنسبة له وسيلة لخدمة هذه المُثل وإقامة الحق وإعادة نظام العدالة إلى نصابه. وقد يقول لنا البعض: إن هذه المُثل العليا تنبع من خياله المضطرب ومن عالم روايات الفروسية الوهمي. نتفق مع هذا الرأي، وهذا هو الجانب الكوميدي في شخصية دون كيخوتي، ولكن المُثل العليا تبقى نظيفة. اعتبر دون كيخوتي أن الحياة فقط من أجل الذات معيبة، والاهتمام بالنفسِ دون الآخرين عار. إنه يعيش بكل قواه (إذا كان يجوز التعبير) خارج نفسه ومن أجل الآخرين، ولصالح إخوته، وفي سبيل القضاء على الشر، وصد القوى المعادية للبشرية، قوى السحرة والعمالقة، أي ضد الذين يضايقون الآخرين. لا يوجد فيه أثر للأنانية.. إلخ“ [مجلة الآداب الأجنبية/ العدد ٧١/ ١٩٩٢م]

نعم؛ الآن انتصب بطل الرواية قائمًا أمام الجميع، وبدت ملامحه واضحة لكلِّ قارئ، هكذا يجب أن يُقرأ دون كيخوتي. ولهذا لا زلت محتفيًا بقولٍ وقفتُ عليه وطربت له في كتاب «فن القراءة» لمانغويل، يقول: ”‏يُحكم على دون كيخوتي بالجُنون. ولكن ما هو جنونه بالضبط؟ يرى دون كيخوتي طواحين الهواء عمالقة، والنعاج مُحاربين، ويؤمن بالمُشعوذين والجياد الطائرة، لكنَّهُ في خضمِّ كُل هذا الوهم يؤمن بشيءٍ صلب صلابة الأرض التي يَطؤها -وهو-: «الحاجة الإجبارية إلى العدالة»“.

ولأنَّ الرواية أعمق بكثير من المعنى الهزلي والصورة الساخرة، أمرت الطغمة العسكرية بقيادة الجنرال بينوشيه في شيلي بمنعها، ذلك أنَّ الجنرال -وما أصدقه في هذا- كان يؤمن بأنَّ الرواية ”تؤيد حرية الأفراد وترفض تسلّط الطبقة الحاكمة“.

هلّا قرأت قول دون كيخوتي في الفصل ٥٨ صـ٩٣٧: ”يا صاحبي، إنَّ أثمن ما منحتهُ السماء للإنسان من نِعَم هو «الحريّة» لا ريبَ في ذلك؛ وكُل الكنوز التي تنطوي عليها الأرض أو التي دُفنت في البحارِ لا يُمكن أن تُساويها“.

ومن وحي الرواية: في الغالب أن من يقرِّر إصلاح العالم، ويحمل على عاتقه هم تحقيق العدالة في الأرض، لن يجد سوى المعاملة القاسية بسببِ جرأة محاولته على التغيير.

وبعد هذا، ما رأيكم أن ننتفع بشيءٍ من حكمةِ بطلنا، وحِكمته تستحق الوقوف والتأمل، وهي نواة هذا المقال. في الفصلِ ٤٢/ صـ٨٢٩/ وبعد أن أخذَ دون كيخوتي سانشو، واقتاده إلى غرفته ليسديه بعض النصائح قبل أن يحكم جزيرته، وبعد أن أخبره بكل تأكيد أن ”المناصب العليا ليست غير هاوية عميقة سحيقة، مغطاة بالظلام وحافلة بالعقبات“. قال له -بتصرُّف- :

‏• أولاً، اتقِ الله، لأنَّ في تقواه حِكمة، وإذا صرتَ حكيمًا لم تضل أبدا.

‏• ثانيًا، ابذل كُل الجهود المُمكنة لتعرف نفسك وتلكَ أشق مَعرفة يُمكن تَحصيلها. فإنْ عرفتها فإنكَ لن تَنتفخ مثل الضفدعة التي أرادت أنْ تسوي نفسها بالثور. وفي هذهِ الحالة إذا جعلكَ الغرور تنفش زمكاك كالطاووس، فتذكر أنكَ كُنتَ ترعى الخنازير في قريتك.

افتخر يا سانشو بوضاعةِ أصلك، ولا تخجل من القول بأنك تنحدر من أسرةِ حرّاث. فإذا رأوك لا تخجل من ذلك فلن يتخذ منها أحد ذريعة لتعييرك، وتفاخر بأنك فاضل متواضع بدلاً من أنك خاطئ متكبر.

‏• ولا تحكِّم الهوى في نفسك: فهذا من شأن الجَهلة، الذينَ يتصورون أنفسهم أذكياء دون سائر الناس.

‏• وليكُن لدموع الفقير تأثير في نفسك أكثر، لا عدالة أكبر، من شكاوى الغنى. واعمل على كشفِ الحقيقة، من خلالِ وعود الغني وهداياه، وزفرات الفقير ومضايقته. وإذا تركت أحيانًا درة العدالة تلين، فلا يَكُن هذا تحت تأثير الهدايا، بل تأثير الرحمة.

‏• وإذا قُدِّر لك أن تحكم في قضيةِ أحد أعدائك، فانسَ إهانته، ولا تعتبر إلا حقيقة الوقائع.

‏• وإذا طلَبتْ منك الإنصاف امرأة جميلة، فاغمض عينيكَ عن دموعها، وأذنكَ عن نواحها؛ وافحص طلبها بنزاهةٍ ودقة، حتى لا يَغرق عقلكَ في دموعها، وتَخْنق زفراتها فضيلتك.

‏• ومَن تُرِد عقابه لا تُرهقة بالشتائم؛ فيكفي عذابه دون أنْ تضيف إليه كلمات السِّباب.

‏• وفي الذنبِ الذي يقع تحتَ طائلة حكمك، انظر دائمًا بؤس الإنسان، وأنهُ معرَّض لانحرافات الطبيعة الفَاسدة، وفي كُلِّ ما تَستطيع، كُن رحيمًا وارحَمن، دون أن تجرح العدالة، لأنهُ على الرغم من أن صفات الله كلها متساوية، فإنَّ رحمته تلمع بسطوع أعذب من عدالته.

فإنْ اتبعتَ يا سانشو هذهِ النَّصائح، طالت أيامك، وقُرِنَ بالخلد مجدك، وحظيت بسعادةٍ لا توصف، وعشت في سلامة؛ محبوبًا، مُبجلاً من كُلِّ الناس، وشيخوختك تكون هادئة عذبة. والنَّصائح التي ذكرتها تتعلق بكمال النفس، فاسمع الآن نصائح تتعلق بتزيين البدن.

فيما يتصل بحكم شخصك وبيتك فإن أول ما أوصيك به يا سانشو:

‏• أن تكونَ نظيفًا وتقص أظافرك، ولا تدعها تنمو مثل بعض الجهلة الذين يعتقدون أنَّ طول الأظافر يزيد في جمالِ الكف.

‏• لا تظهر أمام النَّاس بثوبٍ مهلهل، فإنَّ هذا الإهمال يكشف عن جُبن صاحبه وضعفه، إلا إذا كان يستر مكيدة كبيرة، كما ظُن بيوليوس قيصر.

‏• ولا تأكل ثومًا ولا بصلاً، فإنَّ رائحتهما الكريهة تدل على وضاعةِ أصلك. امشِ بوقار، وتكلم باتزان، لكن بحيث لا يظهر عليك أنك تصغي إلى نفسك، «لأنَّ كل تَصنّع فاسد».

‏• كُل قليلاً، وتَعَشَّ أقل؛ فصحة كل الجسم تتوقف على المعدة وحدها. ولا تَمضغ بشدقيك معًا، وحذار أن تتجشأ أمام النَّاس.

‏• اعتدل في نومك؛ فإنَّ مَن لا يستيقظ مع الشمس لا يستمتع بجمال النهار، وتذكر يا سانشو أن الاجتهاد أبو الحظ السعيد، وأن الكسل عدوّه.

‏وأنقل لكم أيضًا بعض ما أورده دون كيخوتي من نصائحٍ ثمينة لخادمه سانشو في رسالةٍ أرسلها له، وهي في الفصلِ ٥١ / صـ٨٩٥ / -بتصرُّف- :

‏• لقد قيل لي -يا سانشو- إنك تَحكم بجلال الإنسان، ولكنك تنزل إلى مرتبةِ الحيوان بتواضعك الشديد. على أولئك المُكلفين بوظائف مُهمة أنْ يمتثلوا لمَهابة وظائفهم.

‏• كن دائمًا حَسن المَلبس؛ ولستُ أعني أنْ تُغطي نفسك بالجواهرِ والحلي والثياب الفاخرة، ولكني أريد منك أن تلبس الثياب التي تتناسب مع مكانتك، وأن تكون دائمًا نظيفًا مُعتنيًا بنفسك.

‏• ولكي تنال محبة الشعوب التي تحكمها، عليك بأمرينِ رئيسيين، الأول: أنْ تكون لطيفًا مع كُل النَّاس، كما قلت لك من قبل. والثاني: أنْ تعمل على أن تكون مواد التموين دائمًا موفورة؛ لأنهُ لا شيء يُضايق الشعوب أكثر من المجاعةِ والجوعِ والنقص.

‏• ولا تُصدر قرارات كثيرة، أو على الأقل راع أنْ تكون جَيّدة. واعلم أنَّ القوانين التي توضع ولا تُطبّق، هيَ مثل الجذع الذي جُعِلَ ملِكًا على الضفادع، فقد أخافها أولاً، ومع مرورِ الزمن احتقروه وقفزوا عليه.

‏• كن حاميًا للفضائل، وبلاء على الرذائل، ولا تَكُن قاسيًا دائمًا، ولا مُتساهلاً دائمًا، لكن اتخذ بين ذلك سبيلا، فالحِكمة في هذا.

‏• فتِّش السجون، والمجازر والأسواق العامة؛ فوجود الحاكم في هذه الأماكن أمرٌ في غايةِ الأهمية. وواس المسجونين الذين ينتظرون الحُكم السريع، وكُن رهبة للجزارين وكُل تجار السوق الذين يبيعون بموازين زائفة.

‏• لا تظهر بمظهرِ الجشع، ولا الشَّره، ولا المُتهالك على النِّساء، لأنهُ لو عرفت رعيتك هذا الضعف فيك، لنَصبوا لك الحبائل في هذه الناحية وتسببوا في ضياعك.

اكتب إلى رؤسائك مرتين أنك تعترف بالجميل، إنَّ الجحود ابن الكبرياء، ومن أفظع الخطايا التي يمكن ارتكابها، ومن يقدر النعمة حق قدرها، يدل على أنهُ سيشكر نعمة الله الذي يسبغ كل يوم عليه آلاف النِّعم.

‏زِن وأعد النَّصائح التي كَتبتها لكَ قبل أن ترحل لتولي الحكم؛ فإنْ اتبعتها ساعدتك وخففت عنك المشقات والصعوبات التي تعترض الحُكَّام في كُلِّ خطوة.

انتهى.

قبل الختام أقول: في كتاب «لسان آدم» لعبد الفتاح كيليطو (ترجمة الشرقاوي) ص٩١-٩٧ رأي حول الرواية وأصلها لمن أراد الاستزادة، وإن كنتُ لا أحتفي ولا أحفل كثيرًا بهذا النوع من الآراء؛ هل دانتي سرق من أبي العلاء المعرّي، وهل روبنسون كروز لدانييل ديفو ما هي إلا سطو غير مسلح على حيِّ بن يقظان وابن الطفيل! ولكن على أية حال لا أقلل من شأن البحوث في هذا الباب، وهي إفادة لعلَّ هناك من يهتم بها.

وأختم هذا المقال الطويل الذي أرجو أن يكون مفيدًا بقول دون كيخوتي لصاحبه وبتهكّمه المعتاد بعدما تأمل قبح مظهره: ”اصغ يا سانشو، هناك ضربان من الجمال، أحدهما يخص الروح والآخر الجسد. أما جمال الروح فيفوق الجسد في معرفةِ الحشمة، والسلوك المؤدب، والتربية الصالحة، وسماحة العقل، وكل هذه الفضائل يمكن أن تجتمع في إنسان قبيح..“.

__________________________

هذهِ إلماعة عن ترجمات الرواية كتبتها في صفحتي بتويتر بعد نشرِ المقال، فرأيتُ إثباتها هنا في آخره؛ لعلَّ فيها شيء من الفائدة والإثراء للقارئ الكريم.

أول ترجمة عربية للرواية كانت على يدِ الأديب والسياسي المغربي التهامي الوزاني تـ١٩٧٢م، ترجم منها ٤٩ فصلاً نشرها بصحيفة الريف، وكان ذلك بعد ١٩٤٦. ثم عن مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٥٧م خرجت ترجمة الأهواني. والدكتور عبدالعزيز الأهواني ترجم الجزء الأول ٣٥٢ صفحة، وقدَّم لترجمته وراجعها صديقه د. حسين مؤنس، ولكنه لم يستطع ترجمة الجزء الثاني بسبب الاعتراضات الدينية. وترجمته للجزء الأول رفيعة حسب ما قرأنا عنها، ولكنها نادرة. وله تعريف بالرواية وكاتبها في تراثِ الإنسانية ١٩٦٥م.

أما أول ترجمة كاملة للرواية فهي ترجمة د. عبدالرحمن بدوي التي نشرت عام ١٩٦٥م عن مكتبةِ النهضة المصرية ثم أعيد نشرها عن دار المدى ١٩٩٨. بعد ذلك جاءت ترجمة العطار ٢٠٠٢ في القاهرة، ود. رفعت عطفة سنة ٢٠٠٤م في دمشق.

ولا يفوتني أن أذكِّر بترجمة صياح الجهيّم ١٩٩٩م عن دار الفكر اللبناني، وهي ترجمة ناقصة عن الفرنسية في ٢٥٠ صفحة، جاء في المقدمة الفرنسية أن الكتاب ليس تلخيصًا أو نصوصًا مختارة وإنما ”أثبتنا فيه ما بدا لنا أنه أقدر على إثارة اهتمام قرائنا الشباب“. وقد قرأتها وهي جيّدة، ولكن الرواية فيها خرجت مقطعة الأوصال!

نعود لسليمان العطار الذي قال في مقدمة ترجمته للرواية عن ترجمة بدوي بأنها ”تمثل الترجمة المدرسية.. فافتقدت النفس الأدبي، وأصبح العمل جسمًا لغويًا بلا روح“ ثم يقول: ”المترجم قدم عملاً، لكن غير قابل للقراءة الأدبية!“. وهذا حكم قاسٍ وفيه تحامل واضح. أنا لم أقرأ الرواية بترجمةِ العطار لأحكم، ولكني قرأت ترجمة بدوي وأراها جيّدة جدًا. وفي كتاب «الترجمة وجماليات التلقي» صـ٩٦ يقول الكاتب عن ترجمةِ العطار للرواية: ”المتمعن في ترجمة العطار يجد لغتها عاجزة عن التبليغ والتوصيل في كثير من الحالات في نقلِ فصوص النصوص، فتخل بالمعنى وبالمقصد وتهدر الكثير من جماليات ولذة النص“.

أما ترجمة رفعت عطفة، فلعلَّها الأقرب إلى روح الرواية، كما ذكر غير واحدٍ من النُّقاد، والله أعلم.

وأخيرًا، للمهتم راجع مقال الأهواني في تراث الإنسانية العدد ٢ / فبراير ١٩٦٥ عن الرواية وكاتبها في ١٧ صفحة تقريبًا، ومقال الرملي في مجلة آفاق العدد ٧٣ / مارس ٢٠٠٧ في ١٤ صفحة، وكتاب «الترجمة وجماليات التلقي» صـ٨٨ وما بعدها للدكتور حفناوي.

والسلام.

السكاكيني وأنواع الناس!

لخليل السكاكيني (١٨٧٨-١٩٥٣) مقال مفيد عن أنواعِ الناس، أتصرّف بنقلهِ لكم لعلَّ فيه ما ينفع، ولكن قبل المقال، من خليل السكاكيني هذا؟! هو لمن لا يعرِفه أديب فلسطيني كبير، وإنسان نبيل، ومربٍّ صرف قلمه وحياته كلها إلى معالجةِ شؤون التربية؛ لأمته في مجموعها بشكلٍ عام، ولأطفالِ أمته ويافعيها في المدارسِ بشكلٍ خاص كما كتبَ عنه صديقه عيسى الناعوري.

كان السكاكيني صلباً في مواقفه ثابتاً على مبادئه، لا ينطق إلا بما يؤمن به، ولا يهمه إن كان قوله يُغضب فلان أو يرضيه، وكان دائمًا ما يربأ بنفسه عن الدناءة وينزهها عما يشينها، كتبَ مرة في يومياتهِ معبِّرًا عن طبيعته: ”أنا لا أقول إلا ما أعتقده، ولا أعتقد شيئاً إلا بإخلاص وأمانة. أُخلص في النُّصح، وأبذل الود، وأوثر الغير على نفسي. لا أتشبّث برأيي إذا بدا لي أنِّي على خطأ. لا يستطيع أحد أن يستشف من كلامي أو تصرُّفي شيئا من الدناءة. أُنزّه نفسي عما يشينها، بل عن بعض ما لا يشينها كما قال الجرجاني. ليست معرفتي إلا نُتفاً من هنا وهناك، لا تملأ دماغ طفل فضلاً عن دماغ رجل في سنِّي؛ ولكنها ليست سطحية ولا تقليدية ولا مستعارة من أحد، وليس فيها شيء من التبلور والجمود. نعم إن جانباً كبيرًا مما أعرف استفدته من المطالعة والاحتكاك بالناس؛ ولكنه لم يلبث أن أصبح جزءاً من نفسي. ولعلّي لا أبالغ إذا قلت: أني من الأفراد القليلين الذين يفهمون ما يعرفون ويعيشون بموجب تلك المعرفة. معرفتي قليلة، ولكنها حيّة نامية، وإذا كانت المعرفة حية نامية فهي قوّة“.

من أشدِّ ما عايشه السكاكيني في حياتهِ هو فقده لزوجته الحبيبة «سلطانة» -أم سري- التي قال فيها صديقه معروف الرصافي -في ديوانه- :

أأمَّ سَريٍّ أنت سلطانة البَها

أطاعكِ منه ما عصى الناس أجمعا

ولم يرَ نقصًا في مُحيَّاك ناظري

سوى أنَّ كلَّ الحسن فيه تجمَّعا

وقد بكاها السكاكيني طويلاً، وصوّر آلامه وحزنه عليها شعرًا ونثراً، ونشره في كتابٍ أسماه «لذكراك» وزّعه مجانًا على معارفه وأصحابه. من أشهر ما كتبَ فيها قصيدته المؤلمة «قفا نبكِ»، التي منها:

قفا نبكِ من ذكرى أذابت حشاشتي

ولا تبخلا بالدمعِ، فالدمع حاجتي

قفا أسعفاني في مصابي، فإنني

أراه مصاباً قد تجاوز طـاقتي

لقد كنتُ قبل اليوم أحسبُ أنني

صبورٌ على الأرزاءِ تقرع ساحتي

وأني كبير القلب لا تستخفّهُ

حوادث هذا الدهر أمَّا توالتِ

وأني على حظٍ من العلمِ صالحٍ

على قدرِ ما قد زودتني ثقافتي

فلما دهاني ما دهاني وجدتني

ضعيفاً جزوعًا ذا شجًى وكآبةِ

إلى أن قال:

تلفّتُ علّي أن أراها فُجاءةً

وأصغيتُ علِّي أن أفوز بنامةِ

وقلتُ هنا عاشت، وهذا مكانها

وكِدت أناديها على مثلِ عادتي

فلم ألقَ إلا خُدعةً بعد خُدعةٍ

ولم ألقَ إلا ما يشق مرارتي

ويسترسل في أحزانه:

تعلّلتُ بالآمالِ أرقبُ وقتها

فلم تكُن الآمال غير عُلالةِ

وأصبح عمريِ بعد ذلك فضلةً

أروح وأغدو فيه مِن غير غايةِ

إلى آخر ما قال من رثاءٍ يستدر الدمع، وحتى تعرف حجم معاناته بعد فقدهِ لزوجته الحبيبة، اقرأ قوله هذا بعد رحيلها: ”آه يا سلطانة، إن موتك غُصّة في صدري لا تُساغ، لا يُسيغها البكاء ولا يسيغها التجلّد، ولا يسيغها أن أنهمك في العمل أو أقرأ الكتب أو اللهو بالحديث، لا يسيغها أن أنام ولا يسيغها أن أستيقظ.. ولا تسيغها الأيام فإنها تتجدد كل يوم!“.

ولم يلبث السكاكيني حتى فُجع بابنهِ الوحيد «سري» إثر سكتةٍ قلبية أصابته في ١٩٥٣/٥/١١م، ولم يستطع أن يحتمل هذه الفاجعة، فلحِق بابنه بعد ٣ شهور من وفاته. كتبَ مرة يفلسف مصائب الحياة: ”ما أجمل الحياة بدون مصيبة، ولكن إذا وقعت المصيبة فيجدر بالعاقل أن ينتزع منها حكمة، فقد قيل إن الحِكمة مخبوءة في جيوب المصائب. وما أدرانا لعلَّ هذه المصيبة نافعة لنا فلا نخلص منها إلا ونحن أوسع صدورًا وأبعد نظرًا وأرقى نفوساً وأكرم أخلاقاً وأكثر معرفة واختبارا“.

السكاكيني كان مربيّاً يهتم بكرامةِ الطلاب، ويغضبه محاولة إذلالهم، كتب في يومياته ١٩٣٢/٥/٢٤م بعد عودتهِ من تفتيش مدرسة عكا: ”مررتُ على ولد فوجدت أحد خديه أحمر، فقلتُ له: لماذا خدك أحمر؟ فتردد في أول الأمر، ولما ألححتُ عليه قال: «إن المعلم ضربني». تأثرتُ كثيرًا وكدت أطلب ذلك المعلِّم للبِراز! ولما انتهى التفتيش جمعتُ الأساتذة وألقيتُ عليهم كلمة شديدة. ليس شيء أكره إليّ من أن تُساس المدارس بالعُنف، وإني أشكر الله أني أول من نادى في هذه البلاد بتحرير التلميذ، ولم أزل منذ توليت عملي أنادي بتحرير التلميذ وبناء تربيته على إعزازه لا إذلاله!“.

لم تكن النية أن أتوسع في الحديثِ عنه، ولكن على أيةِ حال لننتقل الآن إلى مقالتهِ التي كتبها وهو في الثامنةِ والسِّتين من عمره عن أنواعِ الناس، ألفيتها ظريفة قد وُشِّحت برداءٍ نافع، فأحببتُ أن أنقلها لكم بعد ضبطِها والتصرُّف اليسير بها.

يقول السكاكيني:

الناس أنواع:

‏منهم نوع يقول إن الحياة لذة، وأصحاب هذا المذهب فريقان: حسيّون وعقليون. أما الحسيّون فيحسبون أن الحياة زِقّاً وقَيْنة. وإذا فتشت وجدت أن أكثر الناس حسيّون في كل زمانٍ ومكان. منهم «بهرام جور»؛ فقد أمر الناس أن يعملوا كل يوم نصفه، ثم يستريحوا، ويتوفروا الأكل والشرب واللهو، وأن يشربوا على سماعِ الأغاني.

وأما العقليون فإنَّ أعظم اللذات عندهم «المعرفة»، وخير جليس عندهم الكتاب.

فالفريقان متفقان في طلبِ اللذة، ولكنهما مختلفان في طبيعةِ هذه اللذة. ومنهم نوعٌ يقول: إنما الحياة مجد. وأصحاب هذا المذهب فريقان: فريق يعرفون الخير فيعملونه، فيمجدهم الناس لخيرهم، وفريق لم يتّفق لهم أن يعرِفوا الخير، وإذا عرفوه؛ فإنهم لم يُرزقوا القدرة على احتمالِ المؤونة فيه، إذن ليس لهم إلا الانغماس في الشرِّ، ويُطلقوا أيديهم فيه، على رأي ذلك الشاعر الذي قال: ”إذا أنتَ لم تنفع فضُر“. فيمجدهم الناس خوفًا من شرِّهم.

‏ولكن يظهر أن أصحاب هذا المذهب يَقلّون شيئاً فشيئاً، وإذا غاب منهم سيّد لم يقم سيّد. بل قد ينتقلون من الجانبِ الواحد إلى الآخر. فقد عرفتُ كثيرين منهم كانوا يفعلون الشر وهم يعلمون أنه شر، وكانوا مع ذلك يفتخرون بشرِّهم. فقد سمعتُ بأذني من يقول: اعتديتُ، واغتصبتُ، وفعلتُ وتركتُ، ولا يخجل. ثم ارتقوا قليلاً فجعلوا يدّعون أن الشر قوة، فإذا افتخروا فبالقوة لا بالشر. ثم رأوا الناس يتحدثون بالخير، فأمسكوا عن افتخارهم بشرِّهم حياءً –والحياء من علائم الخير-، وجعلوا يتكلفون الخير تكلفاً، ويدّعونه ادعاء؛ اختلاساً لثقة الناس بهم. ثم لم يلبثوا أن خاصت نفوسهم من الشرِّ، وأصبحوا من أهل الخير برغم أنوفهم. ”فإذا رأيتم بعد اليوم أشرارًا فلا تقنطوا من رحمةِ الله“.

‏ومنهم نوع يقول: إنما الحياة واجب. وأصحاب هذا المذهب يحملون الدنيا على ظهورهم؛ يمرض الناس فيعودونهم، يفرح الناس فيهنئونهم، يحزن الناس فيعزونهم، يعجز الناس فيساعدونهم، تُظلم البصائر فينورونها، تعثر الأقدام فيقيلون عثراتها. يقع خلاف بين الناس ولو في أقصى البلاد فيتطوعون لإزالته. ”إذا رأوا اعوجاجًا قوّموه، وإذا رأوا استبدادًا قاوموه“. هذا الفريق من الناس هو الذي عناه الشاعر بقوله:

‏بهم النجاة من الأذى، وعليهمُ

‏في كلِّ فادحةٍ نصيب معول

‏ختامًا:

قد يميل أصحاب اللذة إلى المجد والواجب، وقد يميل أصحاب المجد إلى اللذة والواجب، وقد يميل أصحاب الواجب إلى اللذة والمجد. فإذا تجاذبت الواحد منهم هذه الميول؛ فصاحب اللذة يضحي بالمجد والواجب في سبيل لذته، وصاحب المجد يضحي باللذة والواجب في سبيل مجده، ‏”أما صاحب الواجب فيضحي بلذته ومجده، بل هو على استعداد لأن يضحي بحياته في سبيل واجبه“.

‏• خليل السكاكيني – القدس ١٩٤٦م.

انتهى.

فأرجو أن تكون أيها القارئ الكريم من أهل الواجب الذين لا تعشي أبصارهم اللذة عن مكانهم اللائق بهم في الحياة، ولا يصرفهم طلب المجد عن حقيقةِ رسالتهم في الوجود.

لنحيا في الموتِ ساعة!

كانَ الرَّافعي من أبرِّ الناسِ بوالديه، يُحبهما حُباً يفوق الوصف، فلمَّا ماتا لَم يترك زيارة قبريهما، وقد آثر الإقامة بطنطا -على ضيقهِ بها كما يقول العريان- حرصًا على إدامةِ زيارة والديه، حتى ماتَ ودُفن بقربهما، رحم الله الجميع.

‏لمَّا كانَ صبيحة يوم عيدِ الفِطر، سنة ١٣٥٣ھ ذهبَ على عادتهِ إلى المقبرةِ لزيارة والديه، والاستغفار لهما، والترحُّم عليهما، فلما عاد أنشأ مقالة مؤثرة جدًا بعنوان: «وحيُ القبور!». وإليك أيها القارئ الكريم شيء مما جاءَ فيها بعد التصرُّف اليسير، قالَ في مطلعها وتأمل هذهِ الحروف السَّاحِرة:

‏ذهبتُ في صبحِ يوم عيدِ الفِطر، أحمل نفسِي بنفسي إلى المقبرةِ، وقد ماتَ لي من الخواطرِ مَوْتى، لا ميِّتٌ واحد؛ فكنتُ أمشي وفيَّ جِنازة بمُشيِّعيها؛ من فكرٍ يحمل فِكرا، وخاطر يحمِل خاطِرا، ومعنًى يَبكي، ومعنًى يُبكى عليه!

‏وكذلكَ دأبي كُلما انحدرتُ في هذهِ الطريق إلى ذلكَ المكان الذي تأتيه العيون بدموعِها، وتمشي إليه النُّفوس بأحزانِها، وتجيء فيه القلوب إلى بقاياها. تلكَ المقابر التي لا يُنادى أهلها من أهليهم بالأسماءِ، ولا بالألقابِ، ولكن بهذا النداء: يا أحبابنا، يا أحزاننا.

‏ذهبتُ أزور أمواتي الأعزاء، وأتصلُ منهم بأطرافِ نفسي، لأحيا معهم في الموتِ ساعةً، أعرِض فيها أمر الدُّنيا على أمرِ الآخرة، فأنسى وأذكر، ثم أنظر وأعتبر، ثم أتعرَّف وأتوسَّم، ثم أستبطِن مما في بطنِ الأرض، وأستظهر مما على ظهرِها.

وجلستُ هناك أُشرف من دهرٍ على دهر، ومن دُنيا على دنيا، وأخرَجت الذاكرة أفراحها القديمة لتجعلها مادةً جديدة لأحزانها، وانفتح لي الزمن الماضي، فرأيتُ رجعة الأمس، وكأنَّ دهرًا كاملاً خُلق بحوادثِهِ وأيامه، ورُفع لعينيَّ كما تُرفع الصُّورة المعلَّقة في إطارِها.

أعرِف أنهم ماتوا، ولكنِّي لم أشعر قط إلا أنهم غابوا؛ والحبيب الغائِب لا يتغيَّر عليه الزمان ولا المكان في القلبِ الذي يُحبه، مهما تراخت به الأيام؛ وهذهِ بقية الرُّوح، إذا امتزجت بالحبِّ في روحِ أخرى؛ تترك فيها ما لا يُمحى؛ لأنها خالِدة لا تُمْحَى.

الحيَاة مُدة عملٍ، وكأنَّ هذهِ الدنيا بكلِّ ما فيها من المُتناقضات، إن هيَ إلا مصنعٌ يسَوَّغُ كل إنسانٍ جانبًا منه، ثُمَّ يُقال له: هذهِ الأداة؛ فاصنعْ ما شئتَ؛ فضيلتك أو رذيلتك.

جلستُ في المقبرةِ، وأطرقتُ أفكر في هذا الموت .. يا عجبًا للناس! كيفَ لا يستشعرونه وهو يهدِم من كل حيٍّ أجزاء تحيط به، قبل أن يهدمه هو بجملته؛ وما زال كل بنيان من الناسِ به كالحائط المُسلَّط عليه خرابه، يتأكَّل من هنا، ويتناثر من هناك؟!

‏ثُمَّ يقول:

‏القبرُ كلمة الصِّدق، مبنيّةً متجسِّمة، فكل ما حولها يتكذَّب ويتأوَّل، وليسَ فيها هي إلا معناها، لا يدخله كذب، ولا يعتريه تأويل . . «وإذا ماتت في الأحياءِ كلمة الموت؛ من غرورٍ أو باطلٍ أو غفلة، بقي القبرُ مذكِّرًا بالكلمة، شارحًا لها بأظهرِ معانيها، داعيا إلى الاعتبار بمدلولها، مبيِّنا بما ينطوي عليه: أنَّ الأمرَ كُلَّه للنهاية».

القبرُ كلمة الأرضِ لمن يَنخدع، فيَرى العمرَ الماضي كأنهُ غير ماضٍ، فيعمل في إفراغِ حياته من الحياة بما يملؤها مِن رذائله وخسائسه؛ فلا يزال دائبًا في معاني الأرض، واستجماعها، والاستمتاع بها، يتلو في ذلك تِلو -أي يحذو- الحيوان ويقتاسُ به، فشريعته جوفه وأعضاؤه؛ وترجع بذلكَ حيوانيته مع نفسهِ الروحانية كالحمارِ مع الذي يملكه ويعلفه، ولو سُئل الحمار عن صاحبهِ: من هو؟ لقال: هو حِماري.

وتأمل وصفهُ العجيب هُنا:

‏«القَبرُ على الأرضِ كلمةٌ مكتوبةٌ في الأرضِ، إلى آخرِ الدُّنيا، معناها: أنَّ الإنسان حيٌّ في قانونِ نهايته، فلينظرْ كيفَ ينتهي».

إذا كانَ الأمر كله للنهاية، وكانَ الاعتبارُ بها، والجزاءُ عليها، فالحياة هي الحياة على طريقةِ السلامة، لا غيرها؛ طريقة إكراه الحيوان الإنساني على ممارسة الأخلاقية الاجتماعية، وجعلها أصلاً في طباعه، ووزن أعماله بنتائجها التي تنتهي بها، إذ كانت روحانيّته في النهاياتِ لا في بداياتها.

‏«في الحياةِ الدنيا يكون الإنسان ذاتاً، تعمل أعمالها؛ فإذا انتهت الحياة انقلبت أعمال الإنسان ذاتاً يخلُدُ هو فيها؛ فهو من الخيرِ خالدٌ في الخير، ومن الشرِّ خالد في الشر؛ فكأنَّ الموت إن هو إلا ميلاد للروح من أعمالِها؛ تولد مرتين: آتية وراجعة».

يا مَن لهم في القبور أموات..

‏«إن رؤية القبر زيادة في الشُّعورِ بقيمة الحياة»، فيجب أن يكون معنى القبر من معاني السلام العقلي في هذهِ الدنيا. القبرُ فمٌ ينادي: أسرعوا أسرعوا، فهيَ مدة لو صرفت كلها في الخيرِ ما وفت به، فكيفَ يضيع منها ضَياعٌ في الشرِّ أو الإثم؟!

لو وُلِدَ الإنسان، ومشى، وأيفَعَ، وشبَّ، واكتهلَ، وهرِمَ، في يومٍ واحدٍ فما عساه يُضيّعَ من هذا اليوم الواحد؟ إنَّ أطول الأعمار لا يَراه صاحبه في ساعةِ موته؛ إلا أقصر من يوم.

يُنادي القبر:

‏«أصلحوا عيوبكم، وعليكم وقتٌ لإصلاحها؛ فإنها إن جاءت إلى هنا كما هي، بقيت كما هي إلى الأبد، وتركها الوقت وهرب». هنا قبر، وهناك قبر، وهنالك القبر أيضًا؛ فليسَ ينظر في هذا عاقل، إلا كانَ نظره كأنه حكم محكمةٍ على هذه الحياة، كيفَ تنبغي؟ وكيف تكون؟!

في القبرِ معنى إلغاء الزمانِ، فمن يفهم هذا استطاع أن ينتصر على أيامِه، وأن يُسقط منها أوقات الشر والإثم، وأن يُميت في نفسِه خواطر السوء؛ فمن معاني القبر ينشأُ للإرادة عقلها القوي الثابت؛ وكل الأيام المكروهة لا تجد لها مكانًا في زمنِ هذا العقل، كما لا يجد الليل محلا في ساعات الشمس.

ثُمّ يختم هذهِ المقالة المؤثرة البديعة الموقِظة بخاتمةٍ لا يقدر على الإتيان بمثلِها إلا الرَّافعي، يقول: «ثلاثةُ أرواح لا تصلحُ روح الإنسان في الأرضِ إلا بها: روح الطبيعةِ في جمالِها، وروح المعبدِ في طهارتِه، وروحُ القبرِ في موعظتِه».

انتهى.

تذكرتُ بعد قراءة المقالة وصف الشيخ مصطفى صبري -صاحب موقف العقل- للرافعي، قال عنه مرة: ”إنه لا يسمعُ ضجيج الدُّنيا، بل يسمع إلهام قلبه، ووحي ضميره، ونداء إيمانه“. ولله درّ عبدالوهاب عزام عندما كتبَ عن الرافعي قائلاً: ”وإذا وعظَ (مصطفى الصادِق) نفذ إلى السرائر، وصوّر للإنسان فضائله ورذائله تصويرًا لا يدعُ له أن يختار إلا الأولى، وأن يهجر إلا الثانية، وهو لا يعمدُ إلى النُّذُرِ يصبُّها على النفسِ صبَّ السياط، يألمُ لها الجِسم، ويموتُ القلب، بل يعمدُ إلى الحياةِ يصوِّرُها هُنا على حقائقها، نافياً عنها تلبيسَ إبليس، وإلى القلبِ ينفخ فيه العَظَمة، ويبثُّ فيه الفضيلة والطهارة والطموح إلى كلِّ خير، والنُّفور من كلِّ شر..“

‏المقال منشور في مجلةِ الرِّسالة، العدد 81، 21 يناير 1935، وتجده أيضًا في وحي القلم -طبعة دار القلم- جـ٢ صـ٢٦٣.